تفكيرها في تهديد أدهم منعها من التركيز في أي كلمة طوال فترة وجودها مع العائلة في الصالون. أدهم قال: "قريب أوي". يا ترى ماذا كان يقصد من وراء كلماته؟ لكنه تعمد إيصال رسالة لها. في الحقيقة، أدهم لم يكن يحدثهم هم بل كان يعلمها هي. يطلب منها أخيراً سداد ديونها، إتمام نصيبها المؤجل من الصفقة.
صوت أدهم وهو يطلب منها أن ترافقه لمشاهدة البيت نبهها أنها غائبة في دنيتها الخاصة منذ وقت طويل. الروتين أصبح أنه يمد يده لها وهي تتقبلها بدون نقاش. أول مكان أخذه إليها كان غرفة مكتبه الخاصة. المكتب ممتلئ بتماثيل وتحف كأنه متحف. أدهم أجلسها على كرسي مريح وسألها: -تحبي تشربي حاجة؟ هبه هزت رأسها بالرفض. أدهم اتجه لجهاز فونوجراف قديم وشغل أسطوانة موسيقية هادئة. أدهم سألها بفضول: -بتحبي الموسيقى؟
هبه أجابته وهي تستمتع بالموسيقى التي أدراها أدهم: -أكيد، هي تسليتي الوحيدة. هي والقراءة. ده الكونشرتو 23 لموزارت. أدهم أجابها بإعجاب واضح لتعرفها على المعزوفة الرائعة: -برافو. فعلاً المدرسة تستاهل تمنها الغالي. اتعلمتي السباحة والموسيقى. هبه ردت بحدة واضحة لم تتمكن من السيطرة عليها: -أيوه...
وكمان اتعلمت التنس. مهارات بنات الطبقة الراقية اللي أنا مش منها، بس فلوسك خلتني منها ظاهرياً. مش ممكن حد يعلق على لبسي أو طريقة أكلي أو تصرفاتي قدام معارفك. بس اللي أنت نسيته إن محدش أبداً سألني عن رأيي في مصيري. قررتوا واتصرفتوا بالنيابة عني. عمرك سألت نفسك أنا موافقة ولا لأ؟ مش يمكن كنت بفضل حياتي القديمة؟ انفجار.
هبه الآن لم يكن له أي مبرر، حتى أن أدهم لم يكن يتوقعه. فهو كان يفتح معها مواضيع مهذبة للنقاش. ولكن أخيراً الكلام المحبوس داخلها لسنتين تحرر. فعلياً، هذه أول محادثة لها مع أدهم باستثناء المحادثات التقليدية المهذبة اللي كانت بينهم منذ يوم مرضها.
هبه كانت تدرك جيداً أن أي شيء اتفق عليه سلطان مع أدهم كان لمصلحتها الخالصة. وضعها الحالي لا يقارن بوضعها السابق، مادياً وعلمياً وثقافياً. لكنها احتاجت لقول ما قالته. أدهم لابد له من دفع الثمن. أضافت بسخرية متعمدة، إيلامه بشدة: -طبعاً المزايا دي كانت تمن بيعي. الحمد لله تمني كان غالي. لازم أحس بالفخر. لأول مرة تشاهد أدهم المتكبر الواثق من نفسه بمثل تلك العصبية. أدهم اقترب منها وأمسكها من كتفيها وهزها بعنف:
-انتي قررتي تقفلي عقلك وعنيكي عن كل اللي بيجري حواليك. عجبك دور الضحية؟ الطفلة اللي الراجل العجوز اتجوزها من غير علمها ولا رضاها. لو بس فكرتي شوية هتشوفي الحقيقة. هبه أغمضت عينيها وهزت رأسها برفض لكل ما يقول. هي لا تمثل دور الضحية، فهي لا تنكر فضله عليها. لكنها كانت يجب أن تخرج الكلام المحبوس داخلها منذ سنوات كي تتحرر منه. ربما تأخر كثيراً في الخروج حتى فقد معناه، لكنها احتاجت إلى ذلك بقوة.
أدهم ما زال يتذكر كلامها عنه في مكتب المحامي. ما زال مجروح من وصفها إياه بالعجوز. أدهم أكمل كلامه بمرارة واضحة: -أنا فعلاً كنت قررت بعد مقابلتنا في مكتب عزت إني أمسحك من حياتي. أديكي حريتك بعد ما تخلصي كليتك عشان أبقى وفيت بوعدي لسلطان. أخلصك من الراجل العجوز وأسيبك تعيشي حياتك بالطريقة اللي انتي تختاريها. بس للأسف... عمليتك غيرت حاجات كتير.
هبه حاولت أن تشرح له سبب وصفها إياه بالعجوز، وأنها كانت تعتقده أكبر من سلطان، وأن سبب اعتراضها على وضعها ليس له علاقة بسنه أبداً. ولكن صوتها خرج متقطع وجملها غير مفهومة. أدهم تجاهل محاولتها للكلام وأكمل بخشونة: -انتي دلوقتي مش الطفلة اللي أنا خالفت قوانين الدنيا كلها واتجوزتها من 4 سنين. دلوقتي انتي ناضجة وتقدرى توزني الأمور صح. بغض النظر عن سبب جوازي منك، انتي إيه كانت خياراتك من غيري؟
طيب حاولتِ طول سنتين إنك تفهمي. قفلتي على نفسك وعلى مرارتك. لو بس شغّلتي عقلك يمكن كنتِ حاولتِ تفهمي. بس أحب أبلغك إن فرصتك للفهم ضاعت. وجه وقت التنفيذ الفعلي. لازم تأهلي نفسك إن جوازنا بقى حقيقة ما فيهاش خلاف وكل الناس عرفوا إنك مراتي وتحويله لحقيقة هي مسألة وقت. مش بمزاجك تدخلي حياتي وتخرجي منها من غير ما تدفعي التمن. اعملي حسابك إنك هتجيبي لي وريث. متوقع مني أجيب وريث. عيلة البسطاويسي لازم تستمر. أنا هسيبك الوقت اللازم لحد ما تتعودي على الفكرة، بس حابب أنبهك إن أنا استنيت كتير ومش هستنى تاني أكتر من كده.
الدموع غلبتها. شهقاتها غطت على صوته. قسوته جرحتها. أدهم أشار لها بقرف: -اطلعي أوضتك يا هبه. أحسن لك تختفي من وشي الليلة دي، وإلا أنا مش مسؤول عن اللي هيحصل لك. هبه تقريباً جرت حتى الباب. لأول مرة يتركها تغادر بمفردها من دونه أو من دون عبير. لكنه لم يستطع تحمل وجودها أكثر من ذلك.
هبه خرجت من المكتب ودموعها الغزيرة تمنعها من إيجاد طريقها. البيت الكبير ما زال متاهة بالنسبة إليها. حاولت أن تتذكر مكان السلالم كي تصعد للطابق العلوي. بعد صعوبة، هبه كانت في غرفتها أخيراً. وضعها الجديد مخيف بالنسبة إليها. الأمان الوهمي الذي احتمت فيه تخلى عنها الآن. كلمات عزت ترن في أذنيها. لماذا لا تستطيع الاستسلام وتقبل وضعها؟ ألا يكفيها أنها سوف تصبح زوجة الملياردير أدهم البسطاويسي؟
حقيقة أنها أجبرت على الزواج بدون علمها تكتفها وتجبرها على الرفض. آه لو سلطان كان ما زال حي، لربما كان تحمل نصيبه من اللوم بدلاً من أن تحمل أدهم كل لومها وحده.
أدركت أنها تريد من أدهم أكثر من مجرد زواج تقليدي لإنجاب وريث له. لكنها لم تدرك جيداً ماذا كانت تنتظر منه بخلاف ما أعطاها إياه مسبقاً. على حسب كلامه، أن عمليتها غيرت مصيرها. وجودها في بيته تسبب في تحويل زواجهم لحقيقة. أدهم مجبر عليها بسبب أهله. مجبر على أن يستخدمها من أجل إنجاب الوريث المنتظر، وهذا أكثر ما ألمها. مصيري تحدد من يوم موافقة سلطان على الصفقة مع أدهم. ولكن أدهم لديه الآن خيارات كثيرة بخلافها.
التفكير أرهقها. فتحت باب تراسها وخرجت تستنشق هواء الليل النقي. أول ليلة تقضيها خارج القاهرة. منظر ظلام الليل الدامس بتلك الطريقة كان جديد بالنسبة لها. من تراسها راقبت السماء السوداء وهي مزينة بالنجوم. السماء كانت أشبه بثوب مخملي أسود مرصع بحبيبات الماس اللامعة. الظلام منعها من رؤية الحديقة. جو الصباح الخانق تبدل الآن إلى جو مغري به نسمة هواء باردة.
هبه قررت النزول لاستكشاف الحديقة. لم تر عبير من قبل أن يتناولوا العشاء، وهي حتى لا تعرف مكانها الآن. حتى لو حاولت الوصول إليها، فلن تستطيع إيجادها في هذا البيت الكبير.
هبه لفت حجابها بنفسها. نزلت السلالم. فتحت باب البيت واتجهت للحديقة. لم تقابل أي أحد في طريقها. مشت بدون هدف محدد. الضوء المنبعث من المنزل والحديقة حوله منعها من رؤية السماء المخملية كما كانت تريد أن تراقبها. شاهدت منطقة مظلمة خلف البيت فقررت الذهاب إليها كي تراقب السماء منها بشكل أفضل. بالتأكيد الرؤية من هناك أفضل. عندما وصلت لتلك البقعة المعزولة، تأكدت أنه كان معها حق.
السماء منظرها مذهل من الجزء المظلم كما توقعت. استمتعت بالحرية أخيراً، حتى ولو لوقت بسيط. هبه أخذت نفس عميق. رفعت رأسها للسماء. في لحظة جنون، بدأت تدور حول نفسها برقة. فستانها لف معها. منظر السماء مع الدوران منظر خيالي، لكنها بدأت تشعر بالدوار. الأرض أصبحت تدور معها بعنف. قررت أن توقف الدوران وتوقفت فجأة.
ضحكت عندما أحست بالدوخة تضربها بشدة مع توقفها المفاجئ. رأسها ما زالت مرفوعة للسماء. أنزلت رأسها واستعدت للعودة بعد أن انتشت من المغامرة اللطيفة التي تجرأت وأقدمت عليها. عيناها قابلت أفزع منظر شاهدته في حياتها كلها. فهناك في الظلام كان يقف أضخم كلبان رأتهما في حياتها. الكلبان المتوحشان كانا يراقباها بتحفز، وينظران إليها بنظرة مرعبة أنبأتها أنهم سوف يهجمان عليها حالاً. من غير أن تنتبه، هبه صرخت بصوت عالي: -أدهم.
وكأن ملاكها الحارس سمع ندائها. أدهم ظهر فجأة من العدم وهو يجري بلهفة وأخذ جسدها المنتفض من الرعب بحنان وحماية بين يديه وهو يقول: -متخافيش يا حبيبتي، أنا معاكي. هبه تعلقت به برعب شديد. دفنت رأسها في صدره وأغمضت عينيها. لا تريد رؤية ما سوف يحدث لاحقاً. كانت تعتقد أن الكلبين سوف يهجمان عليهما معاً. يداه ضمتها أكثر إلى جسده. أحست به يرتعش مثلها تماماً. سمعته يتحدث إلى الكلبين ويأمرهما بالهدوء.
أدهم حملها بسهولة شديدة بين ذراعيه القويتين كأنها لا وزن لها واتجه بها للمنزل. طوال الطريق للبيت، هبه ظلت تدفن رأسها في صدره. سمعته يهدد ويسب بأبشع الألفاظ. كان يسب ويهدد حراسته الخاصة وغفر المنزل الذين لحقوا به. الحراسة والغفر كانوا قد تجمعوا بعد وصوله إليها. سمعته يخبرهم أنه لولا رؤيته لها من نافذة مكتبه وهي تتجه بمفردها إلى منطقة تواجد الكلبان، لكانت هوجمت من الكلبين بعنف. توعدهم أن هذا الإهمال لن يمر على خير.
أدهم صعد وهو يحملها إلى طابقهم العلوي. رفض بقسوة أي عرض للمساعدة من أي حد. أرقدها على السرير بلطف. ما زال يشعر برعبها ورعشتها العنيفة وتمسكها به بقوة. أدهم حضنها بقوة فترة فشلوا في تحديدها. دقائق وربما ساعات. أدهم طمأنها بصوت هامس: -هشش. متخافيش خلاص. الحمد لله عدت على خير. بس انتي عارفه، دي أول مرة تنطقي اسمي. هبه ما زالت متمسكة به بكل قوتها. رعشتها من الكلاب انتهت وبدأت رعشة من نوع آخر. رعشة وجودها في حضنه.
أدهم حاول تهدئتها بلطف. فك حجابها كي يساعدها على النوم براحة. ساعدها على التخلص من جاكيته. مال على أرجلها ونزع عنها صندلها بحنان. هبه كانت مستسلمة مغمضة العينين. أدهم عاد لشعرها ومسح عليه بحنان فائق وسألها بقلق: -هبه حبيبتي... انتي كويسة؟ هبه ارتعدت وهزت رأسها. تمسكت به خائفة من أن يتركها بمفردها. أدهم نهض من السرير. قرر المغادرة على الرغم من اعتراضها الواضح ورفضها مغادرته. -هبعتلك عبير تساعدك...
فجأة قطع كلامه وكأنه حسم معركته الخاصة. عاد إلى جوارها في صمت وانضم إليها في السرير مرة أخرى. خلع سترته وأخذها في حضنه بلهفة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!