وجدها في المطبخ كانت واقفة تمسك سكيناً، تنظر إلى شرايينها وتبدو وكأنها تقدم على الانتحار حقاً. دخل بسرعة يصرخ باسمها في فزع: _نججججمة! التفتت تنظر له بخوف وعيناها تمتلئ بالدموع، قبل أن تقرّب نصل السكين من يدها. أسرع يمسك بيدها قبل أن تلمس شريانها. حاول أن يأخذ السكين الذي كانت تتشبث به، بينما يصرخ بها بخوف: _سيييبي السكييينة يا نجممة. _لا لااا ابعد عني ابعد عني.
ظلت تهتف بها وهي تحاول إبعاد يده التي تحاول أخذ السكين، إلى أن انفلت السكين من بين يديهما وطار بعيداً. نظرت مكان السكين البعيد، قبل أن تنفجر ببكاء مرير وهي تخبره بغضب: _أنااا بكرههك بكرههك.. لييه عملت كده؟ أنا عااايزة أمووت.. تعبت منك ومن ضربك ليا ومن شدك لشعري.. ابعد عني وسيبني أمووت بقي. انحنى أيهم بقلق ينظر لها، بينما يمسكها من كلتا ذراعيها هاتفا لها: _لا يا نجمة، حتى لو تعبتي متنتحريش.. إيه، عايزة تموتي كافرة؟
_اهو ارحم من اللي انت بتعمله فيا.. ابعد عني.. اوووعي ايدك. لم يترك ذراعها، إنما أمسكها محاولاً تكبيل حركتها العصبية، هاتفا لها بغضب: _لا مش هسيبك واسمعيني كويس.. لو انتي بتكرهيني مرة، فانا بكرهك ألف مرة.. وانتِ هنا خدامة يا نجمة، عارفة يعني إيه؟ يعني أنا شاريكي بفلوسي وجايبك تشتغلي هنا. _بس أنا مش جااارية عندك. قالتها بغضب وصراخ، فابتسم ساخراً بينما يخبرها:
_بصي يا نجمة.. أنا دافعلك مهر أكتر من 2 مليون جنيه.. يعني أعمل فيكي كل اللي أنا عايزه.. ولو هنبتديها من الأول كده انتحارات ومش عارف إيه.. هتزعلي مني. نظرت له بصدمة، بينما تسأله: _2 إيه؟ _أيوه 2 مليون جنيه. نظرت له بألم، بينما تنحدر الدموع من عينيها، هاتفة: _والله أنا عندي استعداد أعملكوا كل اللي انتو عايزينه.. بس والنبي كفاية ضرب وشد شعر، أنا تعبت والله.
نظر لها أيهم وشعر بمشاعر غريبة بداخله من بكائها وحديثها بتلك النبرة المتألمة المنكسرة. فتنهد، ترك ذراعها، بينما يخبرها: _خلاص ماشي.. مش هاجي جمبك ولا أضربك تاني.. بس تعملي كل حاجة في البيت ده من غير اعتراض، ولو اعترضتي... _لا مش هعترض، والله هعملكوا كل اللي عاوزينه. _تمام.. اتفضلي بقي انزلي اعملي عشا النهارده.. ولو رجعت ملقتش عشا يا نجمة هتزعلي مني.
أومأت له بشدة، قبل أن تنسحب راكضة، تنزل إلى مطبخ عمته لتحاول صنع العشاء. أما هو، فتنهد بشدة ينظر في أثرها، ثم أعاد النظر إلى السكين أمامه. لا يعلم لماذا، ولكن شعوراً بداخله يطالبه أن يوقف ما يفعله بها، فهي تبدو أهش بكثير مما يفعله بها، ولن تحتمل أكثر. سيجد طريقة أخرى للانتقام منها غير جعلها خادمتهم هنا، فهو يشعر بالشفقة عليها. ولكن عقله يصمت هذا الصوت ويخبره أنه دفع عمره بسبب فعلة أبيها، فيجب أن يجعلها تذوق مما ذاقه هو بسبب والدها.
انتهت من العشاء الذي كان سهلاً وصنعته مع آية من قبل. استطاعت أن تصنعه تلك المرة وحدها. أحضرت الصحون على المائدة الذي كان الجميع يجلسون عليها ينتظرون أيهم والطعام من أجل تناول العشاء. بدأت بغرف الطعام في الصحون، ولكن انزلق الصحن من بين يديها، يسقط أرضاً محدثاً ضجيجاً عالياً. انتفضت هي فزعة بخوف وهي تنظر حولها في الأعين المحيطة بها، ثم ما لبثت أن همست بصوت منخفض خائف: _أنا آسفة.
لم يسمعها أحد، بل قامت عمة زوجها الغاضبة بالاقتراب منها وهي تصرخ بغضب: _كسرتيلي طبق الطقم الصيني اللي بقاله عندي فوق الخمسة وعشرين سنة.. ده انتي نهااارك مش فايت!!!!! انتفضت تلك المسكينة ترتجف بعنف وهي ترى تقدم زينة منها، بينما تمسك بها من ذراعها بعنف وهي تكمل توبيخها وصراخها: _انزلي لمي اللي كسرتيييه ده، وأنا مش همد إيدي عليكي لأ.. هستنى أما جوزك يجي هو يتصرف معاكي عشان أنا زهقت منك!!!!!!!
ما أن سمعت باسم زوجها ذاك، حتى شعرت بالخوف الشديد وبدأت دموعها تتساقط من بين جفنيها تلقائياً ودون إرادتها. إنه قاسٍ جداً، كما أنه اليوم أعطاها هدنة صباحاً. إذا أخبرته زينة، سيوقف الهدنة ويعود لضربها مجدداً. بدأت دموعها تتساقط بكثرة وهي تقترب من عمة زوجها، تمسك بكفها تخبرها برجاء: _والنبي يا طنط متقوليش لأيهم.. أنا والله.. أنا هنضف.. و... و أجيبلك مكان اللي اتكسر.. بس والنبي متقوليش لأيهم.
نفضت زينة يدها من بين يدي نجمة، تنظر لها بغضب هاتفة: _لأ هقوله وهخليه يربيكي على قلة الأدب دي.. إيه فاكرة نفسك في بيتك بتكسري على مزاجك ولا إيه؟ تركتها تبكي، والتفتت تنصرف، ولكن قبل أن تنصرف، التفتت تخبرها بحزم: _الأرض تتنضف، والإزاز اللي اتكسر ده يتشال.. لو رجعت لقيتهم متشالوش يبقى ماتلوميش إلا نفسك!!!!
غادرت زينة وخلفها ابنتها، بينما سقطت نجمة على قدميها أرضاً، تشعر بمرارة الظلم ينهش في جسدها. لقد أرهقت، أرهقت بشدة، ولم تمكث في هذا البيت سوى أسبوعاً أو اثنين. ماذا ستفعل باقي عمرها وكيف ستعيش هنا؟ تريد الموت، نعم تريد الموت على أن تبقى تتعرض لهذا الذل والمهانة. ولكن كيف يأتيها الموت؟ أتنتحر؟
نظرت للزجاج المحطم أرضاً، ولمعت عيناها بأمل وهي ترفع أحد شرائح الزجاج الكبيرة، تمسكها بين يديها. ضغطت عليها قليلاً فانغرست القطعة في باطن يدها وبدأت الدماء تتساقط من كفها. ابتسمت بتيه وهي تنظر للزجاج، إنه حاد وسيمزق شرايينها. أمسكت الزجاج جيداً تقربه من رسغ يدها، عازمة على الانتحار. أسقطت قطعة الزجاج فوق رسغها، وما كاد يلامس جلد رسغها حتى استمعت من خلفها صوتاً يناديها بقوة وغضب: _نجمة! .. بتعملي إيييه؟؟؟؟؟؟
التفتت خلفها تنظر له، إنه هو أيهم بغضبه وجبروته المؤلم. شعرت بالضياع وعدم قدرتها على احتمال توبيخه وصراخه أكثر. ولم يمهلها الوقت للانتحار، كما أن بالتأكيد عمته أخبرته بأمر الصحن المتكسر وسيعاقبها عليه بكل تأكيد. هي لم تعد تحتمل كل ذلك، لقد انهارت روحها وتحطمت، ولم يبق منها سوى بعض الدموع. لذا التفتت تنظر له بتيه وغموض، بينما هو يقترب منها بغضب. أمسك برسغ يدها الممسكة بقطعة الزجاج، يبعدها عن رسغها الآخر،
بينما يصرخ فيها: _انتي مجنونة؟ بتعملي إيه بالازاز في إيدك؟؟؟ لم تستمع له ولم تجبه، فامسك بذراعها يرجها، قبل أن ينادي عليها مجدداً بغضب: _انتي يا زفففت... ما تردي عليااا أنا مش بكلمك؟؟ ظلت على حالها تنظر له بتيه صامتة، فشعر بالغضب الشديد وشعر بأنها سارحة. فرفع يده ينوي التربيت على وجهها لإفاقتها. ولكنها ما أن رأته يرفع يده في الهواء، ظنت أنه سيصفعها، فأسرتعت تضع كلتا يديها فوق وجهها تحميه بخوف
وهي تصرخ بشدة بينما تبكي: _علشااان خاطري كفاااية.. متضربنيش.. متضربنيش... والله معملتش حاجة.. هو.. هو وقع.. غصب عني والله!!! ثم انفطرت في بكاء أدمى قلبه، بينما يراها تنهار هكذا. اتكأ على قدميه ليكون في مستواها، بينما يبعد يديها عن وجهها. وإذا به يتفاجأ بتلطخ وجهها بالدماء التي كانت تنساب من باطن كفها. أمسك سريعاً كفها ينظر إليه بقلق وهو يسألها بلهفة لم تشعر هي بها: _إيه ده؟
إيه اللي عمل في إيدك كده.. اتعورتي ازاااااي؟؟ على الرغم من أنه كان قلقاً، لكن صوته كان مرتفعاً، بل كان يصرخ عليها. شعرت أنه لا فائدة، هو يبحث عن أي شيء يجعله يصرخ عليها به، حتى إصابتها ستجعله يصرخ عليها ويعاقبها. لم تعد تتحمل المزيد من الصراخ والضرب، لقد اكتفت. كان هو يصرخ عليها بقلق، بينما عقلها ينحدر إلى مكان آخر. ورويداً أغلقت عيناها وغاصت في الظلام، تاركة نفسها له، فهو أرحم من صراخه وغضبه الذي سيصبهم عليها.
انتفض أيهم ما أن رأها تسقط أمامه، تفترش الأرض. سقط قلبه داخل قدميه وهو يراها ممدة أمامه هكذا دون روح. أسرع إليها يربت على وجهها، يحاول إفاقتها، بينما يهتف بخوف: _نجممممة.. فووقي يا نجممة!! حاول إفاقتها فلم يستطع. أسرع يحملها بين ذراعيه، بينما يخبر شقيقه الذي كان يجلس بعيداً عنهما: _اطلب الدكتور بسرعة يا عمر. ثم حملها صاعداً إلى جناحه، وهو يشعر بالقلق الشديد عليها، وتلك الدماء التي تلطخ وجهها ويدها قد خلعت قلبه حقاً.
وضعها على الفراش، وأمسك بيدها يضغط على جرح باطنها، يحاول منع الدماء من التدفق. نظر لها وشعر بأنه لم يعد يستطيع أن يراها كل ساعتين أو ثلاثة تفكر بالانتحار، يشعر بالألم الشديد في قلبه. لذا قرر أن يتوقف عما يفعله بها وعن جعلها تخدمهم جميعاً. فقط سيفيقها، ثم سيجد أسلوباً آخر للانتقام منها غير خدمة أسرته.
أتى الطبيب وربط يدها، وطمأن أيهم عليها. أعطاه مهدئاً، ما إذا شعر بانحدار نفسيتها أو رغبتها في الانتحار مجدداً، يحقنها به. جلس إلى جوارها بعدما غادر الطبيب، يمسك بيدها المصابة، بينما يهمس لها: _مش عارف إيه اللي فيا.. حاسس إني زعلان ومضايق عشان انتي تعبانة وبتفكري كتير تنتحري.. أنا مالي بيكي.. أنا إيه اللي مضايقني ومزعلني عليكي.. بس أنا مش عايزك تروحي ولا تنتحري.. أنا خايف عليكي أوي. تنهد، بينما ينظر إلى يدها المصابة،
هاتفا: _مش عارف إيه اللي حصلي بجد.. الأول كنت بكرهك جداً انتي وأبوكي وعايز أعمل أي حاجة عشان أذلك زي ما أبوكي ذلني.. بس مبقتش قادر أستحمل أشوفك مرعوبة مني زي الأول.. أنا مش عارف إيه اللي بيحصلي بجد.. بس أنا خلاص قررت، انتي مش هتعملي حاجة تاني.. هدور على أي طريقة آخد بيها حقي وأنتقم من أبوكي، بس انتي لأ.. كفاية كده.. أنا حاسس إني دمرتك في الكام يوم اللي فاتوا دول!
تنهد، بينما يرفع يدها المصابة إلى فمه، يقبل كفها هامساً لها بندم: _أنا آسف.. سامحيني. ولكنها لا تراه ولا تسمعه ولا تشعر به، كأنما يكلم صنماً بالضبط. وللأسف، هو من فعل بها هذا وصنع ذلك الصنم الآن بقسوته وأفعاله السيئة تجاهها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!