فتحت القفص بدون تفكير. العصفورة نفسها ترددت قبل الطيران. فور مغادرة العصفورة للقفص، هي نفسها أحست بالخوف عليها. أحياناً يكون القفص حماية وليس مجرد سجن. هذه العصفورة الجميلة الضعيفة ربما تتعرض للمخاطر بسببها. هذه العصفورة ربما كانت محبوسة ومحمية طوال عمرها، مثلها. فهل ستستطيع أن تدافع عن نفسها وتعيش في العالم الحقيقي؟ الندم ضربها بقوة، لكن الوقت قد فات على الندم.
وعندما استدارت للدخول للقصر للبكاء بمفردها على غبائها وتسرعها في إطلاق سراح العصفورة، شاهدت أدهم وهو يراقبها باهتمام شديد. أدهم كان يقف متخشبًا على مدخل التراس. موقفها من العصفورة واضح وفهمه بشكل صريح. هي اختارت أن تمنح العصفورة الشبيهة بها حريتها. والذي أكد شكوكها أن أدهم لم يتكلم أي كلمة، حتى أنه لم يحيها وغادر التراس على الفور. بعد ساعتين، أدهم استدعاها في مكتبه.
عبير أوصلتها لباب المكتب وغادرت فورًا بدون أن تحاول مرافقتها للداخل. من الواضح أن أدهم كان سيء المزاج، لأن عبير كانت متوترة وهي تطلب منها الإسراع. أدهم كان يطالع بعض الأوراق خلف مكتبه، لكنه نهض فور دخولها وأشار لها بالجلوس على مقعد جلدي مريح أمام المكتب. جلست في المكان الذي اختاره لها وهي متوترة جدًا. أدهم بادرها بالقول: -عبير بلغتني أنك طلبتي تقابليني. هبة ردت بصوت منخفض خجول: -أيوه. أدهم سألها باهتمام: -خير؟ هبة:
-أنا كنت بس بسأل إمتى هرجع شقة الزمالك. وكأن أدهم كان متوقعًا لسؤالها. هبة استنتجت ذلك من رده الفوري على سؤالها. أدهم أجابها مباشرة: -أنا طلبت بالفعل من عبير إنها تجهزك للانتقال من هنا. ارتياح ممزوج بالحزن احتلها بقوة عند سماعها لردة على سؤالها. فكرت بحزن: "خلاص هترجعي لزنزانتك يا هبة". فعلى الأقل هنا كان يوجد بشر للتواصل معهم، بعكس الماس الرسمية الروتينية. هبة قضت معها 4 سنوات. التواصل بينهما فيهم كان معدومًا.
الماس، جاسوس أدهم كما أسماها هبة، كانت مثل الرجل الآلي، فقط تنفذ التعليمات بمنتهى الدقة والإتقان. أما هنا، فهي تعرفت على عبير مساعدتها الشخصية، وعلى فرحة الطباخة، وعلى سميرة رئيسة الخدم، وغيرهم، وكانت تستمتع بالجلوس معهم في المطبخ على الرغم من اعتراضهم. هي أحبتهم وهم أحبوا بساطتها وتواضعها. كانت ترى في أعينهم التساؤلات عن حقيقة وضعها.
لم يسألها أحد منهم عن طبيعة علاقتها بأدهم، وهي خافت أن تسألهم عن حدود معرفتهم بطبيعة علاقتهم المعقدة. طالما تساءلت إذا كانوا يعلمون أنها زوجة أدهم أم لا. هبة نهضت وفي نيتها الذهاب إلى غرفتها والانتظار هناك، متجنبة المزيد من رؤية أدهم حتى تنتهي الماس من التجهيز والاستعداد للرحيل لشقتها. لكنه عندما أكمل جملته، هبة عادت للجلوس مجددًا من الصدمة. -أنا طلبت بالفعل من عبير إنها تجهزك للانتقال من هنا...
وتبلغك أنك هتسافري الصعيد معايا. آخر شيء توقعته هبة في حياتها أن يطلب منها أدهم السفر إلى أي مكان معه، وبالأخص إلى الصعيد. الرعب في ملامحها جعله يقول بحدة: -إنتي مراتي قدام أهلي والحجج اللي عندي خلاص خلصت. إزاي أنا لأربع سنين كاملين مش بعرفك عليهم؟
في الأول اتحججت إنك صغيرة وإني كتبت الكتاب بس ومنتظرك لحد ما تكبري شوية ونتم الجوازة، بس بطريقة ما والدي عرف إنك عندي هنا وتوقع إنك خلاص كبرتي وإني قررت أحول جوازنا لحقيقة، وصمم إنه يشوفك وكمان عمل حفلة كبيرة يحتفل فيها بجوازنا الفعلي. مع كلامه، هبة أحست بالرعب الحقيقي. "أسافر معاه للصعيد عند أهله كأني زوجته الحقيقية؟ هبة ارتجفت من الصدمة. جسدها كله اهتز برعشات قوية لم تستطع السيطرة عليها. أدهم أحس برعشتها.
صوته عبر عن غضبه الذي لم يحاول كتمانه. لاول مرة ينفعل عليها ويتحدث بصوت عالي أخافها للغاية. -الموضوع منتهي. إحنا هنسافر بكرة إن شاء الله. إنتي مراتي وهتسافري معايا. عندك اعتراض؟ ولتأكيد جدية قراره، أدهم رفع هاتفه النقال واتصل بعبير يستدعيها للحضور. عبير وصلت فورًا وانتظرت تعليماته. أدهم: -جهزتي اللي قلتلك عليه؟ عبير: -أيوه يافندم. أدهم: -زي ما بلغتِك قبل كده، السفر بكرة بدري واعملي حسابك هتسافري معانا. عبير:
-حاضر يافندم. وفي إشارة من يده، هبة فهمت منها أن المقابلة انتهت وأنه يأمرها بالانصراف. عبير أخذت يد هبة، التي مازالت تحت تأثير الصدمة، وقادتها لخارج المكتب بلطف. عبير كأنها أحست باضطرابها، ربما من برودة يدها التي كانت متجمدة في يدها، أو ربما من تعبير الذهول المرتسم على وجهها. لكنها في النهاية أوصلتها لغرفتها بأمان، ومنعت عنها غضب أدهم الذي كانت ستواجهه إذا ما بقيت للحظة واحدة أمامه.
بعد الفجر بساعة واحدة، كانوا في طريقهم إلى المطار في سيارة سوداء ضخمة. عند نزولها مع عبير استعدادًا للمغادرة، أدهم فتح لها باب السيارة ودعاها للركوب في المقعد الخلفي من السيارة، وركب بجوارها من الباب الآخر. عبير ركبت في المقعد الأمامي بجوار وليد، الحارس الشخصي لأدهم. السيارة الليموزين الفخمة كان بها زجاج سميك يفصل المقاعد الأمامية عن الخلفية حيث يجلسون.
سيارة من سيارات الدفع الرباعي وبداخلها أربعة من حراسة أدهم المسلحين تبعتهم مثل ظلهم. أدهم لم ينطق بحرف واحد طوال طريقهم للمطار. لكنها لاحظت أنه كان يختلس بعض النظرات إليها عندما تكون تنظر من النافذة. عند وصولهم إلى المطار، هبة صدمت عندما علمت أن أدهم لديه طائرة خاصة. طائرة أدهم البيضاء الجميلة كانت في انتظارهم. صغيرة لكن فخمة بطريقة مبالغ فيها. كانت تستوعب اثني عشر راكبًا.
فخامتها من الداخل تدل على ثمنها الباهظ الذي من المؤكد أن أدهم دفعه فيها. أدهم دائمًا يقتني الأجمل ويحتفظ به لنفسه، ويسخر أمواله لامتلاك كل ما يريد، حتى هي. المضيفة استقبلتهم عند الباب بضحكة مرسومة بإتقان. أدهم وهبة جلسا في مقصورة خاصة. الحراسة وعبير جلسوا في المقاعد الخلفية. هبة لاحظت دلع المضيفة الزائد عن الحد وتدليلها لأدهم، الذي قابله ببرود وكأنه معتاد على ذلك.
بحركة لا إرادية، هبة أمسكت حجاب شعرها ولمسته بإستغراب. وهي تستعد للسفر في القصر، عبير أحضرت لها فستان طويل بأكمام طويلة وجاكت. هبة ارتدته بدون أي اعتراض. بعد ذلك، تفاجأت بعبير وهي تلف حجابًا على شعرها الجميل وتغطيه. وقبل أن توافق أو تعترض، عبير أخبرتها بلهجة اعتذار: -أدهم بيه طلب مني إنك تلبسي حجاب طول فترة وجودكم في الصعيد. وطلب مني إنك ما تستعمليش أي مكياج.
وأنا بلغتُه إن جمالك طبيعي وإنك ما بتستعمليش أي نوع من أنواع المكياج غير الكحل. فوافق على استعمالك الكحل بس. لكن كان شكله مذهول لما أكدت له إن جمالك طبيعي تمامًا. في وسط زي وسطَـه، أكيد متعود على أمثال فريدة اللي بيحطوا المكياج بالكيلو. مهما كان أدهم متحضر متحرر، لكن أصله الصعيدي يجبره على احترام التقاليد عندما يتعلق الأمر بمظهر زوجته أمام عائلته وأهل بلده.
لدهشتها، عندما تطلعت لنفسها في المرآة وهي ترتدي الحجاب، أحست براحة كبيرة. وشاهدت نفسها أفضل والمدهش أحلى. لفة عبير السحرية للطرحة أظهرت وجهها الأبيض البيضاوي، ولون الطرحة الأصفر الذهبي أظهر لون عينيها الخضراء النادر. فستانها المذهل تلائم مع جسدها الطويل الرشيق بفن. مع أنها مغطاة بالكامل، لكن النتيجة النهائية لطلتها أنها أصبحت أجمل بكثير، أنيقة ومحتشمة.
عندما شاهدها أدهم عند السيارة قبل مغادرتهم للقصر، ظهرت عليه الصدمة، وعيناه وجهت عتابًا صامتًا لعبير، كأنه يلومها على أن هبة ما زالت جميلة على الرغم من محاولاته. راحة نفسية غمرتها بعد لبسها للحجاب. فقررت أنها حتى بعد رجوعهم من الصعيد، أنها لن تخلعه عنها أبدًا. فلاول مرة في حياتها ستأخذ قرارًا بنفسها وهي سعيدة للغاية بذلك. حتى كليتها، سلطان اختارها لها، ولم يترك لها حق الاختيار. أدهم لاحظ حركة يدها على حجابها.
لاول مرة منذ مغادرتهم القصر، يوجه لها الكلام. -مضايقة منه؟ هبة نفت بقوة. -أبداً، بالعكس أنا مرتاحة جدًا. أدهم هز رأسه وأكمل عمله على حاسبه المتنقل الذي كانت المضيفة أعطته له منذ قليل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!