صدمة موت سلطان غطت على أي صدمة أخرى، حتى صدمة اعترافه الرهيب لها. ربما اعتقدت أن سلطان اختلس من رئيسه، أما أن يكون زوجها هو، فذلك شيء لم تتوقعه على الإطلاق في أسوأ كوابيسها. ومع ذلك، لم تهتم حاليًا سوى بسلطان، الذي فقدت عيناه بريقهما. الماس سمعت صراخها وطلبت الإسعاف. ولكن عند وصول المسعفين، أبلغوها بما كانت تعرفه بالفعل. "البقاء لله." كلمتان ستغيران حياتها للأبد. رددت لنفسها بانهيار: "بابا مات... بابا مات."
"آه يا والدي الحبيب... لطالما عشت من أجلي. لم يفكر في نفسه يومًا، كان دائمًا يفكر بها." هبة حبست نفسها في غرفتها ليومين كاملين. رفضت رؤية أي أحد، ففي النهاية، من لديها ليعزيها أو حتى ليهتم؟ هبة فكرت بمرارة. لقد أصبحت وحيدة في العالم، وحيدة لتواجه مصيرها، بمفردها لتواجه خبر زواجها بدون علمها أو رضاه. بالتأكيد هو كان لديه أسباب قوية لتزويجي دون علمي لرجل عجوز. أدركت مدى عذابه خلال الفترة السابقة لكتمانه السر عنها.
في حياتها لم ترَ أبدًا وجه أدهم البسطاويسي، زوجها. لكن بحسبة بسيطة، توقعت. إن سلطان يعمل لديه منذ 10 سنوات على الأقل. رجل في مكانة أدهم، وفي مثل عمره، لابد وأن يكون متزوجًا منذ زمن بعيد، وربما لديه العديد من الأبناء. أحست بالرعب، فحبست نفسها في غرفتها علها تختبئ منه، خائفة من الخروج من الغرفة، فلربما تراه في الخارج، أو ربما يأتي ليأخذها. ولكن رعبها الأكبر كان خوفها من أن يطردها، فإلى أين ستذهب حينها؟
ولكن خطتها فشلت. فالماس دخلت تبلغها في هدوء كعادتها. "آنسة، في واحد عاوز يقابلك بره." هبة قلبها هوى حتى أرجلها بعنف واصفر وجهها. "واحد... مين؟ الماس أجابتها بنبرة آلية. "واحد قدملي كارت مكتوب فيه إن اسمه عزت حمدي المحامي وعاوز يقابلك ضروري بخصوص مسائل الورث والإجراءات القانونية." هبة هزت رأسها في دهشة. "ورث إيه ورث؟
فهي تعلم جيدًا أن لا أملاك لأبيها، وأن أكبر مبلغ رأته في حياتها كان مبلغ الخمسمائة جنيه التي أعطاها أدهم لأبيها يوم زيارتها لشركته. أدهم البسطاويسي، رعبها الأكبر. هل هذا المحامي من طرفه؟ تحت ضغط الماس، هبة خرجت من غرفتها. في الصالون، شاهدت رجلًا في حدود الخمسين من عمره، في عمر أبيها رحمة الله تقريبًا. فكرت في نفسها. عند دخولها للصالون، نهض المحامي فورًا وأخذ يدها في يده وقال: "البقاء لله." صمت لبعض الوقت ثم أكمل.
"أعرفك بنفسي، أنا عزت حمدي المحامي، محامي والدك الراحل. ومن النهاردة محاميكِ أنتِ." هبة تفاجأت. "محامي بابا؟ فلماذا كان لديه أحدهم؟ والأهم، لماذا أنا سأحتاج لمحامٍ؟ المحامي استعد للمغادرة. "التعليمات اللي عندي إني مطولش هنا، بس أعزيكِ في والدك الله يرحمه. وأبلغك إني المحامي بتاعك. وبلغك كمان إني منتظرك يوم الاتنين الصبح في مكتبي. بعد إذنك يا آنسة." وانسحب بدون إضافة أي كلمة أخرى، وتركها تقف مذهولة.
هبة استوعبت أخيرًا. الشقة والمدرسة، ومنصب سلطان الجديد، ثمن تم دفعه مقابل شرائها. فهمت أخيرًا سبب عدم امتلاكها للملابس. فهمت أيضًا سبب عدم خروجها من المنزل. استنتجت أنها حبيسة، أسيرة لأدهم وسلطان كان سجانها المخلص.
استرجعت حياتها في السنتين المنصرمتين، أسرها في القفص. هي لم تعترض يومًا على حبسها. قبلت بالموجود طالما والدها كان معها يحميها كالمعتاد، طالما أنفاسه معها. لم تشعر يومًا بالأسى والسجن لأنها لم تكن تفهم. توقعت أنها مجرد محمية من سلطان كعادته معها. فجأة، رأت قضبان سجنها المحيطة بها. حدوده أصبحت واضحة ومرئية الآن. هي كالعصفورة المحبوسة في قفص. صحيح أنه قفص من ذهب، لكنه في النهاية سجنها، سجن العصفورة.
في النهاية، أتى يوم الاثنين. هبة حاولت بكل الطرق أن تتفادى وصوله. سهرت طوال الليالي، تجنبت النوم، خائفة من النوم فالنوم يقرب المسافات. ولكنه في النهاية أتى على الرغم من كل محاولاتها.
في الساعة العاشرة صباحًا، أبلغتها الماس بوجود سيارة في انتظارها في الأسفل. نفس السيارة السابقة، لكن مع اختلاف السائق. في المرات القليلة الماضية، حالتها النفسية منعتها من التركيز في السائق، إلا أنه بالتأكيد لم يكن مثل هذا السائق العجوز ذي السبعين عامًا الذي فتح لها باب السيارة باحترام بالغ.
تذكرت على الرغم منها نظرات السائق الآخر لها في المرآة، فشعرت بالرجفة تسيطر عليها. هو كان ضخمًا بطريقة ملفتة للانتباه، عضلاته كانت واضحة بشكل ملحوظ من تحت سترته السوداء. رائحة عطره النفاذة ما زالت في أنفها، تذكرها بيوم مرض سلطان. ركبت على المقعد الخلفي بتردد، وانطلق السائق بالسيارة فورًا كأنه أحس بترددها.
بعد الوفاة مباشرة، الماس أعطتها ملابس سوداء عديدة. ضمت كل القطع التي من الممكن أن تحتاج إليها. وصلت الملابس بنفس الطريقة السابقة التي كانت تصلها بها في السابق. الملابس فصلت لأجلها، كعادة أي قطعة كانت تستلمها. القطع بتوقيع مصمم مشهور قرأت عنه في مجلة الأزياء، ومن قماش فاخر جدًا.
الماس اختارت لها تايور أسود، تنورته تصل إلى كاحليها، وحذاء أسود أيضًا برقبة عالية. هبة فجأة، بدون تفكير، قررت تغطية شعرها بحجاب أسود وجدتْه مع ملابسها. الطرحة كانت من قماش الساتان الطري. أخذت حقيبة يد سوداء من المجموعة الجديدة، مصنوعة من جلد التمساح الأصلي. حقيبتها فارغة، فليس لديها أي متعلقات شخصية لوضعها بداخلها. فلأول مرة في حياتها تخرج من المنزل بمفردها.
خصلات شعرها الأصفر الناعم جاهدت للثبات في موضعها تحت طرحتها التي اختارت ارتداءها. ولكن الخصلات خسرت الحرب من شدة نعومتها، فانهالت بفوضوية على وجهها الجميل من تحت حجابها. عذابها بدأ حالًا، فالسيارة أخيرًا توقفت تحت بناية ضخمة، والسائق اتصل برقم ما وانتظر في مكانه. بعد قليل، نزلت سيدة متوسطة العمر من البناية وفتحت لها باب السيارة، وعرفت نفسها قائلة: "أنا سميرة، سكرتيرة الأستاذ عزت. هو مستنيكي فوق."
هبة تبعتها مثل المخدرة. صعدا إلى مكتب فخم، كل أثاثه مصنوع من الجلد الأسود، معبق برائحة الدخان. رائحة ذكرتها بدخان سلطان قبل أن يقلع عن التدخين ليوفر ثمن السيجارة من أجلها. هبة جلست فورًا، أرجلها عجزت عن حمل وزنها الخفيف. كانت متوترة بدرجة كبيرة، فالمجهول الذي طالما سعت لمعرفته سوف ينكشف اليوم. دخل عزت حمدي لمكتبه بمفرده. أمر السكرتيرة بالمغادرة.
"مدام، اتفضلي على مكتبك. اقفلي الباب وراكي، لكن سيبى الباب الداخلي مفتوح." بدون أي نقاش، سميرة نفذت أوامره فورًا، ثم غادرت من الباب الذي دخلت منه معها. عزت أكمل طريقه وجلس على كرسي مقابل لها، حاملاً في يده مغلفًا أحمر اللون. "آنسة هبة، أنا هدخل في الموضوع على طول. في السنتين اللي فاتوا حصلت حاجات كتير، أحداث كتير كانت مبهمة ليكي، بس أنا هفهمك كل حاجة." عزت فتح المغلف وأخرج منه بعض الأوراق. ناولهم إياها.
"أفضل إنك تشوفي بنفسك." هبة بدأت في تصفح الأوراق. عقلها توقف عن العمل. الخوف من المجهول سيطر عليها، احتل كيانها. ارتجفت بشدة وهي تقرأ. المجموعة الأولى من الأوراق كانت عقد بيع شقة في الزمالك للقاصر هبة سلطان إبراهيم، وولي أمرها هو سلطان إبراهيم يحي، والبائع أدهم سليم البسطاويسي. العقد تاريخه يعود لسنتين مضتا. شقة الزمالك، شقتها منذ سنتين.
مجموعة الأوراق التالية كانت عقد مكتوب بين سلطان إبراهيم يحي كطرف أول، وأدهم سليم البسطاويسي كطرف ثانٍ. بدأت تقرأ بعينيها.
"بسم الله الرحمن الرحيم. العقد شريعة المتعاقدين. تم الاتفاق بين الطرف الأول المذكور أعلاه مع الطرف الثاني المذكور أعلاه على أن يمنح الطرف الثاني مبلغًا وقدره مليون جنيه مصري وشقة الزمالك المذكورة في العقد إلى كريمة الطرف الأول على أن يكون التسليم بعد الزواج الرسمي الشرعي بين كريمة الطرف الأول هبة سلطان إبراهيم والطرف الثاني أدهم سليم البسطاويسي."
هبة أحست بالغثيان. رمت الأوراق على الأرض بعصبية شديدة، ورفضت أن تكمل القراءة. هي وعدت سلطان أنها سوف تسامحه، وفعلاً قد سامحته. مهما فعل، فقد كان دافعه الوحيد هو مصلحتها. لكن الخنزير الثاني، الذي وافق على الزواج بطفلته واستغلال ظروفها، لا يمكن أن تسامحه أبدًا مهما حييت. عزت حاول إعادة الأوراق إليها. "لسه أهم ورقة، آخر ورقة، قسيمة جوازك." هبة ردت بقهر ودموعها تغرق وجهها الجميل. "قصدك قسيمة عبوديتي؟
قسيمة بيعي لراجل عجوز أكبر والدي الله يرحمه؟ هشوف إيه؟ مصيري اتحدد من زمان. ياترى أنا عندي اختيار؟ عزت عيناه اتسعت من الصدمة وتطلع ناحية الباب المفتوح بقلق. "آنسة، اسمعيني. انتي فاهمة غلط. يمكن أدهم بيه فعلاً أكبر منك بكتير، بس هو مش راجل عجوز زي ما انتي فاهمة. أدهم بيه عمره 4 و... صوت قوي جهوري خرج من الباب المفتوح يقول بتحذير: "عزت! أنا هتكلم عن نفسي."
قلب هبة بدأ في الخفقان بسرعة مجنونة عندما سمعت صوته. أحست بضيق في التنفس من شدة خوفها. جسدها كله كان يرتعش بعنف. رعبها اليوم أعاد لذاكرتها رعبها يوم تهجم عبدة البلطجي عليها. لم تتمكن من رفع رأسها لتواجه مصيرها الأسود. على الرغم من أنها لم تتعرف إلى عزت من قبل، لكنه عندما انسحب فور ظهور أدهم البسطاويسي قادمًا من الغرفة الأخرى، رعبها تضاعف. فها هي الآن وحيدة في مواجهته.
عزت وكأنه أخذ أمرًا بالخروج، فخرج مثل الآلة المطيعة وتركها بمفردها في مواجهة خنزير غريب عنها من المفترض أنه زوجها. صوت خطواته التي تقترب منها زاد الألم في معدتها. رأسها المحنية ألمها لأنها كانت تجبرها على الانخفاض بقسوة. زوجها المزعوم اقترب منها لأقصى لدرجة. عيناها لمحت حذاءه، حذاء جلدي أسود لامع ويعلوه بنطال أسود. رائحة عطره القوي أثارت معدتها فسببت لها غثيانًا غير محتمل. الكرة غلف قلبها المملوء بالمرارة.
أدهم جلس على الكرسي المجاور لها وطلب منها بصوت هادئ: "هبة، هبة لو سمحتي ارفعي راسك." رائحته القوية ما زالت تهددها بإفراغ معدتها في أي لحظة. حمدت الله على عدم أكلها لأيام، وإلا كانت النتيجة مرعبة. هو أمرها أن ترفع رأسها، لكنها حقيقة لا تستطيع فعل ذلك. طالما شكله مجهول بالنسبة لها، إذن هي تستطيع التظاهر بأنه غير حقيقي.
أدركت أنها ألقت بالأوراق أرضًا خوفًا من رؤية صورته على قسيمة عبوديتها. صورته المجهولة أعطتها الراحة لفترة، لكنه الآن يجبرها على المواجهة. رائحة عطره القوي ستظل في أنفها إلى الأبد، تذكرها بواقعها الأليم، تذكرها بأسوأ لحظات حياتها، يوم مرض سلطان ويوم بيعها. أحست بيديه تتحركان في اتجاهها وكأنها سترفع رأسها بالقوة. الخوف من لمسته نفضها. رأسها رُفعت وأدارت ناحيته بإرادتها الحرة كي تتجنب لمسته المحتملة غير المحتملة.
فوجئت برجل في أوائل الثلاثينات من عمره، طويل، عريض المنكبين، ضخم بدون ترهل ولا وزن زائد. كان كتلة من العضلات. عيناها أكملت رحلتها لوجهه، وجه أسمر بلمحة من الوسامة وذقن مربع وفك قوي. صعقت عندما تعرفت عليه، فهو كان نفس السائق الذي أوصلها إلى المستشفى يوم انهيار والدها والأيام التي تلت. ما زالت تتذكر نظراته لها في المرآة، الآن فهمتها.
ذكرى وفاة سلطان، مع رائحة عطره القوي، مع مفاجأة اكتشاف أنه السائق الذي أوصلها مرارًا دون الكشف عن هويته الحقيقية، بالإضافة لاكتشافها حقيقة أنه شاب وليس عجوز كما كانت تظن. عوامل مجتمعة أوصلت غثيانها لذروته. هبة اتجهت بأقصى سرعة لديها في اتجاه الحمام وهي تضع يدها وتغطي بها فمها في حركة تدل على كتمان قيئها، ودخلت الحمام وأغلقت الباب خلفها بقوة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!