رحلة العودة للمنزل كانت كئيبة جداً. صداع هبة ومزاجها المتعكر منعوها من تكملة جولتها، ففضلت العودة للمنزل مباشرة بعد الغذاء الكارثي. عبير أيقظتها وجهزتها لأن أدهم كان ينتظرها على الغذاء في مطعم الفندق بالأسفل. المفاجآت مع أدهم لا تنتهي، دائماً يفكر في كل شيء، حتى وجود حقيبة كاملة لغيراتها فوجئت بها في جناحها بعد جولتها الصباحية على المعابد.
فستانها الحالي كان بسيط وأنيق، أعطاها عمراً أكبر من سنواتها العشرين وأناقة تليق بحرم أدهم البسطاويسي. أدهم نهض فور دخولها المطعم وأوصلها لطاولته الخاصة. الوجبة كانت لذيذة بشكل مدهش، ومع ذلك هبة كانت تبلع بصعوبة. تذكرت سعادتها الصباحية قبل بدء الجولة وتعاستها الحالية بعد رؤيته يغادر مع فريدة.
دهشت عندما أدركت كيف أن أدهم يستطيع تغيير مزاجها للنقيض، تتحول من السعادة إلى التعاسة في لحظات عندما يتعلق الأمر به. ولكن هكذا هو الحب، يؤلم بشدة كما يفرح بشدة. فإذا اختارت أن تحب، فلتتحمل إلى النهاية. لكنها تعلم جيداً أن الحب ليس اختيار، بل هو قدر.
ناقشوا مواضيع عامة وسألها عن جولتها الصباحية في الآثار. هبة حكت له عن المعابد والمتاحف والإفطار المميز على النيل. على الرغم من أنها كانت متأكدة من أنه كان يعلم كل التفاصيل مسبقاً من جواسيسه، إلا أنه استمع إليها باهتمام شديد وهي تروي له أحداث يومها. رغماً عنها وجدت نفسها تخبره عن سبب رفضها لدعوة المنطاد بعد الغروب، وأخبرته بحياء أنها كانت تتمنى وجوده معها، ولو كان رافقها لكانت تجرأت وخاضت التجربة.
فرحت للغاية عندما فزع من مجرد تخيل فكرة ركوبها للمنطاد وقال: "لو كانوا اتجرؤا وعملوها من غير إذني، كنت قتلتهم كلهم." هبة ابتسمت وقلبها يقرع كالطبول وأكملت حديثها الشيق له بحب. فخوفه الواضح عليها أعطاها أملاً. حكت له عن أدق تفاصيل يومها بسعادة. ملامح وجهه فضحت شعوره بالاستمتاع لما كانت تحكيه له، فاضطر للاعتراف باستسلام: "بحب أسمعك وإنتي بتحكي، بتخلي الحاجات كأنها عايشة، وصفك ممتع." وجهها احمر من الخجل. "أدهم...
حبيبي أنا جيت." الصوت المقيت كأنه ضربها بسيخ حديد في قلبها، وتحول خفقان السعادة إلى ألم الموت. لفت رأسها لمصدر الصوت بغيظ رهيب وهي متأكدة من هويتها صاحبتها حتى قبل أن تستدير. شاهدت فريدة وهي تقف خلفها وعلى وجهها ضحكة مصطنعة. أدهم نهض بأدب لتحيتها، وأمسك بيد هبة بلطف وساعدها للنهوض. "هبة، أعرفك... الفنانة فريدة. فريدة... هبة مراتي." الضحكة المصطنعة على وجه فريدة غطت على نظرة حقد واضحة جاهدت كي تخفيها، ومدت يدها
لهبة وقالت بدلع مفضوح: "كلنا كنا بنسأل شكلها إيه مراتك اللي إنت مخبيها عن الدنيا كلها... بس أخيراً عرفت." هبة وجهت لها نظرة تحدي وقالت: "وعرفتي إيه بقى؟ فريدة ارتبكت مع إحساسها بحدة هبة في الرد، ووجهت نظرة استنجاد لادهم. الغريب في الأمر أن أدهم كان مسترخياً جداً كأنه كان يستمتع بما يحدث. أدهم أشار لها بالجلوس. "اتفضلي يا فريدة لو تحبي تشاركينا الغدا." "غدا إيه بقى؟
أنا أساساً ببلع بالعافية وبعد ما هي تنضم لينا خلاص نفسي هتقفل تماماً." هبة فكرت وكان صوت تفكيرها كان مسموعاً. أدهم نظر إليها وقال: "هبة... بالطبع هبة لم يكن لديها حل آخر سوى أن تقول: "اتفضلي." بكل بجاحة فريدة جلست على الكرسي الملاصق لادهم وهي تأكله بعيونها. أدهم أشار للجرسون الذي أتى فوراً. فريدة كانت قالت لادهم بدلع عندما سألها ماذا تحب أن تطلب: "اللي إنت أكلت منه."
الغذاء أصبح حواراً بين أدهم وفريدة التي تجاهلت هبة تماماً كأنها غير موجودة، وأدهم الذي كان مضطراً لإجابتها بأدب. فعلياً لم يفتح معها أي موضوع بنفسه، لكنها في النهاية شغلت وقته كله بأسئلتها التي لا تنتهي. جملة أوقفت رشفة ماء كانت سوف تبتلعها، وكادت أن تختنق بها. فريدة قالت بدلع: "فاكر... يا أدهم آخر سفرية لينا لما كنا في أوروبا من شهر...
فريدة سافرت مع أدهم أوروبا من شهر، قبل عمليتها مباشرة. أدهم كان له علاقة مع أخرى غيرها. الشيطان سيطر على أفكارها، تساءلت والألم يأكل أمعائها: يا ترى ماذا كانت حدود العلاقة بينهم والتي يتخللها السفر سوياً؟ هبة تقريباً ألقت كأس الماء بعنف على الطاولة أمامها ونهضت وقالت: "عن إذنكم." أدهم لحقها بسرعة قبل مغادرتها لصالة الطعام. "هبة استني، مالك؟ هبة أجابته بترفع: "معلش كمل إنت الغدا، أنا لسة مصدعة وعايزة أروح البيت."
أدهم سألها: "متأكدة... أجي معاكي؟ "لا مفيش داعي... كمل غداك براحتك." وتمنت في سرها أن تختنق فريدة بطعامها. أدهم أشار لطاقم الحراسة وعبير، اطمأن أنها أصبحت بصحبتهم وعاد يكمل غذائه الكارثي مع فريدة. في السيارة، هبة سألت عبير بفضول عجزت عن إخفائه أكثر من ذلك: "إنتي اشتغلتي كتير عند فريدة؟ عبير أجابتها بقرف عجزت أيضاً عن إخفائه: "تقريباً سنة." هبة سألتها مجدداً بفضول أكبر: "وخلال السنة دي اتعرفتي على أدهم مش كده؟
عبير هزت رأسها بإشفاق: "حضرتك بتدوري على المشاكل... أنا حاسة بيكي من لحظة ما شفتيهم مع بعض... بس صدقيني زي ما بيقولوا العبرة بالنهاية، إنتي مراته الرسمية الشرعية، أي حاجة تانية أهيف من إنك تشغلي نفسك بيها." بالطبع أدهم يشتري ولاء العاملين معه بالرواتب الضخمة التي يدفعها لهم. عبير لن تخبرها أي شيء يتعلق بعلاقة أدهم بفريدة، فهي بالنسبة إليها سر قومي من أسرار رئيسها، لكنها لم تنكر تردد أدهم على منزل فريدة.
"آه يا هبة مكتوب عليكي الشقى... حتى لما حاولتي تفرحي الدنيا استكترت عليكي الفرحة." فمن أغلق باب الأمل لديها أضاع مفتاحه. وصلوا إلى البيت مع آخر ضوء للشمس. نجية استقبلتها بترحاب شديد وأخذتها معها إلى الصالون. "أم السيد هاتيلنا الشاي في المجعد الغربي."
هبة تناست أفكارها المؤلمة مؤقتاً واندامجت مع نجية في حكاياتها المثيرة. نجية تقريباً حكت لها عن كل ما يخص أدهم، طفولته، تعليمه. عرفت من نجية أنه درس إدارة الأعمال وأنهى ماجستير فيها من الولايات المتحدة، وأنه استلم العمل من عمر الرابعة والعشرين وطور في الشركات وجعلها تكاد تكون أقوى مجموعة في مصر.
نجية كانت تتكلم بفخر، فخورة بابنها وحيدها وذكائه الخارق. فعلاً أدهم مصدر فخر لأي أم، لأي زوجة. تذكرت شجاعته يوم حادثة الكلاب. أدهم عمل من نفسه درعاً بشرياً لها يتلقى عنها أي ضربة مفاجئة من الكلاب. كان من الممكن جداً أن تهاجمه الكلاب فوراً قبل أن تدرك أنها تهاجم سيدها أدهم. نجية تكلمت وتكلمت، وهبة استمعت واستمعت. جرأة تملكت هبة جعلتها تسألها فجأة بدون تفكير: "هي بنت الكفراوي اتجوزت... نجية ظهر عليها الدهشة:
"بنت الكفراوي؟ ... آه متجوزة من زمان، إيه اللي فكرك بيها دلوقتي؟ كيف ستجيب نجية عن سؤالها؟ ماذا ستقول لها الآن؟ هبة حاولت تغيير الموضوع: "الشاي عندكم ليه طعم تاني، كل حاجة هنا ليها طعم تاني." حيلتها نفعت. نجية الفخورة بأدهم أيضاً فخورة بأرضها. "طبعاً إحنا بنزرع كل حاجة، القمح، الخضار، النعناع حتى السكر، عشان كده هنا كله خير."
"عيلة البسطاويسي يا بنتي عيلة أصيلة. البسطاويسي الكبير خلف عيال ياما. جد أدهم كان بيحب العزوة، خلف 3 أولاد و 3 بنات. سليم كبيرهم بس اتأخر ياما في الخلفه، عشان كده كان أدهم أصغر حفيد ليه بس بسم الله ما شاء الله أذكاهم. الخير على إيده زاد وكفى. عوضي سليم يا بنتي عن تقصيري في الخلفه وجيبي لأدهم عزوة." يا الله، تحمل أطفاله في أحشائها. إنها أمنية عزيزة دعت الله أن يستجيب لها.
هبة استمتعت بكل لحظة من حوارها مع نجية، استمتعت وهي تتعرف على أدهم الحقيقي، أدهم بدون قناع رجل الأعمال الذي يرتديه دائماً. حبيبها أدهم. تعرفت على كل لحظات طفولته، حتى ألبومات صوره وهو طفل صغير لم تنجُ من فضولها. من ضمن الصور شاهدت صورة لأدهم وهو مبتسم. الصورة كانت له وهو في سفاري يغطي وجهه بوشاح يزيد من غموضه، من رجولته، قوته واضحة في ملابس شبابية ليست مثل البدل الرسمية التي دائماً تراه يرتديها.
طلبت من نجية أن تحتفظ بالصورة. نجية فوراً فتحت الغلاف البلاستيكي وسلمتها الصورة والسعادة تقفز على وجهها. هبة أخذت الصورة من نجية، فتحت حقيبة يدها ودستها فيها بسرعة شديدة كأنها ترتكب جريمة. قبلت بسرور عرض نجية للعشاء في الجنينة. لأول مرة سوف تقدم لكل عائلة أدهم، الأعمام والعمات وأولادهم. نجية قالت لها: "هنشوي في الجنينة مع كل العيلة." هبة صققت بفرح مثل الأطفال وقالت:
"الله، أول مرة في حياتي أشوف الشوي." ثم استأذنت منها للصعود إلى جناحها لاستبدال ملابسها، أن كانت ستقدم لعائلة أدهم، إذن لابد لها من اختيار ملابسها بعناية.
صعدت إلى جناحها وارتدت قفطان مغربي أسود في ذهبي واسع مريح. عبير لفت شعرها بطرحة ذهبية وزينت وجهها بعناية شديدة. هبة طلبت منها أن تحدد عينيها الملونة بشكل صريح في تحدٍ واضح لرغبة أدهم السابقة. أرادت لفت انتباهه إلى جمال عيونها، فلربما تنجح في جعله ينسى فريدة الجميلة عندما يدرك أنها أيضاً جميلة.
دهشتها كانت شديدة عندما لمحت أدهم وهي تدخل التربيعة الصيفية المغلقة المقامة في الحديقة. أدهم كان قد غير ملابسه إلى شورت وتي شيرت وكان يقف على الشواية يقوم بالشواء بنفسه وحوله عدد كبير من الرجال شبهت عليهم أنهم أعمامه. أدهم عاد إلى المنزل اليوم، لم يقضِ الليلة خارجاً كما اعتاد أن يفعل منذ ليلتهم. مع التربيعة أو مجلس الحريم، تعرفت على عمات أدهم وبناتهم. فعلاً أدهم كان أصغرهم سناً، بنات عماته جميعهم فوق الأربعين.
رحبوا بها بترحاب شديد يليق بمكانتها كزوجة لأدهم. على حسب كلامهم هي زوجة الكبير. لاحظت مكانة أدهم والاحترام الذي يحظى به من الجميع، كبيراً كان أو صغيراً. المشويات كانت مذهلة، ربما لأن أدهم قام بشوائها بنفسه، لكنها استمتعت بكل لقمة أكلتها وأكلت بشهية عوضت غذائها المشؤوم.
بعد الأكل قدمت الحلويات والمشروبات والعصائر للجميع. أدهم ذهب لتغيير ملابسه وعندما عاد اقترح أن يتجمع الجميع معاً للاحتفال بزواجهم. في البداية شعرت أنهم استنكروا طلبه، ولكن لم يستطيع أحد معارضته وتجمع الجميع رجالاً ونساءً معاً في الحديقة. أدهم جلس بجوارها واحتوى يدها في يده.
لأول مرة في حياتها تدرك معنى العائلة ولمتها. دنيتها كانت محصورة في سلطان، سلطان كان كل عائلتها، وبعد سلطان أغلقت على نفسها بابها وحياتها. سلطان لطالما صنع درعاً حولها حتى الصداقة العادية منعها منها، وعندما مات تعودت على ذلك وخافت من التغيير. والأكثر خافت من أن تسأل عن حقيقة وضعها الغريب في السنوات السابقة. صدمتها الآن شديدة، وحيرتها أكبر. إذا كان أدهم قرر الطلاق، فلماذا إذن يحتفل الآن بزواجهم المنتهي؟
فها هو الآن يقدم لها حفلة الزفاف التي لم تحظى بها يوماً. جلست سعيدة إلى جواره تستنشق عطره الذي مازال يسبب لها الرعشة. لم يترك يدها للحظة طوال جلستهم التي لم تعد محل استنكار، بل لاحظت اندماج الجميع بسرور في الاحتفال. لمة العائلة، أدهم وحبه، أشياء دائماً ما حرمت منها. وللأسف سوف تحرم منها مجدداً. لابد لها من المحاولة. حدثت نفسها بتصميم: "إذا كان هناك أي أمل إذن سوف أتمسك به إلى آخر نفس في حياتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!