الفصل 4 | من 20 فصل

رواية سجن العصفوره الفصل الرابع 4 - بقلم داليا الكومي

المشاهدات
29
كلمة
2,984
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

سنتان مرتا مثل الحلم منذ انتقالهم. هبة اعتادت الغموض ويئست من الفهم، ولكنها دائما انتظرت أن ينتهي الحلم فجأة كما بدأ. مدرستها الجديدة، مدرسة بنات الطبقة الراقية. كل شيء فيها بحساب حتى الكلام. مديرة مدرستها الجديدة مشهورة بصرامتها. في وقت المدرسة لم تكن تسمح للبنات بأي عمل غير هادف، فدائما وقت الطالبات مشغول في عمل أشياء مفيدة كالدراسة أو القراءة.

حتى وقت الراحة في منتصف اليوم الدراسي الطويل أجبرت البنات على قضائه في النادي الرياضي الملحق بالمدرسة أو المسبح أو ملاعب التنس. "الرياضة والقراءة كغذاء للروح". كان شعار المدرسة وحرصت المديرة على تطبيقه بحذافيره. مدرسة مميزة، قلة فقط من استطاع أن يدخل بناته فيها ليس فقط بسبب سعرها الخيالي، لكن السبب الأهم شروطها الأخلاقية المستحيلة. معظم البنات اعتبرتها نوعًا من أنواع السجن. قواعد صارمة لابد أن تتبع.

المدرسة كانت تجربة فريدة نفذتها مديرة معروفة بشدتها وصرامتها. وقت الدوام كان من الثامنة صباحًا وحتى الثامنة مساءً، حتى في أيام الإجازة الصيفية. المدرسة شغلت كامل وقتها لسنتين، وفي الإجازات الصيفية أيضًا كانت تذهب لتعلم الإتيكيت وفن ترتيب السفرة ودراسة اللغات بالإضافة إلى البرنامج الرياضي اليومي. الامتحانات النهائية على الأبواب. السؤال الغامض ما زال ينهش عقلها. "إيه اللي جاي؟ بعد ما أخلص الثانوية هروح فين؟

والسؤال الأهم: "بابا جاب الفلوس دي منين؟ كانت عيونها تتسأل، لكن نظرات الارتياح المصحوبة بالألم في عيون سلطان كانت تمنعها من الضغط عليه. في نظرها، سلطان هو أفضل وأشرف أب في الدنيا. لا يمكن أن يكون قد اختلس من عمله الجديد. المخازن؟ هو أصبح أمين مخزن كما قال. "استغفر الله العظيم." "يالا الشيطان اللعين." نهرت شيطانها.

"يارب سامحني. لا يمكن سلطان يعمل كده. سلطان اللي مبيسبش فرض ومربي بنته على الشرف والأمانة، لا يمكن يكون مختلس، لا يمكن يخون الراجل اللي ائتمنه على ماله وحاله." وكالعادة، دفنت أفكارها وشغلت نفسها في الامتحانات. شهر يفصلها عن إنهاء المرحلة الثانوية، وأيضًا عن تحديد مصيرها.

الأمر المثير للدهشة، حتى لدهشتها الشخصية، أنها اندمجت تلقائيًا مع وسطها الجديد. فلم تظهر مختلفة أو منتقدة في وسط بنات الطبقة الراقية، بل على العكس، ظهرت وكأنها ولدت منهم. اندمجت معهم ببساطة تحسد عليها، أو ربما لأنها فضلت الانعزال وعدم التدخل في شؤون الأخريات وشغلت نفسها فقط بأمور الدراسة، فكونت حولها هالة من الغموض. فعرفت بـ "البنت الشاطرة".

لم يكن سبب انعزالها هو إحساسها بالعار من مهنة أبيها كساعي بسيط أو أمين مخزن، ولكن انعزالها كان لتجنب الدخول في تفاصيل هي نفسها لا تستوعب معظمها. فمن أين لسلطان أمين المخزن البسيط بمثل هذا المبلغ الخرافي المدفوع للمدرسة أو تلك الشقة الفخمة التي تسكن فيها؟

فسرت نظرات الارتياح في عيون سلطان لأنه أنقذها من مصير أسوأ من الموت تحت رحمة عبدة وتهديده، ووفر لها حياة لم تكن تعلم حتى بوجودها، من بيت فخم لمدرسة أغرب من الخيال، وخادمة جاهزة لتلقي طلباتها حتى قبل أن تطلبها. وأيضًا نظرات الألم كانت في عينيه. ربما ضميره يأنبه بسبب. فضولها غلبها لمعرفته، لكنها فشلت. "إيه السبب يا بابا في نظرات الألم دي؟ إنت بتخبيها بس أنا بحسها وبفهمها مهما حاولت تخبيها." "مدام الماس... مدام الماس...

بابا اتأخر النهاردة. هو بلغك إنه هيتأخر؟ "لا يا آنسة هبة، هو مبلغنيش بحاجة." "أنا قلقانة أوي. موبيله مقفول. أنا هتجنن. أنا حتى معرفش مكان شغله عشان أسأل عنه." الدموع سالت أنهارًا على وجنتيها. تمسكت بهاتف المنزل في حضنها، وسيلتها الوحيدة للاتصال بالعالم الخارجي، فهي لا تملك هاتفًا محمولًا خاصًا بها. فجأة رن الهاتف وهي ما زالت متمسكة به في حضنها. هبة انتفضت، لكنها تمالكت أعصابها ورفعت السماعة بسرعة. ردت بلهفة.

"الورد عليها صوت رجولي هادئ." "آنسة هبة؟ هبة هزت رأسها بعنف، ثم اكتشفت أن محدثها لا يستطيع أن يراها. "أيوه." نفس الصوت الرجولي بنبرة تعاطف. "آنسة متقلقيش، والدك تعب شوية في الشغل ونقلناه المستشفى." شهقات الدموع المحبوسة خرجت أخيرًا. هبة انهارت تمامًا. الصوت أكمل بقلق واضح. "أرجوكي يا آنسة متقلقيش، والدك بخير. وطالب يشوفك. عربية الشركة هتوصل لحد عندك وهتاخدك توصلك لعنده في المستشفى." هبة سألت بخوف.

"ممكن أسأل مين حضرتك؟ الصوت الهادئ رد بعد تردد للحظات. "أنا أدهم البسايطسي." عصافير رفرفت في معدتها مع إجابته. ألقت سماعة الهاتف من يدها بدون إضافة أي تعليق. ودخلت جريًا إلى غرفتها كي تستعد للخروج والدموع تغسل وجهها الجميل. عيونها الخضراء أصبحت بلون الدم. فتحت خزانتها.

على الرغم من الترف الذي أصبحت تعيش فيه في الفترة الأخيرة، إلا أنها اكتشفت أنها لم تملك يومًا نقودًا في يدها أو حتى خرجت للتسوق بنفسها. جميع احتياجاتها كانت تصل إليها من جهة مجهولة. لم تضطر يومًا للطلب. كانت تستلم ملابس داخلية، أحذية، بيجامات، عطور، ملابس رياضية للمدرسة، كل شيء كان لديها ما عدا شيء واحد انتبهت حاليًا أنه مفقود: ملابس ترتديها عند الخروج.

هبة انتبهت أنها لمدة سنتين لم تخرج فعليًا من المنزل. "من البيت للمدرسة ومن المدرسة للبيت". حتى أيام الإجازات عندما كانت تذهب إلى المدرسة كانت ترتدي زي المدرسة، وأيضًا رحلات المتاحف والمكتبات التي كانت تنظمها المدرسة لزيادة ثقافتهم كانت تذهب أيضًا بنفس الزي. الخزانة المتسعة ممتلئة عن آخرها، ولكن عندما بحثت عما تستطيع ارتداؤه لم تجد.

في ركن مهمل من الخزانة وجدت فستانًا بسيطًا منقوشًا. الفستان الوحيد الذي حملته معها من حياتها القديمة. فستان حسنية ما زال ينقذها كلما احتاجت للخروج. بدون تفكير، ارتدت خيارها الوحيد على الرغم من مرور السنين، الفستان ما زال مناسبًا لها. ارتدته بسرعة ولمت شعرها في ضفيرتين وخرجت. الماس أبلغتها فور رؤيتها. "آنسة، حراسة المبنى اتصلوا وقالوا إن فيه عربية في انتظارك تحت." هبة هبطت الدرج بسرعة، حتى أنها لم تستطع انتظار المصعد.

في الأسفل أمام البناية كانت توجد سيارة سوداء فخمة لم تتعرف على نوعها. أكملت جريها بدون توقف، فتحت الباب الخلفي وركبت بسرعة. "حضرتك هتوصلني لبابا؟ السائق أجابها بتردد. "أيوه." صوته يذكرها بشيء ما، عجزت عن تحديده بسبب اضطرابها الشديد. أسندت رأسها على النافذة بجوارها وأغمضت عينيها وأكملت بكائها. فتحت عينيها مجددًا على صوت السائق يقول: "وصلنا."

انطلقت كطلقة المدفع من السيارة عندما توقفت أمام المستشفى. وصلت الاستقبال في سرعة قياسية. "غرفة سلطان إبراهيم لو سمحتي." الموظفة تطلعت للجهاز الموضوع أمامها وقالت. "208 الدور الثاني. اطلعى بالأسانسير." هبة لم تنتظر إرشاداتها للوصول لغرفة سلطان. الدرج أسرع في الوصول. صعدت جريًا للدور الثاني. عينيها بحثت بلهفة على أرقام الغرف. جرت لرقم 208، فتحت الباب ودخلت بسرعة.

رأت سلطان نائمًا ومحاطًا بالأجهزة من كل جانب. صرخت بانهيار. "بابا... بابا حبيبي... سلطان فتح عينيه. أمسك يدها بضعف ملحوظ ثم أغمض عينيه مجددًا. هبة تمسكت بيده بقوة. هي حاليًا بين نارين. فهي ترغب بالبحث عن طبيبة للاستعلام عن حالته، وفي نفس الوقت خائفة من إفلات يده، خائفة من المجهول. فسلطان كل عائلتها. ولكن لحسن حظها، فتح الباب ودخل الطبيب ومعه ممرضة. الطبيب بادرها بقول في شفقة واضحة.

"شوفي، لازم تعرفي إن والدك لما جه كانت حالة قلبه حرجة جدًا. بس الحمد لله قدرنا نتدخل وننقذه وده بأمر الله طبعًا. لازم تعرفي إن وجودك في غرفة العناية المركزة لأن أدهم بيه أمر بكده. بس لازم تتبعي التعليمات. المفروض الزيارة هنا ممنوعة، عشان كده أنا بطلب منك تمسكي أعصابك ومتعمليش أي حركة هيستيرية، وإلا هتعرضي صحته للخطر تاني." هبة هزت رأسها بفهم. عرفانها بالجميل لأدهم يطوق رقبتها. سألت بصوت يكاد يكون مسموعًا.

"بابا عامل إيه؟ "والدك عنده مشاكل في القلب من زمان وكان لازمه عملية بس هو كان بيرفض يعملها. الحمد لله دلوقتي عدى الخطر، بس ربنا وحده اللي يعرف العواقب لو جاله نوبة تانية. لازم عملية في أقرب وقت." هبة قلبها دق بعنف. راقبت بقلق والطبيب يقوم بفحصه. دعت الله في سرها. "يارب نجيه." وكأن الله استجاب لدعائها. سلطان فتح عينيه مجددًا وتكلم بصعوبة. "هبة، عملتي إيه في الامتحان؟ يا الله! على الرغم من وضعه، هو من يطمئن عليها.

"الحمد لله يا بابا، متقلقش. إنت عامل إيه؟ طمني؟ سلطان رد بضعف. "الحمد لله يا بنتي." ثم انتبه فجأة. "هبة، إنتي جيتي هنا إزاي؟ "عربية الشركة جتلي البيت ووصلتني هنا." سلطان هز رأسه بارتياح، وأغمض عينيه مرة أخرى. هبة عادت للمنزل قبل الفجر بدقائق قليلة. كانت مصممة على البقاء بجواره، لكن سلطان رفض بصورة قاطعة. "روحي يا بنتي عشان تذاكري لامتحانك الجاي. لو عاوزاني أخف، ذاكري كويس عشان تعرفي تحلي يوم الأحد في الامتحان."

مرة أخرى وجدت سيارة الشركة في انتظارها وأوصلتها للمنزل، ولم تتحرك السيارة من أمام البناية إلا بعدما تأكدت من صعودها لشقتها.

بعد خمسة أيام، سلطان خرج من المستشفى أخيرًا. خلال الخمسة أيام التي قضاها في المستشفى، كانت تذهب إليه يوميًا بنفس الوسيلة، نفس سيارة الشركة وأيضًا نفس السائق، الذي كان أحيانًا يختلس النظرات وتجده ينظر إليها بتتمعن في مرآة السيارة الأمامية حين تلتقي أعينهم فيها. وخلال تلك الخمسة أيام أيضًا، لم تبدل فيهم فستان حسنية عنها في كل زيارة كانت تذهب إليه فيها. "نورت البيت يا بابا. الحمد لله إنك بخير."

هبة استقبلت سلطان على باب المنزل. أوصله للداخل اثنان من موظفي الشركة، وهبة أوصلته لسريره. على الرغم من أنه خرج من المستشفى، لكن سلطان حاله لم يكن على ما يرام، وكأن سنوات عدة أضيفت لسنوات عمره السبعة والأربعين. أخيرًا انتهت الامتحانات. هبة انتظرت النتيجة بقلق. حلمها كان دخول كلية الهندسة لتحقيق حلم سلطان في أن يراها مهندسة. ما كان يقلقها فعليًا هو التفكير في انتظار المجهول.

شغلت نفسها بالتركيز على صحة سلطان وتعافيه، وركنت خوفها وقلقها في جانب مظلم من عقلها. أخيرًا وصل يوم الحسم. هبة تفوقت بامتياز. مجموع درجاتها يتخطى الـ 97%. الحمد لله. سلطان بدأ في البكاء. بكاء عن سبعة عشر عامًا قضاه في الحلم، وأخيرًا تحقق حلمه. الحمد لله استطاع إكمال رسالته معها. الحمد لله هبة نجحت بتفوق وستلتحق بالجامعة، بكلية الهندسة كما تمنى دائمًا.

مضى شهران منذ النتيجة، وهبة قُبلت في كلية الهندسة. وسلطان صمم على إلحاقها بجامعة خاصة على الرغم من مجموعها الكبير الذي كان يمكنها من دخول أي جامعة حكومية تريدها. الفصل الدراسي الأول سوف يبدأ مع بداية الأسبوع القادم. مشكلة هبة الأبدية: الأسئلة التي بلا أجوبة. "بابا هيتصرف إزاي؟ صاحب الشقة هياخدها إمتى؟ والسؤال الأهم... هلبس إيه في الكلية؟ أنا معنديش لبس."

منذ خروج سلطان من المستشفى، لم يخرج من غرفته إلا نادرًا. حتى أنه لم يستطع الذهاب إلى عمله. الماس أبلغتها أن سلطان يريد رؤيتها في غرفته فورًا. هبة طرقت باب غرفة سلطان ودخلت. "بابا بعد إذنك، حضرتك طلبتني؟ أنا كمان كنت عاوزة أتكلم معاك في موضوع... سلطان أشار لها بالدخول. جلست بجانبه وأخذت يده بين يديها بحنان. "بابا معلشي بس أنا زي ما إنت عارف هدخل الكلية قريب، والكلية يعني مفيهاش زي موحد زي المدرسة، أنا هعمل إيه؟ ...

كمان أنا عمري ما خرجت لوحدي، هروح إزاي؟ سلطان كأنه انتبه لأزمتها. التفكير وإحساس الذنب ضرباه. ألم صدره ازداد، أصبح يتنفس بصعوبة. سلطان فكر. "لازم أقولها. هبة لازم تعرف النهاردة، هي تمت 18 سنة والسر اللي أنا شيلته سنتين لازم يتعرف." ذنب سلطان أصبح حملًا لا يطاق. أحس أن الهواء نفذ من الغرفة. سلطان جذبها أقرب إليه وقال:

"هبة سامحيني، أنا عملت اللي عملته عشان مصلحتك. أوعي تكرهيني في يوم من الأيام. هبة، أنا بحبك وخفت عليكي. لولا اللي أنا عملته كان زمان عبدة خدك مني." وجهه أصبح أزرق بلون مخيف. هبة صرخت وسط دموعها. "بابا ارجوك متتكلمش، أنا هطلب الإسعاف. بابا مش مهم أي حاجة، أنا مسامحاك، مهما عملت إنت في نظري أعظم أب." سلطان صمم. "هبة لازم تعرفي مني. لازم أعرف إنك سامحتيني قبل ما أموت."

بكل العزم الموجود في الدنيا، سلطان ضغط على نفسه من أجل أن ينطق بالحقيقة. صوته كان مهزوزًا متقطعًا. "هبة... هبة سامحيني... الحقيقة الوحيدة اللي لازم تعرفيها إنك... إنك... زوجة أدهم البسايطسي من سنتين." سلطان أخيرًا ارتاح من الكابوس المخيف. أخيرًا تحرر. مع آخر حرف نطقه، اللون الأزرق في وجهه اختفى وتبدل بلون أبيض باهت وتحجرت عيناه. هبة صرخت بأعلى صوت لديها. "بابا...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...