ألمٌ وكسرةٌ اعتصرت القلب بعد أن أُجبرت على الموافقة بالزواج من ذئب. صرخت بعنفوانٍ وشراسةٍ مكبوتةٍ، تحاول الرفض. دبّ خنجرٌ في قلبها للمرة الأولى عندما كسرها وكسر كبرياءها، جاعلاً إياها ترضخ لطلباته بعد تهديداته وأفعاله القذرة. ثم سلب روحها وهو يغتال جسدها قسرًا وقهرًا.
شهدت سماء الليل السوداء ونسمات الهواء الباردة على كل دمعةٍ خرجت قهرًا من عينيها السوداوين، بعد أن استجمعت شتات نفسها. شعورٌ بالكراهية والغلّ يملأ قلبها النقي تجاهه. فما فعله بها لم تتعرض له طوال حياتها. كان زوجها الراحل رجلًا حنونًا، قادرًا على إسعادها، ولم يقم بفعل شيءٍ كهذا من قبل. كانت الرقة والهدوء عنوانًا لكلّ سماته.
فتاتٌ حزينٌ يبكي داخلها على ما مرت به، يتلألأ الأسى داخل أضلعها مما رأته معه. تفكر بلوعةٍ في القادم على حياتها معه. لقد فعل أبشع شيءٍ بها على الإطلاق في أولى لحظاتهم سويًا، فقط ليثبت لها أنه يستطيع فعل كل شيءٍ وأي شيء. وقد نما الحقد والغلّ داخلها أكثر وأكثر، واشتدت ضراوة مقتها له. وبقي عقلها الخائن الذي تخلى عنها سابقًا يأتي إليها بوفرةٍ من الأفكار للتخلص منه.
انسابت دمعاتها على وجنتيها بغزارةٍ دون صوتٍ وبصمتٍ تامٍ، وهي تنظر أمامها ترى خارج أسوار القصر من شرفة غرفته. وكم بدا المظهر مغريًا لهروبها منه حتى وهي زوجته، ولكن كيف السبيل؟
دلفت إلى الغرفة وأغلقت الشرفة خلفها. انقضت معظم ساعات الليل وهي تجلس بالخارج، تبتعد عن نظراته ورائحته الكريهة. كانت تود لو تخرج من غرفته نهائيًا، ولكنها خافت من أن تراها شقيقتها وتبدأ أسئلتها التي لا توجد لها إجابة عندها. فبقيت في الداخل تحاول تفادي التعامل معه حتى ولو بالنظرات، فهي لا تطيق حتى التفكير به. فقد تغلب على كل فكرةٍ أخذتها عنه وأظهر لها مدى بشاعته وإجرامه، وتوصل إلى مرحلةٍ لا تستطيع أن تتخيله بها.
وقفت أمام الفراش الخاص به تنظر إليه وهو نائم، يغمض عينيه يرتاح على ظهره ويداه الاثنتان أسفل رأسه على الوسادة. تابعته بنظرات عينيها الشريرة، وودت لو مدت يدها الاثنتان على عنقه وقامت بخنقه إلى أن تزهق روحه. ولكنه سيكون أقوى منها ويستيقظ، ينقذ نفسه من بين يديها. تحولت نظرات عينيها للكره الشديد والبغض الذي لو تركته سيغرق حياته بالكامل.
استدارت تنظر إلى الطاولة الموضوع عليها طبقٌ كبيرٌ يحمل أصنافًا مختلفة من ثمار الفاكهة، وسكينٌ حادٌ كبيرٌ يتناسب مع أسلحة هذه العائلة. حركت عينيها أكثر من مرةٍ إلى "جبل" النائم، والسكين الموضوع على الطاولة. عيناها كانت ملئية بالشر، وقلبها يدق بعنفٍ يكاد يخرج من أضلاعه، لهفةً غريبةً لما هي مقدمةٌ عليه. بينما عقلها كان يحثها على الإمساك بالسكين ودبها في منتصف قلبه، أو تقطع بها نحره، أو في منتصف بطنه.
ذكرياته السيئة جميعها منذ أن أتت إلى الجزيرة مرت على عقلها، بدايةً من وقفته أمامها تهديده لها، ضرباته الموجعة، إرهابها، وذلك التوجس الذي جعلها تشعر به خوفًا على شقيقتها وابنتها. الاقتراب منها قسرًا بمنتهى العنف والهمجية، فقط ليثبت أنه كل شيءٍ وما يريده يحدث، وليأخذ ما أراده منذ أن وقعت عيناه عليها.
لقد شعرت بنظراته الخبيثة في ذلك اليوم الذي أتت به الشرطة إلى الجزيرة. لقد رأت نظرته القذرة إليها ورغبته الشديدة التي ظهرت بعينيه. رأت شهوته تحركه تجاهها. أقتربت من الطاولة ببطءٍ، وقد اتخذت القرار في لحظاتٍ مرت سريعًا. وعلمت ما الذي عليها فعله. انخفضت بجسدها لتأخذ السكين من على الطاولة، وقد كان. تمسكت بها في يدها تنظر إليها بتشفٍ وفرحةٍ لأنها ستنال منه، حتى وإن كانت ترمي نفسها في التهلكة.
أقتربت منه بهدوءٍ وعيناها لا تتحرك من على وجهه. صعدت على الفراش والسكين بيدها. جلست وقدميها أسفلها أمامه، تنظر إليه بحدةٍ وكرهٍ قد ظهر على كافة ملامحها. أمسكت السكين بيدها الأخرى ثم رفعتها عاليًا، ونظراتها صوب عينيه. وانخفضت بيدها والسكين بها على بطنه مباشرةً، ولكنها وجدت نفسها في لمح البصر تنام على ظهرها عكس امتداد الفراش، وهو فوقها يمسك بيدها الاثنتين المحيطين بالسكين بقوة.
لم تدري كيف أمسك بيدها وهي تهبط بها عليه، وكيف دفعها للخلف لتكون ممددةً وهو فوقها ينظر إليها هكذا! لقد كان نائمًا، وهي رأت ذلك. كيف شعر بها وبما ستفعله؟ ينظر إليها، يُخيفها بعينيه الخضراوين. فابتلعت غصةً حادةً وقفت في جوفها وهي تنظر إليه، وما زالت السكين بيدها وهو يتمسك بها. تحدث بسخريةٍ وتهكم: "عايزة تقتليني؟ أجابته بحدةٍ تؤكد على حديثه بقهرٍ وذلٍ تعرضت له على يده عندما امتلكها عنوة:
"أيوة يا جبل هقتلك. موتك هيبقى على إيدي." سألها باستفهامٍ ساخرٍ من تفكيرها، يعيد رشدها إليها بجعلها تتذكر ابنتها الصغيرة وشقيقتها التي لا تستطيع التصرف بشيء: "طب مفكرتيش مين هيربي بنتك لما تعملي كده؟ أصل أختك العيلة دي متعرفش تاخد بالها منها ولا حتى من نفسها." نظرت إليه بعينين متحيرتين بالفعل، فلم تفكر في أي أحدٍ قط وهي تقدم على قتله. فقط فكرت بالانتقام منه وجعله يشعر بكل وخزةٍ دلفت قلبها بسببه.
تابع النظر إليها وفهم تعبيرات ملامحها، فأكمل يتهكم عليها شامتًا بها: "فـ قوليلي بقى لما تقتليني وأنا أموت وأنتي تدخلي السجن، مين يربي بنتك؟ معقول بعد كل اللي عملتيه ده علشان تخرجوا من هنا، وفي الآخر تتربى في الجزيرة؟ لأ والله عيب." نظرت إلى عينيه مباشرةً دون خوفٍ وتحدثت بعنفوانٍ وشراسةٍ تعلمه أنها ستكون المرأة التي هزت عرش الملك:
"عايزاك تعرف إنّي أنا هبقى الست اللي هزتك، أنا اللي هغير حاجات كتير وأنا اللي هعصى أوامرك ومش هتعرف تعملي حاجة." ابتسم يكمل على حديثها بعجرفةٍ ولا مبالاة: "ياه، بموت في التحدي ده. من زمان أوي ما فيش حد وقف قصادي. اينعم مش مقامي، بس أحب ألعب مع القطط الشرسة." صاحت بوجهه بغلٍ شديدٍ وكراهيةٍ لا مثيل لها، تعبر عنها بالكلمات ونظرات عينيها تحاكي أكثر من ذلك: "أنا بكرهك... وما زلت أقذر واحد شفته في حياتي."
صدحت ضحكاته بصوتٍ عالٍ في الغرفة وهو يستمع إلى حديثها، فجعل غيظها يأكل قلبها، وهو يشير إلى الفراش برأسه مبتسمًا، يتحدث بشماتة: "تحبي ناخد جولة كمان أثبتلك إني أقذر من كده." حاولت التحرر من قبضة يده والابتعاد عنه، فصاحت قائلة: "أبعد عني." سألها بسخريةٍ وبرود: "إيه، مش عايزة تعرفي أنا قذر قد إيه؟ الله! صرخت بوجهه وهي تتحرك أسفله وتحاول جذب يدها منه بعنف: "أبعد بقولك." ابتعد للخلف وهو يجذب منها السكين، يأخذها:
"طب هاتي دي ومتلعبيش بيها بعد كده." ابتعد عن الفراش ووضعها على الطاولة مع ثمار الفاكهة كما كانت، فاستمع إلى صوتها وهي تهتف ببغض: "قذر." استدار ينظر إليها وملامح وجهه مكرمشة بسبب ضحكاته، يقول بتشفٍ وبرود: "عارفة." استمرت ضحكاته وهو يبتعد عنها، يدلف إلى المرحاض، تاركًا إياها تأكل من عقلها أفكارًا كيف استيقظ ورأى ما نوت فعله. ولكن لحسن حظه هو لم ينم من الأساس، بل مَثّل أنه خلد للنوم وظل يتابعها من أسفل جفونه المغلقة.
شعر بها تدلف إلى الغرفة ففتح عينيه ينظر إليها ورآها وهي تأخذ السكين وتتقدم ناحيته بها. لو لم يكن فعل ذلك لكان الآن مع الموتى. ابتسم وهو أسفل صنبور المياه التي تتدفق على رأسه هبوطًا لجسده، ويتذكر تلك اللحظات التي قضاها معها بالعنف والقوة.
لقد شعر بأشياء عدة ماتت داخله منذ وقتٍ كبيرٍ، والآن أحيت من الموت مرةً أخرى لتعود إلى حياته. ولا يعرف أهي ستأتي بالنفع أو الضرر. تنهد بعمقٍ وهو يتذكرها بين يديه. ليست سهلة، بل شرسة. ولكنه لم يترك لها الفرصة لتعترض على فعلته. كان عليها أن ترى أنه هنا "القادر" على فعل كل شيء. الآن هناك من سيفرغ بها رغباته وينال منها ما حُرم منه كثيرًا. لقد كانت فكرة والدته صحيحة، على الأقل يكن لها شيء من النفع في هذا البيت.
تلك الشرسة صعبة الترويض. *** "بعد مرور أسبوعين" في أحد شوارع الجزيرة المتوارية، وقفت امرأةٌ تُدعى "فتحية" في الثلاثينات من عمرها، خمرية البشرة ذات جسدٍ ممتلئٍ قليلًا. بيدها طفلٌ صغيرٌ ومعها والدتها يقفون أمام منزلٍ صغيرٍ. يصرخون هم الاثنين بألفاظٍ بذيئةٍ وبشعة. وقع الحجاب من على رأسها ولم يكن محكمًا من الأساس، وتركت الطفل من يدها، تشير بيدها الاثنتين بحركاتٍ شعبيةٍ غريبةٍ، تصرخ بعلو صوتها:
"تعالوا شوفوا يا ناس، شوفوا يا أهل الجزيرة. حماتي مش عايزة تفتحلي الباب." الشارع بطوله يقف به نساءٌ ورجالٌ في شرف منازلهم يتابعون فضيحة هذه السيدة ووالدتها. فهي هكذا كل يومٍ والآخر تتشاجر مع حماتها وتسبها بأفظع الألفاظ. صرخت والدتها بصوتٍ عالٍ هي الآخر، تساعدها قائلةً بشرٍ وكراهية: "افتحي يا ولية يا وسخـ*، ده أنتي رجل بره ورجل جوه." بينما الأخرى ارتفع صوتها وهي تشير إلى الطفل:
"الواد بيموت مني يا عالم، مش عايزة تفتحلي. آخد هدومه. منك لله، ربنا ينتقم منك." أجابت والدتها تكمل ما بدأته بكلماتٍ سوقيةٍ بذيئة: "يا ولية يا بت الكلب يا خرفانة، افتحي."
لم تجد أي واحدةٍ منهن إجابةً من داخل المنزل، بل الباب محكم الإغلاق. والجيران يتابعون هذا الشجار من شرف منازلهم في الأعلى. يعلمون أنها هي ووالدتها من شمال الجزيرة، منطقةٌ قذرةٌ بكل من فيها ومن يسكنها أبشع البشر. ليس بهم كبيرٌ أو صغيرٌ يحترم الآخر. يتلفظون بكلماتٍ سوقيةٍ بذيئةٍ كهذه، ولا يستطيع أحدٌ أن يقف أمامهم سوى "جبل العامري".
يعلمون أيضًا أن السيدة "ليالي" حماتها امرأةٌ طيبة القلب، سريعة نسيان الخطأ الذي يُرتكب في حقها. مغلوبةٌ على أمرها، فولده لم يقف في صفها يومًا أمام زوجته، بل يكن ضدها. وهي التي قامت بتربيته والإحسان إليه بعد وفاة والده. وهي من قامت بجعله يتزوج، حيث كانت تضع كل مدخراتها في سبيل زواجه وتأتي إليه من هنا وهناك بكل ما يريد. ولكنه خذلها بوقوفه أمامها وجعل زوجته تطاول عليها كل يومٍ والآخر أمام جميع الجيران. وليس هناك من يردعها عما تفعله.
كانت السيدة "ليالي" تجلس داخل المنزل تستمع إلى صراخ زوجة ابنها ووالدتها عليها. يقومون بتشويه صورتها أمام الجميع في الخارج. لم توافق على فتح الباب لها لتدلف إلى المنزل، فهي رحلت منه بعد أن أعطتها وصلةً سابقةً من التوبيخ كهذه التي تحدث في الخارج.
وضعت كف يدها على وجنتها وهي تحاكي حزنها وألمها إلى نفسها. اشتعلت نيران قلبها بالحزن والشفقة على حالها، والتهبت ملامحها بالأسى والحسرة. فقد قامت بتربية رجالٍ، كل واحدٍ منهم أطول وأكبر منها، وهي من تعبت عليهم ليصبحوا في النهاية يقفون في صف زوجاتهن. لا يستطيع أحدٌ منهم العدل إلا واحدٌ، أكلت الغربة عمره في سبيل الحصول على حياةٍ كريمةٍ لأجله ولأجل أولاده وزوجته.
قد أحسن إليها هو وزوجته. واحدٌ فقط من ثلاث رجالٍ، هو من يحبها ويهتم بها ويخشى حزنها، هو وزوجته. بينما الآخرون، كلٌ منهم يركض خلف زوجته ابتغاءً في رضاها ورضاء أهلها عنه. بينما والدتهم حتى وإن ذهبت إلى الجحيم فلا بأس. إنها السيدة "ليالي" مثالٌ واحدٌ فقط لكثيرٍ مثلها يعيشون نفس تلك القصة الحزينة. إنها صاحبة الأمراض المزمنة، يحمل قلبها ألمًا لا مثيل له ولا يُحكى عنه، وعقلها ما زال يتساءل هل هم أولادها؟
تطالب بالرحمة والمغفرة من ربها، تطالب بأن يرحمها ويسلب منها روحها لتذهب إليه، فاليوم لا ينفع مالٌ ولا أبناء. اليوم هم هكذا! ماذا سيفعلون عندما نواجه وجه ربٍ كريم؟ هبطت زوجة ابنها الآخر من الأعلى على صوت الصراخ في الخارج. دلفت إليها الغرفة وتساءلت باستغراب: "إيه يما ليالي، افتحي لها الباب دي هتفضحنا." أجابتها بقوةٍ وحزمٍ وهي تقف على قدميها:
"والله في سماه ما هي داخلة، لما تبقى تتأدب وتعرف تتكلم معايا كويس، أبقى أدخلها." استدارت تفتح نافذة الغرفة التي تجلس بها وتطل على الشارع بالخارج، وصاحت بقوةٍ وصرامةٍ قائلة: "أنا مش فاتحة الباب يا فتحية، ريحي نفسك." صرخت والدتها وهي تتمسك بشالها تحركه كأنها تبكي على ميت، تقول بغل: "شوفوا يا عالم، شوفوا الولية الناقصة. بتي مش عارفة تعيش منها." ساعدتها ابنتها وهي تصرخ قبالتها بعنفٍ وقوةٍ تشوه صورة المرأة،
تقول أشياء لم تحدث: "تسع سنين مش عارفة أعيش في الدار معاها. طفشت مرات ابنها التاني، بس على مين." وضعت السيدة "ليالي" يدها على النافذة التي تطل منها، وصاحت قائلةً بجديةٍ وثقة: "أنا مطفشتش حد، أنتوا اللي قليلات الأدب متربتوش. لفي يابت واسألي الجيران وقولي مين هي ليالي." أجابتها والدتها وهي ترفع عباءتها بطريقةٍ مقززة: "مرا ناقصة وشايبة ياختي، هتكون مين." أردفت "فتحية" بشماتةٍ وتشفي وهي تنظر إليها بكرهٍ دفين:
"افتحي يا مرا ياللي كلك مرض وعيا." أجابتها بهدوءٍ قائلة: "المرض من عند الله، عقبالك يارب." ردت على حديثها بحرقةٍ وتلهف: "أنتي بتدعي عليا يا ناقصة؟ روحي ربنا ياخدك ونرتاح من قرفك." فما كان من السيدة المتألمة إلا أن تعيب في ولدها الذي لا يستطيع السيطرة على زوجته: "العيب مش عليكي، العيب على النطع اللي متجوزك." صرخت والدتها عليها: "افتحي الباب يا ولية."
لم تُجيب عليها، وبقيت واقفةً تنظر إليهم وهم يتبادلون الأدوار، كل واحدةٍ منهن تأخذ الدور مرةً، وهي تهتف عاليًا وتصرخ تسبها بألفاظٍ سوقيةٍ قذرة. أخذت "فتحية" الأحجار من على الأرضية بالشارع، وبدأت في رميها على الباب بقوةٍ. حجارةٌ خلف الأخرى، واقتربت والدتها من الباب تدفعه بقدمها حتى قارب أن يُكسر. صرخت والدتها بعنفٍ وشراسة: "أنا هوريكي يا ليالي، أنا هجبلك نسوان الشمال يقطعوكي حتت."
سار شابٌ في الشارع يأتي من بدايته. تقدم إلى المنزل وأتى يقف أمام الباب وصاح قائلًا: "افتحيلها يما تاخد اللي عايزاه وتمشي." هذا ولدها الآخر الذي لا يستطيع السيطرة على زوجته أيضًا، ويقف في وجه والدته لأجلها، بعد أن رتبت له كل تجهيزات زواجه ودفعت به كل ما كانت تملكه، وهو لم يخسر على هذا الزواج ربع ما خسرته. صرخت به قائلة: "والله في سماه منا فاتحة."
تدخلت إحدى السيدات التي أتت من الشارع الخلفي لهم، على قرابة وصلةٍ بالسيدة "ليالي"، عندما رصدتها "فتحية" صاحت قائلة: "شايفة.. شايفة الولية قريبتك بتعمل إيه." تقدمت السيدة من الشباك التي تقف به "ليالي" وقالت بهدوء: "افتحيلها يا خالتي ليالي، بلاش فضايح كل يوم، معلش افتحي." "روحي يا صالحة.. روحي دارك، دي قليلة الأدب شتماني ومبهدلاني، قليلة الرباية. روحي يا صالحة."
انسحبت بهدوءٍ بعد أن صرخت بوجهها أنها تعلم أن هذه "فتحية" ليس لديها رقيبٌ ولا أحدٌ يحاسبها على خطأه. هتف ولدها الذي يقف أمام زوجة أخيه قائلًا، يحاول أن يتوصل لحلٍ وسط: "هاتي يا فتحية المفتاح وأنا أجيبلك اللي إنتي عايزاه من فوق." تشدقت وأصدرت صوتًا مزعجًا من فمها، تشير بيدها إليه تقول بحدةٍ وسخريةٍ وهي تهينه: "إنت عايز تدخل شقتي يا حرامي الهون؟ يلا يا حرامي."
لقد أهانته حقًا في منتصف الشارع والجيران تنظر إليه. لقد كان هذا ماضيًا ولا يعلمه أحد، والآن هي جعلت الجميع يتساءل ما الذي سرقه منها. أشار إلى نفسه قائلًا: "أنا حرامي؟ طب وريني هتدخلي إزاي." أجابته بتأكيدٍ وثقةٍ تسخر منه: "حرامي وستين حرامي يا ابن الكلب." أشار بيده وهو يتقدم من باب المنزل ليدلف، فقد جعلته لا يستطيع الرد عليها من الأساس: "غوري من هنا يلا يا بت." استمع إلى صوت والدتها وهي تقول بحرقة:
"تغور.. مافيش غيرك يتكلم يا حرامي. والله لأخليك مرة زي أمك." نظر إليها وابتسم بسخريةٍ وتهكمٍ، يهتف: "ودي هتعمليها إزاي؟ تشدقت هي الأخرى تفعل كما فعلت ابنتها، تصيح بغضب: "هي لسه هتتعمل، ما أنت مرة يا ولا." نظرت إلى الجيران في شرف منازلهم، ثم صاحت بعلو صوتها: "يلا يا شارع مفيهوش راجل."
وأخذت تسب الناس وشقيق زوج ابنتها. لا تخاف من أحد، تعلم أن ليس هناك من يردعها عما تفعله. فاستمرت في الصراخ وضرب الباب بالحجارة بعد أن دلف شقيق زوجها. بقيت تهتف بألفاظٍ لا يوجد رجلٌ يتفوه بها، ووالدتها تقوم بمساعدتها على فعل ذلك، تسب السيدة "ليالي" في الداخل، بعد أن دلفت من النافذة وأغلقتها خلفها.
تركتهم في الخارج يفعلون ما يشاؤون، وجلست على الأريكة تضع يدها على وجنتها تفكر بحالها. سيدةٌ بهذا العمر، وبعد كل هذه السنوات التي مرت في شقاءٍ وتعبٍ، تأتي فتاةٌ بعمر بناتها وأصغر تفعل بها هكذا في منتصف الشارع، وتجعل الجزيرة بأكملها تتحدث عما فعلته معها، ويتناقلون الألفاظ والكلمات التي نعتتها بها.
سيدةٌ من مليون سيدةٍ تمر بهذه الظروف، بعد التربية والتعب، بعد الشقاء عليهم ومواجهة حياةٍ صعبةٍ لأجلهم، بعد أن تجعل كل واحدٍ منهم يصل إلى مرسى يبدأ منه أسرةً سعيدةً، يقومون برميها بالحجارة وسبها أمام العالم. هذه كانت مكافأة نهاية الخدمة لها! رفعت بصرها إلى سقف الغرفة التي تجلس بها وتمتمت بهدوءٍ وخفوتٍ، تخرج الكلمات من شفتيها دون ملامح: "حسبي الله ونعم الوكيل فيكم."
الابن لا يعلم ما أثر دعوةٍ كهذه تخرج من قلب أمٍ مفتورٍ على حياتها الضائعة بينهم. قلبٌ يحترق بالنيران الملتهبة لأجل ذلك العطاء الوفير والمستمر الذي يخرج منها إليهم دون أي مقابل، فقط لأنهم أبناؤها وهي والدتهم. شعورٌ بالضيق والحسرة احتل كيانها وهي تجلس وحيدةً تفقد أبناءها وكأنها لم تُنجبهم من الأساس. أتى على خلدها ولدها الآخر الذي تغرب بعيدًا عنها وترك زوجته وأولاده معها، فقد أحسن إليها، فوجدت نفسها تتمتم بنفس الخفوت:
"ربنا يديك ويرضيك ويوقفلك ولاد الحلال يابني." هذه الدعوة أيضًا لا تدري ما السر بها لتجعل السعادة تحل عليك من كل جانب، وتأتي بالرزق الوفير والمستمر. إنها دعوةٌ من قلب أمٍ بات مجبورًا من ولدها، فُتحت له أبواب السماء تستقبل دعوتها بصدرٍ رحبٍ لتكون دعوةً واجبة التنفيذ. شتان بين هذا وذاك، ولكن أنت الوحيد الذي يقرر ما الذي
تريده من شفتاي والدتك: دعوةٌ تدوم العمر بأكمله بالحياة والرضا والصلاح، أو دعوةٌ تقضي على حياتك ومماتك أيضًا، تقابل بها ربك وتكن سببًا كافيًا، غير كافة ذنوبك، لتمنعك من رائحة الجنة. *** منذ أن أتت إلى هنا وهي تراه ذلك الحيوان الذي لا يرتضي أبدًا، يفعل ما يشاء وما يحلو له حتى ولو كان على حساب الجميع، لا يهمه الأمر. اغتال ما بها عنوةً اعتقادًا أنه حقه ويحل له، هدد وقتل وفعل أشياء لم تراها بحياتها قط.
ولكن أيعقل أنه يجرح ويداوي؟ يقتل ويحيي؟ في الآونة الأخيرة تأقلمت بنسبة واحد بالمئة أنها أصبحت زوجته، سجينة هذا القصر معه ومع عائلته. بدأت ترى به أشياء لم تعتقد أنها به، تكذب نفسها وتقول أن كل هذا خيال أو اعتقاد من رأسها الذي لا يكف عن التفكير. رأته وهو رجلٌ حكيمٌ بين أهل الجزيرة، يحكم بالعدل حقًا؟ أهو هذا الرجل العادل بينهم أم القاتل الذي يعرض حياتهم للخطر؟ يا لها من تناقضٍ وسخريةٍ حقًا، لم تعد تعلم هو أي شخصٍ بينهم.
رأته يقترب من طفلتها بحبٍ وحنانٍ لا يليق به، ولكنه حاول. يتودد إليها بابتساماتٍ وألعابٍ وطعامٍ تحبه. يحاول أن يكون الأقرب إليها وهي ترى ذلك. تُرى ما الذي ينوي فعله؟ هل يريد أن يجعل الطفلة تحبه هو وعائلته حتى إذا قتلها لا تكون تربيتها صعبة؟ أو يريد أن يأخذها منها؟ في هذه الفترة الصغيرة جعلها بدلًا من أن تناديه "بعمي" أن تقول "بابا جبل". ما الذي يريد أن يتوصل إليه هذا الجبل الصلب؟
تابعته بأعينٍ لا تعلم أهو ذلك الحق أو الباطل. يأتي بذكراها وجهه الشرس وهو يقتل دون رحمة، وتناقضه ذكرى أخرى وهو يحكم بالعدل والحكمة، أي شخصٍ منهم هو الحقيقي هذا الجبل؟
يأخذ منها الهاتف منذ ذلك اليوم المشؤوم، لا تستطيع أن تفعل أي شيء. ويبدو أنها بدأت في التأقلم على الحياة هنا. ولكن الحقيقة أنها حياةٌ مريبةٌ وتتسم بالغموض، أثارت فضولها أكثر أن تبقى وتعلم الحقيقة خلف كل شيءٍ يحدث. ربما يحدث التغير على يدها كما قامت بتهديده. استمعت إلى صرخة طفلتها الفرحة وهي ترمي بالكرة بعيدًا لتتخطى "جبل" الذي كان يلعب معها: "كسبتك.. كسبتك يا بابا جبل." وقف متذمرًا يشير إليها بحزمٍ قائلًا:
"لأ لأ، أنتي كده بتغشي. أنتي خليتي عاصم يرفعك وحدفتيها." عارضته وهي تقترب من "عاصم" تصيح قائلةً بنبرةٍ طفوليةٍ للغاية: "لأ مش بغش. أنا هخلي عاصم معايا في الفريق. أنت طويل أوي وبتكسبني، هو هيساعدني أكسبك." نظر إليها وأحبطها عندما قال بجديةٍ شديدة: "عاصم مش هيوافق." أمسكت بيد "عاصم" ورفعت رأسها تنظر إليه نظرةٍ طفوليةٍ بريئةٍ تتودد إليه بها كالقطة، وهتفت بصوتٍ رقيق: "لأ هيوافق، إحنا صحاب.. مش كده؟
حملها "عاصم" فجأةً بين يده يرفعها للأعلى قائلًا بصوتٍ عالٍ: "آه طبعًا صحاب وهرفعك علشان تكسبيه." ابتسمت الصغيرة تنظر إلى الآخر بسعادةٍ قائلة: "أهو يا بابا جبل." أمسك "جبل" بالكرة واقترب قائلًا بابتسامة: "ماشي، بس من غير غش." أومأت إليه برأسها: "ماشي." ألقى الكرة مرةً والأخرى، وهي لا تستطيع أن تتابع رميته لها، فصاحت بعصبيةٍ غاضبةٍ منه: "إيه ده، أنت اللي بتغش كده."
رآها "جبل" وأبصر نظرتها له مع صوتها الذي حاولت جعله غاضبًا، فلم يتمالك نفسه هو و"عاصم" يسألها بمرح: "أنا عملت إيه بس؟ قالت بتذمرٍ وضيق: "بترفع نفسك أوي وترمي الكرة." أجابها مبتسمًا: "كل واحد وشطارته. أنتي مش عارفة تصدي." اعترضت قائلةً بانزعاجٍ وهي تطلب من "عاصم" أن يتركها: "لأ ده غش، مش هلعب. نزلني يا عاصم." تركها تهبط إلى الأرضية، فأبتعدت عنهم. ذهب "جبل" خلفها يناديها: "استني بس، غش إيه، تعالي."
لم تُجبه، فأمسك بيدها وهبط إلى الأرضية ليكون في مستواها، محاولًا التحدث معها: "استني هنتفق." وقف معها قليلًا يتهامسون سويًا، يبدو أنه استطاع أن يجعلها تسعد أكثر من السابق، يُنسيها ما حدث منذ قليلٍ عندما عانقته بقوةٍ وابتسمت بسعادة. منذ لحظاتٍ و"إسراء" تقف جوار "زينة" في الشرفة تتابع ما كان يحدث، تنظر إليهم بعيونٍ تشع بالحب والشوق.
عيناها تتابع ذلك الشاب فارع الطول الذي يبتلعها كلما وقفت أمامه. مشاعرها تجاهه أصبحت متخبطةً أكثر وأكثر، ففي الآونة الأخيرة بدأت تفهم أشياء تحاول أن تكذبها بخصوص مشاعرها تجاهه. وجدته ينظر إليها، وقد كان هو الآخر يحاكيها بعينيه، يهتف إليها بمنتهى الشوق واللوعة، يقول: متى اللقاء والاعتراف بالعشق المكنون داخل قلبيهما.
سمائها أزهرت باللون الأزرق المخالط الأبيض، ووجدت السحاب تتموج بها كموج البحر، وعينيها الزرقاء تماثلها، تتشابه معها. تدق الطبول في القلب معبرةً عن قدوم حياةٍ أخرى جميلةٍ ستنعم فيها بالغرام ولهفة الاشتياق. أطالت النظر إلى عينيه وهو بالمثل، فنظرت إليها "زينة" باستغرابٍ كلي ودهشةٍ صارخةٍ بأن لا يحدث ما في رأسها.
أعادت النظر إليه وإليها مرةً بعد الأخرى، ولم تفهم ما الذي يحدث بينهم. تبتسم بهدوءٍ وخجلٍ، وهو ينظر إليها بقوةٍ غير خجلٍ مما يفعله، مغيبين عن الواقع تمامًا هما الاثنين. نغزتها في ذراعها فجأةً، تنظر إليها بعبثٍ، فصاحت الأخرى خجلةً من شقيقتها قائلةً بتوتر: "سرحت." أردفت "زينة" بقوةٍ وحزمٍ قائلة: "ابعدي عن أي حد هنا.. فاهمة؟ ملكيش دعوة بحد يا إسراء، لا في القصر ولا الجزيرة دي."
أومأت إليها الأخرى برأسها بهدوءٍ، ثم تركتها ودلفت إلى الداخل. تابعت "زينة" "جبل" الذي يحمل ابنة شقيقه يتسامر معها في الحديث بهدوءٍ وابتسامةٍ، وهي تماثله. وعقلها ما زال يعمل في كل اتجاهٍ، وطوال الوقت يفكر في كثيرٍ من الأمور، إلى أن قاربت على الجنون. ***
أرسلت السيدة "ليالي" مرسالًا إلى "جبل العامري" بما حدث بينها وبين زوجة ولده ووالدتها، فحدد موعدًا للجلوس في جلسةٍ عرفيةٍ يحكم فيها بينهم بعد أن يقص عليه كلٌ منهم ما حدث. وقد حان وقتها. استمع إلى الطرفين، والذي لم يتجرأ أحدٌ منهم على الكذب. فنظر إليهم بهدوءٍ وجديةٍ، فأضافت السيدة "ليالي":
"اللي خلاها تمشي يا جبل بيه، وأنا طالعة سطح بيتي عديت على شقتها.. الباب كان مفتوح، تو ما شافتني راحت قفلاه في وشي بآخر ما فيها. كل اللي قولته أنا حسبي الله ونعم الوكيل. العيب مش عليكي، العيب على اللي قانيكي." أكملت بعد أن أزالت بوشاحها دمعةً خائنةً هبطت على وجنتها: "أنا قولت كده من غُلبي يا جبل بيه، من غُلبي. دي داري.. داري أنا ويتعمل فيا كده. أنا اللي كبرت وعلمت وجوزت، وفي الآخر يتعمل معايا كده من عيلة."
لم تتجرأ الأخرى على الكذب، قالت كل ما فعلته منذ البداية هي ووالدتها، فظهر كوضوح الشمس من الظالم ومن المظلوم. نظر إليها بجديةٍ شديدةٍ وأردف بحزمٍ قائلًا: "امسحي دموعك يا حجة ليالي. أنتي قولتي أنها دارك، واللي هيقعد فيها اللي أنتي هتطلبيه. أما دلوقتي، كل واحد لازم يتحاسب." أشارت له بيدها ترفض حديثه بطيبة قلبٍ قائلة: "لا يا جبل بيه، أنا مسامحة في حقي. دي مهما كانت أم عيال ابني، أنا مسامحة."
سألها بعقلانيةٍ ونظرته نحوها حنونةٌ مشعةٌ بالحب لامرأةٍ عجوزٍ أكل من عمرها الشيب والسنوات: "إيه اللي يرضيكي؟ أشارت بأصابع يدها الأربعة أن تبتعد عنها، وهي تقول بحرقة: "جوزها مسافر، تمشي تقعد عند أهلها." أبعد بصره إلى الأخرى قائلًا بصرامةٍ وقوة: "قومي يا فتحية، بوسّي راس الحجة ليالي، ووطّي كمان على رجليها بوسيها."
وقفت على قدميها واقتربت منها على مضض، ولكنها لا تجرؤ على الاعتراض، فهذا أمرٌ من "جبل العامري". كادت أن تنخفض لتقبّل قدمها، ولكن الأخرى ابتعدت قائلةً برفض: "لا، متبوسيش رجلي، أبعدي." وقفت مستقيمةً تود لو تخنقها بيدها، تراها تتمسكن أمام كبيرهم. نظر إلى والدتها وأشار إليها بقسوةٍ، وهو يعلم أنها سيدةٌ تأكل من يقابلها: "قومي يا أم فتحية، بوسّي راس الحجة ليالي، وحقوا نفسكم ليها." أردفت "فتحية" بجديةٍ تنفذ أمره:
"حقك عليا يما، أنا غلطانة." ومن خلفها والدتها الذي تحدثت ببغضٍ قائلة: "حقك عليا يا حجة ليالي، مصارين البطن بتتعارك. ياختي." تابعها "جبل" وتفوه بالكلمات بجديةٍ تامةٍ لا تسمح بعدها بالنقاش، يملي عليها ما الذي ستفعله: "جوزك النطع ده يدورلك على بيت بره تسكني فيه، متقعديش عند أهلك. معاكي مهلة يومين اتنين بس، وعفشك يطلع من عند الحجة ليالي. خلينا نشوف هيصرف عليكي وعلى إيجار البيت إزاي، ولما يتعلم يحترم أمه يجيلي."
تحولت ملامحها إلى أخرى منزعجةً وقالت بضيق: "بس يا جبل بيه، إنت عارف البير وغطاه." صرخ بها بقسوةٍ وعنف: "يبقى كنتي تحترمي نفسك." نظر إلى والدها وشقيقيها الشابين، هتف بغلظةٍ وشدةٍ مهددًا إياهم: "المرة دي أنا مش هعمل حاجة علشان خاطر الحجة ليالي. إنما المرة الجاية، إنتوا عارفين اللي هيحصل. ربي مراتك وبنتك، وإلا هربيهم أنا." أومأ إليه والدها يجيب بتأكيدٍ على حديثه، لأنه يعلم أن هذا ليس تهديدًا فقط، بل
واجب الفعل مع وقف التنفيذ: "حاضر يا جبل بيه، حاضر." أكمل بنفس الغلظة التي تحدث بها: "بكرة الصبح الكل عند دار الحجة ليالي، تحقوا نفسكم ليها قدام الكل، زي ما بهدلتوها قدام الكل." مرةً أخرى يؤكد حديثه بخوفٍ، راهبًا ما يستطيع فعله بهم: "ماشي، كلامك يا جبل بيه." أشار إليهم بيده ليبتعدوا عن هنا، قائلًا بصرامة: "امشوا." صرخ على أحد الحراس الذي فتح البوابة ليتقدم منه، فقال بجدية: "مسعود، وصل الحجة ليالي لحد دارها."
ابتعدت عنه المرأة وهي تصيح بصوتٍ عالٍ تردد بالدعاء إليه: "ربنا يخليك يا جبل بيه.. يا ناصر الغلابة، ربنا يديك الصحة ويرزقك بالذرية الصالحة." وقف عند آخر دعوةٍ قالتها. هل سيأتي يومٌ من الأيام ويكن له طفلٌ من صلبه يحمل اسمه، يكن ولده يربيه كما يشاء على الخير والحب؟ لم يأتي على خلد أحدٍ سواها. فرفع بصره للأعلى لأنه كان يعلم أنها تقف تطلع إليه وتراه وهو يتحدث معهم، تستمع إلى مشكلات أهل الجزيرة كما كل مرة.
توترت للغاية عندما تقابلت أعينهم، وأدركت بما يفكر. أطال النظر إليها، ودون درايةٍ منها استمرت بالنظر إلى عينيه، كما يفعل، يحدث نفسه بأن هناك شيئًا غريبًا يحدث له. لما فكر بها هي عندما أراد الإجابة على سؤاله؟ ولما هي تابعت النظر إليه هكذا بهذا الشغف وكأنها تحبه؟ في الأساس هي تقف تفكر، أهذا هو الشر أو الخير؟
حقًا لم تعد تستطيع أن تفرق بين شخصياته الغريبة. إحداهما يقتل والآخر يحيي. لم تعد تستطيع فهم، أهو شخصٌ واحدٌ لديه فصام الشخصية، أو شخصان مختلفان للغاية! *** "بعد مرور يومين" دلف إلى الشرفة ليقف جوارها. نظر إليها بهدوءٍ وتساءل: "بتعملي إيه؟ سخرت منه تنظر إلى البعيد قائلةً بتهكم: "بشم هوا.. أصل هوا الأوضة يخنق." ابتسم باتساعٍ، فهو يفهم أنها تقصده، فتابع في إغاظتها قائلًا: "ماشي، شمي هوا براحتك." أردفت بجديةٍ
واستدارت تنظر إليه: "أنا عايزة أروح الصيدلية أشتري كام حاجة. ده لو عندكم صيدلية هنا." أجابها يهتف مؤكدًا لأنها تسخر من الجزيرة وما بها: "عندنا كل حاجة هنا.. اكتبي اللي عايزاه في ورقة وهيجيلك لحد عندك." رفضت قائلةً بسماجة: "لأ، دي حاجات خاصة بحب أجيبها بنفسي." خرجت ضحكاته من فمه عندما وجدها تريد أن تذهب هي، فقال بسخرية: "أوعي يكون سم." أكمل بيقينٍ متأكدًا: "مع إني عارف إنك مش هتعمليها تاني."
كرمشت ملامح وجهها ببغضٍ وغضبٍ تنظر إليه: "لأ اطمن مش هعملها. فكرت في كلامك." مرةً أخرى أردفت تطلب منه: "أنا عايزة موبايلي وموبايل إسراء وتابلت وعد." أومأ إليها برأسه يوافق على ما أرادت، ولكنه قال بجديةٍ شديدةٍ وخشونة: "ماشي.. هديكي الأمان يا غزال، بس متحاوليش تغدري." صاحت بوجهه بعصبيةٍ وغضب: "أنا عمري ما كنت غدارة.. أظن إحنا عارفين مين فينا الغدار." أومأ إليها يقول: "عارف."
اقترب منها يدفعها إلى سور الشرفة وأمسك بها من خصرها، يضغط بيديه الاثنتين عليها، يقترب بوجهه ينوي تقبيلها، فهو بات يفعلها عنوةً عنها. وجد كف يدها يهبط على عنقه مع صوتها الذي هتف بجدية: "دي ناموسة." على أثر ضربتها له، ابتعد وجهه قليلًا. احمرت عيناه من الغضب لأجل تطاولها عليه، وما كاد إلا أن يفعل بها ما لم تتخيله، إلا أنه رصد شيئًا بعينيه حمد الله في لحظتها أنها فعلت ذلك.
لم يعطِ لنفسه الفرصة في التفكير، بل أمسك بها يستدير بسرعةٍ كبيرةٍ، جاعلًا نفسه هو أمام سور الشرفة وهي تختبئ بجسده، وصرخ عاليًا بصوتٍ جهوريٍ يهتف باسم "عاصم". استمع إليه كل من داخل القصر. ولكن تزامنًا مع تلك الصرخة، خرجت طلقةٌ ناريةٌ لتستقر في جسد إحداهما، فوقعا هما الاثنين داخل الشرفة، واهتاج الجميع من بعد ذلك، وخرجت الدماء تسيل على الأرضية بغزارةٍ تعلن عن أن هناك من قارب على فقد حياته. "جبل العامري" أو "غزالته". ***
"يُتبع"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!