سجنها الإجباري الاختياري أصبح أكثر من سجن. في كل يوم يمر عليها كانت تتعلق به أكثر، فالحرية أصبحت مصدر رعب لها. حمل لا ترغب في حمله. السجن أصبح ملجأها ووحدتها أصبحت رفيقتها. أصبح لديها الوقت الكافي للنظر بتروٍ في أحداث الماضي. التصرفات المبهمة بالنسبة لها فيما مضى أصبحت الآن مفهومة. بعد انتقالهم للحي الراقي والشقة الفخمة، سلطان أبلغها أنه لن يستطيع استخدام دراجته النارية بعد الآن. قال لها في خجل:
-ممنوع. طبعًا مش مسموح لبنتي اللي ساكن فيها مليونير إنه يسمح لموتوسيكل يركن جنب عربياته الفخمة اللي أقل واحدة فيهم سعرها معدي المليون. حينها سلطان أخبرها أنه طلب من سائق المخزن توصيله كل يوم إلى المخزن وإعادته للمنزل بعد انتهاء الدوام. وأبلغها أنه خزن دراجته النارية في المخزن لأنه لم يعد في حاجة لها حاليًا.
هبه استرجعت تصرفات سلطان منذ يوم انتقالهم. اكتشفت اكتشافًا مذهلاً هزها. على الرغم من جو الترف المحيط بهم، سلطان لم يحاول كسب أي مكسب شخصي لنفسه. حتى أبسط الأشياء مثل الملابس. على الرغم أنه حافظ على مظهر لائق مناسب للمكان، إلا أنها اكتشفت في الحقيقة أن سلطان فعليًا كانت خزانته فارغة إلا من بعض الملابس القليلة التي تسترها.
اكتشفت أن المذياع المفتوح على إذاعة القرآن الكريم اختفى من حياتها. اختفى لأن الشقة لم يكن بها واحد وسلطان رفض شراءه من أموال هبه. سلطان اعتبر أموال هبه أمانة، رفض أن يمد يده عليها ويستفيد منها بأي طريقة، واعتبر هبه بنفسها أمانة عنده. أمانة حافظ عليها بحياته لأدهم. "شغلتى آخد بالي من الشقة واللي فيها"، هكذا أخبرها يوم انتقالهم من الحارة. حافظ لأدهم على ممتلكاته الغالية بما فيهم هي شخصيًا، أثمن الممتلكات.
تذكرت في يوم عيد ميلادها السابع عشر. يومها سلطان فاجأها بسلسلة ذهبية. مصحف ذهبي صغير يتدلى حول عنقها الجميل. حينها سلطان دمعت عيناه وهو يقول: -أنا بعت الموتوسيكل النهارده. خلاص مَعَدش له فايدة ومش هيكون له استخدام تاني. افتكري دايما إن السلسلة دي بفلوس الموتوسيكل. حبيبي يا بابا، جبت لي هدية بفلوسك وكنت عايزني أعرف كويس إنها منك مش من تمن بيعي.
بعد عدة أشهر، اكتشفت بالصدفة أن المصحف يفتح. فتحته فوجدت بداخله الصورة الوحيدة التي كانت لديهم لوالدتها الراحلة. سلطان سلمها تركتها. كل ورثها منه. كل ممتلكاته كانت دراجته النارية وصورة والدتها. السنة الدراسية انتهت. سنة أخرى مرت من عمرها. رفضت كل الدعوات لحضور حفل انتهاء العام الدراسي كالمعتاد. في أيام المدرسة كانت تقضي إجازتها الصيفية في المدرسة، أما الآن فشهور الصيف طويلة كئيبة تقضيها بين حوائط سجنها.
حاليًا فترة الإجازة سجن انفرادي. حفظت جدران البيت شبر شبر. من اليوم ستبدأ الإجازة. ستبدأ العذاب. الدراسة كانت تشغل وقتها في شهور السنة الدراسية. أما الآن فهي تستعد لشهرين من السجن الانفرادي. مع وصول سائقها ليقلها إلى المنزل، هبه ودعت حريتها الجزئية واستقبلت سجنها الانفرادي. ...
ألم عنيف في بطنها أيقظها من النوم. حاولت النزول من الفراش لطلب المساعدة من الماس، لكنها لم تستطع. المشي يسبب لها ألم رهيب. عادت لفراشها. نوبة غثيان ضربتها. لابد لها من المحاولة مجددًا.
ليتها طلبت المساعدة عندما شعرت بالألم قبل نومها، لكنها اعتقدت أن النوم سيريحها. ضغطت على نفسها وحاولت الذهاب لحمامها. الألم غير محتمل. الدموع غلبتها. صرخت في ألم وأمسكت بطنها. رعشة هزت كل جسدها، رعشة لم تستطع السيطرة عليها. حرارتها كانت مرتفعة وعرق غزير يتصبب منها. "يا رب ساعدني". وكأن دعواتها استجابت. الماس فتحت بابها ودخلت الغرفة وهي تصيح بقلق: -آنسة هبه، مالك خير؟ سمعت صرخة وأنا معدية من قدام بابك.
-الحقيني، هموت من الألم. مش قادرة. الأحداث التالية مرت عليها بين الحلم والحقيقة. الماس اتصلت بالإسعاف فورًا. فقط عشرة دقائق ووصلت سيارة إسعاف وطبيب. في خلال دقائق الانتظار القليلة، الماس ساعدتها على ارتداء ملابسها وجهزت لها حقيبة ملابس صغيرة. بدأ وكأن الماس تلقت تعليمات وقامت بالتنفيذ.
الإسعاف نقلتها لمستشفى كبير وضخم بالقرب من شقتها. نفس المستشفى الذي نقل إليه سلطان. في دقائق كانت شخصت حالتها بأنها التهاب في الزائدة الدودية ولابد لها من دخول العمليات فورًا. الألم النفسي لوحدتها ألمها أكثر من ألم بطنها. تقريبًا كانت المريضة الوحيدة في المستشفى التي لا يوجد معها أهل. وكأنها نبتة شيطانية بلا جذور.
صحيح الماس كانت معها عند وصولها، ولكنها اختفت فور وصولها إلى المستشفى. مرة أخرى تنفذ التعليمات بآلية. تلك الآلة لا مشاعر لديها إطلاقًا. الآن لا تتعجب من عزوفها عن الزواج، فهي لا تحمل قلبًا ينبض مثل كل الناس. مكتفية بنفسها بشكل غريب. تساءلت بمرارة أين وجدها أدهم؟
انتقلت إلى غرفة كبيرة في انتظار تحضيرها للعملية. أبلغوها أنها ستدخل إلى العمليات بعد ساعة واحدة فقط. أصوات المرافقين للمرضى الآخرين التي تطمئنهم تسللت إليها من خلال الجدران. الجميع لديه أحد ما بجواره، أما هي فليس لديها أي أحد. اكتشفت كم هو صعب أن تكون موجودة في مستشفى وتستعد لإجراء عملية بدون أن يكون أي شخص بجوارها.
ممرضة مبتسمة بلطف دخلت إليها وساعدتها على استبدال ملابسها لزي المستشفى الأخضر الكئيب. ربطت لها شعرها الأصفر بطاقية خضراء أيضًا. دخلت ممرضة أخرى ونقلوها سويًا لغرفة العمليات. إحساس عنيف بالخوف ضربها. تمنت لو إن سلطان كان مازال معها. في مرضها كان دائمًا يطمئنها وهو يقرأ القرآن بصوته الجميل. حلها الوحيد حاليًا هو استرجاع صوت سلطان وهو يقرأ القرآن، لعلها تطمئن قليلاً. فكرت في نفسها بألم طاغٍ. ما أصعب شعور الإنسان بالوحدة وخصوصًا وهو مريض.
في غرفة العمليات كانت ترتجف بشدة. آخر ذكرياتها كانت صورة طبيب التخدير الوسيم وهو يحقنها بشيء جعل الغرفة تدور من حولها. ... يا الله ماهذا الحلم الرائع!
ليتها لا تستيقظ منه أبدًا. حلمت بوجود شخص حنون رائحته مثيرة يجلس بجوارها على السرير يحتضنها بقوة. يدللها كأنها كنز ثمين، يقبل جبهتها بحنان. حلمت أيضًا أنه يمسح وجهها بمنديل منعش. الحلم الرائع لم ينتهِ بعد، فذلك الجالس بجوارها انتزع غطاء شعرها بلطف شديد وأصابعه مشطت شعرها بحنان غامر. كم ارتاحت لصوته الهامس، لكلامه الذي يجعل قلبها يخفق حتى في الحلم. كان يهمس في أذنها بكلام لم تسمع مثله من قبل، كلام سبب لها قشعريرة في عمودها الفقري. شفتاه تجولت بحرية أكبر على وجهها مجددًا واقتربت من شفتاها. طوال عمرها محرومة من اللمس. حتى في حياة سلطان، لم تتذكر احتضانه لها أبدًا.
أو في الحقيقة احتضنها مرات قليلة. استمتعت بحلمها لأقصى درجة. الحلم عوض افتقارها للمس، للتواصل البشري. شعرت أن بطل حلمها سوف يبتعد. تذمرت بشدة وشعر هو باعتراضها، فعاد لمكانه بجوارها يحتويها بين ذراعيه مجددًا. اقترب منها. جسده ضغط جسدها إليه ووضع ذراع قوية تحت رأسها فاطمأنت أنها محمية واستسلمت بسعادة للدوار الذي كان يهاجمها بشراسة كي يحتل عقلها.
حلمها انتهى والدليل أنها عادت وحيدة مجددًا والرائع الذي كان يحتضنها اختفى مع الحلم. ألم بطنها مكان الجرح يؤكد لها أنها استيقظت بالكامل من التخدير، ففي حلمها لم تكن تشعر بأي ألم، فقط كانت تشعر بالنشوة. فتحت عينيها ببطء شديد. كانت تشعر بالظمأ. لمحت نفس الممرضة التي رافقتها لغرفة العمليات تجلس على كرسي بجوار فراشها. -ميه... عطشانة. هبه هتفت بضعف. الممرضة نهضت فورًا. اقتربت منها وقالت:
-حمد الله على سلامتك. لسه شوية على الشرب. لازم الدكتور يشوفك الأول قبل ما أقدر اسمح لكِ بالشرب. الممرضة أخذت علاماتها الحيوية وخرجت تبلغ الطبيب باستيقاظها. ألم يكن الحلم أجمل يا هبه؟
ها قد عدتِ لوحدتك الأليمة ولألم بطنك. الحقيقة المرة ملأت عيناها بالدموع. "وحيدة في المستشفى يا هبه حتى يوم عمليتك". ربما ستنتهي حياتها هنا كما انتهت حياة سلطان. لكن الألم القوي في بطنها مع كل حركة أو كل نفس أنبأها أنها تجاوزت أزمة المرض وعادت لوحدتها المريرة. ما حدث بعد ذلك كان شيء لا يمكن أن تتوقع حدوثه أبدًا. الممرضة التي ذهبت لإبلاغ الطبيب أنها استيقظت عادت بسرعة وقالت لها باهتمام: -عندك زائر بيطلب يدخلك.
هبه كادت أن تقفز من سريرها. -زائر؟ زائر مين؟ ... عقلها اشتغل بسرعة الصاروخ. مين ممكن ييجيني؟ أنا معرفش أي حد. الممرضة: -أدهم بيه البسطاويسي.
من يوم مقابلتهم الكارثية في مكتب عزت حمدي المحامي وهي لم تره أطلاقًا. كل تعاملاتهم المالية كانت من خلال عزت المحامي وكل طلباتها كانت تصل إليه من خلال الماس. بالتأكيد عندما علم عن مرضها أتى لرؤيتها كواجب ثقيل مفروض عليه. لاول مرة منذ استيقاظها تنتبه لشكل غرفتها. الغرفة لم تكن غرفة عادية. بل كانت جناح فخم جدًا، جناح استثنائي. الممرضة أكملت بحشرية:
-أدهم بيه مهتم بيكي جدًا وطلب مني إني أفضل جنبك من ساعة ما خرجتي من الإفاقة. كلمة السر أدهم البسطاويسي وأموال أدهم البسطاويسي ونفوذ أدهم البسطاويسي. هبه فكرت في سرها. حاولت الجلوس لكن ألم بطنها العنيف منعها. تأوهت بصوت عالٍ. الممرضة اتجهت إليها فورًا: -استني، إنتي عايزة أدهم بيه يفصلني؟ على الرغم من ألمها الشديد، هبه سألتها بدهشة: -أدهم؟
-أيوه أدهم بيه صاحب المستشفى. أو بمعنى أدق سلسلة مستشفيات. المستشفى دي واحدة من سلسلة مستشفياته الكثيرة. ثم سألتها بفضول واضح: -هو إنتي متعرفيش؟ أصلك اندهشتي أوي لما قلت لك. -لا طبعًا معرفش وهعرف إزاي. ده حتى معرفش أساسًا إن مستشفى كبيرة كده ممكن تكون ملك لشخص واحد.
هبه فكرت. الممرضة ساعدتها على تعديل وضعها بحرص ووضعت لها وسائد خلف ظهرها مكنتها من الجلوس ثم مشطت لها شعرها بفرشاة. هبه لاحظت نظرات الإعجاب التي ظهرت على ملامح الممرضة وهي تمشط لها شعرها. -شعرك رائع. اسمحيلي أسألك شكله طبيعي مش مصبوغ مش كده؟ -آه طبيعي. عمري ما صبغت. نظرات الإعجاب الآن اختلطت بنظرات الحسد. -يا بختك. خلاص جاهزة أبلغ أدهم بيه؟
وبدون انتظار ردها خرجت إلى الصالون الملحق بالغرفة لإبلاغه بأنها مستعدة. أدركت الآن سبب الاستقبال الحافل والمعاملة المميزة التي تتلقاها منذ وصولها، فهي من طرف الرجل الكبير. ضحكت مع نفسها بسخرية. الممرضة فتحت الباب مرة أخرى وقالت: -اتفضل يا فندم. قلب هبه هوى في أرجلها وأمسكت بطنها بقوة بكلتا يديها.
أدهم دخل إلى غرفتها ببطء وهو يراقبها بتتمعن. أضخم وأطول مما كانت تتذكر. بدلته السوداء المصممة خصيصًا له زادت من جو السلطة والقوة حوله. الشيء المختلف كليًا عن آخر مرة رأته فيها كانت نظرة عيونه. على الرغم من أن يومها لم تجلس معه سوى دقائق معدودة انتهت سريعًا، لكنها كانت تتذكر نظرته الحيوية الجريئة. أما اليوم فكانت نظراته مرهقة حزينة. دخوله الرسمي المتحفظ للغرفة أراحها كثيرًا. حياها بأدب وقال بطريقة رسمية:
-حمد الله على سلامتك. يا رب تكوني بقيتي أحسن. هبه ردت بضعف: -الحمد لله. أدهم انتظر بجوار الباب وكأنه يختبر رد فعلها على رؤيته. هدوءها شجعه على الاقتراب من سريرها وقال: -الممرضة هتفضل معاكي لحد ما تخرجي بالسلامة من هنا. أي طلب ما تتكسفيش. هي هنا عشان تنفذه. هبه سعلت بقوة. السعال سبب لها ألم فظيع في مكان الجرح، فأمسكت بطنها وتأوهت بألم.
أدهم فزع من ألمها اقترب منها ومد يده كأنه سيلمسها، ثم تردد وسحب يده فورًا وأعادها إلى مكانها. يده غيرت اتجاهها وبدلًا من أن تساعدها ضربت الجرس فوق سريرها. الممرضة دخلت إلى الغرفة فورًا. -نعم يا فندم. أدهم أمرها: -استدعي الدكتور فورًا. الممرضة نفذت بدون جدال وخرجت وتركتهم. أدهم سألها بقلق: -فيه ألم؟ هبه أجابته: -بس مع حركة أو الكحة. الطبيب دخل إلى الغرفة فورًا وقال باهتمام ملحوظ: -تحت أمرك يا أدهم بيه.
أدهم أمره بترفع: -ريحها فورًا. الطبيب قام بفحصها وأمر لها بإبرة من عقار مسكن. أدهم انتظر حتى انتهى الطبيب من فحصه لها. بعد ذلك ثبت نظراته على وجهها لدقائق ثم غادر الغرفة من حيث أتى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!