ادهم اختار العمل على حاسوبه في صمت تام. تجاهل وجود هبة تمامًا طوال فترة الرحلة. شغلت نفسها بقراءة مجلة أدبية اختارتها من مجموعة مجلات عرضتها المضيفة عليها. نظرات الحسد والغيرة التي وجهتها لها المضيفة الحسناء أخافتها. أحست أنها تتمنى أن تكون مكانها بجوار ادهم. وكانت أيضًا تقيمها بنظرة متفحصة، ويبدو أنها أغتاظت من نتيجة تقيمها لها، فانسحبت لنهاية الرحلة ولم تحاول مجددًا مع ادهم.
هبة نظرت في اتجاهه فوجدته ما زال منهمك في العمل على حاسوبه. لم يرفع رأسه بعيدًا عنه إلا عندما أحس بعجلات الطائرة وهي تلامس أرض المطار. حتى هذه اللحظة، هي فقط تعلم أنهم مسافرون إلى الصعيد. أخيرًا عرفت وجهتهم عندما طائرة ادهم وصلت لجزء خاص من مطار الأقصر الدولي.
سيارة سوداء شبيه بسيارة القاهرة كانت في انتظارهم مع سيارة دفع رباعي أخرى. نفس المنظر الذي شاهدته في القاهرة يتكرر هنا مرة أخرى بنفس التفاصيل. فشخصية مهمة مثل ادهم لا بد وأن يُحاط بحراسة مشددة من رجاله المخلصين أينما ذهب. هبة لأول مرة في حياتها تسافر. لأول مرة كانت تغادر القاهرة، لأول مرة كانت تركب طائرة. مع ادهم كانت دائمًا تختبر لذة المرة الأولى في كل شيء. "القرنة"....
ادهم قال لها بلدي القرنة بفخر عند وصولهم لمدخل القرية. أخبرها وصوته يقطر فخرًا. -القرنة فيها أماكن أثرية شهيرة زي وادي الملوك ومعبد حتشبسوت وتمثال ممنون ومعبد الرمسيوم ومعبد سيتي ووادي الملكات. أكثر آثار الأقصر عندنا. أعجبت بولائه وانتمائه لقرية، ليتها تمتلك الأصل والعائلة مثله. متعت نفسها بمناظر البلد الخلابة. جو مختلف تمامًا عن الذي اعتادته في القاهرة. النشوة التي أحست بها غمرتها لدرجة أنها فقدت الإحساس بالوقت.
لم تستعد إدراكها إلا حينما توقفت السيارة أمام بوابة ضخمة. استقبلهم عند البوابة الخارجية لمنزله رجلان يرتديان جلابيات ويحملون بنادق على أكتافهم. هبة دهشت بشدة ولم تستطع التصديق. وجهت نظرة رعب لادهم. وعندما أحس برهبتها، يده احتوت يدها بحنان بالغ. بعد اجتياز البوابة الحديدية، السيارة دخلت في حدائق مساحتها شاسعة. في نهايتها منزل أشبه بالقلعة الحجرية مبني على مساحة ضخمة جداً مكون من طابقين.
على الرغم من جمال المنزل الفريد في عمارته وجمال الأراضي المحيطة به، إلا أن هبة تملكها رعب هائل. في قصره في القاهرة كانت سعيدة، أما هنا فهي مقبوضة وتشعر بالخوف. خوف لم تعرف له سبب واضح. ربما لأنها لم تعتد رؤية ذلك الكم الهائل من البشر في نفس الوقت.
الرجال مع بنادقهم أصبح الآن منظرًا معتادًا من تكراره مرارًا أمامها. فعند سلالم المنزل شاهدت العديد منهم وهم يرحبون بأدهم باحترام واضح. حراس ادهم الشخصيين المسلحين والتي كانت تستنكر وجودهم حوله، يصبح منظرهم متحضرًا جدًا بجوار جيش الغفر الموجودين بغزارة في كافة أرجاء المنزل والحدائق. ادهم اصطحبها إلى واحد من مجالس عدة تحتل مساحة ضخمة صممت لتناسب كبير عائلة البسطويسي.
في المجلس كان يوجد نسخة لكن كبيرة في السن من ادهم. ادهم ولكن بعد مرور ثلاثين سنة. لكن أيضًا بوجه جامد قاسٍ خالٍ من التعبير، كأنما لم يعرف الضحك أو الانفعال في حياته مطلقًا. أيضًا شاهدت سيدة عجوز ملامحها بسيطة، وجهها بشوش وحجمها قليل جدًا. فور رؤيتها لادهم، فتحت ذراعيها لاستقباله وقالت بحب وفرحة غامرة. -ولدي... ادهم استقبل لهفتها بقبلة حنونة على رأسها وقال. -كيفك يا أمي... كيفك يا والدي. سليم.
-بخير الحمد لله. دي بتي عروستك؟ ادهم قال بنبرة حانية. -أبوي... أمي أقدم لكم هبة مراتي طالبة في كلية الهندسة. سليم مد يده لهبة بالسلام. هبة استقبلت يده بحذر. يده القوية عصرت يدها. لكنها على الرغم من قوتها، أحست معها بالحنان. أما والدة ادهم، فوجهها الحنون يرسم تعبيرًا لن تستطيع هبة نسيانه مهما عاشت من عمر. الفرحة الممزوجة بالحب. أخذت هبة في حضنها وقالت بفرح حقيقي نابع من أعماق قلبها. -نورتي يا بنتي.
هبة صدمت صدمة عمرها. لأول مرة في حياتها يتم احتضانها. وأحست بحضن والدة ادهم وكأنه حضن أم. أخيرًا تذوقت حضن الأم الذي لم تعرفه يومًا. على الرغم عنها، دموعها نزلت وغسلت وجهها. ادهم أحس بدموعها. فأمسك ذراعها بلطف بعد ما تحررت من حضن والدته. كأنه أحس أنها ستسقط على الأرض بدون دعمه لها. -أمي الحاجة نجية أطيب قلب. عاوزك تعتبريها زي مامتك. "من غير ما تقولي... أنا ما صدقت لقيت أم". هبة فكرت.
هبة هزت رأسها بامتنان. لمسة ادهم سببت لها قشعريرة في جسدها مجددًا. سليم: الرجالة يا ولدي منتظرينك في المجلس. سيبك من قعدة الحريم وتعالي معايا. ادهم تردد لثوانٍ، لكن نجية شجعته. -روح يا ولدي. أنا هاخد بالي منها لحد ما ترجع. ادهم تطلع في عينيها بحنان ثم حرر ذراعها وذهب مع سليم وتركها في حماية نجية. حنان نجية وفرحتها برؤيتها فاقوا كل توقعاتها. سألت نفسها بقلق. -ياترى هما يعرفوا إنها بنت سلطان الساعي البسيط؟
حياة ادهم حياة خيالية لم تتخيل وجودها يومًا. عم سلطان الساعي البسيط كان كل دنيتها. منزلهم الصغير كان حصن أمانها. وفجأة دخلت دنيا غريبة من أوسع أبوابها. فرحة نجية الواضحة والمرتسمة على وجهها طمأنت هبة بأن إقامتها هنا سوف تكون سهلة. نجية أخبرتها بلطف. -اخلعي حجابك يا بنتي محدش هنا غريب. لا يمكن راجل غريب يقدر يدخل هنا أبداً. هبة خلعت حجابها. شعرها الأصفر الحرير تحرر من ربطته. نجية هتفت بانبهار.
-بسم الله ما شاء الله. زي ما ادهم وصفك بالضبط. هبة علقت في دهشة. -وصفني؟ نجية: أيوه. لما سألته إيه شكلها عروستك قال لي "ملاك شعره لون الدهب الصافي وعينيه لون الزرع.. وبشرتها لون التلج". هبه صدمت من وصفه وقالت. -هو وصفني كده معقول؟ -هو فعلاً مكنش بيبالغ. شعرك لونه جميل مرة. ما شفتش زيه في حياتي قبل كده. ضحكت بحنية وأكملت.
-أنا وأبوه سألنا نفسنا كتير عن سبب تعلق ادهم الجوي بيكي، لكن لما شفتك عذرتُه وفهمت. ياما عرضنا عليه يتجوز وكان بيرفض لحد ما عرفنا في يوم إنه اتجوز. ادهم ولدي جوي وبيأخذ قرار ولا يمكن حد يقدر يعارضه حتى أبوه. عقل هبة اشتغل فورًا. حاولت أن تفهم. سألت نفسها يمكن نجية ليس لديها فكرة عن الضغط الذي مارسه زوجها على ادهم. هي قالت عرض عليه ولم تقل أجبره. نجية ما زالت تواصل تعريفها بأدهم الذي لا تعرفه.
-ادهم ولدي الوحيد. جبتُه بعد سنين انتظار. كنت خلاص فقدت الأمل إني أخلف وكنت بتحايل على سليم اللي انتظرني كتير إنه يتجوز تاني وكان بيرفض. وبعد ضغط مني ومن العيلة... سليم وافق أخيرًا ويوم ما قرر يتجوز عرفت إني حامل. سليم غير رأيه ولغى الجوازة وحصلت مشكلة كبيرة وعداوة بين العيلتين لسه لحد اليوم قايدة بينا وبين عيلة الكفراوي، بس متغطية تحت ستارة المصالح. بس على أي شرارة هتولع نار مش هترحم.
اسم ضرب هبة. عائلة الكفراوي. تذكرت عزت المحامي عندما أخبرها عن الضغوط التي كان يواجهها ادهم من أجل أن يتزوج ابنة عائلة الكفراوي. وقال لها أيضًا إنها فتحت الجروح القديمة. الآن فهمت ماهي تلك الجروح القديمة. موقف كان ادهم لا يحسد عليه، ولكنه واجهه بقوة. نجية أكملت.
-مش هكذب عليكي يا بنتي ومش عاوزاكي تزعلي مني، لكن أنا قلبي انقبض لما عرفت إن ادهم اتجوز واحدة مصرية ومن غير ما يقلنا كمان. بس أما شفتك الحمد لله اطمنت وقلبي انفتح لكِ وهعتبرك بنتي اللي مخلفتهاش في حياتي. وأتمنى منكِ تعتبريني مكان والدتكِ زي ما فهمنا من ادهم إنكِ يتيمة من زمان. عشان كده لو تجيبيني مكان والدتك الله يرحمها هتفرحيني كتير وترتاحي قلبي.
الدموع غلبت هبة. حنان نجية الفياض غطاها من رأسها حتى أصابع قدميها. نجية أم وتحب ابنها لدرجة أنها مستعدة لحبها مثل ابنتها لاعتقادها أنها بذلك تسعد ادهم. آه لو يعلموا الحقيقة. وأنها مجرد لعبة اشتراها كي يسيطر على أوضاعه. -الدور الفوقاني يا بنتي كله مشغول لادهم ومش هيكون معاكم فيه أي حد. حتى الخدم ومساعدتك عبير هيطلعوا بالطلب بناءً على أوامر ادهم. هو طلب كده.
طابق كامل مغلق عليهم بمفردهم. هبة قلبها هوى في أرجلها من الخوف. كيف ستواجه ذلك الوضع المستحيل؟ ربما ادهم يرغب في حفظ سرهم ولذلك منع صعود الخدم إلا بإذنه كي لا يكتشفوا زيف زواجهم. هبة تذكرت ذهول عبير عندما تجرأت أخيرًا سألتها. -انتي تعرفي إيه عن علاقتي بأدهم؟ عبير أجابتها بذهول.
-طبعًا مراتُه. هي دي حاجة تستخبى. البيه بلغني يوم ما اتفق معايا بأني هكون مساعدة عروسته اللي اتجوزها من فترة، بس عمليتها أجلت إتمام وإعلان جوازهم وبلغ كل اللي في البيت بكده. لو تسمحيلي أسألك... ليه سؤالك ده؟ بماذا ستجيبها؟ لذلك صمتت وتجاهلت سؤالها، ولكن عقلها بدأ في الفهم والتركيز.
ادهم منذ يوم عمليتها وهو قرر أنها سوف تتنقل إلى منزله. واتفق مع مساعدة شخصية لها وابلغ خدمه أنه تزوج. قرر أن يبوح بالسر الذي أخفاه سنوات أخيرًا. خبر انتقالها لمنزله تسرب إلى أهله في الصعيد. وبالطبع طلبوا منه أن يقابلوا العروسة المجهولة التي أخفاها ادهم لسنوات. وقرر أن يظهرها أخيرًا. يبدو أن ادهم تسرع عندما دعاها للإقامة في منزله وتورط بالإعلان عن زواج لا يرغبه.
-اطلعي ارتاحي ونامي يا بنتي. انتي لسه طالعة من عملية. ثم أكملت بخبث. -ومتنتظريش ادهم قريب. لما مجلس العيلة بيجتمع بيه بيقعدوا ساعات كتير ياما. مصالح العيلة كلها في يد ادهم. يا أم السيد وصلي العروسة لفوق. خليها ترتاح في جناحهم. أثر ندائها سيدة عجوز ظهرها منحني من أثر الزمن ووجهها رسمت التجاعيد عليه خريطة واضحة المعالم. خرجت من باب جانبي صغير. أم السيد أشارت لهبة أن تتبعها وصعدت على سلالم رخامية مفروشة بسجاد أحمر سميك.
هبة تبعتها بطاعة. وصعدت خلفها إلى الطابق الثاني الذي كان مختلفًا كليًا في تصميمه عن الطابق الأول. أم السيد فتحت لها باب غرفة نوم. هبة دخلت منه بتردد وأم السيد خرجت وأغلقت عليها الباب بدون أن توجه لها أي كلام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!