بعد يومين، تحسنت هبة كثيراً واستطاعت النهوض من فراشها بمفردها. الممرضة التي كلفها أدهم بخدمتها لم تتركها لحظة واحدة، حتى وقت النوم كانت تنام في غرفة الصالون الملحقة بغرفتها. لم تره مجدداً منذ يوم العملية، لكن اسمه كان يتردد دائماً. أدهم البسايસી، اكتشفت أنه شخصية مسيطرة جداً والجميع يخشاه ويحترمه. كانوا دائماً يتحدثون عنه، عن قوته وقوة قراراته، لكنهم أيضاً كانوا يتحدثون عن إنسانيته ومساعدته للجميع. اكتشفت أنه استدعى أفضل طاقم جراحة في المستشفى لمعاينتها، وكانوا في انتظارها عند وصولها بالإسعاف. في دقائق، تجمع أفضل طاقم في المستشفى بدون نقاش. أوامر أدهم لا نقاش فيها.
سألت نفسها مراراً عن مدى معرفة العاملين في المستشفى بعلاقتها بأدهم. لم يتجرأ أحد منهم عن سؤالها عن علاقتها به، وهي ماذا تستطيع القول. في مرور الطبيب الصباحي عليها اليوم، سمح لها بالخروج مع تعليمات مشددة بالراحة لمدة أسبوع. هبة ضحكت في سرها بسخرية مريرة من وضعها. "راحة؟ هو أنا عندي غير الراحة؟
بعد أن قرر الطبيب خروجها، فوجئت بحضور الماس إلى المستشفى، فهي لم ترها منذ أن تركتها قبل العملية. أحضرت لها الماس حقيبة كبيرة ممتلئة بملابسها، مما أثار دهشة هبة. "ليه الغيارات دي كلها يا مدام؟ أنا هخرج على البيت مش هحتاجهم." الماس هزت كتفيها وقالت بروتينية. "أوامر أدهم بيه." هبة سألتها بدهشة. "أدهم طلب منك تجهزي شنطة كبيرة ليه وتجيبيها المستشفى؟ طيب قالك هنمشي امتى؟ أكملت لنفسها. "هرجع امتى لسجني؟ لدهشتها، الماس قالت.
"أدهم بيه بلغني أني أحضرلك الشنطة وأساعدك تلبسي ومقالش أي حاجة تانية." الماس جاسوس أدهم وخادمة المطيعة تنفذ تعليماته حرفياً. وبالطبع لن تسأله عن المزيد من المعلومات ما لم يعطيها إياها بنفسه. هي فقط تنفذ. هبة جلست تنتظر بملل. أخيراً، تلقت الماس اتصالاً على هاتفها. "أيوة يا فندم، هي جاهزة."
المكالمة انتهت. كلمات موجزة أنهت المكالمة وحددت مصيرها. وها هي مستعدة، مستعدة للعودة للسجن. أحست بالظلم. مرضها عظم من إحساس الظلم والقهر لديها. ستعود لشقتها مريضة وحيدة وسجينة. هبة انتظرت اتصالاً آخر من السائق كالمعتاد، لكن ما حدث أذهلها. طرق خفيف على باب غرفتها تبعه دخول أدهم بنفسه للغرفة وإشارته للماس بالخروج. الماس خرجت فوراً. أدهم تعمد الحديث بجدية. كلامه كان خالياً من أي تعبير.
"الأفضل في الفترة الجاية إنك تفضلي في بيتي." صمت للحظات ثم أكمل. "فترة النقاهة بتاعتك محتاجة عناية ومكان مفتوح فيه جناين وهوا نضيف. الشقة بتاعتك مش مناسبة." هبة لم تحاول الاعتراض. المرض والوحدة أرهقاها، فهي تحتاج الآن للشعور بالحماية، بالأمان، وإلا سوف تجن. الوحدة في ظل ظروفها الحالية غير محتملة. هو قال فترة نقاهة، فليكن. ستقبل بعرضه. ستخرج من سجن صغير لسجن أكبر، لكنه كان العرض الوحيد المعروض عليها.
هبة تجنبت النظر إليه وهزت رأسها بالموافقة. موافقتها السهلة أذهلته، وكأنه كان مستعداً لجدالها. عيناه اتسعت بصدمة، ولكنه تمالك نفسه بسرعة. ضرب الجرس فوق سريرها. اقترابه منها أرسل ذبذبات في كل جسدها. قلبها خفق بعنف. الممرضة دخلت بكرسي متحرك وساعدتها على الجلوس عليه. الماس دخلت وتناولت حقيبتها المعدة مسبقاً. أما أدهم، فغادر غرفتها دون إضافة المزيد من الكلام.
الممرضة دفعت الكرسي بلطف وأوصلتها إلى سيارة فان سوداء مفتوحة. السائق تناول الكرسي من الممرضة وأدخلها بالكرسي في السيارة في مكان مخصص للكرسي. السيارة مصممة لاستيعاب الكرسي المتحرك. الممرضة والماس ركبوا بجوارها في الخلف. السائق سحب الباب وأغلقه ثم انطلق إلى وجهة مجهولة. جميع نوافذ السيارة كانت تحمل زجاجاً بلون أسود داكن، وأيضاً مغطاة بستائر سميكة. السيارة مريحة وسريعة تليق بالملياردير أدهم البسايસી ومرضى مستشفاه الفخمة.
هبة أغمضت عينيها وأسندت رأسها على النافذة الصغيرة بجوارها واستسلمت للنوم. لم تشعر بالوقت، ولم تتمكن من معرفة المدة التي قضتها السيارة منذ أن غادرت المستشفى. صوت باب السيارة وهو يفتح أيقظها من نومها. منذ عمليتها، وهي دائماً بحاجة للنوم.
بنفس الروتين السابق. السائق ساعدها على النزول من السيارة وسلم الكرسي، وهي ما زالت لم تغادر للحظة، إلى الممرضة المنتظرة. وصلوا أمام باب حديدي ضخم مزخرف بالزجاج الملون. فتاة شابة في تايور أسود رسمي، منقوش على جيب الجاكت العلوي اسم "عبير". استقبلتهم وأوصلتهم لمصعد داخلي.
هبة بدأت تستوعب مكانها. السيارة أوصلتها حتى باب سفلي في قصر كبير من الداخل. استنتجت أنه يؤدي إلى موقف للسيارات تحت الأرض، والمصعد يرفعهم حتى القصر نفسه. الفتاة ذات اليونيفورم الأسود أوصلتهم للطابق الثاني من القصر. جناح مميز مخصص لهبة، وبجواره غرفة صغيرة للممرضة. عبير قالت لهم بأدب. "أي حاجة تطلبوها بس اضغطوا الجرس. أنا اسمي عبير وهكون المساعدة الشخصية للهانم." الكلمة أفزعت هبة بشدة. مساعدة شخصية؟ هانم؟
بالتأكيد هناك شيء ما غير مفهوم. عبير ساعدت الممرضة وأرقدوا هبة على السرير بلطف. هبة سألت عبير. "فين الماس؟ إيه حصل؟ عبير. "الماس موجودة تحت مع الخدم، بس أنا اللي هكون مسؤولة عن خدمتك." عبير غادرت الغرفة لبعض الوقت. وعندما عادت، كانت تحمل صينية عليها عصير وشاي وقهوة وأنواع عدة من فطائر لذيذة وبعض الحلويات الفخمة التي لم تر هبة مثلها من قبل. عبير: "أي خدمة تانية يا هانم؟
عقل هبة الصغير، الذي لم يتعود على مثل ذلك التعقيد من قبل، أحس بالحيرة. دنياها كانت محدودة جداً. سلطان كان كل حياتها. هبة هزت رأسها. "لا شكراً." الممرضة فحصتها جيداً، ثم أخذت علاماتها الحيوية بالأجهزة العديدة الموجودة في حقيبتها. ولاحقاً، ساعدتها على الأكل وشرب بعض القهوة، ثم قالت. "وقت العلاج يا آنسة هبة."
هبة أخذت علاجها باستسلام. أحست وكأنها دمية يتم تحريكها بالخيوط، وجميع الخيوط تتجمع في يده، في يد أدهم، ليحركها كيفما شاء ومتى شاء. الممرضة أمرتها بلطف. "دلوقتي لازم ترتاحي كويس. نامي شوية وأنا هكون جنبك لو احتاجتي أي حاجة. رني الجرس." ثم غادرت وتركتها فريسة لأفكارها.
أدهم نقلها من سجن لسجن. من سجن صغير لسجن كبير. ولكن على الأقل هذا السجن له حديقة خلابة. هبة تذكرت الحدائق الجميلة التي شاهدتها أثناء صعودها في المصعد الزجاجي. منظر الحدائق من زجاج المصعد كان خرافياً، كأنها حديقة سحرية منعشة، وكأنها تعيش، تتنفس، كأنها حية. في حياتها لم تر زرعاً بمثل هذا الجمال الخلاب. تساءلت بدهشة. "مين الفنان اللي صمم الجنينة الفظيعة دي؟ قررت زيارة الحديقة عندما تستطيع السير. التجول فيها يطيل العمر.
بعد تفكير طويل، غلبها النوم بسهولة كعادتها في الفترة الأخيرة. مر أسبوع منذ يوم عمليتها، وثلاثة أيام منذ انتقالها للقصر. أدهم لم يحاول رؤيتها أبداً، على الرغم من أنها كانت تعلم بوجوده في القصر. وفي بعض الأحيان، كانت تسمع صوته أمام باب جناحها، ولكنه لم يدخل مطلقاً إليها.
الألم في بطنها خف بدرجة كبيرة، واستطاعت المشي بدون مساعدة. تمت معاينتها في الصباح من قبل طبيبها الذي طمأنها أن صحتها أصبحت على ما يرام، وأنها تستطيع الحركة بحرية. ولكنه منعها من ممارسة الرياضة والمجهود العنيف، وأبلغها أن الممرضة لم يعد لوجودها ضرورة.
أسبوع كامل، وأدهم قام بشراء وقت الممرضة. ليل نهار كانت مثل ظلها. الممرضة أخيراً تحررت وتستطيع مواصلة حياتها. سوف تستطيع الخروج، رؤية عائلتها، والعودة لعملها مجدداً. أما هي، فستظل حبيسة. هبة علمت من الممرضة سهى أن أدهم دفع لها مبلغاً خيالياً في الأسبوع الذي قضته في مرافقتها. أموال أدهم لا تنتهي، وهو يسخرها لتنفيذ أوامره بكل سهولة. جميع مشاكله يستطيع حلها بالمال، "بالكثير من المال"، وهي الإثبات الحي على ذلك.
بعد أن سمح لها الطبيب بحرية الحركة. عبير عرضت عليها نزهة في الحديقة. يا إلهي، أخيراً! هبة طبعاً وافقت بلهفة وقبلت يدها لتستند عليها. عبير ساعدتها على ارتداء ملابسها. اختارت لها فستاناً أخضر اللون، له نفس لون عينيها. مشطت شعرها الحريري بضربات سريعة من الفرشاة. هبة علمت أن عبير كانت تعمل من قبل في مساعدة الفنانات في اختيار ملابسهن وتمشيط شعرهن وعمل زينة وجوههن "لبيسة" كما يسمونها.
عبير أخبرتها أن أدهم عرض عليها الوظيفة منذ أسبوع، وأنها وافقت فوراً عندما عرفت الراتب الشهري الضخم المخصص لها، بالإضافة للسكن والأكل المجاني. أدهم عرض عليها الوظيفة منذ أسبوع، تقريباً في يوم دخولها إلى المستشفى أو بعدها بيوم. تساءلت والفضول يمزقها. أرادت معرفة إذا ما كان أدهم وظف عبير خصيصاً لها، أم أنه كان سيوظفها على أي حال. الإجابة وصلتها فوراً عندما أكملت عبير.
"البييه طلب مني يوم ما عرض علي الوظيفة أني أهتم بيكي بس. يعني شغلي كله معاكي. أساعدك تختاري اللبس اللي يناسبك وأجهزلك شعرك ومكياجك. وصيفة ليكي يعني."
"بس الصراحة، مكنتش متوقعة إنك جميلة كده. إنتي مش محتاجاني اطلاقاً. اللي اشتغلت معاهم قبل كده كنت بحولهم تمام. لمساتي كانت سحرية. أدهم بيه عرفني عن طريق الفنانة فريدة جمال. كنت مساعدتها الشخصية وعرض علي الوظيفة وأنا وافقت وبصراحة أكتر ما صدقت. فريدة أنانية وعصبية وكانت بتعاملني بترفع كأنها اشترتني. لو تشوفيها من غير لمساتي مش هتصدقي."
كمية المعلومات التي استقبلتها هبة أكبر من استيعاب عقلها. حاولت أن تحلل المعلومات بالتدريج عسى أنها تتمكن من الاستيعاب. أدهم وظف عبير خصيصاً لها. أدهم على علاقة بفنانة تسمى فريدة جمال، والتي من المفترض أنها مشهورة، لكن للأسف، هبة تجهل تماماً أي شيء عن عالم المشاهير والفنانين. سلطان كان متشدداً جداً ورفض دخول التلفاز إلى بيتهم، وبعد موته، هبة لم تتجرأ على كسر أي قاعدة من قواعد حياتها، من قواعد سلطان. القراءة كانت
تسليتها الوحيدة. كانت تطلب كتب في الفن والتاريخ والأدب من عزت الذي كان يرسلهم لها فوراً. ثقافة اكتسبتها من مدرستها الثانوية. الوقت أغلى من أن نضيعه في التفاهات، وهي كان لديها الكثير والكثير من الوقت. أول علاقة لها بالتلفاز كانت في غرفتها في المستشفى، ثم في جناحها في قصر أدهم. إذاً، فكيف لها بمعرفة المدعوة فريدة جمال؟
عبير تناولت علبة مكياج وبدأت في إضافة لمسات بسيطة من المكياج عليها. لأول مرة في حياتها تستعمل المكياج. تحديد عينيها بالكحل الأسود أظهر جمال عينيها واتساعهما وروعة لونهما. ملمع الشفاه أضاف لمعة لشفاهها الوردية. هبة شاهدت نفسها في المرآة واندشت من التغيير الكامل في منظرها، من شعرها لفستانها لوجهها. تقريباً لم تتعرف على نفسها. بلمسات بسيطة، غيرتها عبير بالكامل. أصبحت هبة جديدة، أجمل وأكثر غموضاً وجرأة.
عبير أمسكت بذراعها برفق وقادتها إلى الباب. "نبدأ التمشية؟ هبة هزت رأسها بالموافقة وهبطت معها إلى الحديقة، فهناك سوف تستمتع بمساحة حرية أكبر، ولو لفترة مؤقتة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!