فور وصولهم إلى الشركة، أدخلها سلطان مباشرة إلى المطبخ. أجلسها على طاولة طعام في ركن المطبخ وقدم لها الشاي وقال لها بحنان: -يلا حبيبتي ذاكري. ثم غادر المطبخ ليباشر عمله. هبة اندمجت في المذاكرة. فترة طويلة مرت وهي ما زالت مندمجة، لا تشعر بأي شيء. موظفو الشركة علموا أن سلطان أحضر ابنته وأجلسها تذاكر في المطبخ، فتجنبوا أن يزعجوها وربما تجنبوا أن يحرجوها.
هبة أحست بالأمان والراحة أخيرًا بعد أسابيع من الخوف. سوف تذاكر بدون خوف. نعمة وجود أبيها إلى جوارها لا يعادلها أي شيء آخر. انحناؤها المتواصل منذ ساعات على كتابها جعلها تشعر بألم في ظهرها ورقبتها. قامت تتجول في المطبخ. خلعت صندلها وعادت مجددًا للجلوس على الكرسي. رفعت رجليها على كرسي أمامها، فستانها ارتفع حتى ركبتيها. سيقانها البيضاء الجميلة ارتاحت بنعومة على الكرسي. أصابع قدميها الصغيرة تنفست بارتياح خارج الصندل.
أغمضت عينيها ويداها حررت شعرها وفكت ربطته، فنزل كشلال الذهب على كتفيها. هزت رأسها تبعد شعرها عن عينيها. دلكت عضلاتها المنهكة لدقائق ثم واصلت مذاكرتها. تلك الدقائق من الدلال أعادت إليها همتها وأكملت بنشاط. عند الساعة التاسعة كانت تقريبًا قد اكتفت وأحست بالرضا من نتيجة تحصيلها. سلطان أيضًا كان قد أنهى عمله. هتف بسعادة غامرة فور دخوله المطبخ:
-البيه الله يكرمه أداني 500 جنيه وقالي جيب حاجة حلوة لبنتك وأنت مروح. عشان كده الـ 500 جنيه دول بتوعك اختاري هتعملي بيهم إيه. هبة شهقت من الصدمة. خمسمائة جنيه دفعة واحدة خارج الميزانية معجزة لم تشهدها من قبل. -يالله يا كريم. الفرحة غمرتها حتى النخاع. -خلاص يا بابا أنا عرفت هنجيب بيهم إيه. يلا بسرعة عشان نلحق المحلات قبل ما تقفل. -لا لا يا هبة مش ممكن الفلوس دي بتاعتك يا حبيبتي.
-يا بابا يا حبيبي أنت بتلبسني خوذة وأنت مش لابس، إشمعنى أنت؟ لازم عشان خاطري تلبسها، أنا بخاف عليك. دموع الفرحة ملأت عينيه. بعد إصرار رهيب من هبة وتوسلات، سلطان أخذ الخوذة التي كان ثمنها مائة وتسعون جنيهًا. سلطان: كده فاضل 310 جنيه. أنا عارف بقى هنعمل بيهم إيه. أنا عازمك على العشاء في أغلى مطعم. هبة اعترضت بشدة: -لا يا بابا مينفعش، خسارة الفلوس. سلطان دمعت عيناه:
-دي يا حبيبتي هتكون أول مرة هعزمك فيها بره، مش خسارة فيكي أي حاجة. هبة اقترحت عليه بقناعة شديدة: -خلاص ناخد الأكل ونروح نقعد على النيل، أنا بحبه أوي ونفسي أشم هوا نضيف. ومجددًا سلطان أذعن تحت إصرارها. فرقة هبة وضعفها كانوا دائمًا ينتصرون. من كان يستطيع مقاومة طلب لهبة الملائكية. سلطان اكتفى بإحضار مشويات للعشاء من مطعم فخم وكنافة بالقشطة كتحلية لها لأنه يعلم مقدار حبها لها. وأخذها للجلوس على النيل بناءً على رغبتها.
سلطان اقترح بسعادة بعد العشاء: -عارفة بقى يا حبيبتي الباقي لازم تجيبي لنفسك بيه فستان جديد. بكرة إن شاء الله بعد المدرسة هاخدك المحلات. كعادة كل يوم، هبة وجدت سلطان في انتظارها على باب المدرسة. ولكن في ذلك اليوم كان يرتدي الخوذة الجديدة بفرح. سلطان أخبرها بفرحة غامرة عندما رآها:
-أدهم بيه الله يكرمه ويعمر بيته قالي "يا سلطان خلاص متجيش الفترة الثانية وراتبك ماشي زي ما هو مش هيجري حاجة يعني لو كل واحد قام عمل طلبه بنفسه". يعني الحمد لله مش هسيبك لوحدك بالليل تاني أبدًا. وكالمعتاد بدأ سلطان يعدّد في صفات أدهم الحميدة كما يفعل كلما يتذكره. -ده ابن حلال وكريم وبيعملنا كويس، ربنا يكرمه. ابن عز طول عمره صحيح.
دائمًا سلطان كان يتحدث بالخير عن رب عمله الملياردير أدهم البسطاويسي. ويكفيها إعفاؤه لسلطان من عمله في الفترة الثانية حتى تتأكد بنفسها من استحقاقه لكل مدح اختصه به سلطان طوال سنوات عمرها الأخيرة. فشعرت بامتنان بالغ تجاهه.
منذ أن وعيت وبدأت في الفهم وأبيها يعمل كساعي خصوصي لمكتب أدهم البسطاويسي. بالتحديد منذ ثمان سنوات ومن حينها تحسنت أحوالهم المادية بدرجة كبيرة. فأدهم البسطاويسي كان كريمًا مع موظفيه بطريقة ملحوظة. أباها اعتاد الثناء عليه كل يوم. والآن أشفق أدهم على ابنه سلطان من ظروفهم الصعبة وأعفى سلطان من عمله في الفترة المسائية كي لا يتركها وحيدة في تلك الظروف المرعبة والتي أصبحت تواجهها يوميًا. فكرت مع نفسها وامتنان كبير يغمرها من شهامته مع أبيها.
-"أكيد عنده بنات عشان كده فاهم خوف بابا عليها". بعد أسابيع طويلة، أخيرًا عاد لها إحساس الأمان أثناء مذاكرتها لدروسها. كانت تجلس على الطاولة في صالة منزلهم وبجوارها سلطان وهو يقرأ في المصحف. -"الحمد لله". ساعات عمله في السابق كانت تقضيها في الرعب من المجهول، واستراق السمع عبر الجدران للأصوات التي تخيفها.
شهران مرا منذ رحيل حسنية، فكانت تغلق فيهم على نفسها باب شقتهم بالمفتاح وتظل تدعو الله أن يسترها ويمر الوقت بسلام حتى عودة سلطان من عمله في العاشرة. لكن الحمد لله بفضل رحمة أدهم البسطاويسي وعطفه، سلطان لن يتركها في المنزل وحيدة مجددًا. مع عمل سلطان لفترة واحدة، أصبحت حياتهم أفضل. وأيضًا تحسنت صحته كثيرًا. وعندما اطمأنت لوجوده بجوارها، زاد تركيزها وتحصيلها ارتفع بشكل كبير.
كل شيء كان يتحول للأفضل واستمتعت بالوضع الجديد لفترة. لكن كل شيء تغير فجأة وتكهرب الجو مجددًا. فعند عودتهم في أحد الأيام من المدرسة، سلطان كان يوقف دراجته النارية تحت منزله كما كان يفعل دائمًا، فاعترضه أحد البلطجية وقال بغباوة: -ده مكاني، شف لك مكان تاني. الخوف احتل سلطان. لم يخف على نفسه، بل خاف على هبة حتى الموت. فهو أدرك أن البلطجي يعطله لغرض ما، وبالتأكيد هو غرض دنيء مثله. سلطان أجابه بتوتر بالغ: -طيب يا ابني.
ثم أشار لهبة بالصعود لمنزلهم فورًا وغادر على دراجته لإيجاد مكان آخر لها وهو يرتعد من الخوف. خوفه الأعظم وأسوأ كوابيسه كانوا على وشك التحقق. لكنه ما إن ابتعد حتى فهم الغرض من حركة البلطجي "عبده". الحقيقة ضربته بقوة، فالبلطجي كان يعطله كي ينفرد عبدة بهبة على الدرج. سلطان ترك دراجته في وسط الشارع بدون اهتمام وعاد بأقصى سرعة إلى هبة.
هبة صعدت الدرج وهي تجري بقوة. قلبها يخفق بعنف. دقات قلبها تصم آذانها من قوتها. وصلت لباب منزلهم وانتظرت أباها، فهي لم تملك يومًا مفتاحًا، فهي لم تحتاجه أبدًا، فسلطان كان يوصلها حتى الباب دائمًا ولم تضطر يومًا لحمل مفتاح في المدرسة. لسوء حظها، رأت عبده البلطجي ينزل الدرج وهو يتطلع إليها بعيون شريرة تفضح. هرب الدم من عروقها وتساءلت برعب: -أنت فين يا بابا؟
رعبها وصل إلى السماء مع اقتراب عبده منها لدرجة أنها شمت رائحة مقرفة تفوح من فمه القذر. عبده اقترب أكثر منها حتى أحست بلفح بأنفاسه القذرة على وجهها. هبة ألصقت نفسها في باب شقتهم وكأنها تستنجد به. الدموع حبستها بصعوبة. صوت خطوات والدها التي تطوي السلالم جريًا أعطاها الأمل في الخلاص. خطوات والدها المقتربة لم تؤثر في عبده الذي قال بوقاحة: -مسيرك ليا يا جميل، وقريب أوي.
ثم وجه نظرات تهديد وتحدي لسلطان كأنه يتحداه أن يعترض على ما قاله. وببرودة أخرج مدية صغيرة من جيبه لوح بها في تهديد في وجه سلطان ثم هوى بها في حركة تهديد صريحة على كفه عدة مرات. بعدما أنهى تهديده الفج، عبدة دفع سلطان بكتفه بقوة أطاحت به على الأرض وهو في طريقه لنزول الدرج. سلطان اتجه فورًا لهبة المرعوبة كي يطمئن عليها. خوفه على هبة وصل لحد الجنون. قلبه يبكي ويقول: "آه من الظلم والفقر والذل والضعف".
سلطان أدرك أن عبدة وضع هبة في رأسه ولن يتوانى حتى ينالها. جمالها المبهر لعنة عليها منذ الآن. لابد وأن يهربوا، يغادروا هذا المكان الموبوء. لكن السؤال الأهم إلى أين؟ وكان أسوأ ما في الأمر اكتشافه منذ أيام قليلة أنه مريض بقلبه وحالته خطيرة. القهر أكل قلبه. خوفه على ابنته من الدنيا من بعده سيطر على تفكيره. إذا كان لا يستطيع حمايتها من عبدة في وجوده، فماذا ستفعل إذن عندما تكون وحيدة في مواجهته؟
سلطان أدخل هبة المرعوبة إلى المنزل وأغلق الباب بقوة. -هبة حبيبتي طمنيني، لمسك؟ هبة هزت رأسها برعب: -لا. سلطان: -الحمد لله. الحمد لله. تركها ورفع يديه إلى السماء وقال: -يارب احميها. مالناش غيرك. عندما أتى سلطان ليأخذها من المدرسة في اليوم التالي، أحست بشيء غير طبيعي في تصرفاته. كان متوترًا وخائفًا ويتلفت من حوله باستمرار. -بابا مالك طمنيني مالك؟ أنا خايفة.
-مفيش يا هبة. عاوزك لما تروحي تلمي في شنطة صغيرة خالص كام غيار والحاجات المهمة. الحاجات المهمة العزيزة عليكي بس يا هبة فاهماني؟ -نص ساعة وتكوني جاهزة عشان نمشي. -نمشي؟ هبة تساءلت في دهشة. -نمشي نروح فين يا بابا؟ سلطان: -متسأليش دلوقتي. ادعي ربنا يسهلها ونطلع بالسلامة وبعد كده هفهمك كل حاجة. لسان سلطان بدأ في الاستغفار بدون توقف. -"استغفر الله العظيم". كررها بلا توقف، حتى بعد ما وصلوا إلى منزلهم وهو ما زال يردد.
هبة نفذت طلبه بسرعة. أشياؤها القيمة قليلة جدًا. وهو أكد عليها ضرورة إحضار حقيبة صغيرة لا تلفت الانتباه إليهم. في حقيبتها المدرسية المعتادة وضعت كتبها وأدواتها جميعًا وحشرت في حقيبة يدها فستان حسنية وبعض الغيارات الداخلية. وأهم ما حملته معها كان الصورة الوحيدة التي لديها لوالدتها. خرجت بسرعة إلى سلطان الذي كان ما زال يستغفر. سلطان قادها لخارج المنزل وأركبها على الدراجة النارية خلفه مجددًا.
أحد رجال عبدة البلطجي شاهدهم وأخرج هاتفه وبدأ في عمل اتصال. هبة حضنت شنطتها بقوة. أما سلطان فتوكل على الله وقاد دراجته النارية بأقصى سرعة وخرج من الحارة وكأن شياطين العالم كلها تطارده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!