تحميل رواية «سجينة جبل العامري» PDF
بقلم ندا حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تطاولت الأيام عليها، قللت منها ونالت من طموحها، رحل من كان لها الأمن والأمان، السكن والسكينة. حاولت الصمود فوجدت الهزيمة عنوانها. لا مفر من الوحدة والاحتياج، في بلد غريب عنها وعن أهلها. وجدت العودة هي الحل الأنسب لأخذ ما بقي لها منه، لتستطيع الصمود أمام كل محاولة اغتيال، لتقف في مواجهة كل عاصفة تنحدر نحوها ونحو ابنتها وشقيقتها. فليس هناك حل آخر سوى العودة إلى المجهول، والإقتراب من وحش حذرها كثيرًا ألا تقترب منه. ولكن لا مفر. يا الله، لقد عانت كثيرًا كي تصل إلى هنا. أتت إلى هذا المكان مرة واحدة س...
رواية سجينة جبل العامري الفصل الأول 1 - بقلم ندا حسن
تطاولت الأيام عليها، قللت منها ونالت من طموحها، رحل من كان لها الأمن والأمان، السكن والسكينة.
حاولت الصمود فوجدت الهزيمة عنوانها.
لا مفر من الوحدة والاحتياج، في بلد غريب عنها وعن أهلها.
وجدت العودة هي الحل الأنسب لأخذ ما بقي لها منه، لتستطيع الصمود أمام كل محاولة اغتيال، لتقف في مواجهة كل عاصفة تنحدر نحوها ونحو ابنتها وشقيقتها.
فليس هناك حل آخر سوى العودة إلى المجهول، والإقتراب من وحش حذرها كثيرًا ألا تقترب منه.
ولكن لا مفر.
يا الله، لقد عانت كثيرًا كي تصل إلى هنا.
أتت إلى هذا المكان مرة واحدة سابقًا مع زوجها "يونس"، رحمة الله عليه.
مرة واحدة فقط منذ الكثير، ربما منذ سبعة أو ثمانية سنوات.
هبطت من الطائرة القادمة بهم من مطار دبي في الإمارات العربية المتحدة إلى مطار القاهرة في جمهورية مصر العربية.
وفي نفس المكان أخذتهم طائرة خاصة بشقيقه لتقوم بتوصيلهم إلى مكان معيشتهم، تلك الجزيرة الغريبة كليًا عليها.
ولكن الآن هي لا تملك أي وسيلة اتصال به ليفعل ذلك، ولا تستطيع الوصول إلى الجزيرة بتلك السهولة.
ليس هناك أي وسيلة مواصلات أو طريق للوصول إليها إلا الطريق البحري.
"جزيرة العامري" أهناك أحد يعرفها من الأساس أو توجد على خريطة الجمهورية!
الكثير والكثير من الوقت والمجهود المُفرط في محاولة للوصول إلى هناك.
قد أتت من دبي منذ يومان بالضبط في محاولة منها للوصول إلى أهل زوجها "يونس"، ولكن بائت كل محاولتها بالفشل.
لأنها في تلك المرة الوحيدة التي ذهبت فيها إلى هناك لم تهبط في أي محافظة سوى القاهرة كالآن، ولم تجهد في محاولة الوصول مع زوجها بل كان الطريق أسهل مما يكون عليها من طائرة إلى أخرى خاصة.
والأولى كانت في الدرجة الأولى على متن الطائرة كأكبر رجال الأعمال والأغنياء، بينما الآن الفارق كبير للغاية.
لا يوجد مال تمتلكه لتكون في الدرجة الأولى، بل هي حصلت على مال السفر بالدين، واعدة مالكه بأنها سترده إليه في أقرب فرصة.
بقيت اليومان في فندق هي وشقيقتها الصغيرة وابنتها، بينما تحاول وتحاول الوصول.
إلى أن تذكرت صديق قديم لزوجها يعرف الطريق جيدًا، فعبثت كثيرًا إلى أن وصلت لهاتفه.
وقد دلها على الطريق الذي اكتشفت أنه مُرهق للغاية ومتعب ويستغرق الكثير من الوقت والمال.
ولكن على أي حال عليها التكملة.
الآن تقف على أول الخيط.
وصلت إلى الجزيرة بعد معاناة لا مثيل لها.
رحلة بالقارب لم تقل عن ثلاث ساعات!
كل هذا لتكون هنا؟ في هذا المكان النائي، الذي لا يعلم أحد بوجوده من الأساس!
كل هذا لتكون هنا على هذه الأرض الرملية الغريبة عليها كليًا.
تقدمت للأمام بخطوات بطيئة وبيدها ابنتها الصغيرة واليد الأخرى بها حقيبة سفر كبيرة وشقيقتها جوارها هي الأخرى كالمثل معها حقيبة سفر مثلها، بينما الطفلة تحمل حقيبة فوق ظهرها.
تقدمت خطوة والأخرى وعينيها تجوب المكان من كل إتجاه.
ليس هناك اتجاهات من الأساس سوى النيل!
أيعقل أن يكون هناك بلدة يعيش على أرضها كثير من البشر وليس هناك طريقة للوصول إليها سوى النيل!
أيعقل ذلك؟
أبتعدت بعينيها إلى مجموعة من الرجال تتهاتف أصواتهم العالية ويبدو أن هناك شجار بينهم.
يقف جوارهم اثنين من الرجال كل منهما يحمل سلاح على كتفه.
سارت بمساعدة أحد الأشخاص ليصل بها إلى قصر العامري الكبير، في جزيرة العامري.
لقد كان الجو حار للغاية والشمس ساطعة خصوصًا هنا في هذه المنطقة أكثر من البلدة بأكملها.
وكانت غبية في اختيار ملابسها ترتدي بنطال أسود فضفاض وقميص أسود مثله يجعلها تشعر بالحرارة أكثر وأكثر.
الجميع من نساء ورجال ينظرون إليها بغرابة.
تطلق العنان لخصلاتها السوداء الطويلة تنطلق على ظهرها كشقيقتها.
وكل النساء هنا يضعن على رؤوسهن وشاح منهن من تغطي رأسها بالكامل ومنهن من تغطي نصفه.
يرتدين عباءة فضفاضة سوداء.
من في طريقها ومن في الشرف داخل البيوت الصغيرة يرتدين عباءة بيتية بألوان زاهية غريبة.
والرجال جلباب بألوان مختلفة باهتة كالأسود والرصاصي.
أخرجت زفير حاد من فمها دليل على ذلك الشعور السيء الذي لازمها هذه الفترة.
نظرت إلى السماء ذو الشمس الساطعة.
يا الله.
بعد سير يقارب العشرون دقيقة وأكثر، وقفت أمام قصر العامري، أمام سور العامري الضخم.
الأرض الخضراء، وقفت أمام بوابة المرور إلى عائلة العامري، المالكة الأكبر والأعظم لهذه الجزيرة.
تنفست الصعداء وارتسمت الابتسامة على شفتيها بعد أن مرت بإحباط دام كثيرًا.
تركت الحقيبة على الأرضية وافلتت يد ابنتها الصغيرة واستدارت تنظر إلى الخلف، تتذكر ذلك المكان جيدًا.
نظرت بعينيها السوداء لترى كل شيء كما هو، مساحة كبيرة أمام قصر العامري في الخارج ومن بعدها هناك ترعة كبيرة للغاية في الطول والعرض لقد سارت على خطها إلى أن وصلت إلى هنا.
وعلى الضفة الأخرى يوجد ذلك الجبل المسمى بـ جبل العامري ككل شيء في الجزيرة.
ذلك الجبل الذي حذرها زوجها "يونس" في السابق الإقتراب منه.
حاولت مرارًا أن تذهب إلى هناك وتستكشف المنطقة ولكنه رفض رفضًا قاطعًا وأبعدها عنه تمامًا وإلى اليوم بقي فضولها داخلها للتعرف على المنطقة وذلك الجبل الغامض بالنسبة إليها.
تركها من أوصلها إلى هنا ورحل فوقفت أمام هذه البوابة الضخمة المغلقة.
خرج من الداخل أحد الحراس الذي شعر بأن هناك أحد في الخارج بسبب رؤيته لهم من تلك الفتحات الموجودة في البوابة بشكل مزخرف.
فتح البوابة ونظر إليهم فرفعت عينيها السوداء عليه وهتفت بصوتٍ مُرهق للغاية ومتعب إلى أقصى درجة:
"قصر العامري! أنا مرات يونس العامري الله يرحمه"
فتح لها الطريق ومن معها وأشار لغيره من الحرس أن يأخذوا الحقائب منهم ففعلوا.
تقدمت للداخل ومعها ابنتها وشقيقتها.
نظرت في الأنحاء وكم بدى التغير واضح.
لم تكن أيام بل هي سنوات مرت على رحيلها من هنا.
مؤكد سيكون هناك تغير وبالأخص في الحرس الكثير والمبالغ بهم.
القصر حوله زراعة خضراء أشجار فاكهه وغيرها ومساحة شاسعة للحديقة في الخارج تليق بهم على عكس الأرض الرملية في الخارج على عامه الشعب في هذه الجزيرة.
تهكمت وهي تلوي شفتيها وتحدث ذاتها فأنهم هنا في دولة منفصلة عن الدولة الأصلية هنا عامة الشعب على الجزيرة والحكام داخل هذا القصر الضخم.
الذي مؤكد سيكون داخله تكييف على عكسهم وعلى عكس ما رأته سابقًا.
لما كل هذا الحرس؟ أليس مُبالغة!
أنهم هنا بعيدون تمامًا عن البشر الحقيقيون من سيكون عدو لهم ليتواجد كل هذا الكم من الحرس.
أنها ترى نفسها تدلف إلى فيلا زعيم عصابات وليس قصر عائلة زوجها.
وقفت أمام البوابة الداخلية الضخمة للغاية ولا تقل عن الأولى في الخارج وقام أحد الحرس الذين يحملون حقائهم بدفع الباب بعد أن فتحت الخادمة لهم.
تقدمت للداخل ووقفت تنظر إلى الخادمة التي تتذكرها جيدًا ولكن اسمها قد رحل تمامًا عن ذاكرتها.
حاولت جمع شتات تفكيرها ثم هتفت بعد عذاب:
"ذكية! ذكية مش كده"
نظرت إليها الخادمة وتقدمت منها بلهفة مُبتسمة تردد اسمها بتحيُر غير مُصدقة أنها هنا:
"ست زينة.. زينة هانم"
قدمت الأخرى يدها إليها وابتسمت شاعرة أن الحياة ستبدأ معها من جديد بالسعادة التي افتقدتها:
"ازيك عامله ايه"
سلمت الأخرى عليها بحفاوة وسعادة وأجابتها:
"الحمدلله يا ست زينة.. الحمدلله يا هانم"
أشارت "زينة" إلى ابنتها الصغيرة ومن بعدها شقيقتها:
"دي وعد بنتي.. بنت يونس الله يرحمه ودي إسراء أختي"
اقتربت من الفتاة الصغيرة، صاحبة العيون العسلية والوجه الملائكي البريء، ذات الخصلات السوداء الطويلة كوالدتها بالضبط وأردفت بحب وحنان:
"بسم الله الله أكبر قمر.. ازيك يا وعد هانم"
أردفت الطفلة بهدوء ورقة لا يخلو منها الإرهاق:
"الحمدلله"
اتسعت ابتسامتها بعد سماع صوت تلك الرقيقة وأشارت لهم بالدخول إلى القصر:
"اتفضلوا.. معلش يا ست هانم فرحتي بيكم نستني ادخلكم"
تساءلت "إسراء" عن الحقائب:
"هما الشنط ودوها فين"
أجابتها "ذكية" وهي تُسير بهم إلى الداخل:
"الحرس دخلوهم اوضة الضيوف يا هانم"
مرة أخرى تساءلت "إسراء":
"هو ليه كل الحرس دول"
حمحمت الأخرى بحدة وسارت بهم وهتفت مُبتعدة عن هذا السؤال:
"اتفضلوا من هنا.. الست الكبيرة هتتبسط أوي يا هانم"
استغربت كل منهن أنها تغاضت عن السؤال وكأنها لم تستمع إليه من الأساس ولكن فعلوا مثلها وساروا معها للولوج إلى السيدة "وجيدة عمران" والدة "يونس" زوجها وجدة ابنتها.
وقفت على أعتاب الغرفة بعد أن استأذنت "ذكية" منها لتقوم بالدخول نظرت إلى الداخل بعينين تتفقد المكان ومن به، وجدت والدته، شقيقه الأكبر وشقيقته الصغيرة.
عائلة العامري.
دق قلبها بسبب هذا اللقاء الغير مرتب له، الذي تواجهه وحدها، وتنتظر الرد منهم عليه بكل قلق وخوف.
لم تكن يومًا قريبه منهم.
بل كانت بعيدة كل البعد عن الجميع هنا.
قلق وخوف البداية أنساها سعادة الوصول.
وقفت "وجيدة" على قدميها تنظر إليها بتلك العينان السوداء الحادة.
لقد تفاجأت كثيرًا من رؤيتها تقف أمامها الآن دون سابق إنذار، دون أي شيء.
زوجة ابنها الراحل هنا ومعها ابنتها هذه!!
تقدمت منها بخطوات ثابتة دون أي تعابير على وجهها فشعرت الأخرى بالتوتر أكثر من السابق ولكنها في لحظة تغيرت بالكامل وابتسمت باتساع تجذبها نحوها لتقوم باحتضانها.
تهتف بسعادة والفرحة ظاهرة في صوتها وعلى ملامحها:
"زينة.. مرات الغالي، وحشاني وحشاني يا زينة"
تنفست بعمق وارتياح ومكث قلبها داخل أضلعها تلف ذراعيها حولها تبادلها ذلك العناق تهتف بابتسامة:
"وأنتي كمان يا طنط وحشاني والله أوي"
ابتعدت عنها للخلف ونظرت إلى الصغيرة بحنين واشتياق إلى ابنها المتواجد بها.
نظرتها تحمل ألم أم ذاقت فراق ابنها وهي على قيد الحياة، وقلبها اشتعل بفتيل من الحرقة والاشتياق.
انخفضت نحوها وقامت باحتضانها بقوة شديدة، فقد فقدت الشعور به منذ الكثير ولكن الآن أتت إليها الفرصة لتعوض ذلك.
ولن تتركها أبدًا.
ابتسمت بفرحة عارمة والطفلة داخل أحضانها وعينيها تشوبها الدموع الغير مُصدقة والعائدة للخلف متذكرة الماضي الأليم:
"وعد! يا روح ستك بقيتي عروسة وجميلة يا ما شاء الله ايه الحلاوة دي"
رفعت رأسها تنظر إلى والدتها التي تقف جوارها لا تستطيع تفسير ما يحدث معها الآن محاولة فهم الأمر من والدتها والذي كان جديد عليها كليًا.
فأومات لها الأخرى برأسها وتحدثت:
"دي تيته وجيدة يا وعد.. مامت بباكي يونس"
نظرت إليها الفتاة الصغيرة ثانيةً وأردفت باحترام ورقة:
"ازيك يا تيته"
ابتسمت الأخرى وخرجت الدموع من عينيها وهي لا تصدق ذلك، لقد تمنت كثيرًا أن تكون طفلة ابنها هنا بين عائلتها وتعوضهم عن فقدانه.
الآن الأمر يتحقق.
"يا روح تيته أنتِ"
كل هذا وأكثر كان تحت أنظاره "جبل العامري" المسمى على اسم الجبل الموجود في الجزيرة بعد أن نال اسم العامري من العائلة.
ينظر إليها بعينان حادة، ثابتة عليها هي فقط يحاول فهم تعابير وجهها، وجهها!
هذا الوجه الذي يأخذ الشكل الطولي، حاجبيها المعقودان لونهما أسود كـ لون عينيها السوداء الحالكة وأهدابها الكثيفة التي يحيطها كحل أسود يجعل جمالها الباهت رائع.
أنفها ذو الأرنبة المستديرة وشفتيها الوردية مُكتنزة كل هذا على بشرة بيضاء جذابة وخصلات سوداء للغاية كمعظم ملامحها تغطي ظهرها.
أأيضًا ملابسها سوداء! أهي في حالة حداد على أحدهم!
حفر وجهها داخله.
رفعت عينيها عليه، وجدته يجلس ولم يرف له جفن، ينظر إليها بغموض وغلظة يتابع كل حركة تصدر عنها.
ابتلعت ما وقف بحلقها وذكرت نفسها بتحذيرات زوجها "يونس" بألا تقترب منه إلى الحد الأعمق.
يكفي السلام والسؤال من أبعد خط قد تصل إليه معه، وأبعد محطة قد تتقابل معه بها.
جمعت شتات نفسها وخرج صوتها وهي توجه الحديث إليه بجدية تامة:
"ازيك يا جبل بيه"
لحظات! والأخرى وعينيه عليها تحقق تحاول الوصول إلى الأعمق بعد ملابسها وداخلها.
ثم أجابها وأخرج صوته الخشن:
"كويس يا مدام زينة"
لم تستطع أبعاد عينها عنه، لقد كان مُروع للغاية وهي التي لم تخاف من شيء قبل.
نظرة عينيه الخضراء ترسل إليها إنذار من كل إتجاه لتحافظ على حياتها.
وقف على قدميه وسار ناحيتهم لتفوح رائحته عليها، وترى وجهه الغريب، حاجبيه الكثيفان ذو اللون الأسود وكأنها توحي بالكره لا تدري لماذا هذا التعبير خصيصًا أتى على خلدها.
عينيه الخضراء ذو النظرات المُهيبة الواثقة، أنفه الحاد الشامخ وشفتيه واحدة رفيعة والأخرى غليظة.
ملامحه جميعها تجعلها تشعر بالتوتر والقلق.
أقترب إلى الفتاة الصغيرة، هبط على ركبته اليمنى واستند بالآخرى، نظر إلى وجهها الملائكي ذو الرقة الخالصة المعهودة لدى الأطفال وهتف بصوت حاول قدر الإمكان أن يجعله حنون وهادئ:
"أنا عمك جبل.. أخو يونس"
ابتسمت إليه قائلة:
"ازيك يا عمو جبل"
أومأ إليها برأسه بجدية وقال ناظرًا إلى عينيها العسلية الرائعة كعيون والدها رحمة الله عليه:
"كويس.. أنتي عامله ايه"
تنهدت بارهاق وتعب ثم هتفت قائلة:
"الحمدلله كويسه"
أقتربت منها "وجيدة" ولم تترك فرصة الرد إلى "جبل" بل جذبت الطفلة صاحبة السبعة أعوام إليها ودلفت بها إلى داخل الغرفة تجلسها على الأريكة وهتفت بصوت مُرتفع بفرحة:
"وهتبقي كويسه على طول يا روح تيته طول ما أنتي هنا"
وقف مُعتدلّا بعد أن أخذت والدته الطفلة فبقيٰ أمام وجهها، تبادل معاها النظرات وكل عين تحكي شيء مُختلف تمامًا عن الأخرى.
ثم استدار برأسه قليلًا ونظر إلى شقيقتها فتاة صغيرة تبدو أقل من العشرون عام، بخصلات ذهبية وعيون زرقاء وشفاه تلطخها الحمرة وهي بالفعل جميلة لا تحتاج إلى ذلك.
صاح بصوته المعهود، الحاد الذي يحمل خشونه لا توصف:
"مين دي!"
تمسكت شقيقتها "إسراء" بيدها بقوة، دق قلبها للحظة من تلك النظرة التي أخذتها من عينيه، لم يتزحزح عنها وانتظر أن يستمع إلى الإجابة.
ردت بتوتر لا إرادي تشعر به بسبب حركاته الصادرة عنه ووجوده ككل من الأساس وتمسكت بيد شقيقتها لتشعرها بالأمان:
"دي إسراء أختي"
أبعد بعينيه إليها وسألها بقوة وثبات واضح وهو يضع يده الاثنين داخل جيوب بنطاله:
"من امتى عندك أخوات"
أردفت تُجيب على سؤاله الغليظ توضح له أكثر بما أنه لا يعلم بها:
"إسراء تبقى أختي من بابا.. كانت عايشة في تركيا مع مامتها وبقالها فترة كبيرة عايشة معايا"
أعتدلت "فرح" شقيقته تنظر إليها من الأسفل إلى الأعلى، تنظر إلى الاثنين وكأنها تقول قصر الرعب بانتظار الآخرين من المهرجين.
صدح صوته الصارخ في أذنهم فجأة وهو ينادي بإسم "ذكية" التي حضرت ما أن نطق آخر حرف بإسمها.
قالت وهي تتقدم سريعًا باحترام ولهفة:
"تحت أمرك يا جبل بيه"
أشار إليها بيده المُحررة من جيب بنطاله:
"وريهم اوضهم يرتاحوا"
أخفض عيناه إلى "زينة" وتحركت شفتيه بكلمات لم تفهم لها معنى وما الذي يريده منها:
"هشوفك ونتكلم بعد ما ترتاحي"
ردت تتابع عيناه هي الأخرى باستغراب:
"في حاجه؟ نتكلم في ايه؟"
خرج من الغرفة وهو يقول بثقة وعنجهية:
"هتعرفي وقتها"
تقدمت منها الطفلة بعد أن حثتها "وجيدة" على الذهاب مع والدتها لكي تنعم بالراحة هي الأخرى فيبدو عليها الإرهاق الشديد.
تحركت إلى الخارج بعد أن قالت بهدوء:
"عن اذنك يا طنط"
أومأت إليها بابتسامة لا مثيل لها وكأنها حصلت على كنز غالي كان يصعب الحصول عليه أو يستحيل:
"اتفضلي يا زينة"
خرجت مع "ذكية" التي سارت بهم إلى الأعلى، لتعرف كل واحده منهم على غرفتها ولكن "زينة" وقفت في الردهة أمام الغرف وقالت:
"ذكية إحنا عايزين اوضه واحده.. يكون فيها سريرين"
أومأت إليها وهي تشير إلى الناحية الأخرى:
"حاضر يا ست هانم.. تعالي من هنا"
سارت خلفها إلى أن وصلت إلى الغرفة التي تريدها لتكن مع ابنتها وشقيقتها فلا تريد ترك كل واحدة في غرفة أخرى بعيد عن عينيها، دلفت معهم إلى الداخل واستمعت إلى صوت الخادمة تقول:
"الشنط هتطلع حالًا يا ست هانم"
حركت رأسها إليها فذهبت الأخرى وأغلقت الباب من خلفها، صعدت الصغيرة "وعد" على أحد الفراشين بعد أن ألقت حقيبة ظهرها على الأرضية وارتمت عليه بتعب شديد لأنها تحتاج كثيرًا إلى النوم.
جلست "إسراء" جوارها ونظرت إلى شقيقتها وتحدثت بقلق وخوف لا تريد كبته داخلها:
"زينة.. أنا خايفة من المكان ده والناس اللي فيه"
لقد كانت هي الأخرى خائفة للغاية ليس من عاداتها، أنها المرأة التي تحملت كل الصعاب، لكن كثير من المؤشرات لا تقول أن القادم خير خصوصًا منه هو ولكنها نفت ذلك حتى لا تشعر الأخرى بالرهبة مُنذ اليوم الأول:
"خايفة من ايه بس الناس استقبلونا كويس وبعدين دول أهل يونس يعني وأنتي عرفاه كويس مش هنلاقي حد زيهم"
تابعت وهي تنظر إليها باستغراب:
"بس اللي اسمه جبل ده غريب أوي.. والحرس دول كلهم ليه وهو ايه المكان اللي عايشين فيه ده طالما غنين كده والناس اللي بره دول عاملين كده ليه"
جلست على الفراش الآخر مقابلة لها ثم ابتسمت كاذبة وهي تهتف:
"أنتي متعبتيش من الطريق؟ ارتاحي وبعدين نتكلم"
ثم صعدت على الفراش تريح ظهرها عليه، وما أن فعلت ذلك تنفست بعمق وكأنها حصلت على الراحة في بداية طريق المشقة.
والحقيقة المُرة هي أن قلبها لا يهدأ عن العبث بها وذلك لا يحدث إلا في الحالات النادرة كالتي يحدث بها الكوارث.
على أي حال ليس هناك أي حل آخر كان على طريقها ولم تفعله.
هذا كان أولهم وآخرهم وأفضلهم بالنسبة إلى المواجهة مع الفقر.
عليها أن تهدأ فقط قليلًا والقادم كله سيأتي إلى عِندها سواء فكرت به أم لم تفكر.
نظرت إلى سقف الغرفة وتنهدت بقوة، يا الله، ساعدني في الوصول إلى مبتغاي دون الشعور بالقهر مرة أخرى، ودون الشعور بالذل والكسرة، دون الشعور بالفقد والفراق وحرقة الاشتياق ولوعته.
بعد بضع ساعات نالت بهم بعض من الراحة بعد رحلة شاقة طويلة كهذه وحرب ضارية بينها وبين نفسها المعارضة إياها دائمّا، استيقظت من نوم كان عميق دلفت به دون تعب، بدلت ملابسها إلى أخرى غير تلك التي أصبحت مليئة برائحة الإرهاق وبدى عليها أنها مُتسخة.
بملابس أخرى مثلها مُحتشمة مُكونه من بنطال أسود وتيشرت رصاصي اللون ولأن أهل البيت كلهم محتشمون وملابسهم غير ملابسها هي وشقيقتها حاولت أن تكون مثلهم ولا تظهر شيء منها بالأخص في وجود ذلك الجبل الصلب الذي وقف أمامها شامخًا.
هبطت للاسفل بوجهًا مُتجمد وأثناء هبوطها الدرج قابلتها "ذكية" التي تحدثت قائلة بعد أن أبصرتها:
"كنت طالعة ليكي يا ست هانم.. جبل بيه مستنيكي في الصالون"
دققت النظر بها ورأسها به ألف وألف سؤال عن ما الذي يريده منها!
أومأت إليها وهبطت بهدوء مُتجهة إليه.
ولجت إلى الغرفة وهو جالس كما رأته أول مرة، تقدمت وعينيها لا تستطيع الإبتعاد عن خاصتيه المُخيفة الثابتة، وكأنه يجبرها على النظر إليه لتعرف إلى أين أتت.
جلست أمامه ثم خرج صوتها الذي رفعته ليظهر واضح وواثق:
"نعم يا جبل بيه"
تقدم للأمام في جلسته، اتكأ بيده الاثنين على قدميه ورفع عينيه إليها بجمود وحدة، يرسل إليها عبارات لا تتفهم أي منها، تحاول جاهدة لكنه لا يساعدها.
قال بصوت حاد جامد خرج بخشونة من فمه:
"وصلتي الجزيرة إزاي"
أجابته ببساطة وهي تشير بيدها بعفوية:
"بصراحة الوصول كان صعب أوي يعني مش هكدب عليك.. المرة اللي جيت فيها هنا كانت بالطيارة"
تثير شكوكه، كيف لواحدة كهذه تستطيع الوصول إلى جزيرته بكل هذه السهولة، إذًا ماذا عن البقية من أفراد الشرطة!
كرر سؤاله مرة أخرى بوضوح:
"وصلتي الجزيرة إزاي"
ابتلعت ما بجوفها وهي تنظر إلى عينيه المخيفة بذلك اللون الأخضر الغريب، فقالت سريعًا:
"ده واحد صاحب يونس الله يرحمه هو اللي دلني على الطريق بعد ما كنت تعبت ومش عارفه أوصل"
كأنه يجلس في مكتب ضابط شرطة وهي المُتهمة تحت يديه، بدأ معها تحقيق ومن هنا إلى هنا يكتب سؤال وجواب:
"اسمه ايه"
أردفت باستغراب جلي ما السبب وراء كل هذه الأسئلة الغريبة:
"عماد ابراهيم"
أومأ إليها بعد أن علم هويته، نظر إلى الأرضية ثم مرة أخرى إليها بجمود أكثر وحدة تُرهبها أكثر من السابق، تسائل بجدية وبرود:
"جيتك هنا غريبة.. جاية ليه"
هل تُجيبه الآن! تتحدث عن السبب وراء قدومها إلى هنا؟
إنه قام بسؤالها إذًا عليها الإجابة أليس كذلك!؟
ما كانت إلا تتحدث ودخلت والدته "وجيدة" والإبتسامة على وجهها بالرغم من أن ملامح وجهها حادة للغاية ومخيفة بعض الشيء، جلست وهي تقول بجدية وهدوء:
"متعرفيش أنا فرحانه قد ايه أنكم معانا هنا يا زينة"
ابتسمت إليها محاولة أن تخفف من حدة توترها بسبب ذلك المُتخلف عقليًا الذي تجلس معه وأجابتها بإحترام وهدوء:
"تسلمي يا طنط"
وجدت صوته الحاد يخترق أذنها كالرياح الهادفة التي تأتي بصفير حاد في الأذن يكرر عليها:
"مجاوبتيش عليا"
أبعدت نظرها إليه ثم إليها مرة أخرى وعادوت فعلها، ضغطت على يدها بالآخرى وتفوهت بالكلمات بجدية:
"بصراحة أنا جاية أخد حقي أنا ووعد بنتي في يونس"
وجدت الاثنان ينظرون إليها دون حديث، هو ملامحه جامدة لا تستطيع أن تفهم منها شيء وعيونه الخضراء ترعبها ربما كل هذا لأنها اقتربت منه بعض الشيء فهي ليست بهذا الجُبن، والأخرى تحولت ابتسامتها إلى بؤس وأظهرت ملامحها المخيفة لتبقى جالسة بين فردين ترهبهم.
تابعت محاولة تبرير طلبها لحقها في زوجها:
"العيشة في دبي صعبة، وعد ليها مدرسة وعندنا مصاريف وأنا عليا مسؤولية.. أنا حاولت ألاقي شغل بس مقدرتش لأني معايش شهادة تشغلني هناك.. حتى الشركة اللي كان فيها يونس مأخدناش منها حاجه.. أنا مش طمعانه غير في حقنا وبس"
وجدتهم صامتين هم الاثنين بعد كل هذا الحديث الذي قالته لتأخذ حقها هي وابنتها منهم، من المفترض أن لا تتحدث من الأساس فقط تطالب بما لها.
تابعتهم باستغراب ولم تعد تعرف ما الذي من المفترض قوله بعد الآن.
هو كان داخل رأسه حساب آخر لكل ما تقوله، أيعقل هي هنا فقط لتأخذ مالها؟!
تحدثت "وجيدة" وهي تحاول أن تضبط ملامح وجهها لكي لا تثير شكوك تلك الجالسة أمامها وأردفت بكل الود والمحبة:
"طبعًا طبعًا يا زينة أنتوا ليكم حق وهتاخدوه"
ابتسمت إليها وقد انزاح عن قلبها هم كبير كانت تواجهه كل ليلة بمفردها خوفًا من عدم قبول طلبها بعد الوصول إلى هنا وتعود مرة أخرى إلى الفقر والدين من الأشخاص هناك.
بينما الأخرى كان داخل رأسها شيء آخر تمامًا غير الذي هتفت به إليها، عاجلًا وغير أجلًا ستتعرف عليه وتقوم بالموافقة به.
سوى كان بالغصب أو بالرضا.
وقفت "وجيدة" ومازالت مُبتسمة أشارت إليها قائلة:
"قومي هاتي وعد وأختك علشان نتعشى.. يلا"
أومأت إليها ثم وقفت على قدميها وسارت خارجة من الغرفة تحمد ربها أن الأمر تم بسلام وستأخذ مالها وتعود من حيث أتت إلى حياتها هي وابنتها.
إلى الآن لا تعلم ما الذي يخفيه القدر داخل جزيرة تسمى بجزيرة العامري.
وهي داخل هذه العائلة.
قابلت في طريقها "فرح" شقيقة زوجها فوقفت قائلة إليها بابتسامة ساخرة:
"لسه زي ما أنتي يا فرح.. أنتي حتى شوفتيني لما جيت مسلمتيش عليا"
سخرت الأخرى مُبتسمة مثلها وأجابت:
"هسلم على الملكة كليوباترا يعني يا زينة"
ربتت "زينة" على ذراعها فهي تبدو كما هي فتاة غريبة متكبرة وترى نفسها فوق الجميع:
"على رأيك"
مرت من جانبها وتركتها تقف في الطريق تستدير لتنظر إليها وهي تصعد على الدرج بنظرة ساخرة متهكمة عليها.
ولكن الأخرى لم تبالي هي الآن في قمة سعادتها.
المؤقتة.
"في المساء"
احتجزت "وجيدة" الفتاة الصغيرة وعد معها، منذ تناول العشاء وهي جليسة المكان الذي تكون به، لأ تريد الإبتعاد عنها نهائيًا بل بقيت تنظر إليها كما أنها لو ترى ابنها الراحل هو الذي أمامها وتنتقل خلفها من هنا إلى هنا تحاول تعويض السنوات الضائعة منها في الفراق والاشتياق القاتل لحفيدتها وابنها الذي عاد إلى موضعه قبلها وشهدت رحيلة وكسرتها به.
أردفت بسعادة وهي ترفعها على قدميها:
"تعالي هنا بقى.. أنا مش هسيبك خالص"
تحدثت الصغيرة بحب وهي تنظر إليها بعيون بريئة:
"أنا حبيتك أوي يا تيته ومش عايزة اسيبك"
اتسعت ابتسامة "وجيدة" وأصبحت من الأذن إلى الأخرى ورفرف قلبها فرحًا بحديث حفيدتها:
"أنا اللي بموت فيكي يا روح تيته ومش هسيبك تمشي أبدًا أبدًا"
جلست على قدميها مُعتدلة ونظرت إليها وتفوهت بالكلمات من بين شفتيها بحماس:
"بجد؟"
أومات الأخرى إليها سريعًا تؤكد محركة رأسها من الاعلى إلى الأسفل:
"طبعًا مش هسيبك تمشي خلاص"
وضعت الصغيرة إصبعها إلى جانب فمها تفكر قائلة بطريقة طفولية:
"طب والمدرسة يا تيته"
اتسعت عينيها وهي تحل مشكلتها الكبيرة قائلة بحماس وحب كبير يظهر في كل لمسة وكلمة تخرج منها إلى الطفلة:
"هنحول لمدرسة هنا في الجزيرة"
سألتها "وعد" بتركيز:
"فيها pool وملعب كبير علشان الرياضة اللي بتعلمها"
حركت رأسها بعدم فهم وضيقت عينيها مُتسائلة بجدية ناظرة إليها:
"يعني ايه بول ده"
أجابتها بهدوء ورقة وهي تبتسم بطفولية:
"يعني حمام سباحة"
أكملت حديثها إلى جدتها وهي تشير بيدها الاثنين تشرح إليها أكثر:
"حوض كبير أوي كده يا تيته بيبقى فيه مايه كتير أوي نقدر ننزل نسبح فيه ونتعلم السباحة"
رفعت رأسها للأعلى وقالت ببساطة:
"آه زي اللي قدامنا كده.. شوفتيه"
حركت رأسها نافية:
"لأ"
قالت جدتها بحنان وحب:
"هبقى اوريهولك"
وأكملت الجلسة معها بكثير من الحب والحنان الذي يفيضان منها إلى ابنة ولدها وفلذة كبدها الراحل، التي لن تتركها ترحل مهما حدث.
في الخارج، سارت "إسراء" في الحديقة الخاصة بالقصر والذي كانت كبيرة للغاية إذا سار بها أحد لا يعرف معالمها يضيع داخلها إلا إذا أنقذه أحد.
ظلت سير في الحديقة وتتأمل كل شيء بها، بتلك العيون الزرقاء الرائعة وهناك نسمة باردة تأتي عليها تحرك خصلات شعرها الذهبية الحريرية لتبقى سابحة في الهواء.
عيناها تنظر إلى النجوم مرة وإلى الطبيعة المحيطة بها مرة أخرى، والهواء يأتي من النيل ورائحة المياة تفوح في المكان على الرغم من أنها تبتعد عن هنا بكثير.
ولكن ربما هي المياة التي بالخارج.
انخفضت بجسدها وهي تسير وتستكشف المكان في الظلام الدامس وبتلك الملابس السوداء، سارت إلى أن وصلت إلى خلف القصر.
انخفضت لتعبر من أسفل تلك الأسلاك الموضوعة لا تعلم أهي حماية أم لتدخل في لحم جسدهم.
وقفت وقلبها يدق بعنف وخوف كبير وداخله يقرع من الفزع الذي تعرض إليه عندما استمعت إلى صوت غريب صعق أذنها:
"اقفي عندك"
استدارت تنظر إلى الشخص الذي ارعبها فوقع قلبها بين قدميها ليس فقط ارتعب، واتسعت عينيها بخوف ورعب شديد وهي ترى رجل طويل وعريض المنكبين وضخم بالنسبة لحجمها يقف في الظلام خلفها يرفع عليها سلاح!
رواية سجينة جبل العامري الفصل الثاني 2 - بقلم ندا حسن
وقفت ثابتة لا تحرك ساكنًا. كل ما يتحرك بها عينيها الزرقاء المُتسعة تنظر إليه بذعر ورهبة كبيرة. احتلت معالمها وجعلت قلبها يدق أسرع وأسرع في كل ثانية تمُر عليه، شاعرة أنه سوف يخرج من مكانه بسبب كثرة الطبول به.
حركت عينيها عليه دون حديث، تنظر إلى وجهه الغاضب وعينيه السوداء التي تنظر نحوها بحدة وجمود لا تستطيع وصفه. ومازالت يده ترتفع نحوها مُمسكة بالسلاح مصوبه عليها أمام رأسها بالضبط.
ذلك الطول الذي كاد يبتلع جسدها ويخفي عليها الضوء وهو يقف أمامها مع نظراته وذلك السلاح، غير تلك الفزعة التي أخذتها منه، كل ذلك جعلها تشعر بأنها ستفقد حياتها وقلبها سيتوقف عن النبض السريع هذا.
خرج صوته بخشونة يتسائل ناظرّا إليها بعمق:
- دخلتي هنا إزاي؟
تحركت شفتيها بعد لحظات تُجيب على سؤاله بتردد وشفتيها ترتعش، لا تستطيع إخراج الكلمات مرة واحدة:
- من.. من.. هناك البوابة.
حرك يده بالسلاح وسألها مرة أخرى بنفس نبرته:
- دخلتي من البوابة إزاي وبتعملي ايه هنا؟
عادت خطوة للخلف بقدمها لا تعلم كيف استطاعت فعلها وأجابته برعب شديد:
- هما فتحوا البوابة ودخلت.
تحرك أكثر من خطوة نحوها غير الذي ابتعدتهم، يصرخ عليها بغلظة وقسوة:
- أنتي هتنقطيني بالكلام.. انطقي يابت بتعملي ايه هنا؟
خرجت الدموع من عينيها بكثرة لحظة صراخه عليها بصوت عال واقترابه منها بهذه الطريقة وهو يخيفها بسلاحه، قالت من بين بكائها:
- أنا هنا مع أختي.. دخلنا سوا.
أخفض سلاحه بعصبية وأقترب منها بعنف ونظرته نحوها لا توحي بالخير أبدًا. أمسكها من ذراعها بقسوة يضغط عليها ساحبها معه إلى الحديقة في الأمام صارخًا عليها:
- أنتي هتستهبليني يا بت أنتي.. أختك مين دي اللي دخلت هنا.. تعالي دا أنتي يوم أهلك أسود.
سارت خلفة بجسد هزيل مُمسكًا بذراعها يسحبها خلفه بقوة وعنف وقلبها يقرع داخل قفصها الصدري وبكاء عينيها لا يتوقف.
يجذبها خلفه وهي معه لا تُرى من الأساس. يسير هو أمامها بجسد ضخم طويل للغاية، إن نظرت إليه ترفع وجهها إلى الأعلى وكأنها تنظر للسماء وعريض المنكبين يغطي وجودها. بعيون سوداء حادة ونظرته مُخيفة كذلك الجبل في الداخل، وكأنها أتت إلى هنا كي تأخذ أكبر قدر من الخوف المنبعث منهم.
دفعها بيده إلى أمام البوابة الداخلية لقصر العامري، ثم مرة أخرى رفع عليها السلاح وهتف بعصبية وصوت عالي:
- لو مش عايزة تخسري حياتك هنا اتكلمي يا بت أنتي.. من باعتك ودخلتي هنا إزاي؟
انتحبت في البكاء وتصاعد صوتها فأجابته وجسدها يرتعش بخوف وتوتر:
- محدش باعتني والله أنا جيت مع أختي هي حتى جوا.
تهكم عليها يلوي شفتيه هازئًا:
- صدقتك أنا كده.. مافيش حد بيدخل قصر العامري، في قوانين محدش بيكسرها يبقى اتكلمي أحسن.
أتى من الخلف شاب مثله طويل ولكن ليس بنفس طوله وجسده الضخم، ثم تسائل بهدوء:
- في ايه يا عاصم؟
أجابه وهو ينظر إليها لا يحرك عينيه قائلًا:
- واحدة من الرخاص اللي بيتحدفوا هنا كل يوم يا جلال.. بس المرة دي مش هسببها غير لما تقول مين اللي باعتها.
أقترب "جلال" ذلك منه ليقف جواره ويظهر لها بملامحه الحادة الأسوأ بكثير من ذلك الغبي أمامها:
- اتكلمي أحسن ده مبيرحمش.
للخلف خطوة وتكررها ومسحت وجهها بظهر يدها بعشوائية والخوف ينهش في قلبها. ارتفع صوتها قائلة:
- والله قولتله أنا مع أختي هنا داخله الصبح من البوابة دي.
نظر إليه "عاصم" وتساءل بجدية:
- شوفتها ولا شوفت أختها؟
حرك "جلال" عينيه عليها من الأسفل إلى الأعلى والعكس وعينيه تجوب وجهها بنظرات مقززة:
- أنا كنت معاك بره.. والحرس بيتعشوا دلوقتي.
أكمل وهو يقترب منها بحركات ثابتة ونظراته نحوها لا تبشر بالخير:
- هتيجي تونسنا لحد ما الحرس يخلصوا.. ماهو مش معقول هندخل القصر ونزعج البشوات علشانك.
عادت للخلف أكثر وهي تبكي وتنظر إليهم بهلع يحرك قلبها من مكانه بقوة.
الاثنين نظروا الآن إلى جمالها بعد كلمات "جلال". عيون زرقاء رائعة، خصلات صفراء، وجه أبيض وملامح بريئة وشفتين حمراء. وغير كل ذلك فتاة صغيرة لم تتخطى سن العشرون.
عندما وجدته يقترب منها عادت للخلف أكثر وهي تنظر إليه، بينما استمعت إلى صوت الآخر يقول ومازال السلاح بيده:
- اتكلمي علشان لو سيبته عليكي مش هيحصل كويس.
ارتفع صوتها مع البكاء يخرج بضعف شديد:
- والله بس كده.
سحب زناد مسدسه وثبته إلى وجهها ثم صرخ بها قائلًا بقسوة:
- أنتي اللي اختارتي بقى.
صرخت عاليًا وتحركت بقدمها تركض إلى بوابة القصر وقلبها لا يدق بعنف بل يقرع طبول وكأنها بداية حرب أو ما شابه. في محاولة منها التوجه إلى الداخل لا تدري كيف والبوابة مُغلقة. ولكنها استمعت إلى صوت طلق ناري أوقفها في منتصف الطريق مُعتقدة أنه أصابها مع صوت صرخة أخرى عالية للغاية خرجت منها ووصلت إلى عنان السماء.
توقف قلبها الذي كان يقرع وحبست أنفاسها داخلها. وقفت تعطي إليهم ظهرها تخاف من اقترابه الغير مرئي إليها.
صرخ بها "عاصم" بعصبية وعنف:
- اقفي عندك قسمًا بالله يومك أسود.
فُتح باب القصر، طلت من خلفه "زينة" ووالدة "جبل" السيدة "وجيدة". ظهر على ملامح زينة القلق والتوتر الشديد وهي تتقدم إلى الخارج وتعلم أن شقيقتها بقيت في الحديقة. وقع قلبها بين قدميها وشعرت به يُنتزع من مكانه وهي تستمع إلى صوت صرختها وصوت الطلق الناري.
ارتفع صوت "وجيدة" وهي تنظر إلى "عاصم" متسائلة بحدة:
- في ايه يا عاصم؟
صاح مُقتربًا يقبض على ذراع "إسراء" مرة ثانية وهو يجيب بهدوء:
- متقلقيش يا هانم اتفضلي إحنا هنتصرف.
تقدمت "زينة" سريعًا تركض ناحيتهم ونزعت ذراع شقيقتها من يده ثم دفعته للخلف بيدها في صدره صارخة به:
- شيل ايدك دي إزاي تتجرأ تعمل كده وتمسك أيدها.
نظر إليها باستغراب، وجه جديد عليه وكانت في الداخل أيعقل حديثها كان صحيح. تحامل بالقوة صراخها عليه ودفعها له فقط لحين أن يفهم ما الذي يحدث.
ارتمت "إسراء" في أحضان شقيقتها وارتفع صوت بكائها مع كلماتها المتقطعة:
- يلا نمشي من هنا.. خلينا نمشي يا زينة.
دفعتها للخلف بخفة ونظرت إلى وجهها وحالتها المُزرية:
- ايه اللي حصل مالك؟
لم تجيبها بل ارتمت في أحضانها مرة أخرى تخفي وجهها عنهم.
كادت أن تتحدث "زينة" ولكن صوت "عاصم" اخترق أذنها:
- مين دول يا هانم وإزاي دخلوا القصر وجبل مش موجود؟
نظرت إليه بحدة وأردفت مُجيبة إياه بصوتٍ عالٍ توبخه على ما فعله:
- دي زينة مرات يونس الله يرحمه وإسراء أختها.. أنت عارف أن محدش بيدخل القصر إلا بإذن مننا ايه لزوم اللي عملتوه ده؟
أخفض وجهه أمامها وتحدث بهدوء معتذرّا:
- كانت في الجنينة ورا في الضلمة بتتسحب زي الحرامية افتكرتها نطت من على السور.. على العموم أنا آسف يا هانم.
صرخت بوجهه "زينة" وهي مُحتضنة إياها قائلة بعصبية:
- هو ايه اللي آسف يا هانم.. القصر كله ملغم حراس في كل مكان هتنط من على السور إزاي وبعدين ده شكل واحده تعمل كده.. إزاي ترفعوا السلاح عليها.. وازاي معاكوا سلاح أصلًا؟
رفع نظره إلى "وجيدة" هو و"جلال" باستغراب لم يفهم أحد منهم ما السؤال الأخير الغبي الذي ألقته عليهم هذا. ولكن "وجيدة" احتوت الموقف سريعًا وتقدمت إلى "إسراء" تأخذها من "زينة" تحتضنها وتطمئن قلبها مربتة على ذراعيها وهي تتجه إلى الداخل.
- تعالي يا زينة معلش يا حبيبتي هما مايعرفوش.. تعالي أنا هفهمك.
نظرت إليه شزرًا بعصبية وكأنها تود أن تنقض عليه لأنه مس شقيقتها ثم سارت خلف والدة زوجها إلى الداخل لتفهم ما الذي حدث.
نظر "جلال" إلى "عاصم" وتساءل قائلًا:
- هو ايه اللي بيحصل؟
حرك الآخر رأسه ورفع كتفيه يهتف:
- مش عارف.
جلست في الداخل في صالون القصر الكبير جوار شقيقتها التي مازالت تزيل دمعاتها بيدها. نظرت إليها وتفوهت بالسؤال بجدية:
- ايه اللي حصل اتكلمي.
رفعت بصرها إليها بعينيها الزرقاء المُنتفخة، أجابتها بشهقات متقطعة وهي تحاول الصمود:
- أنا كنت في الجنينة بتمشى ودخلت ورا لقيته ورايا ورافع عليا المسدس وبيقولي إزاي دخلت هنا.. قولتله إني دخلت معاكي مصدقنيش وكان هيضرب عليا نار.
ابتعدت "زينة" بنظرها إلى "وجيدة" تنظر إليها بحدة واستغراب في ذات الوقت وما حدث في الخارج يؤثر عليها في حديثها الحاد ونظراتها نحوها:
- إزاي يعمل كده وإزاي معاه سلاح هنا؟
ابتسمت "وجيدة" بهدوء تقول بعقلانية:
- ماهو يا زينة دا قصر واللي برا حرس يا حبيبتي لازم يبقى معاهم سلاح.. عاصم رئيس الحرس أكيد مش قصده يعمل كده.
أردفت "زينة" مُعقبة على حديثها بعقلانية أكثر:
- قصر ماشي ومحتاج حرس تمام لكن مش بالضرورة يكون معاهم سلاح خصوصًا لو في منطقة زي دي.. هو أنتي يا طنط مش شايفه الناس والمكان هنا عامل إزاي؟
تابعت تكمل بعد حديثها السابق بنفس الطريقة:
- دي أوامر يا زينة.. مش مطلوب إننا نخالفها.
تذكرت حديث زوجها الكثير عن تلك الأوامر الذي تصدر عن شقيقه ولا يستطيع أحد مخالفتها أبدًا ولا يجب ذلك أيضًا وكأنهم يعيشون بسجن كبير يخرجون ويدلفون إليه ومنه فقط وهو حاكمه وعليهم السمع والطاعة.
وقفت شقيقتها على قدميها وجسدها يرتعش، قدميها لم تكن تستطيع أن تحمل جسدها بعد فزعته بصوت الطلق الناري الذي اعتقدت أنه أصابها وفارقت الحياة وما قابلته في الخارج قبل ذلك.
تحدثت بخفوت:
- عن اذنكم هطلع الاوضه.
أومأت إليها والدته قائلة:
- اتفضلي يا بنتي ارتاحي.
❈-❈-❈
"بعد مرور يومين"
جلست "زينة" مع "وجيدة" و "جبل" لتتحدث معهم في أمر حصولها على ميراثها هي وابنتها من زوجها الراحل مرة أخرى بجدية أكثر من المرة السابقة لأنهم ربما لم يفهموا جيدًا حديثها. فهي لم تكن آتيه إلى هنا حتى تجلس وتستريح بل أتت لتأخذ ما لها هنا وترحل في أسرع وقت.
تعلم أن جميع الأمور لن تحدث إلا بأمر من "جبل" فنظرت إليه وأردفت بجدية:
- جبل بيه.. أنا لما جيت اديتكم خلفية عن سبب وجودي هنا بس تقريبًا أنت مأخدتش الموضوع بجد لأن محدش كلمني فيه.. وبصراحة أنا مش حابه أطول أنا عايزة أرجع.
كان يضع يده على وجنته اليمنى فاردًا إصبعه السبابة على وجنته يستند بذراعه على المقعد ناظرًا إليها بعدم اهتمام وخرجت الكلمات من فمه بلا مبالاة:
- والمطلوب!
وزعت نظرها بينهم هم الاثنين ثم قالت بجدية وبعض من الحدة في نبرة صوتها:
- عايزة حقي أنا وبنتي علشان أمشي.
أسرعت والدته تتحدث وهي تربت على يدها الموضوعة على ركبتها خوفًا من أن يُجيب "جبل" بشيء لا يروقها وهي لن تسمح بذهابهم:
- هتاخدي حقك وفوقه زيادة أنتي عارفه الخير كتير ويونس ليه كتير أوي أوي أوي وعمرنا ما نطمع فيه بس المسألة دي علشان تطلع مظبوطة وتاخدي حقك وعليه الزيادة لازم جبل يرتب أموره ويشوف حساباته واحدة واحدة وزي ما أنتي شايفة هو مش قاعد عنده شغل طول الوقت.
وجهت نظرها إليه بعد أن استدارت مرة أخرى وطرق السؤال باب عقلها:
- هو حضرتك بتشتغل ايه؟
ظل ناظرًا إليها بمنتهى اللا مبالاة وإصبعه على وجنته بهذا الشكل. شعرت بالإهانة لتجاهله حديثها ونظرته الغريبة إليها فمرة أخرى أردفت والدته:
- جبل كبير الجزيرة.. والناس مشاكلها كتير وكل حاجه هنا مسؤولة منه.
أكملت بجدية مُعاتبة إياها في نهاية حديثها لتسترقها تجاهها:
- كل اللي محتاجينه شوية وقت علشان نعرف نظبط الدنيا يا حبيبتي وبعدين هو أنا ماليش حق عليكم ولا ايه ووعد دي مش بنت ابنينفت "زينة" حديثها وأكدت عليها:
- لأ طبعًا ليكي حق.
ابتسمت "وجيدة" باتساع وأشرق وجهها لأنها أخذت فرصة للحصول على ما تريد وقالت:
- يبقى خلاص أقعدوا معانا شوية كمان هو انتوا لحقتوا.. أنا ملحقتش أقعد مع وعد حتى.
اومأت إليها زينة وأردفت بهدوء:
- أنا موافقة نقعد بس نحدد مدة أنا مرتبطة بمواعيد في دبي.
استمعت إلى سؤاله الذي خرج بنبرة خشنة حادة:
- مواعيد ايه دي؟
التفت تنظر إليه وأكدت مرة أخرى على نفس الكلمة بوضوح وبنظرة حادة مثله لأنه تجاهلها وتعمد فعل ذلك:
- مواعيد!!
أبعد يده من على وجنته وأعتدل في جلسته ناظرًا إليها بعينه الخضراء الحادة المخيفة وعلم أنها تعمدت لفعل ذلك فقال بجمود:
- سمعت! وسألت مواعيد ايه وبخصوص ايه؟
ابتسمت رافعة حاجبها الأيمن إلى الأعلى قائلة بجدية:
- مش المفروض حضرتك تعرف بخصوص ايه ولا أنا المفروض أجاوب.
تقدم للأمام في جلسته يهتف وعينيه تنظر إليها بحدة:
- لأ المفروض أعرف والمفروض تجاوبي طالما بنت أخويا معاكي.
ضيقت ما بين حاجبيها باستغراب وأكملت على حديثه متسائلة:
- يعني ايه طالما بنت أخوك معايا.. بنت أخوك معايا من وقت ما اتوفى يونس وهي بنتي على فكرة.
ابتسم بزاوية فمه وكأنه نال منها وهو يقول بخبث ومكر:
- اللي متعرفيهوش إنك جيتي الجزيرة.. دخلتي القصر.. من وقت ما ده حصل كل شيء اختلف.
رفعت حاجبيها مُتسائلة عن مقصده:
- قصدك ايه؟
تدخلت والدته في الحديث سريعًا وهي تعلم أن ابنها سيفسد الأمر إن طالت الجلسه أكثر من ذلك لأنه ليس الشخص الذي يتهاون في المعاملة:
- مقصودوش حاجه يا حبيبتي هو بس خايف عليكم.. المهم اقعدي معانا أسبوع كده يكون جبل خلص شغله وطلعلكم حقكم.
أومأت إليها قائلة:
- ماشي يا طنط.
ثم نظرت إليه شزرًا بعينيها السوداء وكأنها قطة بمخالب تود لو تنقد عليه تترك علامات أظافرها على جسده بأكمله لتنظر إليه وتبتسم بأنها انتصرت عليه بعد نظراته وحديثه معها. وذلك التجاهل المُتعمد منه ذلك الحيوان الذي يرى نفسه قائد على الجميع.
لكنه لا يعلم من هي إلى الآن ولو كان يعلم ما فعل هذا.
وقفت على قدميها واستأذنت منهم للصعود إلى الأعلى ولم تكن تعلم تلك الغبية من هو. تعتقد أنه رجل كأي رجل أو كزوجها؟ لم تفكر يومًا بأنها من الممكن ان تقع مع وحش وذئب بشري. ترى نفسها تستطيع أن تتغلب على الجميع بسبب الفترة التي قضتها وهي تصارع الجميع وكل من طمع بها. لا تعلم من هو. تعتقد أنها ستتغلب عليه أو تترك أثر به. بل هو من سيترك أثر بها إلى الأبد.
❈-❈-❈
وقف الحارس في حديقة القصر في مكان بعيد عن الأنظار وقد كان كل مكان بها بعيد عن الأنظار بسبب كبر مساحتها والأشجار الكثيرة بها.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله ووقف يعبث به، ثم وضعه على أذنه للحظات ومن بعدها أجاب بصوت رجولي خشن:
- أيوه يا طاهر.
صدح صوت الآخر في أذنه بقوة حتى أنه أبعد الهاتف عنه بسبب ذلك الازعاج الذي سببه له:
- ايه يا رجولة اييه فين المعلومات اللي قولت هتنيل أخدها أول الشهر؟
لوى شفتيه هازئًا واسترد قائلًا بسخرية:
- هو أنا بكلمك دلوقتي ليه؟
تهكم الآخر عليه وهو يجيب بنفس نبرته الذي استشعرها عبر الهاتف:
- هو إحنا أول الشهر.. سلامتك ولا الشغل مع جبل كل عقلك؟
أجابه بجدية يوضح له سبب تأخيره الذي حدث في بداية الشهر:
- مأكلش عقلي ولا حاجه.. البضاعة اتأخرت ومجاتش أول الشهر.. الحكومة اتسرب ليها معلومات وجبل وقف التسليم.
تسائل الآخر بتلهف وفضول:
- ودلوقتي ايه الجديد؟
أكمل وهو يعلم أنه يموت ليعلم أي شيء عن التسليم ليقوم بضرب "جبل" الضربة الكبيرة ولكنه للأسف فاشل حتى وإن أخذ كل المعلومات فلا شيء يستطيع فعله ولا شيء يصيب "جبل":
- البضاعة في المخازن.
ابتسم وقد شعر الحارس بها وقال بسعادة دُفعت إليه:
- حلو يا حِدق.
أنكر الآخر ما قاله بابتسامة ساخرة ونبرة جدية وهو يطالب بحقه الذي أتى عن طريق الخيانة:
- لأ مش حلو.. أنا عايز حقي ناشف، ماليش في الحلو خالص.
أومأ برأسه وقال بجدية وهدوء موافقًا فالآن السعادة تدق بابه بكثرة بسبب ما أخذه من معلومات يستطيع أن يفعل بها الكثير:
- هيوصلك حقك متقلقش.
أنهى معه المكالمة بجدية:
- يلا بالسلامة.
هناك مقولة شهيرة تنص على "يلعب على الحبلين" وهذا ما كان يفعله هو يسرب المعلومات إلى "طاهر" العدو الأكبر إلى "جبل العامري" ومن الناحية الأخرى لا يقول له الأماكن البديلة إلى المخازن والذي كان من أهمها أكبر وأفضل وأشهر مكان على الجزيرة...
خائن بين حراس "العامري" وإلى الآن لم يتعرف عليه أحد.
قد يكون جشع وما دفعه إلى فعل ذلك جمعه الكثير من المال من هنا وهناك وقد يكون هناك سبب آخر غير هذا هو الذي دفعه للخيانة مثل "الانتقام".
❈-❈-❈
جلست والدته معه على الأريكة داخل غرفته، غرفة كبيرة للغاية المعنى الصحيح لغرفة داخل قصر، بها أثاث على الطراز القديم كالفراش أخشابه ثقيله باهظة، كبير للغاية يتسع لأربع أفراد ليس واحد أو اثنين به أربع أعمدة خشبيه من كل إتجاه واحد.
خزانة ملابس كبيرة نفس هيئة وشكل الفراش.
أريكة كبيرة للغاية مع اثنين من المقاعد الخاصين بها وطاولة بينهم. ومرآة كبيرة يُضع عليها فرشاة للشعر وواحدة من زجاجات العطر الفخمة.
ربتت على فخذه وهو يجلس جوارها:
- اسمع مني يابني زينة مش هتقعد غير بالطريقة دي أنت لازم تتجوزها.
تابع عينيها وخرج صوته بخشونة وحدة يتحدث بتأكيد وثقة:
- لأ هتقعد وأنتي عارفه إني أقدر اقعدها غصب عن أي حد وده اللي هعمله لكن مش هتجوزها.
عقدت حاجبيها وتسائلت بذهول:
- وليه لأ هتفضل لحد امتى من غير جواز؟
أجابها بحدة وعينيه تقابل عينيها بشرارة ورفض لحديثها ولكن هناك خفقة بسيطة في قلبه توافقها أمام كل ذرات عقله:
- وهو أنا يوم ما اتجوز اتجوز مرات أخويا؟
تفوهت بجدية تجيب على كلماته بكلمات بالنسبة إليها عقلانية إلى أبعد حد:
- كانت.. كانت مرات أخوك وهو الله يرحمه ميت من خمس سنين ده عمر يابني.
أبعد وجهه عنها وتوجه بنظره إلى الفراغ ورفع صوته بحدة وهو يطيح بيده إليها رافضًا:
- بلا كانت بلا مكانتش... أنا مش بتاع جواز ومش هتجوزها ولا هي ولا غيرها.
احتدت نبرتها وارتفع صوتها وهي تضرب على قدمها اليمنى بعصبية قائلة:
- ليه كل ده.. علشانها؟ ما تبص لنفسك يا ابن بطني ماهي غارت وسابتك هي وأهلها كلهم.
وقف على قدميه بعصبية يُماثلها مُبتعدًا عنها مُتقدمًا من الفراش يتمسك بأحد اعمدته يُعطي إليها ظهره قائلًا بقسوة:
- بقولك ايه هي مش في دماغي وغارت زي ما قولتي أنا مش عايز اتجوز ولا تكوني أنتي ناسيه شغلي ده ايه؟ ده مش سبب يخليني مربطش حد بيا ولا أعمل عيلة؟
وقفت خلفه تهتف ببساطة وجدية:
- شغلك ماله يا جبل.. محامي قد الدنيا وماسك بلد بحالها.
استدار ينظر إليها بتهكم يُكرر حديثها باستهزاء:
- آه محامي وماسك بلد.
احتدت نبرتها أكثر وتحولت ملامح وجهها اللينة التي كانت تحاول إقناعه من لحظات واتجهت نبرتها إلى الأمر والقوة وذلك لأنها لن تسمح بذهاب ابنة ولدها الراحل ولا تريد ظلم والدتها:
- جبل.. أنا قولت كلمتي ودي رغبتي أنت كبرت ورافض كل بنات البلد جاتلك أرملة أخوك على الأقل تلم لحمة جالك لحد عندك.
ابتسم ناظرًا إليها بلا مبالاة وبرود:
- الظاهر مسمعتيش اللي قولته.
أقتربت منه وقالت بنفس النبرة القوية منتظرة أن تراه يوافق ولكنها مع ذلك تعلم أنه لن يوافق بتلك السهولة. ولن تتركه أيضًا يأخذ الطفلة من والدتها قصرًا. إنه ولدها وهي تعرفه جيدًا وتعرف حلوله الغريبة:
- لو مش عايز تتجوز وتعمل عيله وتحب مراتك.. اتجوزها ولم لحم أخوك وأعمل ما بدالك بعدين.. عايز تتجوز تاني اتجوز عايز تحط عقلك في راسك وتخليك مع زينة يبقى خير وبركة.
أجاب على حديثها بمنتهى البساطة وكأنها تتحدث مع ذاتها:
- مش هتجوز يا أم جبل.. وزينة هتقعد.
حركت رأسها وشفتيها وهي تجيبه قائلة بعقلانية لأنها من خلال معرفتها البسيطة بـ "زينة" علمت أنها لن تخضع بتلك السهولة:
- مش هي اللي هتقعد بالذوق.
رفع وجهه إليها بقسوة وتفوه بنبرة عنيفة قاسية لأنه لم يكن مُعتاد على ان يُرفض أمره:
- يبقى عافية وغصب.
قالت بسخرية تنظر إليه:
- ونخسرها هي وبتها؟
صرخ بوجهه بصوت عالي لأنها تحدثت أكثر من اللازم، وقامت بفتح جروح قديمة جعلها تلتئم بصعوبة، صحيح لم تعد تؤلمه ولكنها تبقى جروح:
- في داهية.
صرخت هي الأخرى بوجهه وتغيرت ملامحها أكثر وأكثر عليه ورفعت سبابة يدها اليمنى أمام وجهه بحدة:
- لأ مش في داهية يا جبل.. بت ابني مش هتطلع من الجزيرة وبالسياسه كله بالسياسه يا جبل.
أبتعد بوجهه عنها وقال:
- ماشي يما.. ماشي.
خرجت من الغرفة بعد أن استمعت إلى آخر كلماته وتوجهت إلى الخارج وهي عازمة أمرها ومقررة داخلها أن مهما يحدث لن ترحل ابنة ولدها من هنا، لن تذهب إلى خارج بوابة القصر خطوة واحدة وإن أقامت الحرب على الجميع وأول من بهم ولدها.
وقف بالداخل مُمسكًا عمود الفراش يضغط عليه بيده، يفكر فيما قالته والدته، كثير من الاتجاهات تتعارض مع زواجه وبالخصوص واحدة مثلها، هناك أشياء كثيرة تخفى عن البعض على الجزيرة وهي واحدة منهم. يجيب أن ترحل من الأساس وجودها هنا يسبب خطر إليه وإلى الجميع ولكن والدته ترى ذلك من ناحية أخرى.
ابنة شقيقه وكأنه هو أمام والدته لذا لا تريدها أن ترحل. يستطيع أن يجعل والدتها تذهب رغمًا عنها ويُبقي الفتاة ولكنه لا يضمن ما الذي من الممكن أن تفعله وهي خارج الجزيرة لاسترداد ابنتها.
ترك الأمر جانبًا عندما عاد عقله إلى تلك النقطة التي عبثت بها والدته. أهو لا يريد الزواج لأجلها أم لأجل أنه لا يريد من الأساس!
نهر نفسه وهو يتحرك مُبتعدًا عن الفراش فقد تلقى العلاج الكامل لحالته بعد رحيلها، ومكانها الذي كان في قلبه أصبح ممتلئ بشيء آخر بعيد كل البعد عنها وعن ماضيه معها.
❈-❈-❈
"في الصباح"
كان الجميع يجلس في الصالون بعد تناول الفطور على السفرة سويًا.
أقتربت الفتاة الصغيرة "وعد" من جدتها التي شعرت بحنيتها وحبها لها وجلست على قدميها وهي تفتح بيدها ورقة مطوية لترفعها أمام نظرها قائلة لها بحب:
- تيته دي أنا وأنتي رسمتها علشان أخدها معايا وأنا مسافرة.
نظرت إليها "وجيدة" كانت رسمة طفولية للغاية بها فتاة صغيرة وسيدة لم تستطع بأن تجعلها رائعة إلا بحبها الذي رسمت به.
ابتسمت "وجيدة" بسعادة وهي تحتضنها قائلة بحب وفرحة:
- الله حلوة أوي.. بس أنا مش هسيبك تسافري على طول كده أنا مشبعتش منك.
بينما هو كان ينظر إلى تلك التي تجلس أمامه مباشرة ولأول مرة بحياته ينظر إليها بهذه الطريقة، يبدو أن حديث والدته أمس جعل الرجل الذي بداخله يستفيق وينظر إليها بنظرات الرجال الجائعة.
لأول مرة ينظر إلى جمالها الطبيعي المعتاد في كل الوجوه ولكنها جميلة غيرهم، بعيونها السوداء الحالكة التي تماثل خصلاتها. وبشفاهها ونظراتها وبذلك الجسد المغري والحركات الأنثوية.
آن داخله بألم، لقد نسي كل هذه الأشياء لما جعلته والدته يستفيق من جديد ويتبع اهوائه وغرائزه وهي من؟ زوجة شقيقه!
ولكنها للحق تستحقكم أنه وقح وعديم الشرف ينظر إلى زوجة أخيه هذه النظرات القذرة ويقيمها من الأسفل إلى الأعلى، ويقيم مفاتنها الذي حرم منها ومن أي امرأة لسنوات.
ولكن تقريبًا حديث والدته صحيح! لما لا يتزوج خصوصًا إن كانت واحدة أتت إلى حده كما قالت هي بالأمس!
كانت على الطرف الآخر تبتعد بعينيها إلى ابنتها وجدتها تتابع حديثهم من اللحظة إلى الأخرى وبينهما تتابعه هو وترى شروده بها ونظراته المُثبتة عليها. مرة على عينيها مباشرة ومرة على خصلاتها ومرة أخرى على جسدها.
أهو مختل؟ أم ماذا. استغربت نظراته كثيرًا فقد تقابلت معه في الأيام الماضية بكثرة ولكنه لم يكن هكذا أبدًا، بل كان غير مبالي بها وعديم الاهتمام والحديث معها. ما به الآن؟
هل ينوي على فعل شيء معها؟ هل يفكر في منع الميراث عنها وعن ابنتها؟ ولكن "وجيدة" أكدت أن ذلك لن يحدث وستأخذ كل ما لها عندهم. شعرت بالإحراج كثيرًا من نظراته التي ربما تتحول إلى الرغبة الواضحة بعينيه، هي تعرف هذه النظرة جيدًا الآن ربما تحركه شهواته تجاهها؟
نهرت تفكيرها ونفسها سريعًا على هذه الأفكار الغبية والكريهة التي أتت على عقلها تجاه شقيق زوجها والذي لم يعاملها بهذه الطريقة التي فكرت بها أبدًا منذ معرفتها به إلى اليوم. يبدو أنها هي التي بحاجه وجود رجل جوارها ففكرت بهذه الطريقة.
في لحظة والجميع كل منهم في رأسه شيء قطع حبل أفكارهم بمجرد أن دلف "عاصم" إلى الغرفة مقتحمها عليهم يهتف بصوت عالي قلق للغاية:
- جبل.. حملة طالعة من المدرية على الجزيرة.
وقف جبل سريعًا على قدميه بعيون مُتسعة إلى آخرها ينظر إليه بقسوة والآخر يبادله النظرات بفزع لأجل ما سيحدث في الجزيرة بعد قليل.
بينما هي طالعتهم باستغراب شديد، ونظراتها تتجه من واحد تلو الآخر من أهل القصر والذي بدى على وجوههم معرفة ما الذي يجري على عكسها هي وشقيقتها.
رواية سجينة جبل العامري الفصل الثالث 3 - بقلم ندا حسن
دارت عيونها السوداء على الجميع وكأنها تائهة بينهم، تضل طريق العودة إلى واقعها، أو تضل المرسى لفهم ما يحدث حولها. وقد كان هذا صحيح، فهي تقف بينهم وكأنها خيال. الجميع يعلم ويفهم ما الذي سيحدث بعد قليل، ولما الشرطة متجهة إلى الجزيرة، إلا هي. هي فقط من يجهل الأسباب.
أضاف "جبل" على كلمات "عاصم" بقسوة وصرامة:
- مش عايز أشوف حارس واحد من اللي بره معانا، صرفهم لحد ما نخلص.
أجابه الآخر قائلًا بجدية شديدة وهو يصب تركيزه كله معه:
- كده هنحتاج رجالة كتير.
عقب سريعًا ليكمل حديثه مجيبًا بملامح قاسية لأنه أدرك أن هناك خائن بينهم:
- رجالة الجزيرة موجودين.
تقدم منه "عاصم" قائلًا بعملية:
- جبل!
نفى الآخر برأسه وهو يحركها يمينًا ويسارًا ثم تفوه:
- لأ، الجزيرة يا عاصم.
أكمل قائلًا بعملية شديدة وهو يتقدم معه إلى الأمام للخروج من القصر:
- لسه في وقت نقدر ننقل، محتاجين مش أقل من تلت ساعات علشان يوصلوا الجزيرة، إلا لو جايين بطيارات.
أجابه الآخر وهو يسرع في التقدم مثله ليحاولوا إنقاذ الموقف الذي وضعوا به:
- لأ، حملة طالعة من المديرية برًا.
أومأ إليه "جبل" وهم يخرجون من القصر إلى الحديقة بسرعة كبيرة، فقط ليجعل الأمر طبيعي وعلى ما يرام. في كل مرة لا أحد يستطيع أن يفعل معه شيء أو تقدم إليه أي من التهم لأنه على قدر عالي من الذكاء ومر عليه الكثير مثل هذه المواقف، ولكن الوقت هو الوحيد الذي يزعجه. ثم بعد ذلك سيكون حساب ذلك الخائن الذي بينهم عسير. والجميع يعلم كيف يحاسب "جبل العامري"، وهناك من يشهد على ذلك، وتخلد هذه الشهادة داخله.
تسائلت "إسراء" بعيون تتلهف لمعرفة ما الذي يحدث وهي تنظر إلى "فرح":
- هو إيه اللي بيحصل؟
أجابتها شقيقته بتكبر وهي تبتعد لتخرج من الغرفة قائلة:
- مافيش حاجة.
ابتعدت "زينة" بنظرها إلى ابنتها "وعد" الصغيرة وأشارت إليها بيدها لتتقدم منها الفتاة. فقامت والدتها باحتضانها بسرعة ورفعت رأسها تكرر سؤال شقيقتها على والدته:
- هو في إيه يا طنط؟
وقفت والدته هي الأخرى على قدميها وقد بدا القلق على ملامحها بوضوح، وظهر التوتر في نبرة صوتها. ومع خروج كلماتها من فمها:
- مافيش حاجة يا زينة، مافيش.
تقدمت لتخرج من الغرفة على عجلة من أمرها، ولكن "زينة" أوقفتها وهي تقف مثلها، تتقدم منها لتقف قبالتها تكرر بحدة أكبر مطالبة أن تعلم ما الذي يجري:
- مافيش إزاي؟ البوليس جاي الجزيرة ليه ومال ابنك اتخض وطلع يجري؟ مش هو لوحده، كلكم.
نظرت إليها والدته بحدة هي الأخرى وقالت بجدية ونبرة قوية:
- قولتلك مافيش يا زينة، ولو في حاجة وإحنا مقولناش يبقى متخصكيش.
طالعتها بغرابة شديدة وتمسكت بيد ابنتها بقوة. أهي قاربت على فهم ما يحدث!
خرجت "وجيدة" من الغرفة لتصعد عاليًا كي تستطيع أن ترى ما الذي يحدث في الخارج من الأعلى، على الرغم من أن المنطقة بعيدة قليلًا عن سكان الجزيرة، ولكن "جبل" لديه تلسكوب في غرفته يراقب به كل ما يحدث بين أهل الجزيرة.
وقفت "زينة" في مكانها لم تعد تعلم ما الذي من المفترض أن تفعله، غير أن تدعي أن يمر ذلك الأسبوع بسلام كي تأخذ مالها وترحل من هنا دون رجعة أبدًا. لقد رأت كل ما هو غريب هنا، وحقًا كل ما هو غريب. الخدم يقولون ألقاب تعتقد أنها لم تعد موجودة من الكثير. الحرس كثيرون بطريقة مبالغ بها. المنطقة بأكملها غريبة بطريقة مُريبة. وهو ذلك "الجبل" الشامخ أمامها يخيفها بكل ما فيه. لحظات لا تهتز ولو شعرة واحدة منها، ولحظات ترى أن قلبها سيفقد نبضه بسبب الخوف من نظراته مع تذكر كل ما كان يقوله لها زوجها عنه.
الأمر هنا أغرب من الغرابة نفسها.
مر الوقت وصعدت إلى الأعلى مع ابنتها وشقيقتها في غرفتهم التي ينامون بها سويًا، وإلى الآن لم تفهم ما الذي يحدث، ولكنها استمعت إلى الخدم في مطبخ القصر يتساهمون مع بعضهم بالكلمات.
بأشياء غريبة لو كانت كما فهمتها فسيكون عليها الرحيل من هنا في أسرع وقت.
كانت تقول الخادمة أن كل ما كان في مخازن العائلة تم توزيعه على الأهالي في الجزيرة! وكل منهم لديه مخبأ سري داخل بيته يخفون فيه الأشياء الذي يريد "جبل" أن يخفيها. ولا يوجد هناك أحد يستطيع الاعتراض، بل الجميع يستمع إليه حبًا وتعاون!
أتت الشرطة وقامت بالتفتيش في القصر والمخازن ولم تجد شيء فرحلت! لم تفهم ما محتوى هذه الأشياء الذي يخفونها والجميع يعلم بها، الناس على الجزيرة والحرس والخدم وأهل القصر. هي فقط من لا تعرف. إذا هناك شيء يخفونه عليها وربما يكون هذا الشيء غير قانوني. ويخافون منها لذا سيحاولون الإسراع في إجراءات الميراث لكي ترحل من هنا.
تنهدت بصوت عالٍ وهي تشعر بالراحة عندما توصلت إلى هذا الحل، فهي لا يهمها إن كان قانوني أو غيره. كل ما تريده الابتعاد عن هنا مع حقها وليذهب الجميع من بعد ذلك إلى الجحيم.
أغمضت عينيها، وأراحت رأسها إلى ظهر الفراش تستند عليه وهي جالسة فوقه ممدة القدمين. غامت على عقلها ذكرى راحلة منذ أكثر من السبع سنوات.
"أقتربت من زوجها "يونس" في الفراش بعد أن وضعت فتاتها الصغيرة في فراشها. لقد أرهقتها كثيرًا وهي تحاول معها أن تجعلها تنام لتجعلها هي الأخرى تأخذ بعض الوقت الذي تريح به جسدها.
كان يضع نظارات طبية يتمسك بالحاسوب النقال الخاص به يدقق بما يعرض أمامه. استمع إلى صوتها وهي تستقر على الفراش جواره:
- بس أخوك ده صعب أوي يا يونس، إتم كده مش بيضحك مش بيتكلم ولا بيعمل أي حاجة غير يخرج ويدخل وهو مكشر.
أجاب على حديثها بجدية وعينيه مازالت على حاسوبه:
- هو جبل كده على طول، بتاع شغل وبس.
ضيقت عينيها عليه وقالت بفتور:
- هو شغال إيه؟
حرك رقبته للناحية اليمنى ثم اليسرى وقال بلا مبالاة وبساطة:
- محامي، بيشتغل محامي.
رفعت حاجبها الأيمن وهي تنظر إليه تلوي شفتيها باستغراب:
- ده محامي؟ غريبة أوي.
- اشمعنى؟
- ده مش شكل محامي خالص ولا طريقة محامي، مش أسلوب يعني. وبعدين عمري ما شوفته داخل ولا طالع بشنطة ولا حتى عنده مكتب. وبعدين مكتب إيه ومحامي إيه، هو المكان اللي هما فيه ده محتاج محامي، ده فيه مدرسة بالعافية.
رفع بصره من على الحاسوب تاركًا إياه جواره على الكومود وأبعد نظارته الطبية عنه:
- وفي وحدة صحية كمان.
ارتفعت ضحكاتها فجأة غير مسيطرة على نفسها ثم وضعت يدها على فمها عندما تذكرت الصغيرة النائمة وتفوهت بسخرية:
- يا شيخ؟ وحدة صحية بحالها، دا مكان أثري بقى.
تابعها بنظراته ولم يهتم بحديثها المهمين على مكان معيشة أهله ولكنه قال بجدية:
- طبعًا واحدة زيك هتقول إيه غير كده، عايشة في دبي في منطقة راقية مرات راجل مقتدر وشايفة الدنيا على كيفك. بس أحب أقولك إن الجزيرة فعلًا فيها مكان أثري.
اعتدل على الفراش مثلها يمدد قدميه مستندًا برأسه إلى الخلف واستمع إلى تفوها المتأكد:
- الجبل.
أومأ إليها برأسه دون الحديث فسألته بجدية ناظرة إليه بعمق:
- ليه منعتني أقرب منه؟
اعتدل مرة أخرى وجلس على الفراش ناظرًا إليها بجدية وحزم وبدا على وجهه أن ما يقوله لا يسمح بالنقاش:
- علشان الجبل ده مش لينا، ولا أنا ولا أنتي ولا ممكن أبدًا نقرب منه مهما كانت الظروف. الجبل محدش بيروح عنده ولا بيدخله. ولو بيحصل غير كده بردو أنا وأنتي لأ. ولو حصل نصيب ورجعنا هناك تاني إياكي تروحي جنبه.
تسائلت باستغراب عندما رأت تحوله المفاجئ:
- ليه كل ده؟
أكمل قائلًا بنفس نبرته القوية الحازمة:
- علشان ده خاص بجبل أخويا وأي حاجة خاصة بيه أبعدي عنها. جبل مش سهل واللي بيقرب من حاجته بياكله أكل.
صاحت وهي تشيح بيدها تجاهه بعصبية:
- إيه إيه اهدا الله، هو كان اشتراه بفلوسه ولا مكتوب باسمه؟ مش بتقول مكان أثري يعني بتاع الكل.
نفى برأسه وهو يؤكد عليها:
- لأ بتاع جبل، اومال فكرك اسمه جبل ليه؟
لوت شفتيها وحركت رأسها وهي تقول بملل:
- ماهو أكيد اسمه محمد مثلًا إبراهيم كمال وطلع عليه جبل ده.
تابع النظر في عينيها مباشرة وابتسم بسخرية قائلًا:
- لأ يا أنصح أخواتك اسمه جبل، جبل العامري نسبة للجبل اللي على الجزيرة.
تمددت على الفراش ونظرت إلى سقف الغرفة قائلة باستغراب:
- وده ليه؟ وليه ممكن باباك يسميه جبل؟
أطال النظر إليها، يعلم أنها فضولية للغاية وتود معرفة كل شيء وما السبب وراءه وما النتيجة من بعده وهذا سيتعبه ويتعبها كثيرًا. يحمد الله أنه بعيد عن الجزيرة كل البعد.
أردف بجدية وقوة وهو يخرج الكلمات من شفتيه بحزم وداخله خوف لأنه يعلم زوجته جيدًا:
- زينة أهم حاجة زي ما قولتلك مالكيش دعوة بجبل نهائي، لو شوفتيه من بعيد متقربيش منه خليكي بعيدة زي ما أنتي. أنا قولتلك جبل مش سهل ومش أي حد يقدر عليه، أخويا الكبير وأنا عارفه.
استدارت بوجهها للناحية الأخرى تتثائب وتسحب عليها الغطاء:
- وأنا هشوفه فين بس يا يونس، نام يا حبيبي.
تنهد بعمق وهو ينام جوراها ويغمض عينيه قائلًا كلمات لم يكن يعلم أنها حقيقية إلى هذه الدرجة في وقتها:
- مين عارف اللي مستخبيلنا، محدش يعرف الأيام فيها إيه يا زينة.
"استفاقت من تلك الذكرى التي لعبت بعقلها. لقد كان "يونس" زوجها يعرف الكثير عن شقيقه! يعلم أنه صعب للغاية وقال لها هذا الحديث وحذرها. هي إلى الآن لم تقابل أي شيء صعب منه بل قابلت أفعال رديئة يمكنها ابتلاعها إلى أن تذهب.
ولكن ما في رأسها الآن هناك شيء غير قانوني يحدث في هذه الجزيرة حقًا وكان يعلم به "يونس".
هل أخفى عنها حقيقة شقيقه وعائلته؟ ولما قد قال أنه يعمل محامي ووالدته قالت أنه كبير الجزيرة وينوب أهلها! هل كل هذه الشكوك في رأسها هي فقط وعقلها الذي يوسوس إليها بهذا أم أنه صحيح وواقعي؟
تعلم أن عقلها سوداوي وكل أمر بسيط يعقده ويجعله أقرب إلى المستحيل حدوثه وكل أزمة تمر بها يكبرها ويجعلها على وشك أن تكون متهمة بها ولكن هناك إحساس هذه المرة ينبعث من قلبها يتفق مع عقلها بقول أن هناك الكثير من الأشياء المخفية والكثير بخصوص ذلك "جبل" الذي أخذت التحذير الكافي بخصوصه من زوجها ولم تأخذه على محمل الجد بل وتهاونت به أيضًا.
تشعر أنها تائهة بين عقلها وقلبها على متن هذه الجزيرة التي تقع في مُنتصف النيل، لا يدري بوجودها بشر ولا سبيل للنجاة منها إلا الهرب أو الغرق.
مر الأسبوع الذي انتظرته بفارغ الصبر، لقد كان أشبه بالعام وليس بضع أيام تخلد للنوم بها وتستيقظ وتجدها انتهت. كانت أشبه بأوقات السجن المملة، تعتبر نفسها سجينة داخل زنزانة وتنتظر لحظة الإفراج وإخلاء سبيلها. وهذا ما كان بالضبط يحدث. لقد كانت تنتظر على أحر من الجمر كي تذهب من على هذه الجزيرة عائدة إلى مكانها مرة أخرى وبحوزتها الأموال الذي تجعلها سعيدة هي وابنتها وشقيقتها.
الانتظار كان قاتل ولكنها تحملت فقط من أجل أن لا يضيع كل هذا هباء ويذهب تعبها في الوصول إلى هنا ومعاناتها السابقة مع الرياح.
ولكن الحقيقة أن مخاوفها كانت تزداد يوم بعد يوم أثناء وجودها هنا بالأخص عندما أتت الشرطة إلى الجزيرة وعندما تذكرت حديث زوجها واستمعت إلى حديث العاملين بالقصر. ظلت الأفكار تتهاتف على عقلها بكثير وتأتي من هنا وهنا وتجعلها تشعر بالخوف والرهبة على ابنتها وشقيقتها في هذا المكان.
لقد كانت ستضيع منها شقيقتها بسبب سوء فهم من أحد الحراس إذًا هم يعتادون على ذلك وعلى أهبة الاستعداد دائمًا لقتل أي شخص يقف في مواجهتهم.
وكل ما كان يشغل رأسها أيضًا مع هذا هو أنه لو كان صحيح زوجها يعلم وتركها هكذا تضل ما يحدث؟ ماذا لو حدث لهم شيء ألم يكن خائف على ابنته وزوجته؟ أم أنه كان خائف من أن يقوم بفضح عائلته أمامها!
على أي حال، لقد انتهت المدة التي طالبت بها والدته الآن عليهم أن يوفروا لها حقها هي وابنتها. عليهم أن يجعلوها تنال الراحة ولو قليلًا فهي تحمل على عاتقها مسؤولية أكبر منها هي شخصيًا. قد تبدو جامدة حادة صلبة أمام الجميع ولكن داخلها هش للغاية يبحث عن الأمن والدفء الذي ينعم به ولو حتى لدقائق.
أنها الشخص الكبير في أسرتها وهي الأمن بالنسبة إليهم، كل منهم يرتمي في أحضانها في السعادة والحزن والشدة والضعف. ولكن هي ليس لديها من ترتمي في أحضانه وتلقي عليه بعض من تلك الهموم التي تحملها وحدها.
فقط عندما تأخذ المال وتعود إلى دبي لن يكون هناك مشاكل ولن تحتاج إلى أن يكون جوارها من ترتمي بأحضانه. سيغنيها المال عن أي شخص ويحل محل المشكلات العويصة كالتي واجهتها.
في لحظة ما شعرت أن حياتها انتهت وقلبها توقف عن النبض. كل ما فعلته هو التجول في مكان غريب وجديد عليها ولكن لم تكن تتوقع أبدًا ما سيحدث لها داخل قصر العامري. شعرت أن حياتها رخيصة للغاية ولا ثمن لها. في لمح البصر كانت ستُقتل ولن يكن لها دية عندهم ومنذ أن حدث ذلك وهي متوترة وقلقة بشأن وجودها هنا في هذا المكان.
فهم يتعاملون معهم على أنهم بمنتهى البرود والبساطة وكأن حياتهم ليس لها أي قيمة. لقد أؤذيت نفسيتها كثيرًا مما حدث وشعرت بالقلق والخوف المبالغ به حتى أنها لم تخرج من بوابة القصر أبدًا من حينها وكأن قابض الأرواح ينتظرها بالخارج. غير أن ذلك الغبي نعتها بألفاظ بشعة وشكك بها وكأنها فتاة رخيصة تفعل أي شيء دون حساب ولم تحصل على الأدب في حياتها يومًا ما.
بكائها والحلف بيمين الله لم يشفع لها ولم يرق قلبه ناحيتها ذلك المعتوه الأهبل الذي يماثل الأصنام في طولها وحجمها الكبير الذي يبتلع البشر.
جلست في الخارج وهي تطمئن أن الجميع علم بوجودها فلا خوف بعد ذلك منهم هؤلاء الحراس الأغبياء.
نظرت حولها وهي تجلس على المقعد وكأنها في بيت رجل عصابات أو مافيا ليس في مكان قذر كهذا. البوابة الخارجية عليها حارسان والداخلية عليها حارسان وهناك غرفة للحرس بجوار البوابة من الأساس غير هؤلاء الست أو السبع حراس المتناثرين في الحديقة وكل منهم يحمل سلاح! لما كل هذا؟
لوت شفتيها باستغراب وعدم معرفة ثم فتحت جوالها الخاص ورفعته أمام وجهها ليبدأ البث بينها وبين أحد الأصدقاء لها.
تحدثت صديقتها على الناحية الأخرى باللغة الإنجليزية مبتسمة:
- Hello Israa, how are you
"مرحبًا إسراء، كيف حالك"
أجابتها الأخرى بابتسامة تماثلها على وجهها وهي تجيب بحماس:
- Hi Laura, I'm fine, I missed you so much
"مرحبًا لورا، أنا بخير لقد افتقدتك كثيرًا"
قابلتها الأخرى بسعادة وتساؤل:
- Me too, really, I've had a hard time reaching you since you left here
"وأنا أيضًا حقا، لقد واجهت صعوبة في الوصول إليك منذ أن رحلتي"
أومأت إليها "إسراء" باستياء بسبب عدم وصول الشبكة إلى هنا دائمًا:
- Yes, the situation here is very bad and there is no internet
"نعم الوضع هنا سيء للغاية ولا يوجد انترنت"
تفاجأت صديقتها وتغيرت تعابيرها وهي تتسائل بجدية وذهول:
- Oh, how can you endure without the Internet? Is there any place left in the world now without the Internet?
"اوه، كيف يمكنك الصمود دون انترنت، هل بقي مكان في العالم دون وجود انترنت"
أومأت إليها ضاحكة بسخرية على حالها:
- Yes, here there is no, and here many things happen that you will not believe. I will tell them to you when I return to Dubai
"نعم هنا وهناك الكثير من الأمور تحدث لن تصدقينها سوف اقصها عليكي عندما أعود إلى دبي"
تسائلت الأخرى بحماس:
- when you will come back
"متى ستعودين"
لوت شفتيها بعدم معرفة ولكن أجابتها:
- I don't know, but soon the situation here will be unbearable
"لا أعلم ولكن قريبًا الوضع هنا لا يحتمل"
ثم أدارت كاميرا الهاتف لصديقتها وقامت برصد الحراس المسلحين لها لتريها الوضع الذي تجلس به، شهقت الأخرى بفزع عندما رأتهم وتسائلت بخوف عليها:
- Oh my God what is this
"يا إلهي ما هذا"
تحدثت "إسراء" بهدوء وبساطة:
- These are the guards of the palace we live in. I miss Dubai and touring around here is truly another life
"هذه حراسة القصر الذي نعيش به، لقد اشتقت إلى دبي والتجول بها حقا هنا حياة أخرى"
استمعت إلى صوت خشن حاد فوق رأسها:
- مش المفروض أننا نصور حراسة القصر كده، بتخالفي القوانين تاني.
وقفت سريعًا لتستدير ناظرة إليه بخوف وتوتر. نظرت إلى صديقتها تنهي معاها المكالمة سريعًا:
- Laura, I'll talk to you later
"لورا سأحدثك لاحقًا"
أغلقت الهاتف سريعًا ونظرت إليه قائلة بجدية شديدة وقلبها يدق بعنف:
- أنا مكنش قصدي، دي صاحبتي مش حد غريب.
ابتسم "عاصم" بتهكم وهو يقول لها بجدية شديدة وعيونه حادة عليها:
- أنتي نفسك غريبة.
تحركت بقدميها للأمام بعد أن تلبكت بسبب حديثه ونظراته وهتفت وهي تتحرك:
- عن اذنك.
جذبها من ذراعها بقوة لتعود وتقف أمامه مرة أخرى. خلعت ذراعها من بين يده القوية ونظرت إليه باستغراب فاستمعت إليه:
- أنا بعتذر عن اللي عملته معاكي، مكنتش أعرف أنك دخلتي القصر فكرتك حد تاني.
نظرت إليه. تابعته بعينيها الزرقاء وبقيت صامتة فاستغل هذه الفرصة وأبحر داخل جمالها الأخذ في وسط النهار وهو ظاهر بوضوح للجميع. التهم ملامحها الرائعة الجميلة عينيها الزرقاء وشفتيها الوردية وبشرتها البيضاء الغريبة.
أكل بعينيه كل ملامحها ومفاتنها ورائحتها! تنبعث منها رائحة نظيفة رائعة يفتقدها في مثل هذه الجزيرة. والحق يقال هو يفتقد فتاة جميلة بريئة مثلها.
يبدو عليها الإرتباك والغباء أيضًا، ضعيفة وسلبية للغاية يظهر ذلك عليها بوضوح وعلمه وتيقن منه عندما ارتمت داخل أحضان شقيقتها ولم تستطع الحديث بينما الأخرى ذات المخالب هي من تحدثت.
غريبة هذه الفتاة بكل تفاصيلها ولا يبدو أنها شقيقة الأخرى عادية الجمال. هل يحقق بها؟ هل عينيه تجوب وجهها مرة بعد مرة؟ هل وقف أمام عيونها الزرقاء ولم يعد يستطيع أن يزحزح عينيه عنها؟ هل يدق قلبه الآن؟
تنهد سريعًا ومحى هذه الأفكار الغبية من رأسه، أخفى كل ما شعر به في دقيقة واحدة إن كان أظهره من الأساس ونظر إليها قائلًا بصوت رجولي أجش:
- قبلتي اعتذاري!
أومأت برأسها إليه بخوف أكثر من السابق بعد أن استغرق كل هذه المدة في النظر إلى وجهها فتابع قائلًا وهو يسترسل معها في الحديث دون دراية أنه يفعل ذلك:
- اسمك إيه بقى؟
خرج صوتها مبحوح لا تدري من هيبة الموقف أو من تذكر شكله المخيف تلك الليلة:
- إسراء مختار.
ابتسم ناظرًا إليها بعمق يقول بحس لا يميل للفكاهة:
- انتوا عيلة موسيقية ولا إيه، ده اسم موسيقي.
وجدها جامدة الملامح تنظر إليه باستغراب ربما لا تستطيع أن تفهم ما الذي يحدث الآن فسألها:
- هو أنتي لسه خايفة؟
حركت رأسها للأمام بنعم ثم سريعًا حركته يمينًا ويسارًا نافية ولكنه عندما رآها تفعل هذا بجسد صلب ووجه جامد انفرط في الضحك بصوت عالي. بدأ مظهرها غبي فعلًا وضعيف، متوترة وتتمسك بهاتفها بيدها بقوة ولو لم يكن معدن صلب لكان كُسر بيدها من كثرة الضغط عليه.
وقف ثابتًا وتفوه بجدية وابتسامة:
- متخافيش إحنا مش بنأذي حد وأنا مكنتش هعمل فيكي حاجة، ده كان مجرد تهديد. وبعدين أنتي شكلك عيلة صغيرة يعني متخافيش.
خرج صوتها هذه المرة بقوة وصوت واضح وهي تنفي كلمته بغيظ وانزعاج:
- أنا مش عيلة.
تابع انزعاجها بنصف عين وأدرك أنها طفلة للغاية ويستطيع أن يقسم على ذلك ولكنه تعامل معاها بنفس أسلوبها واسترد:
- عندك كام سنة؟
أجابته بفخر وهي تبتسم قائلة:
- اتنين وعشرين.
فهم ما الذي سيجعلها تسترسل معه في الحديث بعد تلك الابتسامة فتابع معها وهو يتحدث بما يهواه عقلها:
- ياه دا أنتي كبيرة كده فعلًا.
أشارت بيدها إليه بحماس وابتسامة واسعة:
- شفت بقى إني كبيرة ومش بحب حد يقول إني صغيرة.
تابع على نفس النحو باستهزاء من داخله ولكنه يكمل معها:
- لأ مالهمش حق يقولوا كده طبعًا.
أكمل وهو يقدم يده إليها وهو يشعر بالكثير من الأمور الثائرة داخله على بعضها البعض ولكنه لا يستطع الابتعاد أو تحريك نظرة عنها:
- أنا عاصم، رئيس الحرس وصاحب جبل.
نظرت إلى يده الممدودة إليها بتردد ثم قدمت يدها إليه ووضعتها بها قائلة بابتسامة واسعة:
- وأنا إسراء أخت زينة مرات يونس الله يرحمه.
حرك رأسه ومازال ممسكًا بيدها قائلًا:
- مش زعلانه من اللي عملته أكيد؟
حركت رأسها بالنفي مجيبة عليه:
- لأ خلاص مش زعلانه كده.
ترك يدها وابتسم باتساع. لا يدري ما الذي يحدث له، يُقسم على أن كل ما حدث بينهم الآن من حديث وانجذابات ليس له يد به، كل هذا حدث دون دراية منه ودون إرادة. ينجذب نحوها كالمسحور وقلبه يدق بعنف ناحيتها وكأنه في مشادة قتالية مع أحدهم.
لقد رحلت من أمامه ودلفت إلى الداخل وهو مازال ينظر في أسرها يحاول فهم ما الذي حدث منذ قليل وما هذه الفتاة الرائعة في الجمال والطفولة للغاية في حديثها وأفعالها.
كانت الأيام الماضية من أسوأ الأيام الذي مرت على "جبل العامري" ومن أسوأ الليالي الذي حظي بها وحده. لقد أشعلت والدته داخله نيران لا تنطفئ إلا بشيء واحد يعرفه جيدًا ولكنه يأبى فعله.
أشعلت النيران وأمسكت بالبنزين ساكبة إياه عليه ولا تريده أن يشتعل بل تريد أن يمر كل شيء بسلام، كيف وهي من فعلت ذلك؟
لقد كان يعيش بهدوء وحده ولا يفكر في هذه الفكرة الغبية الخبيثة التي قالتها له. لم يكن ينوي فعلها ولم يتوجه إليها يومًا ما منذ أن أصبح "جبل" الآن.
هي أيقظت الفكرة وأتت بمن سينفذها أمامه وتدفعه لفعلها. كلما مرت زوجة شقيقه أمامه شعر بنيران تلتهب داخله وتأكل خلاياه وتشعل الرغبة به. مرة بعد مرة لا يستطيع التحكم في نفسه فيذهب سريعًا من محيط مكانها يبتعد ليكون وحده غير قادرًا على التحمل. لقد اشتعلت شهواته مع النيران وطالبت بالرحمة والمغفرة وأن يعفو عنها سامحًا بوجود امرأة بحياته كي يقتل كل ذلك الألم الذي يقتله وحده.
وجود هذه المرأة التي تتغنج أمامه كالغزال بخصلاتها السوداء الطويلة يصيبه باللعنة. لا يستطيع السيطرة على نفسه في حضرتها ولا يستطيع أن يتوقف عن التفكير في ذلك الأمر في غيابها. ما الذي يقوله عن والدته فهي المتسبب الوحيد في كل ما يحدث هذا.
أنه يفكر في عيونها القناصة الذي تصيبه في لمح البصر كلما نظرت إليه وقابلت عيناه. تبعدهم كلما تقابلوا سويًا ولكن أثرها عليه عجيب ويجعله يشعر بالخوف من وجودها.
الآن هو يريدها، بكل جوارحه يريدها هي بالأخص فهي من ولدت أمامه واهتاج جسده ناحيتها فلا يريد غيرها ليكون موضع لكل آنه ألم تخرج منه.
أمامه حل من الاثنين، الأول أن يقتل كل هذه المشاعر الجياشة داخله ويتحكم بنفسه وجسده ويعطيها ما لها عنده ويجعلها ترحل دون رجعة ويعود هو الآخر إلى وضعه الطبيعي ويمحي فكرة وجود النساء في حياته. وفي هذه الحالة ستغضب والدته وتثور وتفعل ما لا يحمد عقباه وربما تقف فيما يفعل ولن تجعله ينجح أبدًا ولن يستطيع قول شيء لها.
والثاني أن يفعل مثلما طلبت والدته ويلبي طلب أعضائه واحتياجاته ويقوم بقتل ذلك الاشتياق الذي يدعي بقربها منه ويتزوجها وهنا لا يضمن وجودها على الجزيرة ما الذي ممكن أن يفعله خاصة أنها لا يبدو عليها من النساء المطيعات ولكنه يستطع أن يجعلها منهن.
وقفت أمامه في الصالون تنظر إليه بابتسامة مشرقة وهي تعتقد أنه استدعاها لأجل أن يقول لها أنه تم الانتهاء من إجراءات الميراث وستذهب! يا لها من طموحات وأحلام بسيطة ولكنها صعبة المنال في حالتها.
وضع يده الاثنين بجيب بنطاله الأبيض ووقف شامخًا يبدو عليه أنه حقًا كبير الجزيرة وقال بصوت أجش خشن:
- مدام زينة، أنا عايز اتجوزك.
محت الابتسامة سريعًا من على وجهها ونظرت إليه بذهول واستغراب بعد أن اتسعت عينيها عليه. لقد قالها بمنتهى العنجهية والتكبر وخرجت من بين شفتيه بنبرة ناهية وكأنه لا يطلب ذلك بل قرر أنه سيحدث.
لم تستطع شفتيها أن تتحرك بالحديث بل بقيت تحت تأثير الصدمة تنظر إليه ولا تعرف ما الذي من المفترض فعله.
رواية سجينة جبل العامري الفصل الرابع 4 - بقلم ندا حسن
بقيت صامتة، تنظر إليه فقط بعيون مُتسعة مُستغربة مما استمعت إليه منه. لقد ألقى عليها صاعقة لم تكن مُستعدة لمواجهتها. أهو جن؟ هل هو أحمق؟ نعم، مجنون وأحمق الاثنين معًا. من يفعل شيئًا كهذا يكون مجنونًا ومختلًا عقليًا. هي زوجة شقيقه! كيف يفكر بها بهذه الطريقة؟ كيف يرى أنها من الممكن أن توافق أن تكون زوجة رجل مثله، غامض وغريب الأطوار؟
صمتها طال أمامه وهي واقفة تفكر في كل الأبعاد لهذه الكلمة الوحيدة التي خرجت منه وكأنه مجنون. أهو يفعل ذلك حتى لا تأخذ مالها هي وابنتها؟ هل يطمع في حقها وميراث طفلة يتيمة مثل هذه؟ إنها لا تطالب بشيء غريب، ولا تطالب بحق ليس لها، وهو يملك الكثير والكثير. لما قد يفعل ذلك؟ لما قد يفكر في زوجة أخيه زوجة له؟
حرك عينيه عليها ليحثها على الحديث بعد صمت طال بينهما. حركت رأسها وعينيها هي الأخرى بطريقة عفوية، مطالبة بالشرح أكثر من هذا.
"نعم!"
أقترب منها إلى الداخل ومازالت يده بجيوب بنطاله، يقف كما هو بنفس العنجهية والتكبر الذي رآهم به واستمع إليه.
"قولت عايز نتجوز."
ابتسمت بسخرية وهي تضع يدها الاثنين أمام صدرها قائلة باستياء: "وأنت بقى بتاخد رأيي ولا قررت؟"
بادلها الابتسامة الساخرة وعلم مقصدها وفهم أن ما أراد أن يوصله إليها قد وصل، فقال ببرود: "أحب أسمع رأيك.. ده لو عندك."
تنفست بعصبية وهي تبعد يدها إلى جوارها بعد أن استفزها حديثه وكأنه يقول أنه قرر بالفعل وسيستمع إلى كلماتها لمجرد الاستماع فقط. "رأيي هو إني رافضة.. طلبك مرفوض."
ابتسم وتقدم إلى الداخل أكثر ليقف قبالتها مباشرة. ينظر إلى سحر عينيها الغاضب من طلبه، ينظر إلى شراسة امرأة مكبوتة داخلها لأنها تخاف من أن تخرجها في مكان لا أحد معها به، وهي الحامي الوحيد لعائلتها.
هتف ببساطة واستلذ بالحديث معها: "هسيبك تفكري.. بس خدي بالك في الآخر كلامي هيتنفذ."
تحولت نظرتها نحوه للغضب الذي ظهر عليها فجأة وقالت بتهكم: "ليه لوي دراع؟"
سار داخل الغرفة، أخذها نقطة الدائرة وأصبح يلف حولها بجسده. ثم وقف أمامها وثبت عينيه الخضراء عليها قائلًا بقسوة: "أنا مبلويش دراع حد.. أنا بقطعه."
ابتلعت غصة تكونت في حلقها وتابعت في تمثيل الشجاعة والغضب تهتف: "المفروض أخاف!؟"
ابتسم ناظرًا إليها وهو يقف أمامها، لا يفصل بينهم إلا نسمات الهواء المارة. "شيء يرجعلك."
رأت نظرته نحوها في هذه اللحظة! رغبة خالصة نابعة من داخله. أنها تعرف هذه النظرات جيدًا، ألم تكن متزوجة لمدة ثلاثة أعوام! أيعتقد أنها سهلة المنال إلى هذه الدرجة؟ لقد فكر في وجود امرأة في حياته ولم يجد إلا هي! أو أنه لم يفكر من الأساس، بل وجودها أمامه جعله يريدها ليفرغ بها شحنته المتكونة داخله. هذا يظهر عليه بوضوح! إنه لا يستطيع إخفاءه.
ابتلعت ريقها ورفعت يدها إلى صدرها مرة أخرى ووقفت أمامه شامخة، مُعتدلة مثله بالضبط. نظرت إليه بقوة دون خوف وخرجت الكلمات من فمها مُتتالية بمنتهى الثقة: "جبل بيه.. أنا أرملة أخوك من خمس سنين، كنت عايشة في بلد غريبة ولوحدي، لأ وكمان مسؤولة عن بنتين معايا.. عديت عليا ظروف حلوة والوحشة أضعاف مضاعفة ومر عليا الراجل الجدع.. واللي عينه زايغة ومليانة رغبة كدابة ناحيتي وأنت بقى مش حد غريب علشان أتكلم معاه.. أنت أخو يونس الله يرحمه اللي مش هيجي بعده أبدًا."
شعرت أنها تود أن تتحدث معه بهذه الطريقة بعد أن رأت تلك المشاعر بعينيه. عليها أن تجعله يقف عند حده ويعلم أنها تستطيع حماية نفسها من أي شر قد يكون معتقد أنه سيخيفها به. "أنا بعرف أحمي نفسي كويس أوي وزي ما قولتلك عدي عليا كتير والوحش منهم أكتر، فأنا مبخافش ومبتهزش.. أنا السبب اللي جابني هنا أزمة مالية وإني عايزة بنتي تفضل عايشة في نفس المستوى اللي عيشها فيه أبوها، فجيت أخد حقها وحقي.. مش جايه أخد حق حد."
ابتسم باتساع وحرك رأسه بذهول. لم يكن يعلم أنه ماكرة إلى هذه الدرجة، لدرجة فهم ما الذي يريده منها. أخرج يده اليمنى من جيب بنطاله ورفعها إلى وجنتها يُحركها عليها برفق وطريقة غريبة قائلًا ببرود: "حلو إنك بتتكلمي دوغري يا مدام زينة.. بس أنا بردو هديكي فرصة تفكري ومش عايزك تنسي أبدًا مين هو جبل العامري."
ضربت يده بقوة تبعد إياها عنها، وصاحت بعصبية أمامه: "بقولك ايه.. أنا ميخصنيش مين هو جبل العامري. كل اللي يخصني أخد حقي وأمشي ولا أكتر ولا أقل. لكن اللي بتقوله ده جنان، جواز ايه! وبعدين هو أنا يوم ما أفكر اتجوز بعد يونس اتجوزك أنت!"
استدار ينظر إلى الخلف للحظة، ثم في اللحظة الأخرى كان يقترب منها بيده اليمنى يضعها خلف عنقها يجذبها ناحيته للأمام، حتى أنها أخرجت صرخة مباغتة ونظرت إليه باستغراب وذهول.
وجهها قريب منه للغاية وأنفاسه تستنشق أنفاسه الساخنة المتتالية بعصبية وغضب اتضحت إليها أكثر وهو يتحدث أمام شفتيها بصوت خافت يماثل فحيح الأفعى: "هنغلط! يبقى هنزعل من بعض وأنا زعلي وسخ مش وحش.. أنا زعلي وسخ يا غزال، الله وكيل ما هتستحمليه ساعة."
كانت ترفع عينيها للأعلى لتقابل عينيه المخيفة التي تسبب لها الرعشة بجسدها كلما رأتها هكذا. لم تفهم الذي يحدث معها، لم تفهم ما الذي يريده منها ولما قد يقابلها بهذه الطريقة ولما التهديد هذا. أوقعت بين يده؟ أخطأت عندما أتت إلى هنا لتأخذ نصيب ابنتها وتضمن مستقبلها؟ ستتحمل نتيجة خطأها وعدم الاستماع إلى زوجها يونس؟ هل كان عليها أن تتسول ولا تأتي إلى هنا؟ إلى جزيرة العامري؟
انتشلت نفسها منه وعادت للخلف بقوة تنظر إليه بعيون يملأها الحقد تجاهه والندم لأنها أتت إلى هنا. تخاف أن تكون هذه بدايتها. استدارت تعطيه ظهرها. لقد صدمت منه. ابتلعت كلماته بخوف شديد. لقد كان "يونس" معه كامل الحق، يجب الابتعاد عنه. يجب أن تكون على بعد كافٍ من هذا الشخص. ولكن كيف؟ فهي أتت إلى هنا بمحض إرادتها.
تنفست بعمق واستدارت إليه مرة أخرى تنظر بجدية وحاولت ألا تظهر له خوفها، كي لا تكون فريسة سهلة الصيد. وقالت بثقة وتأكيد: "للمرة المليون هقول.. أنا جايه علشان أخد حقي أنا وبنتي وأمشي. جواز مرفوض نهائي وياريت تنجز في حوار الميراث ده علشان نمشي."
نظر إليها بابتسامة شامتة بها وبما حدث لها من تلبك وتوتر يظهر بوضوح على ملامحها وحديثها، على الرغم من أنها تحاول أن تخفيه، ولكن ليس هو من يخفى عليه أمرًا. وضع يده في جيبه مرة أخرى وسار بهدوء إلى الخارج وبلا مبالاة متناهية وقال بنبرة هادئة: "معاكي فرصة تفكري وهاخد منك الرد قريب.. يا غزال."
خرج من الغرفة بمنتهى العجرفة والتكبر وهو يُسير بخطوات ثابتة بطيئة، واثقًا في كل ما يفعله، يظهر إليها الشماتة، بعد أن وجدها عادت للخلف خطوة متزعزعة قوتها وفار غضبها إلى جوارها على الأرضية. يا له من حاكم لا مثيل له في هذه البلاد، وقريبًا سيعلن الأفراح ويأخذ ما أراد وينال من نظر إليه واشتهته، وكل هذا بسبب والدته.
بقيت تنظر إليه بذهول. كيف يمكنه أن يكون هكذا؟ كيف يمكنه أن يهددها بهذه الطريقة؟ لأنها رفضت هذه الزيجة. رفضت حديثه. ما الذي ينتظره؟ لما لم يتحدث عن الميراث؟ ماذا إن رفضت مرة أخرى؟
جلست على المقعد خلفها وبقيت تنظر في الفراغ وعقلها السلبي يأتي بها من هنا إلى هناك ويتحدث معها في أمور سلبية للغاية. ولكن كان على حق. كل ما أملاه عليها سيحدث لها إن رفضت الزواج منه. ما هذا الظلم الذي تمر به هنا وهناك؟ أين العدل! ما هذه الحياة الظالمة! أتت لتأخذ مالها يرفض ذلك ويطلب الزواج منها! يطمع في حقها! أم يطمع بها؟
ولكن على أي حال لن تتراجع عن ما أرادته ولن تعود إلى دبي إلا ومعها حقها، وإن رفض ستقوم برفع دعوى قضائية ضده، ولن توافق على أي زواج في هذا المكان المشؤوم الغير معروف له اسم. حتى أنه لا يوجد على خريطة الدولة.
تنهدت بصوت مسموع وهي تحمل همومها داخل قلبها لتقف على قدميها تتقدم إلى الخارج بعد أن أخذت منه أكبر صدمة بحياتها. فهي الآن لا تعلم ما الذي يجب عليها التفكير به، وهو شخص غريب لا تستطيع أن تحدد نتيجة أي ردة فعل منها.
❈-❈-❈
بعد أن قال الحارس لـ "طاهر" أن بضاعتهم قد أصبحت على الجزيرة في مكانها المعروف، أتت الشرطة ولم تجد شيء. كان يعلم هو أين نقلهم "جبل"، ولكن لم يكن من المفترض البوح بذلك إلى "طاهر" وإلا يكون كشف أمره. وكما أراد هو حدث أنه يمسك الاثنين بيده، واحدًا من هنا والآخر من الناحية الأخرى.
كان يتحدث عبر الهاتف مع "طاهر" الذي صاح بانفعال: "بقولك ايه هو أنا أهبل قدامك علشان تضحك عليا؟"
انفعل الآخر مثله وصاح بصوت عالي وهو يبتعد إلى خلف القصر: "لأ مش أهبل يا طاهر وأنا عمري ما ضحكت عليك."
استرد "طاهر" بتهكم وسخرية وهو يقلل منه لأنه لم يأتي إليه بالنفع أبدًا: "وعمرك بردو ما نفعتني يا حيلتها."
أشار بيده بعصبية منفعلًا وهو يُجيب على حديثه الساخر منه: "وأنا أعملك ايه جبل عرف أن الحكومة شادة عليه نقل البضاعة كلها ومنعرفش فين."
تحدث الآخر بغيظ وانزعاج متسائلًا بعصبية لأنه يعلم أنه يكذب عليه: "أهبل أنا ياض.. نقلهم إزاي وانتوا متعرفوش، هو انتوا مش حرس عنده ولا ايه؟"
أتى بأخره بسبب حديثه الغير مقبول بالنسبة إليه فصاح بنفاذ صبر وقوة: "بقولك ايه أنت يا طاهر أنا هكدب عليك ليه؟ أنا لو مش عايز اشتغل معاك مش هتضربني على أيدي.. هو زي ما بقولك كده جبل نقل البضاعة من غير الحراس اعرف لك أنا منين هو نقلها فين؟"
تحرك "طاهر" في الغرفة بعصبية وهو يصيح: "وأنت لزمتك ايه.. ما تسأل أعرف دور وراه."
تهكم الآخر عليه وتشدق قائلًا: "وأروح في شربة مايه علشانك.. أنت عارف جبل مبيرحمش."
ابتسم وهو يتحرك قائلًا بخبث ومكر ظهر في صوته: "بس هيجي عندك ويرحم ولا أنت قليل عنده؟"
احتدت نبرة الآخر بضراوة وهو يقول: "طاهر بلاش تصطاد في المايه العكرة."
تحدث "طاهر" بحدة عندما نفذ صبره وهتف قائلًا: "ولا أنا عايز أخبار أعرف استفيد منها.. فاهم؟"
أجابه بهدوء وهو ينظر من خلف القصر إلى الأمام ليأمن مكانه الذي يتحدث منه خوفًا أن يستمع إليه أحد: "لما يجد المستجد أبقى أقولك."
أردف يرد بمكر: "بس أنا سمعت جديد."
ضيق عينيه وتسائل باستنكار: "ايه؟ وكلت غيري ولا ايه؟"
قال بهدوء وجدية وهو يلعب بالكلمات ليزعجه: "لأ أنا الجديد جه لحد عندي من غير ما أوكل حد.. اللي أنا وكلته خيخه."
أردف مُجيبًا باختناق وانزعاج منه ومن كثرة حديثه: "طاهر.. الزم."
تسائل بجدية مضيقًا عينيه ينتظر استماع الإجابة: "مرات أخوه اللي مات موجودة في الجزيرة."
أومأ وهو يحرك الهاتف إلى الأذن الأخرى قائلًا بجدية: "وبنته ومعاها أختها صاروخ أرض جو."
سأله بفتور: "أختها ولا هي؟"
أجاب الآخر بضيق: "أختها يا أبو مخ ضلم.. أخته."
تسائل مرة أخرى بجدية أكثر يريد معرفة الأمور الذي تحدث عندهم بدقة: "ودول عايزين ايه ولا جايين ليه.. مش غريبة أنهم موجودين في الجزيرة؟"
أجابه هو الآخر بفتور مثله ونبرة لا مبالية بحديثه: "جايين زيارة.. علشان الحجة وجيدة تشوف البت الصغيرة وماشين."
أومأ برأسه: "اه قولتلي كده."
تابع بجدية شديدة يؤكد عليه أنه ينتظر منه المعلومات الكافية التي تبرد ناره من ناحية "جبل": "هستنى مكالمة منك تقولي فيها على الجديد الشديد اللي ينفعني بصحيح.. مش لعب عيال."
رد الآخر بجدية: "ماشي.. أعرفه وأقولك."
ثم أغلق الهاتف دون حتى أن يستمع إلى باقي حديثه فقد مل منه وشعر بفوران الدماء في عروقه بسبب كثرة حديثه وإلحاحه عليه كل فترة صغيرة فقد طفح الكيل منه ومن طلباته التي لا تنتهي بخصوص الانتقام من "جبل" عن طريق أي خطأ يقع به لأنه أبلة لا يستطيع في أي شيء ليصيبه لأنه غبي ولا يستطيع التفكير والتدبير كما يفعل الآخر فقط يريد أخذ مكانه في البلد ولا يفكر في عواقب ذلك عليه بعد أن يناله.
❈-❈-❈
سارت "إسراء" راكضة خلف "وعد" في حديقة المنزل الكبيرة والمكان الوحيد للخروج إليه من هذا القصر الكئيب، فقد ملو الجلوس به وهم لم يكونوا معتادين على مثل هذه الجلسة.
سارت خلفها ضاحكة بصخب وصوت عالي: "مش هسيبك.. همسكك يا عفريته."
وقفت الطفلة على بعد منها وأخرجت لسانها بدلال وهي تقول برقة صارخة: "مش هتعرفي."
ركضت ناحيتها سريعًا بغيظ: "طيب أنا هوريكي يا سوسه."
استدارت "وعد" لكي تركض في الحديقة مُبتعدة عنها ولكنها وجدت جسدًا صلبًا يقف أمامها لم تدري بوجوده إلا عندما صدمت رأسها بعمود من أعمدته. حيث أنها عندما التفت لتذهب راكضة كان قدميه خلفها مباشرة فاصطدمت به.
انحنى قليلًا ورفعها على ذراعه ناظرًا إليها بتمعن وجدية، فاستمع إلى صوتها الرقيق وهي تسأله: "أنت مين! نزلني."
تابعها بابتسامة واسعة على شفتيه الغليظة ثم أردف بصوت حنون: "أنا عاصم كنت صاحب بابا يونس."
نظرت إليه بعينيها مدققة به ثم قالت ببراءة أطفال: "بجد؟ بس أنا عمري ما شوفتك."
سألها مُضيقًا ما بين حاجبيه يركز عينيه عليها: "وأنتي شوفتي صحاب بابا قبل كده؟"
أومأت إليه بالإيجاب وهتفت قائلة بهدوء وهي تستند بيدها اليمنى على كتفه: "آه عمو حمزة بس اللي صاحب بابا وكان بيجيلنا على طول."
أكمل يوضح لها سبب عدم معرفتها به وعدم ذهابه إليهم: "أنا كمان صاحبه بس أنا عايش هنا فمكنتش بجيلكم علشان كده."
ضيقت عينيها بشكل طفولي وهي تضغط على شفتيها ثم قالت له بتساؤل ظريف: "أنت عاصم اللي خليت إسراء تعيط؟"
رفع بصره إلى "إسراء" التي كانت على بعد خطوات بسيطة منهم تستمع إلى حديثهم سويًا تنظر إليه بخجل بعد أن استمعت إلى كلمات ابنة شقيقتها الأخيرة، فأبتعدت بعينيها عنهم. سألها بجدية: "مين قالك كده؟"
أجابته ببساطة: "أنا سمعت ماما وإسراء وهما بيتكلموا."
نظر إلى "إسراء" مرة أخرى وعاد إلى الطفلة على يده قائلًا بعتاب: "طب ومش كده عيب ولا ايه؟"
حركت يدها في الهواء قائلة: "أنا مكنتش بسمع بقصدي أنا كنت داخله الأوضة وهما بيتكلموا."
مرة أخرى يعود ليفعل نفس الحركة بعينيه ينظر إليها إلى أنها تمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها بسبب الخجل الذي أصابها من نظراته التي لا تفهم لها معنى. سأل الفتاة بخبث ومكر: "وسمعتي ايه؟"
رفعت عينيها عليه بخجل: "مش هينفع أقولك."
سألها باستفهام لمعرفة لما لا تريد قول ما استمعت إليه: "ليه؟"
تفوهت قائلة بأدب واحترام: "علشان ماينفعش أقول لحد حاجة سمعتها أو شوفتها. ماما علمتني كده."
ابتسم ناظرًا إليها وحرك رأسه باستغراب ثم أضاف بنبرة حنونة ناعمة يتوارى داخلها الخبث: "شاطرة.. طيب ممكن نبقى صحاب؟ أنا حتى ممكن ألعب معاكم."
ابتسمت بسعادة ونظرت إليه غير مصدقة أنه من الممكن أن يقوم باللعب معهم ليحيي اللعب، فهم الاثنين فقط لا يتسلون: "بجد؟"
أومأ إليها برأسه للأمام ونظر إلى الأخرى داخل عينيها مباشرة يبعث الحديث إليها لا للطفلة، قائلًا بصوت خافت نادم على ما فعله يطلب السماح: "آه بجد بس تسامحيني علشان خليت إسراء تعيط. أنا كنت غلطان."
حركت يدها عليه وقالت بابتسامة: "سامحتك."
سألها ومازال ناظرًا إلى "إسراء" يبعث الحديث إليها وهي تنظر إليه بخجل شديد ووجنتيها تكاد تحترق من شدة الخجل: "هنبقى صحاب؟"
أومأت برأسها تؤكد حديثه مطالبة ببدأ الاتفاق من الآن: "آه نبقى صحاب ونلعب مع بعض دلوقتي."
أقترب خطوات معدودة وهو يحمل "وعد" على ذراعه وتوجه ناحية "إسراء" ليقف أمامها مباشرة، عينيه تحاكي عينيها بضراوة، لهفة وشوق ناحيتها لا يدري ما سببه وكأنه يود أخذها في الحال.
سألها بمكر وعيناه تتابعها بدقة: "مش موافقة ولا ايه؟"
تمتمت بالكلمات بخفوت وخجل شديد وهي تخفض عينيها الزرقاء عنه: "على ايه؟"
ابتسم وهو يحاول النظر إلى عينيها بعد أن اخفتهم عنه قائلًا: "نبقى صحاب."
استدارت تعطيه ظهرها بعد أن شعرت بأن عيناه تأكل وجهها وتنظر إليه وكأنها تخترق ملامحها: "ما وعد وافقت."
رد عليها بجدية يسألها وهو يتحرك مع حركتها ليبقى ناظرًا إلى وجهها: "طب وأنتي؟"
سألته بتوتر وغباء وهي تضيع مع كلماته ما بين الأولى والثانية: "أنا ايه؟"
وقف أمامها مرة أخرى وأقترب للغاية منها ناظرًا إليها بحرارة: "موافقة؟"
أومأت برأسها سريعًا بسبب حدة توترها في وقفته أمامها بهذه الطريقة وعيونه عليها لا تتزحزح وهي تشعر بالخجل الشديد وكأن النيران تخرج من وجنتيها وجسدها: "موافقة."
قالتها على أمل أن يتركهم ويرحل ليعود إلى مكانه الذي أتى منه ولكنه بقي واقفًا معهم يتحدث وهو يضايقها بعينيه وسؤاله بعد أن فهم كيف تتكون شخصيتها الغبية الساذجة.
كانت "فرح" شقيقة "جبل" في شرفة غرفتها داخل القصر والتي تطل على الحديقة تنظر إليهم بعيون سوداء أكلتها الغيرة ونهشت ما بداخلها لتجعلها بكل هذا السواد المرسوم بها. تطلعت عليهم بقلب يحترق ونيران داخلها لا تنطفئ بسبب ذلك الأبلة الذي يسير ينظر إلى كل النساء مُتناسيًا وجودها بحياته. مُتناسيًا أنها شقيقة "جبل العامري" وابنة هذا القصر وكبير هذه الجزيرة بكل من عليها من نساء ورجال وحتى حيوانات. لن تجعله يطول في نسيانه لها ولن تبقى كثيرًا صامدة هكذا وهذه الفتاة هنا تجلس وتذهب من هنا إلى هنا أمام الحراس وأمامه والجميع بتفتن بها وبجمالها الغير طبيعي، ولكنها ساذجة غبية أي أحد يستطيع اللعب بها والنيل منها وإن وقفت بطريقها وطريق سعادتها ستدفع الثمن غالي للغاية وهي دموع عينيها تقف على الأعتاب مستعدة للنزوح في أي لحظة.
❈-❈-❈
وقفت في منتصف الغرفة تصيح بعصبية وانفعال شديد نتيجة الحديث الذي تستمع إليه منه هو ووالدته، تلك السيدة التي اعتقدت أنها تكن الحب إليها ولابنتها.
قالت "وجيدة" بهدوء وبرود أعصاب وهي ترى "زينة" تصرخ بهم: "يا زينة يا بتي متخافيش. وانتوا بتكتبوا الكتاب هتاخدي كل حقك من يونس ومن جبل كمان."
ضربت بقدمها اليمنى في الأرضية وتحركت بحركات هوجاء غريبة نتيجة لانفعالها الزائد وعصبيتها المفرطة: "جبل مين ده اللي أخد حقي منه؟ أنا مش عايزة حاجة غير حقي أنا وبنتي في يونس ونغور من هنا."
أكملت والدته بمنتهى الهدوء واللامبالاة لما تفعله "زينة" مُعتقدة أنها تحاول إقناعها بهذا اللين: "هنا أأمن ليكم من أي مكان تاني ووعد تبقى في حماية عمها."
صرخت بهم هم الاثنين وهي تنظر إلى كل شخص منهم مرة قائلة باستياء وانزعاج شديد: "بقولكم ايه، أنا بقالي خمس سنين عايشة في أمان مضعش مني غير لما جيت هنا وأنا بنتي في حمايتي أنا وطول ما هي معايا محصلهاش حاجة."
ربتت والدته على صدرها بيدها وهي تقول بهدوء غريب يعكر مزاج الأخرى وتشعر من بعده بالفوران: "الجواز هيبقى أحسن صدقيني. أنا بحبك وعمري ما أذيكي."
صرخت قائلة وهي تشيح بيدها بهم: "وأنا رافضة.. أنا رافضة ومش هتجوز هو بالعافية."
بعد صمت استمر منه وهو يتابع صراخها وحركاتها العنيفة بعينيه وحديثها مع والدته، اشتهاها أكثر من الأول وأحب الوصول إليها أكثر من اللازم ثم نطق بجمود: "آه بالعافية."
أقتربت منه دون خوف بعنفوان وهي تصيح به بغضب: "لأ مش بالعافية، مين أنت علشان تتجوزني غصب؟ أنت حتى مش محترم أخوك الميت، أنت إزاي كده؟"
وقف أمامها بعدما أقتربت منه وسارت أمامه مباشرة. نظر داخل عينيها السوداء التي تحترق من الغضب والغيظ من حديثهم وأجابها ببرود تام وفتور لا نهاية له: "أنا كده وهفضل كده.. وعلشان أنا بحترم أخويا الميت عايز ألم لمته اللي هي بنته، وعلشان مظلمكيش وأخدها منك قولت اتجوزك وتقعدي معاها."
استنكرت حديثه باستياء وتطاولت عليه وهي تسبه بعصبية رافعة من صوتها علها تثبت له أنها قوية: "تـ ايه.. تاخد مين مني أنت مجنون ولا ايه؟ لأ بقولكم ايه مش علشان أنا دخلت عندك في المكان القذر ده لوحدي تقولوا خلاص نقدر عليها."
أكملت بجدية شديدة وهي تنظر إليه بتحدي وقوة: "أنا ولا هتجوزك ولا هتجوز غيرك وبنتي هاخدها وأمشي من هنا وكمان معايا حقي."
ابتسم بسخرية وجمود وهو ينظر إلى والدته بتهكم ثم إليها يسألها: "وأنا ايه اللي يجبرني على كده؟"
وضعت يدها الاثنين أمام صدرها ووقفت تحرك قدمها ناظرة إليه بحدة وشكوكها تلعب بداخل رأسها فتحدثت بلُغز لعله يخاف منها: "كتير يجبرك.. كتير."
ابتسم باتساع أكثر وأشرق وجهه ووصل إليه التعبير المناسب الذي أرادت أن توصله إليه فتحكم بالحديث قائلًا: "أعلى ما في خيلك اركبيه.. مافيش ميراث ومافيش مشي من هنا إلا لو حبيتي تمشي أنتي وأختك يبقى الباب مفتوح وبالسلامة، لكن بنت عيلة العامري مش هتطلع من هنا.. والقرار قرارك."
تحدته وعيناها تقابل عيناه المخيفة، ولكنها حاولت الصمود لأجل أن تذهب من هنا هي وابنتها في أقرب وقت. فقد كان "يونس" الوحيد على حق.
"هنمشي يا جبل بيه.. ومتقوليش أن كل ده علشان خاطر وعد لأن وعد دي أنت مسألتش عليها مرة واحدة من يوم يونس ما مات، أنا مش غبية أنا فاهمه كل حاجة."
رفع حاجبه يسألها بوضوح وهو يعلم مقصدها: "اومال علشان ايه؟"
قالت بجدية وكره ظهر له لأنها تفهمت جيدًا ما الذي يريده، ليس الفتاة الصغيرة ولا المال، أنه لا يريد غيرها. "اسأل عيونك وهي تقولك علشان ايه."
أقترب خطوة مُمسكًا بذراعها يسحبها إليه فجعل وجهها مقابلًا له ولفح وجهها بأنفاسه الذي كرهتها من المرة السابقة وهو يهددها مرة أخرى: "اسمعي يا غزال.. أنا سبق وقولتلك زعلي وحش الله الوكيل وحش بلاش أحسن لك."
استغربت هذا الاسم الذي يناديها به للمرة الثانية ولكنها تغاضت عن ذلك الأمر الآن وصرخت بوجهه غير مُبالية بحديثه: "ما تزعل ولا تتفلق."
تحولت نبرته إلى الحدة والجمود وهو يضغط بيده على ذراعها ضاغطًا على كل حرف يخرج من فمه بغلظة: "ماهو زعلي ده هيطلع على اللي خلفوكي واحد واحد لحد ما يطلع عينك من مكانها وتتمني الموت ومتلاقيش اللي يدهولك."
عاندته وهي تصيح بوجهه ماحية معالم الخوف الذي رآها سابقًا على ملامحها ووقفت صامدة: "اللي خلفوني ماتوا من زمان والموت ربنا اللي بيديه مش أنت يا جبل بيه يا كبير الجزيرة يا محامي.. مش محامي بردو."
راقت له اللعبة واللاعبة. عاند أكثر معها وجعلها ترى العناد كيف يكون وداخله الفرحة تزداد أكثر وأكثر لأنه يحب هذا النوع كثيرًا. شرسة للغاية ولكنه سيروضها وسيجعلها تخاف فقط عندما تلمح خياله.
"أنا حذرتك أكتر من مرة أنتي اللي مصممة تشوفي قلبي ومسيرك تشوفيها وتجربيها وفي أقرب وقت.. وأعملي حسابك بقى مافيش خروج من هنا ولا لوحدك ولا مع بنتك ايه قولك."
نظرت داخل عينيه وقالت: "هنشوف هي مش بالقول."
دفعها للخلف وهو يترك ذراعها فتراجعت خطوات أثر دفعته لها، وأخفض عيناه على ذراعها الأبيض المرسوم عليه أصابع يده الغليظة باللون الأحمر والتي بدت تليق بها كثيرًا. ابتسم بشماتة وسخرية ثم خرج من القصر تاركًا إياها.
نظرت إليه وهو يذهب والدماء تغلي داخل عروقها. لقد شعرت أنها على وشك وضع يدها الاثنين حول عنقه وخنقه إلى أن تزهق روحه. يا له من إنسان وضيع قذر لا يفكر في شيء إلا نفسه. ولكنها لن تستسلم لهم بهذه السهولة.
نظرت إلى "وجيدة" بغيظ وغل ناحيتها ولم تريد التحدث معها ولو بكلمة واحدة توجهت إلى الخارج وتركتها جالسة تنظر إليها بغرابة. وكانت في تلك اللحظات "وجيدة" في أسعد لحظات حياتها لأن ولدها فكر بها كزوجة وأتضح هذا أمامها. وبما أن هذا حدث فهي لن ترحل من هنا أبدًا وستكون زوجته قريبًا وفي أسرع وقت.
ذهبت "زينة" إلى الخارج وقفت في حديقة القصر، تنظر إليه وإلى البوابة والحراس المتواجدين بكل مكان. ليس أمامها إلا حل واحد ستفعله ولو كان الموت يدق بابها لن تصمت إلا عندما تأخذ حقها منه وترحل وتتركهم جميعًا. وهذا لن يحدث إلا إذا تأكدت من شكوكها ناحيته وفي هذه اللحظات تتمنى أن يكون كل ما فكرت به صحيح ويصبح أخطر مما رأت لتفعل به ما يحلو لها ولتريه كيف يكون غضب امرأة مثلها.
ذهبت إلى البوابة الخارجة وطلبت من الحارس أن يفتح لها لتخرج وهو لم يكن لديه أوامر بمنعها من الخروج ففتح لها البوابة وخرجت منها سريعًا قبل أن يرصدها أحدًا من القصر.
رأته وهو يسير مُبتعدًا إلى الأمام على خط طول القصر، سيره يوازي خط الترعة المتواجدة أمامهم. بقيت واقفة قليلًا إلى أن ابتعد بمسافة كافية لتجعلها تسير خلفه دون أن يراها. كان الجو باردًا قليلًا والهواء يداعب خصلات شعرها السوداء المتناثرة على جانبي وجهها. بقيت تنظر بعينيها بقلق وتوتر خوفًا من أن يراها أحد الحراس الذين يسيرون خارج القصر قبل فترة والأخرى.
سارت بعد أن تأكدت من إنه ابتعد عنها ولن يستطيع رؤيتها، علمت أنه متوجه إلى نفس المكان الذي تريد التوجه إليه. يالا حظها السعيد لأول مرة، إن كان هو الآخر هناك في نفس التوقيت ستستطيع أن تعلم ما الذي يُخفى عنها هنا.
ابتسمت بفرح وسرور وهي تسير خلفه على بعد ثم توجهت إلى الجسر الخشبي فوق الترعة والذي يفصل الطريقين عن بعضهم. رأته وهو يختفي عن الأنظار بعد سيره ما يقارب الثلاث دقائق في الناحية الأخرى ودلوفه خلف الجبل. "جبل العامري."
عبرت الجسر ووقفت على الطريق الآخر تسير متقدمة من الجبل لكي ترى ما تريد وتتأكد من شكوكها وتتمسك بالأدلة القاتلة له بين يديها. لا تدري كل هذا بناءً على ماذا، لكن إحساسها لم يكذب عليها أبدًا. وهذا هو الحل الوحيد السير وراء الوهم إلى أن يتحول إلى حقيقة والتمسك به.
أثناء تقدمها من الجبل ونظراتها عليه، لقد كان عاليًا، ترتفع برأسها لتنظر إلى آخره، يأخذ مساحة كبيرة للغاية من الأرض وشكله مهيب كأنه بركان وداخله الكثير من الأسرار الذي تود الفوران بحممها البركانية لتحرق كل من أخفى داخله سرًا.
أتت على رأسها ذكرى راحلة من ذكرياتها المتكررة مع زوجها عندما تقدمت إلى هنا في المرة السابقة.
"سارت على قدميها بعد أن عبرت الجسر مُتقدمة من الجبل وهي تنظر إليه بسعادة كبيرة وفضولها يقتلُـ ـها ناحيته، أن تتجه نحوه وتراه عن قرب فلا يوجد شيء قيم مثله على هذه الجزيرة الغريبة. هواء الليل ونسماته كان يداعب خصلاتها ويجعلها تتطاير خلفها، الجو مُعتم للغاية والسماء حالكة السواد لا يوجد بها إلا نجوم تلتمع مع لمعة عينيها السعيدة بسبب اقترابها من لغز الجبل.
استمعت إلى صوت زوجها الصارخ وهو يركض ناحيتها بسرعة كبيرة يهتف باسمها: "زينة."
استدارت بلهفة تنظر خلفها بفزع، أن الليل هنا مُخيف وهو ظهر على حين غرة بصوته المُنزعج. نظرت إليه مُتسائلة وهو يقترب منها: "في ايه؟"
وقف أمامها لاهثًا بعد ركضه خلفها عندما أخبره أحد الحراس أنها خرجت: "رايحة فين؟"
تحدثت ببساطة وهدوء ناظرة إليه وهي تشير خلفها بيدها: "عايزة أشوف الجبل."
صرخ بوجهها بانفعال وعصبية يشيح بيده غاضبًا من تصرفاتها لأنه سابقًا حذرها من الذهاب إليه ولكنها لا تستطيع الاستماع إليه وذلك الفضول سيقتُـ ـلها: "لأ يا زينة، قولتلك متحاوليش تروحي عنده."
تابعته باستغراب شديد وأجابته باستياء مُتسائلة: "هو فيه سر يعني.. أنا عايزة أشوفه."
أجابها بحدة نافيًا ما تقوله رافضًا ذهابها تجاهه بكل الطرق: "وأنا بقولك لأ ومتفكريش بعد كده مجرد تفكير تعدي الجسر ده تاني.. سامعه يا زينة."
أكمل بجدية وانفعال وهو يشعر أنها لن تصمت إلا عندما تأتي إليه بمصيبة لطالما استمرت هنا على هذه الجزيرة: "حدودك آخرها سور القصر.. المنطقة دي متفكريش تيجي عندها."
وجدها تنظر إليه باستغراب وذهول شديد وهي تتابع حديثه الذي يشعرها بالرهبة تجاه ذلك الجبل، أو تجاه ما داخله!
عقلها أصبح يلعب بها وبتفكيرها حوله وحول ما يحدث به. لما قد يكون جبل أثري مقدس على جزيرة لا أحد يعلم عنها شيئًا ممنوع الاقتراب منه! لماذا يمنع "جبل" الاقتراب منه؟ السؤال عنه؟ لماذا هو مكان مخيف؟
أثار فضولها أكثر كلما تحدث عن البعد عنه، أصبح بالنسبة إليها كمغارة يُخفى داخلها الكثير مُتوارية بعيدًا في الخفاء والظلام الدامس فما كان منها إلا أن تُصر على معرفة ما يُخفيه البشر في الجزيرة داخل هذا الجبل.
جذبها عندما وجدها تقف صامتة تنظر إليه باستغراب وتوجه إلى الجسر مرة أخرى عائدًا بها مرة أخرى إلى القصر. قد لعب به تفكيره هو الآخر حول "زينة" التي لن تصمت إلا عندما تفعل شيئًا لن يعجب الجميع هنا، لن تقتل فضولها نحو الجبل ونحو كل ما يحدث على الجزيرة إلا عندما تعلم بكل شيء وهو لن يسمح بذلك."
بقيت ذكرى ما حدث في عقلها، وحديثه معها عندما عادوا إلى منزلهم وما يحدث إلى الآن منذ أن أتت مرة أخرى إلى الجزيرة. مؤكد كل هذا ليس من فراغ هناك شيء يحدث يجب عليها أن تعلم ماهو.
وقفت أمام الجبل بعد أن وصلت إليه، سارت جواره بهدوء وخفة كي تصل إلى أي طريق يأخذها إلى داخله أو إلى المكان الذي لا يريد أحد منهم أن تراه. أو أي شيء خطأ تستطيع أن تلمسه لتهدد به ذلك الحيوان.
استمعت إلى أصوات رجال ليس واحد وليس هو، ضيقت ما بين حاجبيها وحاولت أن تسترق السمع ليتضح إليها ما يقولون، اتبعت الصوت إلى أن وقفت جوار الجبل بزاوية في جانبه وتوارت عن الأنظار، تقف خلفه تستند عليه، تقدمت برأسها بهدوء وبطء شديد لترى ما الذي يحدث هناك.
رصدت عينيها وجود "عاصم" ومعه "جلال" لم ترى غيرهم فتقدمت برأسها قليلًا بعد وهي تستند بيدها على زاوية الجبل كي لا يراها أحد فرصدته هو الآخر يقف يضع يده في جيوب بنطاله يتحدث معهم بصوت خافت.
بقيت واقفة تنظر إليهم باستغراب تحاول أن تستمع إلى أي شيء يدور بينهم ولكنها لا تستطيع، زفرت بحنق وهي تعتدل في وقفتها لتراهم أكثر وضوحًا.
ولكنها تفاجأت برجال آخرين يتقدمون منهم ومن بينهم رجل يمسكون به بطريقة غريبة وهو يصرخ عليهم بصوت عالي هاتفًا بأنه لم يفعل شيء.
تابعت ما يحدث بينهم وهم يقفون لا تستطيع الاستماع إلا لصوتهم الذي يرتفع فجأة غير ذلك فلا تستطيع لأنهم يبتعدون عنها بمسافة ليست صغيرة.
دار الحديث بينهم وهو يصرخ ويهتف أنها ستكون آخر مرة يخون بها. لن يفعلها ثانية، صرخ وهو يهتف مطالبًا بالرحمة منه لأنه لا يستطيع تحمل عقابه الذي يعلم الجميع أنه لا يرحم.
صرخ "جبل" بصوت مُرتفع عاليًا بعنف وقسوة: "جزيرة العامري كلها عارفه.. أن اللي بيخون عليها مالوش عندي دي."
جذب السلاح الذي بيد "عاصم" رافعًا إياه أمام وجهه ونظرات عينيه مخيفة قاتلة قبل أن تقتل يده.
اتسعت عينيها بصدمة كبيرة وهي تنظر إليه غير مصدقة أنه سيفعل هذا معتقدة أنه يهدده. ولكن صوت الطلق الناري الذي خرج عاليًا واستقر داخل صدره جعلها تصدق أنه يفعل أكثر من هذا.
شهقت عاليًا بصوت مرتفع مصحوب مع تلك الشهقة صرخة من فمها فوضعت يدها عليه سريعًا وعادت للخلف تستند على الجبل بظهرها غير قادرة أن تقف على قدميها الذي ارتخت على الأرضية، قلبها يدق بعنف وخوف لا نهاية له. لقد شاهدته وهو يقتل الرجل الذي وقع على الأرضية دون نفس آخر بعد طلقته عليه.
وضعت يدها الاثنين على فمها وأنفها تكتم أنفاسها الذي تشعر أنها عالية وهو يستمع إليها بعد تلك الصرخة التي خرجت منها بفزع وخوف. ترى ما مصيرها معه؟!.
أنهارت حصونها ووقعت فريسة سهلة الصيد. هدأت عاصفتها وانطوت بعدما علمت الحقيقة الكاملة المُتوارية خلف غموضه. بركان غضبها الثائر خذلها عندما هدأ بعدما دب الرعب والهلع سائر جسدها. لقد رأته جبل صلب شامخ وأعتقدت أنها تلك العاصفة التي ستزعزع كيانه وتحرك داخله، شعرت أنها البركان الثائر الذي سيحرق قوته وينفي قسوته فوجدت العاصفة هدأت والبركان خمد فلم يبقى سوى هي أمامه وحدها تقف في المواجهة!
رواية سجينة جبل العامري الفصل الخامس 5 - بقلم ندا حسن
خطوة خلف الأخرى إلى الهاوية في جزيرة العامري.
أصبحت قدميها تحت جسدها جالسة بارتخاء وظهرها يستند إلى الجبل، يدها تضغط بقوة على فمها وأنفها لتكتم أنفاسها الخارجة منها، لقد وقع قلبها بين قدميها قتـ ـيلًا وهي تراه يقـ ـتل بدم بارد، عينيها خرجت من مكانها وهي تشاهد تلك الواقعة والجريـ ـمة الشنيعة من قِبله.
بقيت في صدمة تامة تشعر بالذعر والخوف الشديد، ضربات قلبها تتسارع بقوة وعنف فأخفضت إحدى يديها من على فمها لتضعها على قلبها في الجانب الأيسر من صدرها مُعتقدة أنها بهذه الطريقة ستجعله يهدأ، حيث أنها كانت تستمع إلى دقاته وتخاف أن تصل إليهم.
قدميها لا تستطيع حملها، جسدها بالكامل يرتجف بضعف وخوف لا نهائي والرهبة تكاد تقـ ـتل قلبها وتقع فريسة لرؤية جريـ ـمة قـ ـتل على جزيرة كهذه!
لقد أتت لتكتشف الحقائق، لقد أتت إلى هنا كي ترى أي شيء مُخالف يفعله، فرحت لأنها ستقف أمامه صلبة حادة لن يكسرها بقوته وجبروته ولكنها لم تكن تعتقد أنها سترى جريمة قـ ـتل بمنتهى البرود واللا مبالاة وكأن من قُـ ـتل هذا حشرة، نكرة لا قيمة له.
لقد وقفت أمامه وتحدته وصرخت بوجهه وهو هددها ولم تكن تعلم أنه يستطيع أن يفعل هذا. يا الله ما الذي من الممكن أن يفعله بها وبابنتها وشقيقتها؟
أنها لا تريد أن تبقى معه، لا تريد أن تكون زوجة له وهي تعلم ما الذي يريده منها. تشعر أنها سجينة داخل الجزيرة لن يعلم أحد بوجودها هنا ولو قُتـ ـلت لن يسأل عنها أحد ولن يُعاقب "جبل" على فعلته.
تراه وكأنه ذئب سجنها داخل قفصه ليفعل بها ما يحلو له وليتمتع بعـ ـذابها قبل الانقضاض عليها لينال منها.
تنفست بهدوء محاولة ضبط أنفاسها المسلوبة منها بفزع وخوف، بهدوء استندت على الجبل بيدها اليمنى المُرتعشة وهي تقف محاولة الصمود والعودة إلى القصر دون أن يراها لترى ما الذي ستفعله للهرب من هنا.
وقفت على قدميها بصعوبة لأنها لا تستطيع حملها فقد تلفت أعصابها من ذلك المشهد الوحشي، ترتجف بشدة وعنف ولكنها تحاملت على نفسها وحاولت التكملة.
أخذت نفس عميق ووقفت كما كانت في البداية تستند بيدها الاثنين عليه ومالت رأسها للأمام لتنظر عليهم مرة ثانية وترى ما الذي حدث في تلك الدقائق التي وقعت بها صريعة هذه الصدمة.
بينما هي تنظر وتتقدم برأسها ببطء، صرخت عاليًا صرخة انشقت لها السماء واستمعها كل من كان في محيطهم.
عادت للخلف وهي تبتعد عنه ناظرة إليه بخوف جلي ورهبة تقـ ـتل قلبها، رأته يقف أمامها مُباشرةً خلف زاوية الجبل التي تطل برأسها منها. عادت خطوات أخرى وأخرى وجسدها يرتجف وعيناها مُتسعتان عليه بقوة.
لم تكن خائفة منه في السابق ولم تكن ستعود هذه الخطوات لو قبل دقائق، ولكن ما رأته يفعله كان بشع لدرجة أنها من الممكن أن تخضع لأي طلب يطلبه الآن خوفًا على ابنتها وشقيقتها منه. وخوفًا على نفسها فهم ليس لديهم أحد غيرها وهو إن أخذ ابنتها منها لا تعلم ما الذي سيحدث لها هنا.
تقدم منها وسار الخطوات التي تبتعدها ببطء وثقة، ناظرًا إليها بتهكم ثم هتف بسخرية شديدة ويده داخل جيوب بنطاله:
- هو أنتي مفكرة إنك جيتي ورايا وأنا معرفش!
- يعني معقول واحدة زيك يا غزال تيجي وتشوف اللي بيحصل هنا وأنا مُغفل؟
- لو ده حصل يبقى أي عدو ليا يعرف يعملها ويبلغ عني.
صدرها يعلو وينخفض بسبب أنفاسها السريعة الغير مُنتظمة، ومازالت قدمها تعود بها للخلف خوفًا منه ومن غدره، خرجت الكلمات منها بصعوبة ورهبة شديدة تسيطر عليها:
- أنت عايز ايه يا جبل مني؟
- أنا كل اللي عايزاه حقي وحق بنتي ونغور من هنا أنا مش عايزاك.
قال بجدية وقوة وحديثه يرتمي عليها بثقة كبيرة:
- بس أنا عايزك.
- جبل العامري عايزك لسه ومش هسيبك تاخدي بنتي.
- بنت العامري وتمشي من هنا.
اتسعت عينيها أكثر وهي تستمع إلى حديثه وانكرت قائلة:
- وعد مش بنتك.
حرك رأسه قائلًا بفتور ولا مبالاة:
- لأ بنتي وأنا أحق بيها منك.
أشارت إلى نفسها بإصبع يدها وهي تقول بقوة وعنفوان:
- أنا أمه.
تقدم منها ليستقر أمامها بعد أن وقفت قدمها عن التراجع مُثبتة في الأرضية وقال بقسوة وعنف يظهران على ملامحه تحت ضوء القمر:
- وأنا جبل العامري وهي وعد العامري.
- أنا جبل العامري كبير جزيرة العامري اللي مافيهاش واحد يقدر يخون وأنتي شوفتي بنفسك من شوية الخاين مصيره ايه.
تفوهت بضعف وهدوء ولكن صوتها مازال يرتجف ويظهر عليها الخوف الشديد:
- لو بتتكلم عن اللي شوفته هنا أنا مش هخون ومش هقوله لحد.
- أنا بس عايزة أطلع من الجزيرة ببنتي.
- أنا مقدرش أكمل عيشة هنا.
ابتسم بشماته ناظرًا إليها يتذكر وقفتها أمامه في المرتين رافضة البقاء معه على الجزيرة وسبت حديثه غير عابئة به:
- وقفتي قصادي واتحديتيني مش كده؟
- بس أنا قولتلك هوريكي زعلي وهعرفك مقامك يا غزال وجبل العامري عمره ما رجع في كلمة قاله.
ترجته وعيناها تتكون بها الدموع وهي التي لا تبكي بسهولة:
- أرجوك.
- أرجوك سيبنا نمشي أنا خلاص عرفتك.
أمسك ذراعها جاذبها منه بقوة وعنف مُشددًا عليه بضراوة وقال مُشيرًا إلى الصحراء المحيطة بهم:
- مش هتطلعي من الجزيرة.
- أنتي مراتي خلاص وأي كلمة كده ولا كده الله وكيل هوريكي اللي عمرك ما شوفتيه.
- هنا في الهو ده.
صدح صوتها أعلى قليلًا وهي تحاول جذب يدها منه مُعترضة:
- مش عايزة أكون معاك هو مش بالعافية.
- مش عايزة ياخي.
تابع نظراته المُخيفة على عينيها وقسوة ملامحه لا تُحاكي ملامح بشر وأكمل بحدة وبمنتهى الجمود وعدم الرحمة:
- اللي ميجيش بالرضا يجي بالعافية.
- أو بلوي الدراع.
- يعني ممكن أطلق واحد من الحرس على أختك الحلوة القمر دي ولا أخد منك بنتك طول عمرك ولا تشوفي طيفها.
أكمل بنفس نبرته وهو يظهر أمامها التفكير ليأتي بحلول تقـ ـتلها وهي حية:
- أو اربيهم أنا في قصر العامري وأنتي تتحبسي هنا.
- وأنتي لسه مشوفتيش الجبل وجماله مش جوا.
شدد على ذراعها المُمسك به وقال وهو يمر بعينيه على كامل ملامحها التي تحولت من الشراسة إلى الضعف:
- يونس كان عنده حق.
- فضولك هيقتلك.
نظرت إليه باستغراب، متى قال له "يونس" هذا الحديث عنها! ولما قد يكون قاله؟ لا يهم.
مازالت الدموع في عينيها تهدد بالفرار لأنها الآن تترجاه وهي التي على حق ولم تفعل ذلك في حياتها:
- مش عايزة أكمل معاك يا جبل.
- مش عايزة أكون هنا على الجزيرة مشاركه في جرايمك دي أنا عايزة أمشي.
- أرجوك خلي في قلبك رحمة.
ضحك بصوت عالي ساخرًا منها، فلو كان في قلبه رحمة لم يكن يفعل ما فعله منذ قليل أمامها:
- الحاجه الوحيده اللي مش موجودة في قلبي.
- الرحمة، وإلا مكنش حصل اللي حصل قدامك.
نظرت إلى عيناه للحظات بقوة، لقد حاولت اللين في البداية لم يأتي بنتيجة، حاولت الحدة وحاولت بشراسة ثم حاولت بترجي وهو لا يريد إلا أن ينفذ رغباته القذرة عليها إذا فلتعود إلى نفسها دون أن تدرك العواقب:
- وأنا اترجيتك وأنت اللي مصمم.
- أنت شوفت شراستي وعنادي معاك والتحدي قصادك لكن مشوفتش التنفيذ.
ترك ذراعها ووضع يده خلف رأسها يتمسك بخصلات شعرها يجذبها منه للأمام وصاح أمامها وهو يبعثر أنفاسه عليها قائلًا بقسوة وعنفوان لأنها للمرة الثانية تتحداه:
- بقولك ايه يا زينة أنا مش يونس أنا جبل.
- مش هيرفلي جفن لو دفنتك هنا.
- أنا عايزك جسم معايا أنا قلبي مابيحبش فبلاش تختبريه.
ضربت صدره بيدها الاثنين محاولة العودة للخلف مُبتعدة عنه وهي تصرخ عليه بهمجية:
- متمدش ايدك عليا يا حيوان.
- مفاضلش غيرك يا قتال القتله.
لم تحسب هذه الكلمات أيضًا فلم تجد إلا صفعة مدوية من كف يده العريض تهبط على وجنتها دون أن يتردد في فعلها وجذب رأسها إليه مرة أخرى قائلًا بفحيح أمام وجهها:
- لو طلعت منك تاني اعتبري أختك بقت مدام من غير جواز.
- ده لو طلعت منها عايشة.
وجدها تنظر إليه بقوة وصدمة كبيره غير مصدقة أن هناك من لطم وجهها دون حق! لا تصدق أنها الآن تخضع لرغبات شخص قاتل مثل هذا وإن لم تفعل ستُعاقب وسيفعل بها ما يحلو له.
قال ببساطة واستلذ بنظراتها ناحيته وهو يعلم أن داخلها غل وحقد لا نهاية له ولكنها لا تستطيع فعل شيء أمامه:
- أنتي جيتي هنا وشوفتي اللي حصل علشان أنا عايز كده.
- بلاش تتذاكي مرة تانية بقى.
لم يخرج منها كلمات وقفت فقط تنظر إليه ومازلت تحت تأثير الصدمة وعقلها يعيد عليها ما شاهدته به منذ قليل ويعيد تهديده لها بخصوص ابنتها وشقيقتها ويأتي بالنهاية ليصفعها ذلك الحيوان البشري!
ابتسم وهو يترك رأسها ثم دفعها في كتفها للتقدم للذهاب معه إلى القصر مرة أخرى:
- يلا.
- يلا أنتي هتصوريني.
سارت معه مغيبة عن الواقع تمامًا، فما حدث اليوم كان أكبر منها بكثير، لم تكن تتوقع أن تمر بذلك! ليتها استمعت إلى حديث "يونس" وابتعدت عن هنا ليتها كانت مدت يدها في بلاد الغربة ولم تأتي إلى هنا.
ولكن مستحيل أن توافق أن تكون خاضعه له، لن تكون زوجته لو كان السيف على رقبتها، لن تكون منفذة لرغباته ولن تبقى هنا لتتستر على جرائـ ـمة في حق البشر. لن تصمت عنه، وعد منها إليه ستكون آخرته على يدها مهما طالت المدة ومهما فعل بها. سيتلقى عذابه على يدها وسيكون عبرة لكل قذر حقير مثله.
❈-❈-❈
سارت معه حتى وصلت إلى القصر بقلب يفرغ خوفًا ورهبة مما رأته معه وما فعله بها وما يستطيع فعله أكثر، قدميها لم تكن تستطيع حملها لتسير عائدة ولكنها كانت تتحامل على نفسها حتى لا يرى ضعفها أكثر من ذلك وتكن تلك الفريسة السهلة المحاصرة بجبروته وقسوته.
كانت تنظر إليه في كل لحظة وما بعدها، تنظر إلى جانب وجهه وهو يسير بشموخ قاتل يرهبها أكثر وأكثر وكأنه لم يقوم بفعل شيء شنيع للغاية منذ قليل. يرهبها كونه يسير حاد واثق من نفسه في وسط الجزيرة القاتـ ـلة تلك.
بعد ولوجه إلى داخل القصر معها دفعها بكف يده العريض من الخلف في الردهة لتتقدم بضع خطوات تسبقه أثر دفعته لها. تنفست بعمق واستدارت تنظر إليه فاستمعت إلى حديثه:
- فكري في الكلام اللي قولته.
- خروج من الجزيرة مش هيحصل يبقى أقعدي بالرضا مش بالغصب.
لا تدري كيف تتعامل معه الآن، تريه ضراوة عنفها؟ أم تكون لينة سهلة بيده لتتمكن من الهرب؟
- ولو مقعدتش ولا برضا ولا بغصب.
سار بخطوات بطيئة يتحرك جوارها بمنتهى البرود والهدوء الذي يملكه إنسان وقال بصوت هادئ رخيم لم تعتاده منه:
- مش هتحصل.
- مهما حاولتي مش هتحصل.
عاندته عائدة إلى عهدها السابق معه بعد أن استفزها بحديثه الواثق عن كونها لا تستطيع فعل شيء معه:
- أنا أقدر أعمل كتير.
ابتسم ناظرًا إليها بزاوية عينيه نظرة ساخرًا يُعطيها جانبه وتحدث مُشيرًا بيده بعنجهية:
- وأنا أقدر أعمل أكتر.
- وأنا شايف إني مش محتاج أتكلم عن اللي أقدر أعمله لأنك شوفتي بنفسك.
أقتربت منه بعنف توضح له يقينها أنه لا يستطيع قتلـ ـهم:
- مش هتقدر تعملي حاجه زي اللي شوفتها ولا أنا ولا بنتي ولا حتى أختي.
تحركت شفتيه اتساعًا وهو يبتسم بشر متمكنًا منه ومن هدوءه:
- منا عارف.
- أنا أقدر أعمل الأسوأ منه.
استدار مُعتدلًا ينظر إليها من أسفل قدميها إلى أعلاها ثم وقف أمام عينيها السوداء قائلًا مُعترفًا لها:
- تعرفي.
- عمري ما حبيت الست العنيدة اللي شايفه نفسها زيك بس شكلي هحبها.
- عاجبني جو إنك قادرة ده.
- مشفتوش من زمان.
أكمل وهو يحرك شفتيه أكثر قائلًا بجدية:
- أصل أنا بحب الست الخاضعة اللي تقول حاضر ونعم وبس، تبقى مكسورة الجناح زي ما بيقولوا.
أقترب مُمسكًا بخصلة من خصلات شعرها المتناثرة على وجهها يعبث بها بين أصابعه يتابع تحت نظراتها:
- ولو متعدلتيش معايا يا غزال الله وكيل هكسرك مليون حتة وأجيب مناخيرك الأرض.
رفعت يدها بقوة دافعه يده بعيدًا عنها لتستقر جواره وصاحت بقوة غير قادرة على الصمود أمامه هادئة:
- معاش ولا كان اللي يكسرني يا ابن العامري.
- ورحمة أخوك لتكون نهايتك على ايدي.
استمعت إلى ضحكاته المُستفزة للغاية وصوته الذي يزعجها وهو يتهكم قائلًا:
- بعد ما أكسرك ولا قبل.
نظرت إليه للحظات دون أن تُجيب تضغط على فكها بقوة تود الإنفجار في وجهه لا تستطيع تحمله ولكنه مجنون للغاية لا تضمن ردة فعله، تفوهت بشراسة:
- أنت تافهه وجبان عارف ليه علشان لو كنت راجـ ـل بجد وكبير زي ما بتوهم نفسك مكنتش قتـ ـلت بدم بارد ولا حتى فكرت تكون تاجر ممنوعات.
مرر حديثها عن رجولـ ـته، لم يغضب ولم يثور عليها ولكنه تابع مُبتسمًا:
- عجباني.
ابتسمت إليه هي الأخرى متابعة مثله تعبر عن كم الاشمئزاز الذي تشعره نحوه:
- وأنا شيفاك حيوان.
سألها ناظرًا إليها يُتابع كل تعابير وجهها:
- وأنتي بقى عرفتي منين إني تاجر ممنوعات.
وضعت يدها الاثنين أمام صدرها تقف بصدده بقوة وشراسة وكأنه لم يجعلها ترتعب منذ قليل:
- فاكرني نايمة على وداني.
صاح بمنتهى اللا مبالاة وهو يضحك بصخب مُشفقًا عليها:
- الله وكيل ما حد أخرته جاية غيرك.
أكمل يسألها مرة أخرى وهو يعرف أنها لا تملك إجابة لهذا السؤال وما كان قبله أيضًا أنها فقط تشك به وبما يحدث من حولها. وهو سيؤكد لها هذا الشك إن لم يكن أكده:
- وأنا بقى بتاجر في ايه بالظبط؟ طالما أنتي مش نايمة على ودانك.
حاولت المرور من جواره كي تصعد إلى الأعلى متغاضية عن سؤاله وحديثه معها ولكنه تحرك يقف أمامها مانعًا إياها من العبور فصاحت بشدة:
- اوعا خليني أطلع.
- الكلام معاك خسارة.
ابتسم بتشفي وهو يقوم بالتمسك بخصلات شعرها مرة أخرى وكأنه يتوق للمسهم كل لحظة والأخرى، وهتف بكل أريحية وهدوء:
- ما تردي.
- ولا مش عارفه.
- على العموم أنا تاجر سلاح بقولك معلومات أهو ببلاش وكمان بخليكي تتفرجي على أفلام أكشن حلوة.
نظرت إليه باستغراب شديد. ورعب أكثر من السابق، تنظر إليه وهو يقف يعترف إليها بأنه تاجر للأسلحة بمنتهى الهدوء والسهولة في الحديث حتى أنه لا يخاف منه.
لم تستطع الوقوف معه تكابر أكثر من ذلك، لم تستطع أن تمثل أنها تلك الشجاعة الرائعة التي لا يستطيع أحد أن يعكر صفوها أو يجعلها تشعر بالخوف والرهبة فصاحت سريعًا قبل أن تعلن استسلامها له:
- بقولك اوعا.
أبتعد من أمامها يفتح إليها الطريق للعبور، لكنه وقف يقول بقسوة ظهرت من خلال كلماته التي كانت تخرج كالأسهم لتصيب قلبها خوفًا ورعبًا فقط لأجل أنه يقولها بكل ثقة وهدوء:
- اتفضلي.
- بس قبل ما تطلعي يا غزال عايز أقولك كل حاجه بتحصل هنا بمزاجي.
- كلامي معاكي بعنف وقسوة في الجبل بمزاجي وكلامي هنا بالهدوء ده بمزاجي لو ضحكت بمزاجي ولو قتـ ـلت بمزاجي حتى الناس اللي على الجزيرة كلهم.
- ماشيين بمزاجي متحاوليش تفهميني ولا تهربي مني هجيبك الأرض وهتندمي.
حركت عينيها على عينيه الخضراء الغريبة، عينيه التي أتضح لها أنها أكثر عيون شريرة رأتها بحياتها على الإطلاق، خرجت الكلمات من بين شفتيها دون وعي ولكنها في الحقيقة كانت تخرج من قلبها وليس شفتيها:
- اوعدك أنا اللي هندمك على كل حاجه عملتها حتى لو كانت كلمة.
أشار إليها على الطريق لتصعد إلى الأعلى هاتفًا بسخرية:
- مستني.
تابعته بنظرات عينيها السوداء وما بداخلها أكثر من شعور وغرابة، أكثر من صدمة وخوف فتخطت ذلك سريعًا وهي تبتعد عنه تصعد إلى الأعلى قبل أن تفقد أخر ذرة عقل وقوة بها وتقع أمامه باكية طالبة السماح والعفو مرة أخرى.
دلفت إلى الغرفة الخاصة بهم، تحركت عينيها على شقيقتها وطفلتها الصغيرة، تنهدت بعمق وعيناها معلقة بهم تحكي ألم كبير تحمله بداخلها، استدارت تنظر إلى باب الغرفة وأغلقته مُمسكة بالمفتاح تديره داخل المزلاج تغلق الباب عليهم من الداخل فقد خفق قلبها خوفًا ورعبًا ورأت عينيها أبشع الأشياء أمامها فلا يؤمن قلبها أنهم سيكونون بخير هنا.
تقدمت وجلست على الفراش تريح ظهرها إلى الخلف مُمددة قدميها بألم شديد وإرهاق يسير في جسدها بالكامل من تلك اللحظات السابقة الأليمة التي مرت عليها وجسدها لا يتحمل أن يقف شامخًا صلب أمام أحد او حتى أمام نفسها.
راحت عينيها تسير في الغرفة ثم تعلقت بشقيقتها وطفلتها النائمة جوارها كالملاك الصغير، تلهفت عينيها وهي تنظر إليهم بخوف ورهبة تسير داخلها تشعرها بأن الهروب من هنا هو الحل الأمثل ولكنه الأصعب على الإطلاق.
أتضح لها أن شكها به أصبح مؤكد، إنه رجل عصابات وتاجر للأسلحة، قـ ـاتل بشع ورجل قاسي عنيف. يتوارى عن الأنظار هنا على هذه الجزيرة! يستخدم سلطته في كونه الحاكم هنا ويتحكم في الجميع خافيًا حقيقته عن العالم!
ولكن لحظة! عندما استمعت إلى الخادمة كانت قد قالت أن الناس هنا على الجزيرة يعلمون بما يفعله ويساعدونه أيضًا؟.. كيف؟ كيف يكون تاجر للأسلحة في وسط هؤلاء الناس ويقومون بمساعدته؟ كيف يشعرون بالأمان وهذا الرجل بينهم؟ كيف ينامون وهم في خطر طوال الوقت؟ كيف يتركون نسائهم وأطفالهم على هذه الجزيرة الملعونة بكل هذه الأريحية. ألا يشعرون بالخوف؟
وكيف هو شقيق لـ "يونس" زوجها الرجـ ـل الخلوق المهذب الذي لا مثيل له؟
لقد منعها "يونس" عن الاختلاط به وكأنه كان يعلم ما الذي سيحدث لهم من بعده...
أين هو الآن ليدافع عن زوجته وطفلته الصغيرة بعدما وقعوا في براثن ذئب لا يرحم.
استدارت بعينيها تسير في الغرفة وعقلها يُكاد ينفجر من كثرة التفكير فيما مرت به وما ستمر به أيضًا. أهذا الرجـ ـل رجـ ـل قانون حقًا، يالا هذه السخافات من هذا رجـ ـل القانون إنه لا ينطبق عليه إلا أن يكون رجـ ـل عصابات. قاتل متسلسل، ذئب بشري، صياد محترف. كل هذه الألقاب تناسبه إلا أن يكون رجـ ـل قانون!
منذ أن أتت إلى هنا في أول مرة وهي تراه غريب الأطوار. لم تتعامل معه قط ولم تقترب منه أبدًا بسبب وجود زوجها الذي كان يحذرها دائمًا وبسبب أنه لم يكن يهمها في ذلك الحين.
ولكن الآن أصبح الإقتراب منه أشبه بالإقتراب من الموت الحتمي، وكأنها تتقدم من حافة الهاوية وهي تعلم أنها ستلقي بنفسها من أعلى قمة جبل وتدرك ذلك جيدًا.
اختنق صدرها وضاق على قلبها وهي تفكر في نكستها وكسرتها التي مرت بها أسفل يده القاسية، كيف لها أن تترجاه بكل سهولة وتبكي أمامه أن يتركها للرحيل! ولكن لم يكن هناك مفر آخر منه فهو كان كالوحش الكاسر. كانت يده قد اتسخت بقـ ـتل أحد من قبلها بلحظات فما الذي كان سيفعله بها. ما الذي ستفعله الآن! ما السبيل للتخلص من هذا العذاب؟ ألم تكتفي بما مر بها في الخارج لتأتي إلى هنا لتنال الأسوأ على يده؟
كيف ستجعله يتخلى عن فكرة الزواج بها، وكيف ستخرج من الجزيرة معافاة هي وشقيقتها وابنتها الصغيرة فهو نالها بين مخالبه وعلم كيف يسلخ جسدها وهي في أحضان عذابه.
لم تعتاد يومًا على الاستسلام ولن تعتاد عليه، لن تترك نفسها لقـ ـاتل مثل هذا، لن تدفن حياتها ومستقبلها بالزواج من رجـ ـل عصابات والعيش على جزيرة متوارية عن الأنظار هاربة من الأحكام بسبب ما يفعلوه عليها. لن تظلم ابنتها وتجعلها تعيش مع هؤلاء البشر وترى ما يحدث بينهم وتنظر بعينها البريئة إلى عمها شقيق والدها وهو يدنس يده بدماء الأبرياء.
ستقاومه إلى آخر لحظة بحياتها وآخر نفس يخرج منها، ستظل ترفض كل ما يعرض عليها منه وستظل تعترض إلى أن ترحل ويتركها تبتعد. ليس أمامها أي خيار غير أن ترفض عرضه بالزواج منها وتقاوم تهديده وخوفها اللعين على شقيقتها وابنتها. أو ترضخ بعد أن يفعل ما هدد به.
وفي كلتا الحالتين لن تتركه ينعم بحياته ويسير بين الناس رافعًا رأسه عاليًا ينظر إليهم بتفاخر وشموخ وهو قاتـ ـل ورجل لا يؤتمن. لن تتركه يستمر في فعل هذه الأشياء وستقلب هذه الجزيرة رأسا على عقب وسيكون هو أول المتضررين ولو بعد مئة عام.
وجدت طفلتها الصغيرة تقترب جوارها على الفراش تنام مُمسكة بها تحيط يديها الاثنين حولها تخفي وجهها بجسد والدتها ولكنها تحدثت بصوت ناعس:
- أنتي لسه منمتيش يا ماما.
أومأت إليها للأمام برأسها ووضعت يدها اليمنى على جسدها تضمها إليها قائلة بهدوء بعد أن عادت إلى طبيعتها تاركة كل ما حدث خلف ظهرها من أجل ابنتها:
- هنام أهو يا وعد.
رفعت الصغيرة وجهها إليها مغمضة العينين والنوم يغلبها ثم قالت:
- تيته بتقولي إننا مش هنسافر تاني خالص يا ماما وهنفضل هنا على طول.
نظرت إليها وبادلتها بعينيها السوداء الحالكة ولكنها لم تقل شيء غير أنها سألتها بجدية:
- أنتي عايزة ايه؟ نرجع ولا نفضل هنا.
أخفضت وجهها إلى جسد والدتها وشددت عليها بيدها وهتفت ببراءة وهي تغمض عينيها:
- نرجع أكيد ونبقى نيجي هنا كل إجازة نزور تيته علشان حبيتها أوي.
مرة أخرى أومأت لها برأسها ونظرت إليها لتجدها قد عادت إلى النوم مرة أخرى، احتضنتها بشدة وقبلت أعلى رأسها وهي تشعر أن ما كانت تحمله لأجلهم في الخارج كان لا يساوي أي شيء أمام ما تحمله الآن هنا في وسط أهل زوجها.
نيران ملتهبة تشتعل داخل صدرها تحرق الأخضر واليابس به تشعرها بأن الهروب من الجزيرة عبر المياة هو الحل الأمثل لتخمد نيران صدرها بعد توهج الحريق المشتعل.
❈-❈-❈
أقتربت من السور خلف القصر حيث يقل هناك عدد الحراس ويختفي من يريد الاختفاء عن الأنظار في تلك المنطقة حيث ينحصر بين السور وحوائط القصر والأسلاك الذي تعيق عبور أي أحد. واختفت تمامًا عن أعين الكاميرات بعد أن خرجت للخلف من الباب الخلفي الموجود بالمطبخ الأرضي.
وقفت قبالته تتغنج وتتمايل بجسدها وهي تستمع إلى حديثه الذي يخرج بلهفه ماكرة:
- وحشتيني.
- كل ده مش عارف أقرب منك.
وضعت يدها بجانب خصرها ترفع حاجبها الأيمن للأعلى تنظر إليه بسخط:
- وتـقـرب مني ليه منا شيفاك بعيوني دول وأنت عينك هتطلع عليها وتتخلع كمان.
ضيق ما بين حاجبيه بجدية يتابع نظراتها نحوه مُتسائلّا:
- هي مين دي.
اشاجت بيدها بهمجية وهي تصيح به بصوت عالي سرعان ما اخفضته:
- أنت هتستهبل.
- أخت زينة الست إسراء.
أدرك بعد حديثها سبب خروجه من فمها، فصاح يقترب واضعًا يده على ذراعها ينظر إليها برغبة قاتلة خبيثة:
- أنتي هبلة يا فرح إسراء مين دي اللي ابصلها اومال أنتي ايه بطلي هبل دا أنتي الأصل والحب كله.
دفعت يده من على ذراعها وتلوت أمامه وهي تكذب حديثه قائلة بضيق وانزعاج:
- كداب شيفاك بعيوني دول واقف معاها وعايز تفتح كلام وعينك هتخرج بره وتنط جوا هدومها.
أقترب منها يغمز بعينيه تنفرج شفتيه بابتسامة واسعة يبدو عليها اللؤم ولكنها تتغاضى عن ذلك:
- دي عيلة.
- إنما أنتي قلبي من جوا وبعدين وحياتك عندي ما بصتلها.
تابعته بتمعن ونظرات عينيها تخترق تعابيره وتفوهت قائلة بخبث يماثله:
- ما بلاش كدب البت حلوة بردو.
عاد للخلف يرفع يده الاثنين لأعلى مؤكدًا على حديثها وهو يبتسم بلا مبالاة وبرود:
- الصراحة آه هي حلوة وزي القمر ومنزلش منها الجزيرة اتنين.
وجدها اعتدلت في وقفتها التي تتغنج بها أمامه ووقفت مستقيمة بعد أن تغيرت ملامح وجهها الجدية والضيق الذي بدا عليها بوضوح فصاح سريعًا يصحح ما قاله لها يتلوى في الحديث معها:
- بس بردو أنتي اللي في القلب.
- لما القلب يشوف العين تعمى.
ضيقت عينيها عليه وهي تعلم أنه كاذب وأردفت تكمل على حديثه ببغض:
- يالهوي على كدبك اللي ملوش آخر.
ابتسم ببرود وتابع بعينيه جسدها من الأعلى إلى الأسفل وتطاولت يده ومدها ناحيتها في منطقة محظورة يهتف:
- سيبك من كدبي.
- وحشتيني أوي أوي.
ابتسمت متغاضية عن كل ما تم بينهم من حديث لاذع يعذب القلوب العاشقة ولكنهم كانوا قلبين لاثنين لا تحركهم إلا رغبتهم:
- وأنت كمان وحشتني.
صاح بضيق وانزعاج ظهر في حديثه وهو يسير بيده على جسدها دون خجل:
- طب ايه مش هنتقابل بره ولا ايه أنا زهقت إحنا عاملين زي الحرامية اومال لو مش متجوزين يا فرح.
أجابته بجدية تشرح له الأمر كيف يتم مع والدتها بصعوبة:
- أنت عارف اللي فيها أخرج أنا بأي حجه تقدر تقولي؟ أمي بتعمل تحقيق قبل ما أطلع من بوابة القصر ولو قولت رايحه عند حد من صحابي بتكلمني هناك تسأل عني ده غير الحرس اللي يلازمني.
أبتعد بيده ونظر إليها بجدية مُتسائلًا:
- شاكه فيكي ولا ايه.
أومأت إليه بالنفي قائلة بدلال وصوت ناعم خافت:
- لأ خايفة عليا.
أقترب مرة أخرى وتحدث وهو يعود بخصلات شعرها المتطايرة من حجابها للخلف:
- طب وبعدين وحشتيني أوي وأنا بصراحة بقى مش قادر استحمل.
تفوهت بالحديث مرة أخرى بدلال أكثر من السابق تتمايل أمامه وهي في الأساس تقف لا تتحرك:
- لأ استحمل شوية كمان بس واوعدك نتقابل في أقرب وقت.
تحدث بجدية:
- أما نشوف.
- قوليلي مافيش جديد عندكم.
سألته باستفهام لتستطيع الإجابة عليه:
- جديد زي ايه.
أشار بعينيه ناحية القصر وشفتيه تتحرك مُستفهمة عن زوجة شقيقها الراحل:
- مرات أخوكي.
صاحت بجدية شديدة وهي تقص عليه سبب قدومها إلى هنا:
- أسكت مش طلعت جاية تاخد الميراث بتاعها هي وبنتها أنا قولت بردو الجية دي وراها حاجه مش معقول جاية تزورنا.
عاد للخلف خطوة ووقف مُستقيمّا أمامها وتحدث بجدية مثلها:
- وهتاخد؟
لعبت بأصابع يدها في حجابها المتدلي أمام صدرها وأجابته تلوي شفتيها بفتور:
- شكلها كده لأ جبل حطها في دماغه وعايز يتجوزها.
استنكر ما تقوله بشدة فصاح يقترب منها:
- بتقولي ايه.
أكملت بجدية شديدة متأكدة من حديثها تقصه عليه بوضوح دون خوف أو عدم ثقة:
- زي ما بقولك والله ومحدش يعرف أنا سمعتهم وهما بيتخانقوا ومش موافقة تتجوزه قالتلهم عايزة تمشي من الجزيرة وجبل مش موافق.
حرك رأسه مستنكرًا باندهاش يقول بغرابة ومكر:
- أخوكي ده شيطان.
ابتسمت ساخرة من حديثه تكمل عليه قائلة بتهكم واضح:
- وأنت ايه يا حلو ما أنت زيه ونسخة منه.
أومأ إليها ضاحكًا:
- معاكي حق بردو.
أقترب منها يدفعها للخلف لتستند على الحائط وتقدم ليلتصق بها لا يفصل بينهم أي مسافات، مقبلًا إياها ويده تسير على جسدها في الخفاء تحت أعين القمر والنجوم والبشر غافلين عما يفعله الظالمين الذين تحركهم رغباتهم وتلك النشوة القابعة داخل قلوبهم وعقولهم، تحركهم بأي إتجاة وفي أي طريق باحثين عن طريق الحرام وإن كان أمامهم الحلال والنور تكاسلوا ليبحثون عن الظلام الدامس بعيد عن الأعين والألسنة لتتكوم السيئات فوق بعضها البعض ويتجمع العذاب إلى يوم الحساب.
كانت "إسراء" قلقت في نومها فاستيقظت وبقيت قليل من الوقت في الغرفة منها إلى الشرفة ولم تجد فائدة في جلوسها وحدها وهي ترى شقيقتها وطفلتها الصغيرة تنام بين ذراعيها ينعمون بالأحلام سويًا.
هبطت إلى الأسفل وخرجت إلى الحديقة وفي يدها الهاتف المحمول الخاص بها، جلست قليلًا تحاول الوصول إلى شبكة الإنترنت هنا ولكن لا فائدة.
نفخت الهواء من فمها بملل قابعة داخله العصبية بسبب عدم توافر أي شيء تريده هنا، نظرت إلى اليمين واليسار تتابع الحراس الذين باتوا يعرفونها وباتت تشعر بالأمان قليلًا فلا حرج أن تجولت في الحديقة ولا خوف. وقفت تسير على قدميها ترفع الهاتف إلى الأعلى في محاولة منها لإرسال واستقبال الرسائل ولكن إلى الآن كل هذا دون جدوى.
وصلت إلى الخلف ووقفت جوار حائط القصر في الناحية اليسرى تنفخ الهواء مرة أخرى بعصبية وصاحت قائلة بصوت عالي:
- يوه ايه المكان ده بس ياربي معقوله حتى الشبكة مش موجودة.
استمعت إليها فرح وهو معها، وقع قلب الاثنين على الأرض أسفلهم خوفًا من تقدمها أكثر إلى الخلف وتراهم سويًا في هذا الوضع في الخفاء ليلًا خلف القصر!
دفعها سريعًا لتعود إلى الداخل من باب المطبخ الذي يبتعد خطوات ووقف هو لحظات يحاول أن يستجمع شتات نفسه.
استدارت "إسراء" مرة أخرى مقررة العودة ومحاولة النوم. ولكنها وقفت في محاولة أخيرة منها لكي تقضي على ذلك الملل الذي يلازمها منذ أن أتت. وجدت من يضع يده أعلى كتفها من الخلف يهتف بصوته الرجولي المميز:
- بتعملي ايه هنا؟
استدارت بجسدها وعينيها تنظر إليه متفوهه باسمه برقة وعفوية:
- عاصم!
❈-❈-❈
"يُتبع"
رواية سجينة جبل العامري الفصل السادس 6 - بقلم ندا حسن
"أتى المستحيل الذي هددها به، لازت بالفرار وانتهت روايتها مع عائلة العامري"
نظر إلى عيونها الزرقاء وتابع بعينيه هو البحث في ملامحها، النظر إلى شفتيها التي هتفت اسمه برقة لا مثيل لها وكأنه قطعة من قماش الحرير لمسه الهواء والهوى بكل رقة ونعومة..
أومأ إليها برأسه للأمام يؤكد أنه هو:
-آه عاصم
وجدها تنظر إليه ببلاهة ولم تتحدث فأردف مرة أخرى يسألها:
-بتعملي ايه هنا دلوقتي
نظرت إلى الهاتف بيدها ثم إليه وتحدثت بصوتٍ خافت والملل يتأكل منها:
-أصل بصراحة الدنيا ملل أوي هنا والجزيرة مافيش فيها شبكة نزلت اتمشى في الجنينة أحاول أجمع شبكة
ابتسم وهو يتابع ملامحها المُنزعجة وكأنها طفلة فاقدة أصدقائها الذي تلعب معهم، قال بجدية:
-الجزيرة فيها شبكة في كل مكان على فكرة اومال احنا بنتكلم إزاي
أكملت بعد حديثه موضحه له مقصدها وهي ترفع الهاتف أمامه:
-أقصد شبكة نت
أقترب خطوة بقدميه فأصبح جسده العريض أمامها يخفيها لمن نظر من خلفه:
-فيها كمان شبكة نت تحبي افتحهالك؟
نظرت إليه بسعادة مُتسائلة عن صحة حديثه:
-بجد؟ ياريت أوي
أومأ إليها برأسه للأمام يهتف بصوته الرجولي المميز بالنسبة إليها بهدوء:
-حاضر
نظر حوله في الظلام الدامس في هذه المنطقة المتوارية عن بوابة القصر والقصر نفسه والحرس جميعًا وقال لها بجدية بعد أن استقر بعيونه عليها من جديد:
-متبقيش تنزلي تحت في وقت متأخر كده
رفعت أحد حاجبيها الشقراء وتركزت بعينيها عليه تسائلة باستفهام:
-ليه؟
ضحك واتسعت شفتيه تبتعد عن بعضها ظاهرة من خلفها أسنانه وفي رأسه أشياء عديدة يعبث بها ليست هي من تعبث به:
-لمصلحتك
حركت رأسها بخفة وهي تنظر إليه لا تستوعب حديثه:
-مش فاهمه
ابتسم أكثر وهو يتابعها قائلًا بجدية:
-أحسن بردو إنك مش فاهمه.. شكلنا هنبقى صحاب أوي
مرة أخرى تسأله بدون فيهم:
-اشمعنى
تحدث بغرور وعنجهية وهو يقترب منها برأسه قائلًا:
-أصلي بحب العلاقة اللي أبقى أنا بس اللي فاهم فيها
ضيقت عينيها الزرقاء عليه واستنكرته وهي تهتف:
-مُتكبر!
ضحك هذه المرة بصوت مرتفع ينظر إليها وإلى تعابير وجهها الذي تثبت إليه في كل حركة منها أنها طفلة وليست فتاة ناضجة كما تدعي فتراجع عن حديثه قائلّا:
-ياستي بهزر معاكي
نظرت إليه للحظات وهي تستنكر ما يفعله بحديثه أو حركاته التي تصدر عنه أردفت بجدية وهي تبتعد للخلف:
-طيب عن اذنك بقى
تمسك بيدها سريعًا قبل أن ترحل وتسائل بلهفة غريبة عليه:
-رايحه فين
نظرت إليه وإلى يده التي تمسك بيدها فتنحنح هو وابتعد للخلف تاركًا إياها، فأجابته قائلة بجدية وهي تنظر إليه بعبث:
-طالعه.. مش قولتلي بلاش أنزل في وقت متأخر
استنكر ما فعله وتلك اللهفة الغريبة التي تأتي منه إليها هي فقط دون الجميع، ولكنه يستطيع تفسير ذلك جيدًا، أردف بسخرية:
-وأنتي مطيعة أوي كده
وجدها تنظر إليه باستغراب لم تجيب عليه ولم تبدي أي ردة فعل على حديثه وكأنها تقف مستغربة للغاية مما يفعل ومما يقول فتابع مرة أخرى باقتراح:
-مافيش مانع نفضل مع بعض شوية.. أضيعلك الملل وتعملي صحاب ولا ايه
فكرت للحظة في حديثه فهو محق للغاية، أنها تحتاج لتكوين صداقات، لا الحقيقية هي لا نحتاج لذلك ولكن الهوى يلقيها عليه لتستكشف ما به ذلك الرجل العملاق:
-عندك حق
أشار إليها بيده ناحية الحديقة في الأمام عند القصر أمام الجميع من الحرس وغيرهم:
-طيب تعالي نقعد.. تعالي
سار معها ليجلسوا سويًا وهي جواره، تسير بخجل وفراشات معدتها تعبث بها في الداخل لأجل تلك الفكرة الغبية التي وافقت عليها.. كيف تجلس معه وتتحدث وتنظر إليه وهو يباغتها بنظراته الجريئة الحرة!.
من الأعلى رصدتهم فرح من داخل شرفتها بعيون تشتعل بالغضب والبغض الشديد تجاه "عاصم" الغبي الذي يسير خلف جمالها ورقتها المصطنعة وتلك الفتاة الغبية التي تدعي الخجل مع الجميع وتزداد به معه وتتصرف كأنها طفلة في الثامنة من عمرها كابنة شقيقتها..
ظلت تنظر من الأعلى بغضب يشتعل داخلها يجعلها تتحرك في الشرفة بعنف وضراوة غير قادرة على المكوث في مكانها لحظة فقد نشبت النيران داخلها بسبب غيرتها من تلك الغبية الماكرة المتصنعة..
ظلت تأتي من بداية الشرفة إلى نهايتها وعينيها عليهم بعد أن جلسوا وأصبح "عاصم" جوارها يعطيها وجهه وجسده بالكامل يسترسل معها في الحديث وهي ترد عليه بخجل تارة وبغضب تارة والآن ضاحكة!..
جعلها تضحك بصخب تضع يدها على فمها لتكتم ضحكاتها بعد أن استمع إليها الحرس في محيطهم ونظرت بخجل بعد تلك الفعلة المباغتة..
يا لك من فتاة غبية وضيعة سارقة، لقد سرقته بتلك الرقة المصطنعة والخجل الكاذب، خدعته بجمالها الغير طبيعي وسرقته في لحظات وهو كان كالغبي..
رجل كأي رجل غبي يرمي بشباكه وأحباله إلى أي فتاة جميلة تمر من جواره وقد كان معها، يا الله تعابيره غير مسبوق لها أن تراها..
أنه يتحدث بود، ينظر إليها بهدوء ويتودد إليها!، يتابع عيناها الزرقاء ويدقق في ملامحها بهيام وانسجام خالص لها..
يا لك من ماكر يا "عاصم" يا لك من ماكر مخادع غبي..
ضربت بقبضة يدها على سور الشرفة وهي تتابع ما يحدث بينهم وفي لحظة رفعت الهاتف من على المقعد بينهم وفتحته لتوريه به شيئًا فاقترب منها وهي تشير بإصبع يدها على الهاتف وتضحك بصخب؟!
متى تعرفت عليه إلى هذه الدرجة متى! لا أنها من فتيات المدينة لا تحتاج لوقت حتى تتعرف عليه فقط يلقي عليها سلام الله فتلقي عليه شباك الخبث الضارية...
رفع "عاصم" وجهه إلى الأعلى بعفوية والإبتسامة مُرتسمة عليه ليقابل وجهها، نظرات عينيها الحمراء الغاضبة وملامح وجهها بالكامل التي تجعلها تبدو مخيفة وهي تنظر إليهم بهذه الطريقة الغريبة..
نظر إليها لحظة والأخرى اعتقادًا منه أنها ستدلف للداخل أو يصدر منها أي ردة فعل فقط خجلًا من نظراته نحوها ولكنها كما هي فتاة مغرورة، متكبرة عليه وعلى الجميع.. والأهم من كل هذا لا تخطئ وكأنها قديسة لا تعرف طريق للخطأ..
أبعد عينه مرة أخرى وعاد بها إلى "إسراء" الماكثة جواره ولم تلاحظ نظرات عينيه المرتفعة للأعلى بسبب انشغالها بهاتفها بعد أن قام هو بفتح شبكة الإنترنت داخله كي يساعدها أو يقتصر الطريق إليها قليلًا ويصبح صديقها جديًا وبعد ذلك يتسلل للأكثر من هذا..
في الناحية الأخرى وقف جلال على أعتاب غرفة الحرس الصغيرة بجوار بوابة القصر، نظر إلى "عاصم" و"إسراء" الفتاة الجميلة، فاتنة الجمال التي ليس هناك مثلها على الجزيرة وكأنها من أصول أوروبية أتت إليهم ليتأملوا في جمالها..
تمتم بينه وبين نفسه بغيظ وسخرية:
-طول عمرك واقع واقف يا عاصم يا ابن المحظوظة
أبتعد بعينه إلى الأخرى التي تقف في الشرفة عيناها ستنقلع من مكانها عليه وقلبها سينقبض منها بسبب شدة النيران المشتعلة به من غيرتها التي أخذتها في صميم قلبها بسبب "إسراء" وجمالها الخلاب الذي لم تراه في حياتها..
تموت على "عاصم" يعلم ذلك جيدًا وهي تُجيد المكر والخبث، ونقل الحديث من مكان إلى آخر، ابتسم بسخرية أكثر وهو يتابعها ويراها تود لو تلقي نفسها من الشرفة كي تصل أسرع إلى الأسفل وتقوم بجذب خصلات تلك المسكينة من مكانها..
نظرت إليه من الأعلى فتابع يدقق داخل عينيها من على بعد مسافة ثم غمز بعينه اليسرى بغرور فنظرت إليه بضيق وانزعاج وضربت مرة أخرى على سور الشرفة ثم استدارت تدلف إلى الداخل مرة أخرى دافعة الباب من خلفها بقوة ليصدر صوتًا استمع إليه كل منهم..
❈-❈-❈
مر يومين آخرين غير الأيام الذي مرت عليهم منذ أن أتوا إلى الجزيرة، وفي اثنائهم لم تكن تحسن التدبير ولا التفكير ولا تعرف ما الذي ستفعله معه ولا حتى كيفية الهروب من الجزيرة.. أو بالأحرى القصر فهو الخطوة الأولى للهرب..
ولكن ما توصلت إليه مع نفسها أنها إن خرجت من هنا وابتعدت عن الجزيرة ومن بها ستلقي بهم جميعًا خلف ظهرها وأولهم "جبل العامري" وستلقي تهديدها له خلف ظهرها معه لأنه للحق لن تكون قادرة على مواجهته..
ولكن أن بقيت هنا وهذا من رابع المستحيلات فلن تكن نهايته إلا على يدها وهذا وعد منها، وعد من إمرأة حرة ليست للترويض وإن كانت فلن تكن امرأة تروضت على يده..
ابتعدت عنه تمامًا في هذان اليومان، لم تكن تتقابل مع وجهه إلا بالصدفة البحتة فهي لم تكن مستعدة أن تتقابل مع رجل قاتـ ـل مثله وتلطخ نفسها وعينيها بالنظر إليه أو تجعل لسانها يتسخ ويدنس بالحديث معه.. قللت كل شيء تشاركه معه إن كان حديث أو نظرات أو طعام.. رجل مثل هذا لا يشاركه أفعاله إلا الشياطين مثله
بقيٰ خوفها الأكبر على شقيقتها وابنتها الصغيرة، كيف ستهرب بهم وإن لم يكن فكيف ستجعل حياتهم هنا!..
تراقص الخوف على أعتاب قلبها، ولكن زجره الكبرياء مُعلنًا نصرها وبين هذا وذاك لم يحسن التدبير عقلها ففقدت نفسها بينهم وتشتت تفكيرها وبقيت سجينة جبل العامري غير راضية عن قدرها..
بينما هو ترك لها الفرصة في التفكير والإختيار على الرغم من أنه يعلم ما الذي سيحدث بالنهاية..
ترك نظرات عينيه المخيفة تعبث بها كلما وقعت عليها، يستشعر دقات قلبها العالية كلما تقابلت تلك النظرات، فيبتسم بخبث وقسوة لأجل إشعال الخوف والرهبة داخلها مسببة ارتعاش لجسدها كلما رأته..
إلى الآن هو صامت وتركها الأيام الماضية مبتعدًا عنها سامحًا لها بالفرار منه وهو على علم أن الأيام القادمة ستكون على عكس السابقة عندما يكون مقرها داخل غرفته..
دقت على باب الغرفة بيدها بقوة تحاول أن ترسل له من خلالها أنها ليست ضعيفة هشة.. فتحت لها الباب والدته فولجت للداخل بهدوء وجدية رافعة رأسها للأعلى بشموخ تدلف بثبات تقول من عبر نظراتها وحركاتها المحسوبة أنها قوية للغاية.. وما كان في الداخل سوى الخوف
أغلقت والدته الباب بعد أن دلفت هي وسارت خلفها للداخل وهو يقف بجوار الفراش يستند على العمود بذراعه..
أشارت لها والدته أن تجلس على الأريكة ولكنها رفضت قائلة بجدية:
-اتفضلي أنتي يا طنط.. خير
جلست "نجية" على الأريكة أمامهم وبقيت الأخرى واقفة على قدميها تبعث إليه النظرات المشمئزة ولكنه بادلها بالبرودة التام
تحدثت والدته بكل جدية وهدوء وهي تنظر إلى "زينة" تسألها:
-ها يا زينة قوليلنا قرارك.. موافقة تتجوزي جبل
رفعت يدها الاثنين أمام صدرها ووقفت بزاوية جسدها تنظر إلى البعيد قائلة بضيق:
-لأ مش موافقة
ضيقت والدته عينيها عليها وحاولت أن تتحدث بعقلانية معها على الرغم من أنها تدرك أن رفضها قاطع:
-ليه كده يا زينة فكري في مصلحة بتك
هبطت بيدها من أمام صدرها وصدح صوتها تنفي ما تقوله بعنف:
-مصلحة بنتي أنها تمشي من هنا وامبارح قبل النهاردة
أجابت الأخرى بفتور وهدوء تريها الحقائق التي تغاضت عنها:
-ليه؟ هنا كل حاجه بتاعتها وكل حاجه هتبقى تحت رجليها ورجليكي أنتي كمان
تسائلت "زينة" بسخرية وبلهجة متهكمة ساخطة:
-هنا فين؟ في جزيرة وسط الميه محدش يعرف عنها حاجه؟ في مكان مليان سلاح واللي حاكمه تاجر سلاح؟ إحنا لو موتنا محدش هيدري بينا
وقفت سريعًا بعدما استمعت إلى حديثها الذي كشف كل شيء يحدث على الجزيرة وأردفت بذهول:
-أنتي جبتي الكلام ده منين
أشارت إلى "جبل" بيدها متحدثة بانفعال وعصبية:
-اسألي ابنك.. ولا هو مقالكيش إني عرفت كل حاجه؟ مقالكيش إني شوفته بعيني وهو بيقتل؟
استدارت إليه والدته تنظر إليه باستنكار شديد لما تقوله "زينة" فهي إن كانت رافضة مرة قبل أن تعلم بكل ذلك الآن ستكون رافضة ألف مرة.. نطقت اسمه بذهول:
-جبل!..
أبتعد هو عن العمود وتخلى عن الصمت الذى تحلى به بينهم، نظر إليها بجدية وجمود قائلًا:
-ده شيء كويس علشان تبقى عارفه هي بتتعامل مع مين
استنكرت حديثه متهكمة عليه بسخرية لاذعة قائلة بضجر وانزعاج:
-هكون بتعامل مع مين يعني؟ واحد قـ ـاتل وتاجر سلاح يعني راجل عصابات
ابتسم إليها بكل عنجهبة وبرود وقال بثقة وتأكيد:
-بالظبط.. الكلمتين اللي قولتيهم بكل بساطة دول كان المفروض تفكري فيهم بعقلك أكتر من كده
لوت شفتيها ببرود واختناق في ذات الوقت من حديثه وسألته:
-ولو مفكرتش؟
أجاب بصرامة وقوة:
-هتخسري
تركته ونظرت إلى والدته عندما علمت أنه سيقوم بتكرار حديثه مرة أخرى وهي سئمت من الاستماع إليه فقالت بجدية:
-اسمعي لو سمحتي بقى.. أنا مش محبوسة هنا أنا عايزة أمشي ومع بنتي وأختي
تابعت النظر إليها بعمق تتحدث بكل جدية وقوة توضح لهم أنها ليست غبية:
-لما جيت مفكرتش إن ده هيحصل عارفين ليه؟ علشان يونس لما مات من خمس سنين مافيش حد فيكم فكر بس أنه يسأل على وعد اللي الكل دلوقتي عايزها أنا فاهمه كل واحد فيكم عايز ايه
تركتها وذهبت بعينيها إليه تُكمل ما بدأته بشراسة وعنف:
-اللي في دماغك مش هتاخده مني مهما حصل إلا على جثتي.. والميراث مش عايزاه خلاص، حتى الشنط اللي جينا بيها مش عايزاها عايزة نخرج من هنا وبس أظن كده أنا اتخليت عن كل حاجه ليكم
وكأنه لم يستمع إلى أي من حديثها تقدم للأمام وقال ببرود ولا مبالاة بها:
-حلو نكتب الكتاب الخميس الجاي
صاحت بغضب وهي تتقدم ناحيته خطوة تشيح بيدها بعصبية وانفعال:
-أنت مجنون بقولك مش موافقة ومش عايزة منكم حاجه خلاص لا ميراث ولا غيره خليهولكم
أكمل بنفس البرود واللا مبالاة وهو ينظر إليها مُبتسمًا باستفزاز:
-إحنا بقى عايزين.. وعد العامري.. وزينة العامري
وقفت قبالته بشموخ وعزة أردفت بثقة ووضوح وهي تعني كل كلماتها:
-أنا إسمي زينة مختار ووعد اسمها وعد يونس العامري إحنا الاتنين مننتميش ليك ولو ننتمي هنتبرى منك
استفزها أكثر وهو يردد حديثه مرة أخرى:
-يبقى على خيرة الله كتبت الكتاب الخميس الجاي
صرخت به بعصبية وجنون منفعلة للغاية:
-أنت عايز تجنني ايه الاستهبال ده أنا بقولك مش موافقة
نظر إليها هو مُبتسمًا باتساع وهو يراها ستجن بسبب حديثه فقط.. مظهرها رائع للغاية ستكون حياته معها مُسلية أكثر من هذا الملل الذي يشعر به واللعب معها سيجعله يتحمس أكثر فـ إلى اليوم لم يستطع أحد التغلب عليه.. هل هذا الغزال هو من سيتغلب!
أقتربت منها والدته وقالت بهدوء:
-فكري تاني يا زينة ده كله لمصلحتكم
نفت حديثها وأكدت بقسوة وهي تجيبها بحدة:
-مصلحتكم انتوا.. وخوف البيه من إني أبلغ عنه
نظر إليها بعينيه المخيفة ثم استمعت إلى ضحكاته العالية التي طالعتها بغرابة وهتف بسخرية:
-لأ بلغي.. تحبي اوصلك المديرية
نظرت إليه مُطولًا وحقًا لم تعد تدري أهو مجنون أو مختل أو أنه قاسي قاتـ ـل أم أنه رجل عادي غريب يبتسم ويضحك بسخرية! ولكن ما تعرفه أنها عليها الانتقام منه قبل الابتعاد عنه
ظلت تتابعه بعينيها بشراسة وخرجت الكلمات من بين شفتيها بحدة وتهديد واضح له:
-اسمعوا أنا مش موافقة وعلى جثتي إني اتجوزك وأنا سبق وحذرتك بس أنت مهتمتش بكلامي.. قابل بقى
انتهت من تهديدها وهو ينظر إليها بلا مبالاة وتقليل شديد منها وكأنها غزالة تحاول وتحاول ثم عندما يأتي الصياد تقع فريسة من أول محاولة.. ثم بعد ذلك النظر أكمل على نفس الوضع:
-قولتلك قبل كده مستني
نظرت إليه بسخط وكره شديد وملامح وجهها ممتعضة للغاية ثم استدارت واتجهت إلى الباب دون اي حديث آخر وعقلها يحثها على إنهاء كل شيء الليلة، جذبت الباب من خلفها بعد أن خرجت بعنف وقوة أصدر صوت ينم عن غضبها منهم..
اتجهت والدته إليه وتسائلت باستغراب:
-زينة شافتك إزاي وأنت بتقـ ـتل وعرفت منين إنك تاجر سلاح
أجابها بهدوء وبساطة وعينه مازالت على باب الغرفة وعقله مع تلك الغزالة التي خرجت..
-شافتني في الجبل وأنا اللي قولتلها إني تاجر سلاح
صرخت عليه والدته بقوة:
-اتجننت.. افرض مشيت توديك في شربة ميه
أخذت الكلمة انتباهه فنظر إلى والدته وابتسم قائلًا:
-مش هتمشي
هدأت قليلًا ونظرت إليه برفق ثم قالت متسائلة وهي على علم مسبق بالإجابة:
-ايه دخلت مزاجك
أومأ إليها برأسه وأكملت شفتاه بتأكيد:
-آه.. دخلته ومش هسيبها تمشي
سألته باستياء:
-هي من البداية مش موافقة تفتكر هتوافق بعد ما عرفت بكل ده؟
أومأ إليها مرة أخرى بتأكيد:
-هتوافق
قالت والدته بصوت جاد ونظرة واثقة:
-الطريقة غلط.. افتكر إني قولتلك، مش هي اللي تيجي كده
اتجهت هي الأخرى إلى باب الغرفة وخرجت منه وتركته وحده في الداخل يتذكر كل موقف مر عليه معها وهي تقف به أمامه تتابع بنظرات عينيها الواثقة وحركاتها الشرسة.. يتذكر كلماتها وعنفوانها الواثق من كل كلمة تخرج منها وكأنها ستفعلها لا محال وحتى لو كان السيف على رقبتها..
يا لها من إمرأة صعبة تحتاج إلى الترويض، كيف عاشرها شقيقة وهي بهذا الطبع؟ كيف كان رجل وهو معه امرأة كالرجل في كل شيء إلا مظهرها.. وكيف يشعر الرجل بأنه رجل إلا عندما يفرض سيطرته على امرأته ويكن هو بالنسبة إليها الرجل والبيت والأمن والأمان.. ويكن مالكها وكل ما تملكه.. فتجعله محور حياتها والأمر الناهي لها.. كيف كان يعيش مع هذه وهي بكل هذا التكبر والغرور، امرأة "قادرة" أمام نفسها؟..
ستكون امرأته وستتروض على يده، سيجعلها كما يشاء وكما يحب إن كان بالرضا أو.. بالقسوة فلا مجال هنا للحب..
❈-❈-❈
خرجت الصغيرة "وعد" من غرفة الصالون ركضًا وخلفها خالتها "إسراء" تركض قائلة بصوت مرتفع وهي تضحك بصخب:
-هاتي الموبايل والله ما هسيبك
سارت الأخرى وأبتعدت وصوت ضحكاتها البريئة يرتفع معها مثل الأخرى:
-لأ.. مش هتاخديه
بينما وهي تخرج من الغرفة خلفها تركض ضاحكة اصطدمت بـ "فرح" بقوة حيث أن الأخرى كانت تدلف إلى الصالون..
وقفت "فرح" تصرخ بعصبية وغضب:
-مش تحاسبي أنتي عميا
أجابتها "إسراء" بتروي وهدوء كي تمتص غضبها الظاهر عليها دون سبب واضح:
-مشوفتكيش
تهكمت الأخرى عليها وصاحت بسخرية وهي تنظر إليها ببعض وكراهية شديدة:
-يبقى عميا بقى
حركت "إسراء" رأسها بنفي وقالت بجدية:
-لأ مش عامية
نظرت إليها "فرح" بشر وعنف ووجدت أن الفرصة المناسبة للنيل منها حتى ولو ببضع كلمات تبرد نار قلبها قد أتت:
-يبقى قاصدة تعملي كده
حركت كتفيها بهدوء وبساطة ونظرت إليها بعينيها رائعة الجمال ذات اللون الأزرق الساحر قائلة برقة وهدوء:
-لأ أكيد مش قاصدة أنا خارجة بجري وأنتي داخله من جنب الباب مشوفتكيش
رفعت "فرح" يدها تشيح بها بعصبية وغضب عارم وهي تنظر إلى جمالها ورقتها التي تخرج منها بعفوية:
-هو أنتي كمان هتقفي تبجحي
أجابتها باستغراب ونظرتها نحوها غريبة وكأنها تحدث نفسها بأنها مجنونة:
-أنا مبجحتش أنا بقولك اللي حصل
صدح صوت الأخرى أكثر وأعلى وهي توبخها دون سبب:
-أنتي هتقلبي القصر ملاهي طول النهار لعب وتنطيط ما تبصي لطولك
أكملت والنيران تنهش داخل قلبها من شدة الغيرة وضراوة الحقد:
-بالنهار لعب في القصر وبالليل سهر مع الحرس في الجنينة
نفت قولها بنفس الهدوء الذي هي عليه:
-أنا مش بسهر مع حد
عارضتها وهي تفشي بالحديث بصوت عالي لعل هناك أحد يستمع إليها:
-لأ بتسهري أنا شيفاكي بعيوني وأنتي قاعدة مع عاصم
تذكرت "إسراء" ذلك وأتى على خلدها تلك اللحظات والحديث الهامس الجاد الحاني العنيف بينهم، وتلك المشاعر المتخبطة وهوجتها الغريبة فقالت بصوت خافت والذكريات تأثر عليها:
-دي كانت صدفة
أغتاظت منها ونظرت إليها بحدة وهي تريد لو تمد يدها الاثنين إلى عنقها لتقوم بخنفها في الحال:
-بلاش السهوكه دي متعمليش فيها عبيطة
وكأن "إسراء" مصرة على أن تجعلها تخرج كل ما عندها بتلك الطريقة الهادئة البسيطة، ولكن في الحقيقة هذه كانت طريقتها العفوية تخرج منها بكل رقة ونعومة:
-أنا معملتش عبيطة أنا برد عليكي بالحقيقة
أردفت مُعقبة بغيرة اشتدت أكثر وأكثر بسبب كل ما يصدر منها فقالت بقسوة وإهانة:
-لأ الحقيقة دي تخليها ليكي أنتي والزمي حدك هنا أنتي مش في ملك أبوكي
كانت الصغيرة تقف بينهم صامتة والآن أتى دور أن ينفرج فمها بالحديث الهادئ وهي تنظر إلى الأعلى لتأتي بوجه شقيقة والدها:
-خلاص يا عمتو إسراء معملتش حاجه
أبعدت "فرح" نظرها إلى "وعد" بعد لحظات وهي لا تستطيع أن تترك تلك الفتاة واقفة هكذا أمامها وقامت بتوبيخ الأخرى بتهكم وسخرية:
-وأنتي عرفتي منين يا قلب عمتو.. وبعدين بتدخلي في كلامنا ليه هي زينة معرفتش تربيكي
أجابتها الصغيرة بهدوء وتودد إليها ليست قاصدة شيء:
-أنا متربية يا عمتو بس كنت بقولك إن إسراء مش قصدها
نهرتها بعنف ورفعت وجهها إلى الآخر تلقنها الحديث القاسي إليها وكأنها التي تأمر هنا:
-وأنتي مالك اخرسي خالص ومش عايزة أشوف الهبل ده في القصر تاني
ذهبت من أمامهم إلى الداخل بعد أن دفعت "إسراء" في كتفها لتعبر إلى الغرفة قائلة بغيظ وضيق:
-جاتكم القرف.. مش عارفه ايه البلوة اللي اتحدفت علينا دي
نظروا إليها الاثنين بذهول بعدما عبرت إلى الغرفة، لقد تابعتها "إسراء" بعفوية ناظرة إليها وهي تتسائل أهي مجنونة أم مُختلة الأمر يختلف..
ابتسمت بسخرية بعد أن نظرت إلى وعد وحركت رأسها يمينًا ويسارًا غير قادرة على استيعاب تصرفات وحديث تلك الغريبة..
❈-❈-❈
في المساء بعد أن توجه الجميع إلى غرفهم بعد تأخر الوقت كان الجو هادئ للغاية في سكون الليل لا يصدر أي صوت إلا من الخارج أصوات الكلاب الذي تنبح في الطرقات..
وصوت ذئب مزعج للغاية يأتي إليهم ليمر عبر أذنهم من الغابة.. ككل يوم الحرس كل منهم في موضعه..
لا يوجد اختلاف في هذه الليلة سوى تفكير من هم داخل القصر وأولوياتهم، لا يوجد سوى مخططات لكل فرد بينهم كي يحصل على ما يريد..
بداية من أكبر امرأة بهم وهي والدته التي أصبح وجود "ابنة" ولدها أمر حتمي لن تتنازل عنه وليحدث فعلى والدتها أن تتزوج بابنها الآخر.. كثير من الأمور داخل عقلها تدور حول هذا الأمر من مخاوف قادمة بسبب "زينة" ووجودها معهم بعد أن علمت بعمل ولدها.. ومخاوف أكبر من تصرفات "جبل" القاسية..
"جبل" وتذكره لها ولشراستها، عنفوانها وحدتها وتلك القوة الهشة التي تمثل أنها عليها، تفكيره كله كان حولها.. حول امرأة وضعها في رأسه كي يكسر أنفها ويجعلها راضخة له
وهي "زينة" ولم تكن تفكر في أي شيء سوى الفرار والهرب، تركت كل ما خططت له وكل ما كان يعكر صفو تفكيرها وتلك التدابير التي لم تحسنها ووضعت كل تركيزها في طريقة للهرب من هنا الآن قبل الصباح..
بينما تغير تفكير شقيقتها البريئة للغاية هي الأخرى، "إسراء" تحول كل ما تريده في يوم وليلة بعد أن تقابلت مع ذلك الجسد الصلب الطويل الذي يبتلعها كلما وقفت أمامه، ذلك الصوت الرجولي المميز ذو البحة الغريبة التي أصبحت تميزها من بين الجميع.. لا تدري لما ذلك التفكير به وما الذي فعله بها!.
وأخيرًا وليس أخرًا هنا "فرح" هي الأخرى من الأشخاص الذين يعيشون داخل القصر وتغير تفكيرهم، وهذا حدث بعد أن نهشت الغيرة قلبها بسبب تلك الجميلة الرقيقة التي تتصنع كل ذلك كي تستحوذ على تفكيره.. وتفكير غيره.
والصغيرة التي لا تفقه أي شيء مما يدور حولها بين الجميع وأولهم والدتها وعمها القـ ـاتل الذي يهددها بها، تفكيرها تغير وتحولت أولوياتها بعد أن عانقتها جدتها والدة والدها وطالبت بالقرب منها والمكوث معها ولكنها أيضًا تريد العودة إلى مكان نشأتها وتلك الحياة التي اعتادت عليها...
لحظة واحدة كانت هي الفاصلة بين ذلك السكون وحالة المرج تلك، حدثت عندما صرخ أحد الحراس على البقية وهو يرى النيران المُشتعلة خلف القصر تصعد للأعلى مصحوبة بالدخان الذي صعد معها وسبقها..
لقد شعروا أن هناك نيران وعبرت رائحة الدخان إلى أنفهم ولكن هذا عاديًا يحدث فلا خوف ولا رهبة
كانت النيران نشبت خلف القصر وارتفعت للأعلى ولم يلاحظ أي حد منهم إلا عندما رصدها واحدًا منهم بعينيه من الأمام بعد أن تعالت للغاية بدخنتها فصرخ عليهم جميعًا وحدثت حالة غريبة من الهرج والمرج بينهم وكل منهم ترك سلاحه في غرفة الحرس الصغيرة وسارعوا بالركض للنيران كي يخمدوها بالمياة..
استمع من في القصر جميعهم إلى ما يحدث وقد خرج جبل معهم هو الآخر والتفكير ينهش عقله كيف حدث ذلك يصرخ عليهم من كل إتجاه خوفًا من أن تتصاعد أكثر ويحدث ما لا يحمد عقباه
كانت قد اشتعلت ببنزين وتصاعدت للأشجار الذي سكب عليها هي الأخرى بنزين وتأكلت الأسلاك المتواجد وكل ما كان في محيط خلف القصر وجانبيه..
بينما في الخفاء وتلك الدوامة تأخذهم للقضاء على النيران في الخلف هبطت "زينة" مع شقيقتها وابنتها الدرج برفق دون إصدار صوت حتى لا ينتبه إليها أحد من الداخل وهم لم يخلدوا للنوم بعد إلا عندما يسيطروا على النيران..
ترتدي بنطال من الجينز الواسع وتيشرت بنصف كم أبيض اللون وخلف ظهرها حقيبة صغيرة ليس بها إلا جوازات السفر وقليل من النقود والهواتف..
لم تأخذ أي شيء آخر، وقفت خلف البوابة الداخلية للقصر وهم خلفها تنظر إلى الخارج لترى أن كان هنا أحد يراها فلم تجد فسارعت معهم للخارج تركض إلى أن وصلت إلى البوابة الخارجية.. بوابة قصر العامري.. نظرت إليها بابتسامة واسعة وقلبها يدق بعنف وقوة.. مزيج من المشاعر كالخوف والسعادة يمكثون داخلها..
فتحت البوابة وأخرجتهم استدارت تنظر إلى الخلف لترى النيران تبدأ بأن تخمد فابتسمت أكثر وهي تراهم من بعيد والجميع يركض ثم خرجت خلفهم سريعًا..
خرجت من قصر العامري! خرجت بابنتها وشقيقتها؟ الآن تراقصت السعادة والفرحة على أعتاب قلبها بدلًا من ذلك الخوف الذي أرهبها.. الآن تحررت من سجن جبل العامري.. الآن فقط تستطيع أن تقول إنها امرأة حرة قوية لا أحد يستطيع ترويضها..
كان الهروب أمر صعب للغاية، الفرار من جزيرة العامري مستحيل ولكنها امرأة قوية نالت منها الصعاب ونالت هي من المستحيل..
قم بالتسجيل أيها التاريخ داخل كُتبك "زينة مختار" هربت من سجنها قصر العامري، ونالت من العائلة بأكملها، أكتُب أنها لازت بالفرار من جزيرة العامري ولن تكن مرة أخرى "سجينة جبل العامري"
❈-❈-❈
"يُتبع"
رواية سجينة جبل العامري
للكاتبة ندا حسن
دماغي فيها فكرة رواية صعيدي مخلياني عايزة أضرب جبل وزينة بالجزمة واركنهم وأبدأ فيها😂 تفاعل بقى علشان الفكرة بتلعب في دماغي بجد ♥️♥️
رواية سجينة جبل العامري الفصل السابع 7 - بقلم ندا حسن
وقفت "زينة" في مُنتصف الغرفة بين ابنتها وشقيقتها تنظر إليهم وهم يبادلونها النظرات المستغربة بعدما استمعوا إلى حديثها الذي لم يدلف عقلهم.
تقدمت منها "إسراء" تنظر إليها بغرابة تتسائل:
- قصدك إيه أننا هنمشي دلوقتي؟ وبعدين فين حقك وحق وعد اللي جينا علشانه؟
تابعت النظر إليها هي الأخرى وقالت بجدية:
- أنا مش عايزة أسمع أي أسئلة ولا أي كلام.
أشارت شقيقتها بيدها إليها وهي تود حقًا أن تفهم ما الذي تريد فعله فتابعت:
- يعني إيه.. زينة إحنا جينا هنا علشان كده مش علشان نتمرمط ونرجع تاني.
أكملت "زينة" مؤكدة على حديثها بقوة كما كانت:
- قولتلك لازم نمشي من هنا وكلامي يتسمع لحد ما نخرج من الجزيرة.
تسألت "إسراء" باستغراب تحت أعين الطفلة الصغيرة التي تتابع ما يحدث:
- طب ليه كل ده؟
نظرت إلى ابنتها التي تقف معهم، لا تريد أن تتحدث أمامها أو تشرح أي شيء لا يجب أن تعرفه. عادت بالنظر إلى شقيقتها قائلة بجدية:
- هما مش ناويين يدوني حقي.. عايزين نقعد هنا ووعد تقعد معاهم لكن ناخد حقنا ونمشي لأ.
تسألت مرة أخرى بعين مُتسعة:
- يعني إيه؟
أردفت "زينة" بعد أن تنهدت بعمق:
- يعني لازم إحنا نمشي من هنا لأنهم مش هيسمحولنا نعمل ده.
أقتربت منها "إسراء" ونظرت إليها بقوة. تفوهت قائلة بجدية:
- زينة بس إحنا لو رجعنا دبي تاني هنعيش إزاي؟
تقدمت "زينة" من الفراش تجذب حقيبة ظهر صغيرة ثم أجابتها:
- هتصرف.. أنا هتصرف متقلقيش.
نظرت إليها وتابعت قائلة بصوت جاد:
- يلا.. سيبوا الهدوم مش هناخد حاجة غير الموبايلات والشواحن وجوازات السفر.. مش هنعرف نطلع من الجزيرة بحاجة.
تذكرت "إسراء" أن لا طريقة للخروج من الجزيرة سهلة عليهم فسألتها:
- هنخرج من طريق النيل ولا الغابة؟
تنهدت الأخرى بضيق كبير وهناك ثقل تشعر به على صدرها ولكنها بدأت بفعل ذلك الشيء فعليها الانتهاء منه:
- النيل.. أنا مضمنش الغابة دي فيها إيه ولا هنخرج منها إزاي.
أكملت وصلة الأسئلة الذي وقعت بها قائلة وهي تتابع حركاتها بعينيها الزرقاء:
- ومين هيعدينا النيل؟
ابتسمت بارتياح وهي تحاول أن تجعلها تطمئن مردفة:
- أول ما نخرج من القصر ونقرب على النيل هكلم عماد صاحب يونس يقرب مننا أنا اتفقت معاه أنه هينقلنا.. يارب بس محدش من الحرس اللي هناك يشوفه.
تابعت وهي تتقدم من باب الغرفة بحزم:
- حطوا الحاجة في الشنطة أنا هنزل أعمل حاجة وطالعة.
هبطت "زينة" على الدرج مُتجهة إلى الأسفل تتلفت هنا وهناك بعينيها لترى أي أحد من العائلة ولكن الجميع كانوا متواجدين في غرفهم بالأعلى.
توجهت إلى المطبخ وهي تسير سريعًا، دلفت إليه ولم تشعل الضوء داخله بل أكملت المسير في العتمة إلى أن وصلت إلى الباب المتواجد به لتعبر منه إلى خلف القصر مباشرة دون أن يراها أحد من الحرس.
فتحت الباب بهدوء وبطء شديد. أخرجت رأسها لتنظر إلى الخارج ربما يكن أحد هناك ولكن لم ترى أحد فخرجت إلى خلف القصر تختلس النظرات بعينيها في كل اتجاه وقد كانت أحضرت من قبل ما ستحتاج إليه في مهمتها.
سارت بهدوء دون أن تصدر أي صوت إلى شجرة كبيرة متواجدة أمام سور القصر كان خلفها جردل كبير قليلًا فتحت الغطاء ونزعته من عليه وهي ترفع رأسها تنظر إلى الأعلى خوفًا من أن يراها أحد. ثم حملته على يديها الاثنين وسارت تسكب ما به في كل مكان يقابلها. على الأرضية والأشجار بأوراقها حتى جدران القصر من الخلف. لقد كان بنزين سريع الاشتعال سيساعدها في الهروب من هنا. تركته في الأرض ثم ألقت بعض الأخشاب وفوقهم قطعة قماش كبيرة.
توجهت لتحمل الجردل مرة أخرى وسكبت فوق الأخشاب ورائحته النفاذة تدلف إلى أنفها بقوة. تركته مرة أخرى على الأرض.
عادت للخلف خطوة وتقدمت من باب المطبخ. نظرت إلى كل ما فعلته ثم أخرجت القداحة من جيب بنطالها الجينز أشعلتها وألقت بها على الأرض فنشبت النيران سريعًا دون أي مجهود.
نظرت إليها بعينين واسعة وهي تراها تصعد إلى الأشجار وتتأكل في الأرض مُتجهة إلى الجانبين وترتفع مع تلك الأخشاب الذي ألقتها في الأرض. اتسعت شفتيها بابتسامة واسعة وهي ترى أن ما رغبته بات قريبًا للغاية منها وستبتعد عن هنا في الحال.
دلفت إلى الداخل سريعًا وأغلقت الباب كما كان وكأنها لم تفعل شيء وسارت بهدوء وبطء لتخرج إلى ردهة المنزل تتلفت ثم عندما أدركت أن المكان أمن تحركت سريعًا وقدميها تبتعد عن بعضهم بقوة لتصعد إلى الأعلى تنتظر ما سيحدث من هرج ومرج بعد قليل لتتخذ هذه الفرصة سبيلًا للهرب.
مر كل هذا على ذاكرتها وهي تبتعد عن قصر العامري فقد حدث كل هذا قبل قليل، قبل أن تخرج من القصر وتحصل على الحياة. تود لو تصفق لنفسها لأجل حصولها على الفرار منه.
سارت بسرعة هي وشقيقتها وابنتها بيدها تبتعد عن هنا بفرحة كبيرة والإبتسامة على وجهها مرتسمة باتساع. تتابع وهي تسير بخطوات اشبهت الركض البيوت الخاصة بهم الغريبة ككل المناطق النائية. يالا الفرحة! أكان يريدها أن تستمر معه هنا؟ على هذه الجزيرة الغريبة هي وكل سكانها. الذين يضعون الثوم والبصل مربطين بأحبال في شُرف المنازل؟
لقد لازت بالفرار وما بقيٰ إلا دقائق كي تكون خارج الجزيرة وهم في الخلف يحاولون إخماد النيران. خرجت ضحكة مباغتة منها وهي تشعر بالانتصار فوجدت تلك اليد القوية تقبض على ذراعها فجأة دون سابق إنذار.
نظرت إلى شقيقتها مُعتقدة أنها هي من أمسكت بيدها ولكن يد شقيقتها كانت جوارها فاستدارت واقفة تنظر إليه! إنه هو!
وقع قلبها بين قدميها واختفت تلك الضحكة التي كانت على شفتيها منذ قليل وذراعها في قبضة يده يضغط عليه بقوة وغل شديد وملامح وجهه لا تنذر بالخير أبدًا.
وقفت إسراء جانبها تقترب منها تحتمي بيها وفي نفس الوقت تحاول أن تحميها من نظرة إليها وقبضة يده التي استشعرت قوتها.
شعرت بالخوف وهي ترى "عاصم" يقف خلفه والسلاح بيده ونظرات عينيه موجهة إليها بقوة وكأنه يتوعد لها وبجواره ذلك "جلال" يقف مثله خلف جبل ينتظر الإشارة منه والجميع في حالة صمت.
ضغطت "زينة" على يد ابنتها بقوة تتمسك بها خوفًا من أن يأخذها منها عنوة. عيناها تنظر إليه بحدة تتابع نظرات عيناه الخضراء المخيفة.
ضغط على يدها بقوة ونظر إلى شقيقتها بطرف عينه ومرة أخرى إلى ابنتها التي تمسكت بوالدتها فابتسم هو بشر ينظر إليها قائلًا بجمود:
- مش كنتي تقوليلي إنك عايزة تمشي علشان اسهلك الطريق!
تابعت النظر إليه دون حديث وقد شعرت أن سمائها انطبقت على الأرض من أسفلها ودمرت كل شيء. لم تقوى على الحديث بل تنظر إليه بصمت تام لا تعلم ما الذي من المفترض أن تقوله ولا حتى تفعله. ولا تدري ما الذي سيفعله هو بها.
أكمل وهو يجذبها من ذراعها بعنف وقسوة:
- تعالي.. الوقت دلوقتي ميسمحش أنكم تنزلوا النيل.
تحطمت أحلامها وذهب كل ما فعلته لأجل الفرار هباء فلا شيء أتى بنفع مع ذلك الجبل الصلب الذي احتارت في وصفه.
بعد أن جعلت الحريق ينشب في القصر ويلتهي به الجميع وهو من بينهم. وذهبت على أول الطريق وخرجت من القصر وأقتربت من الوصول إلى النيل والخروج من الجزيرة. أتى هو لينهي كل هذا كأنه لم يحدث من الأساس. لقد أتى في الوقت المناسب حقًا.
شعرت بالسخرية الغريبة لأجل كل ما عاشته هنا إلى الآن أهو إلى هذه الدرجة مسيطر ومتحكم ليفهم ما حدث ويأتي خلفها بهذه السرعة.
سارت معه وهو يجذبها عائدين إلى القصر استدارت برأسها تنظر إلى الخلف ترى النيل كان على بعد خطوات منها يبدو أنها كُتب عليها أن ترى وتعلم الكثير عن الجزيرة وأهلها. لم يكن مقدر لها الخروج بهذه السهولة.
وقف "جبل" أمام بوابة القصر بعد أن عادوا إليها مد يده إلى حقيبة ظهرها جذبها منها ثم أعطاها إلى "عاصم" الذي أخذها منه وأشار إليه قائلًا:
- دخل الآنسة إسراء ووعد وخد بالك منهم كويس.
أقتربت "إسراء" من "زينة" تقف جوارها وفعلت ابنتها المثل تتمسك بيدها بقوة وصاحت قائلة:
- وزينة هتروح فين؟
ابتسم إليها بسماجة وبرود قائلًا:
- متقلقيش أنا هاخدها معايا مشوار وراجعين.
تسألت مرة أخرى بجدية وقلق:
- مشوار فين.. خدنا معاها.
نظر إليها بقوة وتابع يُجيبها بخشونة:
- ادخلي.. شوية وهترجع.
تركت "زينة" يد ابنتها ونظرت إلى "إسراء" بجدية وهدوء حتى لا تجعلهم يشعرون بالقلق وقالت:
- ادخلي متقلقيش عليا.
لم تكن تكمل رفع شفتيها عن بعضهم البعض لتتحدث مع شقيقتها إلا وكان هو تحدث بصرامة وقوة موجه حديثه إلى "عاصم":
- عاصم.. دخلهم.
أشار "عاصم" إلى "إسراء" أن تدلف فنظرت إلى شقيقتها ودلفت على مضض وهي قلقة للغاية مما يحدث الآن وبيدها ابنة شقيقتها.
بعد أن دخلت من بوابة القصر نظرت إلى "عاصم" بعينين بريئة قلقة للغاية تدعوه أن يطمئنها فشعر هو بذلك بعد أن دلف وأغلق البوابة ناظرًا إليها.
تقدم منها قائلًا بجدية:
- متقلقيش شوية والهانم هتيجي.
ضغطت على يد الصغيرة التي تتمسك بها وهو يتابع النظر إلى عينيها بعمق وهدوء وكأنه يحكي أشياء لا تستطيع شفتيه الحديث بها. استمع إلى صوت "جلال" وهو يخرج حمحمة رجولية فحمحم هو الآخر من بعده وهبط إلى أسفل ينظر إلى الصغيرة.
ابتسم إليها قائلًا بود وحب:
- اطلعي فوق اوضتك ارتاحي شوية وماما هتيجي.
أومأت إليه برأسها فسارت مع "إسراء" متجهين إلى الداخل وهو معه حقيبتهم الذي تحوي أغراضهم.
بينما في الخارج نظر "جبل" إلى زينة بعد غلق البوابة نظرة ارعبتها شعرت أنها ترى شيطان في هيئة انسان من بعدها. تحدث قائلًا بقسوة:
- أما إحنا عندنا مشوار مهم هيخليكي تفكري مليون مرة قبل ما تعملي أي حركة زي دي.
جذبها من يدها خلفه وهو يسير يكمل الطريق يتخطى القصر وكأنه يتوجه إلى الجبل؟ نظرت إلى الطرف الآخر ورصدت بعينيها الجبل من بعيد ثم نظرت إليه هو ولم تستطع أن تستنتج ما الذي يريد أن يفعله معها!
يطبق يده القوية على يدها بقوة وعنف شديد يجذبها خلفه عنوة عنها يُسير هو بسرعة وهي تحاول خلفه أن تجاري حركات قدميه ولكنها لا تستطيع ليس لأنه سريع بل لأنها أعصابها قد خارت منها منذ أن قبض على يدها في أول مرة. يحطم كل أحلامها بتلك القبضة القوية التي أشارت لها أنها "في قبضته".
كان ظنها صحيح وجدته يُعبر بها الجسر الفاصل بين طريق القصر والجبل، نظرت إليه بعينيها لم ترى إلا عنقه من الخلف وهو يُسير بها يجذبها بحدة، تذكرت تهديده لها وتلك الكلمات التي خرجت منه في المرة السابقة أنها لم ترى ما يحوي الجبل بعد. ما الذي كان يقصده وما الذي يريد أن يفعله بها!
سار بها إلى أن وصل إلى مقصده ولم يكن غير "الجبل" ترك يدها ووقف ينظر إليها بعينيه الخضراء التي أصبحت مخيفة أكثر من السابق بكثير أسفل ضوء القمر.
بقيت تنظر إليه مباشرة داخل عينيه لا تدري كيف تحملت ذلك وكأنه هو الآخر أخذ نظرتها إليه تحدي فتابع واستمر ينظر إليها يُخيفها فأبتعدت بعينيها السوداء تنظر في الفراغ المحيط بهم والسكون الذي بعث بقلبها الرعب والفزع. وتلك الصحراء المخيفة كمن يقف أمامها.
وجدته يبتسم بزاوية فمه يبتعد عنها خطوات بسيطة للغاية وقف أمام منطقة معينة هبط بجسده العلوي للأسفل ينحني إلى الأرضية. تابعته باستغراب شديد فوجدته يزيح بعض الرمال بيده ليظهر غطاء خشبي صغير مثبت بالأرض الرملية رفعه بيده ثم وقف شامخًا.
وقفت هي مذهولة لم تكن تدري ما الذي عليها فعله الآن يبدو أن القادم أسوأ بكثير مما سبق. تنفست بعمق والرهبة تكاد تقضي عليها. تابعت نظراته الشامتة لها ورأته وهو ينظر إليها ثم وضع قدمه أسفل ذلك الغطاء يضغط بها على شيء ما لم تراه جيدًا ثم استمعت إلى صوت عالي يصدر من الجبل فنظرت إليه سريعًا لتراه وهو يُفتح!
لم تكن أي كلمات أو معاني تعبر عما تشعر به في هذه اللحظة من الذهول والخوف والتردد الذي أصابها والندم الذي احتل كيانها بسبب عودتها إلى هنا ووقوفها بوجهه. لما أردت أن ترى ذلك الجبل لما! الآن فقط علمت أن حديث "يونس" كان صحيحًا مئة بالمئة وهي الوحيدة الغبية الفضولية عندما رأت العتمة تخرح من الداخل وجانب كبير منه أبتعد عن الآخر ليفتح.
مرر إليه. ابتسم باتساع وهو يتابع نظراتها وتعابير وجهها المزعورة فتقدم منها يقبض على يدها قائلًا بكبر:
- ولسه مشوفتيش حاجة.
دفع الغطاء الخشبي بقدمه ليعود كما كان وجذبها من يدها بعنف وقوة وسار إلى الداخل في الظلام الدامس وهي بيده تسير خلف لا ترى أي شيء وفجأة اشتعلت الأضواء لا تدري كيف. هناك ضوء في الداخل كأي بيت عادي رأته وهو يضغط بيده على زر في الحائط أعاد إغلاق الجبل مرة أخرى مع استمرار ذلك الصوت العالي المزعج.
نظرت إليه فابتسم بشر إليها ثم تابع في جذبها من يدها إلى الداخل تسير وهي ترى حوائط الجبل من الداخل ذات اللون الأصفر الرملي معلق عليها في كل جانب وكل أنحاء سلاح مختلف الشكل والهيئة عن سابقه.
لم تكن تركز في أي شيء ولا حتى الطريق الذي يُسير به معها بل كانت تنظر إلى الأسلحة المتواجدة بكل مكان. بينما وهي تعبر معه من الممر إلى الآخر الأكثر اتساعًا استدارت بوجهها تنظر إلى الأمام بعد أن رأت عينيها القدر الكافي من الأسلحة ولكنها فزعت وصرخت عاليًا تلتصق به متمسكة بذراعه وهذا بعد أن رأت رأس ذئب معلقة أمامها في بداية الممر الأخر ولم تكن تراه.
تحدث بخشونة قائلًا وهو ينظر إليها:
- قلبي خفيف للدرجة دي.. اتقلي.
حاولت أن تتنفس بهدوء وانتظام بسبب تلك الفزعة وابتعدت عنه تاركة يده تنظر إليه باستغراب جلي وإلى الآن لم تعلم ما الذي سيحدث.
دلف بها إلى الداخل ووقف في ساحة كبيرة وكأنها منتصف الجبل لم تختلف كثيرًا عن الخارج كانت مليئة بالأسلحة والصناديق الخشبية الموضوعة في كل مكان وهناك أبواب حديدية على بعد مسافات منتظمة. دارت بعينيها في كل اتجاه ثم عادت إليه بهما فنظر هو إليها ثم سار يخطو خطواته ببطء شديد جوارها يُسير حولها صانعًا دائرة يمشي عليها بانتظام.
أردف بكلمات بسيطة ببطء وهدوء ولكن الكلمات هذه لا تحتوي إلا على القسوة:
- أنتي عارفة أنتي عملتي إيه؟
لم يجد منها رد فأعاد السؤال مرة أخرى بخشونة أكثر:
- عارفة ولا مش عارفة؟
لم تكن تعلم ما الذي ينتظرها بعد فتحدثت بقوة وعنفوان تدفعه إليه بلا مبالاة:
- عارفة كويس أوي وأنا قولتلك قبل كده مش خايفة منك ولا من عشرة زيك وهامشي يعني هامشي.
تقدم منها ناظرًا إليها بهدوء وعينيه مثبتة عليها ثم دون أي إنذار منه قبض على خصلات شعرها صارخًا:
- لأ مش عارفة أنتي عملتي إيه.. الحريقة اللي عملتيها دي لو كانت زادت ولا محدش شافها كانت كلت الجزيرة كلها المخزن اللي ورا القصر مليان متفجرات يا غبية.
استمرت في النظر إليه بعينيها المتسعة بعد صدمتها فيما قاله، وجهها قريب من وجهه للغاية حيث أنه يتمسك بخصلات شعرها يجذبها نحوه:
- الله وكيل لو حصل حاجة مكان هيكفيني اقتلك وارميكي للديابة.
ضغط على شفتيه السفلية بعصبية وغضب شديد يسألها بعنف وشراسة:
- أنتي عايزة إيه بالظبط مش قولتلك هتجوزك غصب عنك.. قولت ولا مقولتش؟
صرخت بوجهه بشراسة أكثر منه وكرهها له وبغضها على هذه الحياة هو من يقودها:
- أنا مش هتجوزك لو هتقتلني.
أشتدت قبضته على خصلاتها وهو يصرخ بوجهها:
- أنا مش هقتلك أنتي هخليكي تتمني الموت ومش هتطوليه سامعة.
رفعت يدها الاثنين تدفعه بهم ليبتعد عنها بعد أن ألمها رأسها بسبب قبضته القوية عليها:
- أبعد عني.
أشتد أكثر وأكثر وهو يحركها من رأسها قائلًا بتأكيد وثقة قاسية:
- هو أنتي لسه شوفتي حاجة.. خروجك من الجزيرة دي مش هيحصل.
نفت حديثه وما يقوله معترضة على بقائها معه قائلة بجدية وصوت عالي:
- لأ هيحصل غصب عنك يا جبل أنت عايز مني إيه قولتلك مش هبلغ مش هعمل حاجة هنسى خالص إني جيت هنا.
تابعها بنظرات وقحة يبعثر نظرات عينيه على جسدها:
- أنا بقى عايزك.. أرملة أخويا وأنا أولى بيكي وببنته.
بصقت بوجهه بشراسة وغل بعد أن رأت نظرته الطامعة بها وحقارة عيناه في النظر إليها:
- أنت قذر.
طمس بيده على وجهه يغمض عينيه ومازال مُمسكًا بخصلاتها فأبعد يده عن وجهه ورفعها عليها صافعًا وجنتها بقوة هائلة وعنف ضاري ثم أجاب بسخرية:
- ما أنا عارف.
دفعها للأمام من خصلات شعرها المُمسك به متوجهًا نحو إحدى الأبواب الحديدية وقام بوضع يده على الزر في الحائط ليُفتح فوقف أمام الباب ودفع رأسها للداخل.
تحدث بقسوة وشراسة وهو يضغط على خصلاتها:
- هنا مخزن للسلاح وفي واحد كمان زيه.
جذب رأسها وعاد بجسدها إلى الخلف ثم سار دافعًا إياها إلى باب آخر بعد أن فتحه بنفس الطريقة أدخل رأسها مرة أخرى يكمل بقوة وعنف:
- هنا متفجرات.
مرة أخرى يجذبها ويعيد ما يفعله ولكن هذه المرة اختلفت حيث دفعها إلى غرفة بها أشخاص وهو يقول بغلظة وتكبر غير مبالي بأي شيء:
- هنا اللي عصوا أوامري ومافيش بشر يعرف يوصلهم.
مرة أخرى وأخرى وهي ترى أشياء لم تتخيل أن تراها في حياتها مذهولة وتشعر بالزعر والرعب الشديد قلبها ينتفض داخل أضلعة عقلها يصرخ بالهرب وجميع حواسها تبكي قهرًا على حالها وتندب حظها العثر الذي أوقعها مع ذلك الذئب البشري والذي عرفته على حقيقته الآن فقط وكل ما سبق ما كان إلا لهو معه وما هو قادم سيكون أصعب من المستحيل.
وقف عند آخر غرفة تراها عينيها فتحها ثم لم يدفع بها رأسها بل دفع جسدها بالكامل في الداخل بقوة وعنف لتقع على الأرضية في الظلام المعتم لا ترى شيء إلا عندما دلف هو الآخر وأشعل الضوء.
وقف أمامها شامخًا تنعكس صورته عليها وكأنه وحش كاسر، حيوان بري شرس لا تستطيع وصفه، وضع يده بجيب بنطاله وقال بهدوء وبرود:
- هنا بقى مكان للتعذيب.. المكان ده مخصص للي زيك تقدري تاخدي فكرة.
أشار إليها بعينيه كي تنظر حولها، وقفت على قدميها ومازال لسانها ملجم لا تستطيع الحديث، سارت بعينيها ببطء شديد وريبة لا مثيل لها، تعبر من أصفاد إلى سلاسل إلى أدوات تعـ ـذيب لم تراها من قبل، تعبر إلى مقعد ليس به إلا مسامير في كل اتجاه، جحظت عينيها وهي ترى الأداة المسماة بكمثرى الألم وذلك كاسر الأصابع وكسارة الأعناق وغير ذلك من أدوات بشعة المظهر.
استمرت في الاستدارة تنظر من هنا إلى هناك حتى عادت بعينيها مرة أخرى إليه، وقفت قليلًا تنظر إليه بعمق تتذكر غرفة الأسلحة وغيرها من المتفجرات والأشخاص المتواجدين في الداخل وهذه الغرفة. من هو! يستطيع أن يفعل كل ذلك دون أن يهاب أحد.
الشرطة لا تعلم بكل ما يفعله؟ لا تعلم أنه مهرب أسلحة لا تعلم أنه مجرد قـ ـاتل عليه أن يكون بالسجون لا تدري أنه حاكم ظالم. لا تدري بوجود تلك الجزيرة الغريبة كليًا.
وجدته يقترب منها بهدوء ومازالت يده في جيوب بنطاله وقف أمامها مباشرة نظر إلى داخل عينيها وارعبتها تلك النظرة وقد علمت حجم الخطر الذي وقعت به. ما كان في السابق ماهو إلا غنج.
أردف بصرامة قائلًا:
- اللي شوفتيه ده نقطة في بحر جبل العامري.
نظر إليها بشماتة أتى بها من الأعلى إلى الأسفل ينظر إليها بكل غرور وعنجهية وما دفن داخل نظرته كان خبث وقذارة:
- لسه عايزة تمشي من الجزيرة؟
حاولت أن تستجمع شتات نفسها، زفرت بقوة وبدأت في التنفس بانتظام محاولة منع التوتر والتردد من حديثها ثم تفوهت بتعلثم:
- جبل لو سمحت أرجوك.. سيبني أمشي أنا بجد دي مش عيشتي ولا ده مكاني.. أنا وأنت مستحيل ننفع مع بعض أنا متنازلة عن كل حاجة واعتبرني مجتش.
أجابها بنفس النبرة الواثقة القوية:
- بس أنتي دخلتي مزاجي بقى يا غزال.. وأنا بحب اللي زيك وترويضك عندي.
أعترضت على كلماته وصاحت بعنف:
- أنا مش بتروض.
يعلم أن حديثها السابق ما هو إلا استعطاف لأجل أن يتركها فقال بقوة وجدية شديدة:
- كنتي حرة ولا فاكرة إن بكلمتين ناعمين يبقى خلاص لا الجو ده ينفع مع يونس مش جبل العامري.
صرخت بوجهه عاليًا وهي تبتعد عنه:
- يعني عايز إيه؟
أغمض عينيه الخضراء جزئيا بنظرتها المخيفة يسخر منها:
- كنا اتفقنا جوازنا امتى؟ آه الخميس الجاي.
صرخت به مرة أخرى وهي تقترب منه تشير بيدها بكل الشراسة القابعة داخلها وضرواة عنفها يخرجان عليه:
- مش موافقة سامع مش موافقة وهعمل المستحيل علشان أمشي من الجزيرة الملعونة دي.
أومأ إليها برأسه مع تحركات شفتيه بكلمة واحدة بمنتهى السهولة:
- ماشي.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله لحظات يضغط على بعض الأيقونات به ثم رفعه على أذنه يهتف بجدية:
- عاصم.. هات الآنسة إسراء.
وقف لحظات ثم نظر إليها ساخرًا يكمل بمكر:
- آنسة إيه بقى هات المدام إسراء واتنين من الرجالة وتعالى.
أقتربت منه سريعًا بعد أن أصابها الذعر تصرخ بعنف تدلي بكلماتها الموافقة لما قاله:
- خلاص.. خلاص موافقة.
نظر إليها شامتًا مُبتسمًا باتساع وهتف إلى "عاصم" على الطرف الآخر:
- خلاص يا عاصم أجلت الموضوع.
أمسك بذراعها يجذبها منه لتتقدم إليه وصدح صوته قائلًا:
- عايزك تفهمي إني أقدر أعمل اللي عايزة في أي وقت.. الله وكيل ادفنك هنا ولا حد هيسأل فيكي فاهمه؟
لم تجب عليه فأراد أن يستمع إلى صوتها:
- ردي.
أجابته وهي تنظر إليه ذليلة تبتعد بعينيها عنه:
- فاهمه.
ضغط على يدها وأكمل حديثه بتهديد صريح وبين يتابع نظرات عينيها المنكسرة:
- اللي جاي ده بتاعي.. أوامري وكلامي هو بس اللي بيمشي أي حركة كده ولا كده أنتي عارفه أنا هعمل إيه.
رفعت عينيها إليه تنظر إلى معالم وجهه التي تشعر أن عليها غضب من الله تنظر إلى جمال عينيه الخضراء ولكنه فقدها بسبب تلك النظرة البغيضة، تفوهت بإسمه:
- جبل.
نظر إليها بعناية ينتظر أن تتحدث فتابعت بقوة ومقت له وشراستها لم تقتل داخلها رغم أنه يرى انكسارها:
- أنت أقذر واحد شوفته في حياتي.
صفعها بقوة وقسوة ضارية ليلتف وجهها للناحية الأخرى بسبب قوة صفعته إليها واستمعت إليه يقول بغلظة:
- أنتي لسه مشوفتيش القذارة بتاعتي بس اوعدك في أقرب فرصة يا غزال.
وضعت يدها على وجنتها تنظر إليه بغل وبغض لا نهاية أو مثيل له فابتسم باتساع وهو يجذبها من يدها مرة أخرى قائلًا:
- هرجعك القصر ومش هوصيكي يا غزال.. اجهزي كويس.
تضاربت أمواج حياتها وثار بركان حزنها فاختفت السحاب من سمائها ليحل محلها الظلام الدامس الذي كوى نيران قلبها فما كان منها إلا أن ترضخ لمعذبها ومن سحب منها روحها لتقع سجينة له ولكل ما يهوى.
كلما مرت على إحدى نجوم السماء تسألها بعينيها متى الخلاص من سجنه وعذابه ترى السماء دامسة الظلام كحياتها لا يُنيرها إلا بعض النجوم تتمثل في الذكريات الراحلة.
دقت باب عقلها تحاول أن تأخذ منه فكرة أخرى للهرب ولكنه هابه وانطوى خوفًا من طيشه الشرس وأفعاله المشينة. لم يبقى سوى قلبها تطالبه بأن يدلها فما كان منه إلا أنه رضخ كما عقلها يبتعد أميال عن ذئب بشري عذبها فقط بنظراته المخيفة.
كان قلبها وعقلها وكل حواسها منذ لحظات فقط يرفرفون من كثرة السعادة بعد الاقتراب من الخروج من تلك الجزيرة الملعونة الآن كل منهما تفرق خوفًا من بطش جبل العامري فوقعت سجينة له وبقيت داخل قبضته ليمسك بها من ذلك المعصم المتألم فترضح لشهواته وكل ما يهوى.
❈-❈-❈
بقيت يوم كامل تحاول أن تفكر في كيفية الخلاص من ذلك المجرم القـ ـاتل، عينيها أتت بالقصر وبكل زاوية به تحاول أن تحدد مكان تستطيع الهرب منه. تفكر بطريقة أخرى للخروج من الجزيرة ولكن كل محاولتها باتت فاشلة ولم تستطع أن تحصل على الطريقة المناسبة.
غدًا اليوم الموعود، اليوم الذي حدده ليعقد قرآنه عليها وهي تبغضه وتبغض كل ما يأتي منه. كيف تتخلص من هذا العذاب وهو يضغط عليها بشقيقتها، لا تستطيع أن تخاطر بها إنه شخص لا يعرف للرحمة طريق ولم تدق بابه أبدًا رأت ذلك بعينيها أمس وهي ترى الأشخاص المكبلين في الغرفة لا حول لهم ولا قوة ورأت ذلك من قبل خلف الجبل وهو يقـ ـتل بدم بارد ولم يرف له جفن.
يستطيع أن يفعل ما هددها به فلن يكون أمامها سوى ما أراد. لن يكون أمامها أي اختيار سوى أن تكون سجينته بإرادتها وأن تكون امرأة قابلة للترويض على يده بعد أن تصبح زوجته.
الأمر ثقيل للغاية عليها أن تُكتب على إسم رجل آخر غير زوجها الراحل "يونس" الرفيق والسند الذي كان في حياتها فهو لأمر أصعب من المستحيل.
ولكن ان تضحي بحياتها أهون بكثير من أن تضحي بشقيقتها وابنتها. هي تعلم كيف تكون صلبة وقوية وكيف تكون امرأة لا تنحدر للرياح.
دلفت من شرفة الغرفة إلى "إسراء" و "وعد" ابنتها جلست على الفراش أمامهم تنهدت بهدوء تنظر إليهم بتردد.
ثم ابتلعت ما وقف بجوفها وقالت بجدية:
- في حاجة لازم تعرفوها.
انتبهت إليها "إسراء" وأقتربت منها تجلس أمامها بهدوء:
- إيه يا زينة؟
تنفست الأخرى بعمق وأخرجت ما كان بصدرها ثم ألقت قنبلتها فجأة دون سابق إنذار:
- أنا هتجوز جبل.
اخترقت الكلمات هذه أذن الطفلة الصغيرة فنظرت إلى والدتها بينما وقفت "إسراء" على قدميها مرة أخرى تنظر إليها باستغراب كلي ودهشة صارخة:
- إيه؟ تتجوزي جبل؟ البني آدم اللي مش معروف هو حيوان ولا إنسان ده.
حركت كتفيها ونظرت بهدوء محاولة التماسك أمامهم:
- مفيش حل تاني غير ده.
تابعت النظر إليها باستفهام وتسألت بحدة غير معتادة عليها:
- حل تاني لإيه أصلا أنا مبقتش فاهمه تصرفاتك أنتي حتى مقولتيش اخدك فين امبارح.
بمنتهى البساطة أجابتها قائلة بهدوء وجدية:
- اخدني نتمشى وعرض عليا الجواز وأنا وافقت.
أشارت إليها بيدها إلى حوائط القصر وهي تتحرك أمامها بعنفوان لا تصدق أن شقيقتها ستفعل ذلك بنفسها:
- وافقتي إزاي.. أنتي مستعدة تقعدي هنا في المكان ده، ده إحنا يعتبر محبوسين أصلًا أخرنا سور القصر.
تنهدت "زينة" بعمق وأكملت تهتف بحزن كي تجعل شقيقتها تصدق ما تقوله:
- ده الحل الوحيد علشان أخد حقي أنا ووعد.. بصراحة أنا فكرت في الموضوع هتصرف إزاي لو رجعت دبي من غير فلوس.
أشارت إليها بكف يدها قائلة بتسرع وقوة تكمل باشمئزاز واضح:
- نشحت أنا مستعدة نشحت ولا أننا نفضل هنا أنتي مش شايفة طريقتهم ولبسهم ولا شايفة أخته دي عاملة إزاي ومامته بتبص لينا إزاي غير الطريقة المريبة اللي عايشين بيها والسلاح اللي في كل مكان.
حاولت أن تستمر في الكذب الذي تقوله تقنعها بحديث هي من الأساس ليست مقتنعة به:
- أنا هتجوزه علشان أضمن حقنا لأننا مش هناخده غير بالطريقة دي هو قالها صريحة.. هما محتاجين بس وعد تقعد معاهم شوية.
وجدت الأخرى تنظر إليها لا تصدق ما تقوله عينيها الزرقاء تتسع عليها تتابع ملامحها وحركاتها العفوية فضبطت حركاتها وتابعت بهدوء:
- وبعدين أنا فكرت في الموضوع وعرفت احسبها خلاص أنا قررت.
وقفت "إسراء" مستقيمة وسألتها تنظر إليها بتعمق:
- أنتي متأكدة من اللي بتعمليه ده؟
أومأت الأخرى إليها وأجابتها بثقة وتأكيد كاذب:
- آه طبعًا متأكدة.
أقتربت منها وجلست أمامها مرة أخرى تضع كف يدها على يد شقيقتها وتحدثت بلين وهدوء تحسها على أن قرارها خطأ:
- زينة أنا قلقانة وخايفة.. أنتي مش شايفة حتى هو نفسه نظراته عاملة إزاي.
بدلت الأدوار ووضعت هي يدها عليها تربت بهدوء وحنو قائلة بصوت خافت خارت كل قواه:
- إسراء أنتي خايفة من إيه وأنا معاكي.. متخافيش.
نظرت إلى ابنتها "وعد" التي لم تتحدث منذ أن تفوهت بذلك القرار الغبي الذي تود أن تموت ولا تفعله فسألتها بهدوء مبتسمة:
- مالك يا وعد؟
نظرت إليها الطفلة ببراءة وقالت بصوتها الرقيق تتسائل:
- أنتي هتتجوزي عمو جبل بجد؟
أومأت إليها والدتها وهي تشعر بغصة داخل قلبها تتعمق أكثر كلما ذكرت أنها ستتزوج منه عنوة عنها فأكملت الصغيرة بحزن:
- طب وبابا؟
أقتربت منها والدتها أخذتها تضمها بضراوة تشعر أنها تود لو تجعلها تدلف إلى داخل قلبها كي ترحمها من بطش عمها القـ ـاتل. أجابته بهدوء وعقلانية:
- بابا الله يرحمه يا وعد واللي بيحصل ده يا حبيبتي مش حرام ولا عيب.
وقفت "إسراء" مرة أخرى تقول باعتراض:
- افتكري إني قولتلك لأ.
ابتعدت "زينة" عن الطفلة وأجابت شقيقتها بحدة وعنف فقد خارت قواها وذهبت كل تبريرات هذا القرار الفاشل:
- حتى لو.. فين جوازات السفر؟ فين الفلوس ولا حتى موبايلاتنا كل حاجة معاه لو خرجنا من هنا هنتشرد.
أجابتها بقوة وثقة:
- أحسن من جوازك منه.
نظرت إلى البعيد بعينيها وهي تعلم أن حديث شقيقتها صحيح مئة بالمئة. شقيقتها تقول كل هذا دون أن تعلم أي شيء عنه ماذا أن علمت بما يفعله!
❈-❈-❈
"اليوم التالي مساءً"
تم عقد القرآن وهي مغيبة عن الواقع تمامًا، كانت في ذلك الوقت تجلس تنظر في الفراغ تفكر في حياتها القادمة معه وما ستواجهه وكيف ستكمل في هذا المكان ومع هؤلاء البشر.
أجابت على المأذون بعد أن ربتت والدته على قدميها وهي مغيبة تمامًا عن جلستهما قالت موافقة فقط بعد أن نظرت إلى شقيقتها وابنتها حيث أنها كانت تود التراجع في آخر لحظة فحثها على النظر إليهم وقد وقعت أسفله.
تنهدت وهو يقول بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير. سخرت من حديثه قائلة أي خير هنا؟ ومع قـ ـاتل؟
بينما هو ذلك الرزين العاقل كان يشعر بالسعادة لأنه جعلها تأتي أسفل يده وترضخ لما أراد رغمًا عن أنفها.
أظهر إليها قوته وجبروته فعادت إلى الخلف تتقهقر مطالبة بالرحمة والغفران وهو لا يعرف طريق للرحمة. يتشوق لجعلها ترى تلك القذارة تخرج منه على حقها فهي عندما نعتته بذلك الاسم لم يكن قد فعل به شيء ولكنه الآن سيكون على حق.
ينظر إليها وإلى انكسارها بتشفي وسعادة والإبتسامة ترتسم على زاوية شفتيه وهي تبتعد بعينيها عنه.
شقيقتها تنظر إليها وترى الخوف والكسرة بعينيها لا تفهم لما فعلت بنفسها ذلك فقط حتى تأخذ مالها منه أو لأنه من الأساس حكم بالسجن المؤبد عليهم داخل الجزيرة لذلك حاولت الهرب؟
ابتعدت بطرف عينيها إلى عاصم الشاهد على هذه الزيجة فوجدته ينظر إليها بكل قوته تخترق نظراته جسدها وعينيها فأبتعدت عنه تنظر إلى البعيد بتوتر لا تفهم ما دخله الأن بما يحدث.
بينما فرح التي لعنت ما حدث بين شقيقها وزوجة الآخر الراحل، تلعن الساعة التي دلفت بها إلى منزلهم، تنظر إليها بمقت وكراهية فلم تكن تريد لهم أن يكونوا معهم هنا في القصر وخصوصًا تلك الفتاة ذات العينين الزرقاء التي تتصنع الدلال والرقة فهي تراها حية كبيرة تلتف حول العنق. تراها وهي تود أن تخطف "عاصم" منها وتتابع نظراتها إليه ونظراته إليها. أنها فتاة قذرة تود لو تخنقها بيدها الاثنين حتى تزهق روحها وترحل إلى الأبد أو تعفو عنها وتبتعد عن الجزيرة وكأنها لم تكن.
كانت السيدة "وجيدة" أسعد من في تلك الجلسة، لقد نالت ما أرادته وخططت إليه وأخذت ابنة ولدها وفلذة كبدها إلى أحضانها للأبد حتى وإن كانت والدتها تجلس رغمًا عنها ولكنها تثق في قدرات "جبل" ابنها وتعلم أنه إن أرادها سيجعلها تجلس هنا بينهم بكل إرادتها ومحبة منها.
بينما الخدم والحرس وكثير من الفضوليين لم يعلموا ما السر وراء هذه الزيجة وكيف تمت بهذه السرعة.
وقف خلفها حيث أنها كانت تقف أمام فراشه بعد أن صعدت معه إلى الغرفة وضع يده على كتفها من الخلف يحركها ببطء وتروي على طول كتفها.
ثم تحدث قائلًا بقوة وعنف يخرجان من بين كلماته:
- أهلًا بيكي في سجن جبل العامري.
جعلها تستدير وتنظر إليه، وضع عيناه الخضراء أمام عينيها السوداء مباشرة ثم تسائل بقسوة ساخرة:
- فاكرة لما قولتي إني أقذر واحد شوفتيه في حياتك.. وقتها قولتلك إنك لسه مشوفتيش قذارتي بس في أقرب فرصة هخليكي تشوفيها.
نظرت إليه باستفهام وتابعت حديثه غير قادرة على استيعابه أو فهم مقصده.
فلم يعطي إليها الفرصة حيث دفعها على الفراش في الخلف على ظهرها وتقدم منها قائلًا بعنف وشراسة:
- جه الوقت تشوفي قذارتي.
نظرت إليه بخوف ورهبة كبيرة ولكنها حاولت التغلب عليها وتظهر إليه تلك المرأة القوية. لكنه لم يعطي إليها الفرصة لفعل ذلك بل تمثل إليها في صورة الذئب البشري حقًا الذي شبهته به من قبل لكن الآن لقد تعاملت معه وشعرت به وبكل ندبة تركها عنوة على جسدها. تمثل في هيئة حيوان مفترس اغتال ما بقيٰ من شقيقه واستحله بالقوة والعنف فقط ليشبع غرائزه الحيوانية وليرها أنه "جبل العامري" المتحكم الوحيد في كل شيء على هذه الجزيرة. حتى هي وإن كانت صعبة الترويض.
❈-❈-❈
"يُتبع"
رواية سجينة جبل العامري الفصل الثامن 8 - بقلم ندا حسن
ألمٌ وكسرةٌ اعتصرت القلب بعد أن أُجبرت على الموافقة بالزواج من ذئب. صرخت بعنفوانٍ وشراسةٍ مكبوتةٍ، تحاول الرفض.
دبّ خنجرٌ في قلبها للمرة الأولى عندما كسرها وكسر كبرياءها، جاعلاً إياها ترضخ لطلباته بعد تهديداته وأفعاله القذرة. ثم سلب روحها وهو يغتال جسدها قسرًا وقهرًا.
شهدت سماء الليل السوداء ونسمات الهواء الباردة على كل دمعةٍ خرجت قهرًا من عينيها السوداوين، بعد أن استجمعت شتات نفسها. شعورٌ بالكراهية والغلّ يملأ قلبها النقي تجاهه. فما فعله بها لم تتعرض له طوال حياتها. كان زوجها الراحل رجلًا حنونًا، قادرًا على إسعادها، ولم يقم بفعل شيءٍ كهذا من قبل. كانت الرقة والهدوء عنوانًا لكلّ سماته.
فتاتٌ حزينٌ يبكي داخلها على ما مرت به، يتلألأ الأسى داخل أضلعها مما رأته معه. تفكر بلوعةٍ في القادم على حياتها معه. لقد فعل أبشع شيءٍ بها على الإطلاق في أولى لحظاتهم سويًا، فقط ليثبت لها أنه يستطيع فعل كل شيءٍ وأي شيء. وقد نما الحقد والغلّ داخلها أكثر وأكثر، واشتدت ضراوة مقتها له. وبقي عقلها الخائن الذي تخلى عنها سابقًا يأتي إليها بوفرةٍ من الأفكار للتخلص منه.
انسابت دمعاتها على وجنتيها بغزارةٍ دون صوتٍ وبصمتٍ تامٍ، وهي تنظر أمامها ترى خارج أسوار القصر من شرفة غرفته. وكم بدا المظهر مغريًا لهروبها منه حتى وهي زوجته، ولكن كيف السبيل؟
دلفت إلى الغرفة وأغلقت الشرفة خلفها. انقضت معظم ساعات الليل وهي تجلس بالخارج، تبتعد عن نظراته ورائحته الكريهة. كانت تود لو تخرج من غرفته نهائيًا، ولكنها خافت من أن تراها شقيقتها وتبدأ أسئلتها التي لا توجد لها إجابة عندها. فبقيت في الداخل تحاول تفادي التعامل معه حتى ولو بالنظرات، فهي لا تطيق حتى التفكير به. فقد تغلب على كل فكرةٍ أخذتها عنه وأظهر لها مدى بشاعته وإجرامه، وتوصل إلى مرحلةٍ لا تستطيع أن تتخيله بها.
وقفت أمام الفراش الخاص به تنظر إليه وهو نائم، يغمض عينيه يرتاح على ظهره ويداه الاثنتان أسفل رأسه على الوسادة. تابعته بنظرات عينيها الشريرة، وودت لو مدت يدها الاثنتان على عنقه وقامت بخنقه إلى أن تزهق روحه. ولكنه سيكون أقوى منها ويستيقظ، ينقذ نفسه من بين يديها. تحولت نظرات عينيها للكره الشديد والبغض الذي لو تركته سيغرق حياته بالكامل.
استدارت تنظر إلى الطاولة الموضوع عليها طبقٌ كبيرٌ يحمل أصنافًا مختلفة من ثمار الفاكهة، وسكينٌ حادٌ كبيرٌ يتناسب مع أسلحة هذه العائلة. حركت عينيها أكثر من مرةٍ إلى "جبل" النائم، والسكين الموضوع على الطاولة. عيناها كانت ملئية بالشر، وقلبها يدق بعنفٍ يكاد يخرج من أضلاعه، لهفةً غريبةً لما هي مقدمةٌ عليه. بينما عقلها كان يحثها على الإمساك بالسكين ودبها في منتصف قلبه، أو تقطع بها نحره، أو في منتصف بطنه.
ذكرياته السيئة جميعها منذ أن أتت إلى الجزيرة مرت على عقلها، بدايةً من وقفته أمامها تهديده لها، ضرباته الموجعة، إرهابها، وذلك التوجس الذي جعلها تشعر به خوفًا على شقيقتها وابنتها. الاقتراب منها قسرًا بمنتهى العنف والهمجية، فقط ليثبت أنه كل شيءٍ وما يريده يحدث، وليأخذ ما أراده منذ أن وقعت عيناه عليها.
لقد شعرت بنظراته الخبيثة في ذلك اليوم الذي أتت به الشرطة إلى الجزيرة. لقد رأت نظرته القذرة إليها ورغبته الشديدة التي ظهرت بعينيه. رأت شهوته تحركه تجاهها.
أقتربت من الطاولة ببطءٍ، وقد اتخذت القرار في لحظاتٍ مرت سريعًا. وعلمت ما الذي عليها فعله. انخفضت بجسدها لتأخذ السكين من على الطاولة، وقد كان. تمسكت بها في يدها تنظر إليها بتشفٍ وفرحةٍ لأنها ستنال منه، حتى وإن كانت ترمي نفسها في التهلكة.
أقتربت منه بهدوءٍ وعيناها لا تتحرك من على وجهه. صعدت على الفراش والسكين بيدها. جلست وقدميها أسفلها أمامه، تنظر إليه بحدةٍ وكرهٍ قد ظهر على كافة ملامحها. أمسكت السكين بيدها الأخرى ثم رفعتها عاليًا، ونظراتها صوب عينيه. وانخفضت بيدها والسكين بها على بطنه مباشرةً، ولكنها وجدت نفسها في لمح البصر تنام على ظهرها عكس امتداد الفراش، وهو فوقها يمسك بيدها الاثنتين المحيطين بالسكين بقوة.
لم تدري كيف أمسك بيدها وهي تهبط بها عليه، وكيف دفعها للخلف لتكون ممددةً وهو فوقها ينظر إليها هكذا! لقد كان نائمًا، وهي رأت ذلك. كيف شعر بها وبما ستفعله؟ ينظر إليها، يُخيفها بعينيه الخضراوين. فابتلعت غصةً حادةً وقفت في جوفها وهي تنظر إليه، وما زالت السكين بيدها وهو يتمسك بها.
تحدث بسخريةٍ وتهكم:
"عايزة تقتليني؟"
أجابته بحدةٍ تؤكد على حديثه بقهرٍ وذلٍ تعرضت له على يده عندما امتلكها عنوة:
"أيوة يا جبل هقتلك. موتك هيبقى على إيدي."
سألها باستفهامٍ ساخرٍ من تفكيرها، يعيد رشدها إليها بجعلها تتذكر ابنتها الصغيرة وشقيقتها التي لا تستطيع التصرف بشيء:
"طب مفكرتيش مين هيربي بنتك لما تعملي كده؟ أصل أختك العيلة دي متعرفش تاخد بالها منها ولا حتى من نفسها."
نظرت إليه بعينين متحيرتين بالفعل، فلم تفكر في أي أحدٍ قط وهي تقدم على قتله. فقط فكرت بالانتقام منه وجعله يشعر بكل وخزةٍ دلفت قلبها بسببه.
تابع النظر إليها وفهم تعبيرات ملامحها، فأكمل يتهكم عليها شامتًا بها:
"فـ قوليلي بقى لما تقتليني وأنا أموت وأنتي تدخلي السجن، مين يربي بنتك؟ معقول بعد كل اللي عملتيه ده علشان تخرجوا من هنا، وفي الآخر تتربى في الجزيرة؟ لأ والله عيب."
نظرت إلى عينيه مباشرةً دون خوفٍ وتحدثت بعنفوانٍ وشراسةٍ تعلمه أنها ستكون المرأة التي هزت عرش الملك:
"عايزاك تعرف إنّي أنا هبقى الست اللي هزتك، أنا اللي هغير حاجات كتير وأنا اللي هعصى أوامرك ومش هتعرف تعملي حاجة."
ابتسم يكمل على حديثها بعجرفةٍ ولا مبالاة:
"ياه، بموت في التحدي ده. من زمان أوي ما فيش حد وقف قصادي. اينعم مش مقامي، بس أحب ألعب مع القطط الشرسة."
صاحت بوجهه بغلٍ شديدٍ وكراهيةٍ لا مثيل لها، تعبر عنها بالكلمات ونظرات عينيها تحاكي أكثر من ذلك:
"أنا بكرهك... وما زلت أقذر واحد شفته في حياتي."
صدحت ضحكاته بصوتٍ عالٍ في الغرفة وهو يستمع إلى حديثها، فجعل غيظها يأكل قلبها، وهو يشير إلى الفراش برأسه مبتسمًا، يتحدث بشماتة:
"تحبي ناخد جولة كمان أثبتلك إني أقذر من كده."
حاولت التحرر من قبضة يده والابتعاد عنه، فصاحت قائلة:
"أبعد عني."
سألها بسخريةٍ وبرود:
"إيه، مش عايزة تعرفي أنا قذر قد إيه؟ الله!"
صرخت بوجهه وهي تتحرك أسفله وتحاول جذب يدها منه بعنف:
"أبعد بقولك."
ابتعد للخلف وهو يجذب منها السكين، يأخذها:
"طب هاتي دي ومتلعبيش بيها بعد كده."
ابتعد عن الفراش ووضعها على الطاولة مع ثمار الفاكهة كما كانت، فاستمع إلى صوتها وهي تهتف ببغض:
"قذر."
استدار ينظر إليها وملامح وجهه مكرمشة بسبب ضحكاته، يقول بتشفٍ وبرود:
"عارفة."
استمرت ضحكاته وهو يبتعد عنها، يدلف إلى المرحاض، تاركًا إياها تأكل من عقلها أفكارًا كيف استيقظ ورأى ما نوت فعله. ولكن لحسن حظه هو لم ينم من الأساس، بل مَثّل أنه خلد للنوم وظل يتابعها من أسفل جفونه المغلقة.
شعر بها تدلف إلى الغرفة ففتح عينيه ينظر إليها ورآها وهي تأخذ السكين وتتقدم ناحيته بها. لو لم يكن فعل ذلك لكان الآن مع الموتى. ابتسم وهو أسفل صنبور المياه التي تتدفق على رأسه هبوطًا لجسده، ويتذكر تلك اللحظات التي قضاها معها بالعنف والقوة.
لقد شعر بأشياء عدة ماتت داخله منذ وقتٍ كبيرٍ، والآن أحيت من الموت مرةً أخرى لتعود إلى حياته. ولا يعرف أهي ستأتي بالنفع أو الضرر. تنهد بعمقٍ وهو يتذكرها بين يديه. ليست سهلة، بل شرسة. ولكنه لم يترك لها الفرصة لتعترض على فعلته. كان عليها أن ترى أنه هنا "القادر" على فعل كل شيء.
الآن هناك من سيفرغ بها رغباته وينال منها ما حُرم منه كثيرًا. لقد كانت فكرة والدته صحيحة، على الأقل يكن لها شيء من النفع في هذا البيت.
تلك الشرسة صعبة الترويض.
***
"بعد مرور أسبوعين"
في أحد شوارع الجزيرة المتوارية، وقفت امرأةٌ تُدعى "فتحية" في الثلاثينات من عمرها، خمرية البشرة ذات جسدٍ ممتلئٍ قليلًا. بيدها طفلٌ صغيرٌ ومعها والدتها يقفون أمام منزلٍ صغيرٍ. يصرخون هم الاثنين بألفاظٍ بذيئةٍ وبشعة.
وقع الحجاب من على رأسها ولم يكن محكمًا من الأساس، وتركت الطفل من يدها، تشير بيدها الاثنتين بحركاتٍ شعبيةٍ غريبةٍ، تصرخ بعلو صوتها:
"تعالوا شوفوا يا ناس، شوفوا يا أهل الجزيرة. حماتي مش عايزة تفتحلي الباب."
الشارع بطوله يقف به نساءٌ ورجالٌ في شرف منازلهم يتابعون فضيحة هذه السيدة ووالدتها. فهي هكذا كل يومٍ والآخر تتشاجر مع حماتها وتسبها بأفظع الألفاظ.
صرخت والدتها بصوتٍ عالٍ هي الآخر، تساعدها قائلةً بشرٍ وكراهية:
"افتحي يا ولية يا وسخـ*، ده أنتي رجل بره ورجل جوه."
بينما الأخرى ارتفع صوتها وهي تشير إلى الطفل:
"الواد بيموت مني يا عالم، مش عايزة تفتحلي. آخد هدومه. منك لله، ربنا ينتقم منك."
أجابت والدتها تكمل ما بدأته بكلماتٍ سوقيةٍ بذيئة:
"يا ولية يا بت الكلب يا خرفانة، افتحي."
لم تجد أي واحدةٍ منهن إجابةً من داخل المنزل، بل الباب محكم الإغلاق. والجيران يتابعون هذا الشجار من شرف منازلهم في الأعلى. يعلمون أنها هي ووالدتها من شمال الجزيرة، منطقةٌ قذرةٌ بكل من فيها ومن يسكنها أبشع البشر. ليس بهم كبيرٌ أو صغيرٌ يحترم الآخر. يتلفظون بكلماتٍ سوقيةٍ بذيئةٍ كهذه، ولا يستطيع أحدٌ أن يقف أمامهم سوى "جبل العامري".
يعلمون أيضًا أن السيدة "ليالي" حماتها امرأةٌ طيبة القلب، سريعة نسيان الخطأ الذي يُرتكب في حقها. مغلوبةٌ على أمرها، فولده لم يقف في صفها يومًا أمام زوجته، بل يكن ضدها. وهي التي قامت بتربيته والإحسان إليه بعد وفاة والده. وهي من قامت بجعله يتزوج، حيث كانت تضع كل مدخراتها في سبيل زواجه وتأتي إليه من هنا وهناك بكل ما يريد. ولكنه خذلها بوقوفه أمامها وجعل زوجته تطاول عليها كل يومٍ والآخر أمام جميع الجيران. وليس هناك من يردعها عما تفعله.
كانت السيدة "ليالي" تجلس داخل المنزل تستمع إلى صراخ زوجة ابنها ووالدتها عليها. يقومون بتشويه صورتها أمام الجميع في الخارج. لم توافق على فتح الباب لها لتدلف إلى المنزل، فهي رحلت منه بعد أن أعطتها وصلةً سابقةً من التوبيخ كهذه التي تحدث في الخارج.
وضعت كف يدها على وجنتها وهي تحاكي حزنها وألمها إلى نفسها. اشتعلت نيران قلبها بالحزن والشفقة على حالها، والتهبت ملامحها بالأسى والحسرة. فقد قامت بتربية رجالٍ، كل واحدٍ منهم أطول وأكبر منها، وهي من تعبت عليهم ليصبحوا في النهاية يقفون في صف زوجاتهن. لا يستطيع أحدٌ منهم العدل إلا واحدٌ، أكلت الغربة عمره في سبيل الحصول على حياةٍ كريمةٍ لأجله ولأجل أولاده وزوجته.
قد أحسن إليها هو وزوجته. واحدٌ فقط من ثلاث رجالٍ، هو من يحبها ويهتم بها ويخشى حزنها، هو وزوجته. بينما الآخرون، كلٌ منهم يركض خلف زوجته ابتغاءً في رضاها ورضاء أهلها عنه. بينما والدتهم حتى وإن ذهبت إلى الجحيم فلا بأس. إنها السيدة "ليالي" مثالٌ واحدٌ فقط لكثيرٍ مثلها يعيشون نفس تلك القصة الحزينة. إنها صاحبة الأمراض المزمنة، يحمل قلبها ألمًا لا مثيل له ولا يُحكى عنه، وعقلها ما زال يتساءل هل هم أولادها؟
تطالب بالرحمة والمغفرة من ربها، تطالب بأن يرحمها ويسلب منها روحها لتذهب إليه، فاليوم لا ينفع مالٌ ولا أبناء. اليوم هم هكذا! ماذا سيفعلون عندما نواجه وجه ربٍ كريم؟
هبطت زوجة ابنها الآخر من الأعلى على صوت الصراخ في الخارج. دلفت إليها الغرفة وتساءلت باستغراب:
"إيه يما ليالي، افتحي لها الباب دي هتفضحنا."
أجابتها بقوةٍ وحزمٍ وهي تقف على قدميها:
"والله في سماه ما هي داخلة، لما تبقى تتأدب وتعرف تتكلم معايا كويس، أبقى أدخلها."
استدارت تفتح نافذة الغرفة التي تجلس بها وتطل على الشارع بالخارج، وصاحت بقوةٍ وصرامةٍ قائلة:
"أنا مش فاتحة الباب يا فتحية، ريحي نفسك."
صرخت والدتها وهي تتمسك بشالها تحركه كأنها تبكي على ميت، تقول بغل:
"شوفوا يا عالم، شوفوا الولية الناقصة. بتي مش عارفة تعيش منها."
ساعدتها ابنتها وهي تصرخ قبالتها بعنفٍ وقوةٍ تشوه صورة المرأة، تقول أشياء لم تحدث:
"تسع سنين مش عارفة أعيش في الدار معاها. طفشت مرات ابنها التاني، بس على مين."
وضعت السيدة "ليالي" يدها على النافذة التي تطل منها، وصاحت قائلةً بجديةٍ وثقة:
"أنا مطفشتش حد، أنتوا اللي قليلات الأدب متربتوش. لفي يابت واسألي الجيران وقولي مين هي ليالي."
أجابتها والدتها وهي ترفع عباءتها بطريقةٍ مقززة:
"مرا ناقصة وشايبة ياختي، هتكون مين."
أردفت "فتحية" بشماتةٍ وتشفي وهي تنظر إليها بكرهٍ دفين:
"افتحي يا مرا ياللي كلك مرض وعيا."
أجابتها بهدوءٍ قائلة:
"المرض من عند الله، عقبالك يارب."
ردت على حديثها بحرقةٍ وتلهف:
"أنتي بتدعي عليا يا ناقصة؟ روحي ربنا ياخدك ونرتاح من قرفك."
فما كان من السيدة المتألمة إلا أن تعيب في ولدها الذي لا يستطيع السيطرة على زوجته:
"العيب مش عليكي، العيب على النطع اللي متجوزك."
صرخت والدتها عليها:
"افتحي الباب يا ولية."
لم تُجيب عليها، وبقيت واقفةً تنظر إليهم وهم يتبادلون الأدوار، كل واحدةٍ منهن تأخذ الدور مرةً، وهي تهتف عاليًا وتصرخ تسبها بألفاظٍ سوقيةٍ قذرة.
أخذت "فتحية" الأحجار من على الأرضية بالشارع، وبدأت في رميها على الباب بقوةٍ. حجارةٌ خلف الأخرى، واقتربت والدتها من الباب تدفعه بقدمها حتى قارب أن يُكسر.
صرخت والدتها بعنفٍ وشراسة:
"أنا هوريكي يا ليالي، أنا هجبلك نسوان الشمال يقطعوكي حتت."
سار شابٌ في الشارع يأتي من بدايته. تقدم إلى المنزل وأتى يقف أمام الباب وصاح قائلًا:
"افتحيلها يما تاخد اللي عايزاه وتمشي."
هذا ولدها الآخر الذي لا يستطيع السيطرة على زوجته أيضًا، ويقف في وجه والدته لأجلها، بعد أن رتبت له كل تجهيزات زواجه ودفعت به كل ما كانت تملكه، وهو لم يخسر على هذا الزواج ربع ما خسرته.
صرخت به قائلة:
"والله في سماه منا فاتحة."
تدخلت إحدى السيدات التي أتت من الشارع الخلفي لهم، على قرابة وصلةٍ بالسيدة "ليالي"، عندما رصدتها "فتحية" صاحت قائلة:
"شايفة.. شايفة الولية قريبتك بتعمل إيه."
تقدمت السيدة من الشباك التي تقف به "ليالي" وقالت بهدوء:
"افتحيلها يا خالتي ليالي، بلاش فضايح كل يوم، معلش افتحي."
"روحي يا صالحة.. روحي دارك، دي قليلة الأدب شتماني ومبهدلاني، قليلة الرباية. روحي يا صالحة."
انسحبت بهدوءٍ بعد أن صرخت بوجهها أنها تعلم أن هذه "فتحية" ليس لديها رقيبٌ ولا أحدٌ يحاسبها على خطأه.
هتف ولدها الذي يقف أمام زوجة أخيه قائلًا، يحاول أن يتوصل لحلٍ وسط:
"هاتي يا فتحية المفتاح وأنا أجيبلك اللي إنتي عايزاه من فوق."
تشدقت وأصدرت صوتًا مزعجًا من فمها، تشير بيدها إليه تقول بحدةٍ وسخريةٍ وهي تهينه:
"إنت عايز تدخل شقتي يا حرامي الهون؟ يلا يا حرامي."
لقد أهانته حقًا في منتصف الشارع والجيران تنظر إليه. لقد كان هذا ماضيًا ولا يعلمه أحد، والآن هي جعلت الجميع يتساءل ما الذي سرقه منها.
أشار إلى نفسه قائلًا:
"أنا حرامي؟ طب وريني هتدخلي إزاي."
أجابته بتأكيدٍ وثقةٍ تسخر منه:
"حرامي وستين حرامي يا ابن الكلب."
أشار بيده وهو يتقدم من باب المنزل ليدلف، فقد جعلته لا يستطيع الرد عليها من الأساس:
"غوري من هنا يلا يا بت."
استمع إلى صوت والدتها وهي تقول بحرقة:
"تغور.. مافيش غيرك يتكلم يا حرامي. والله لأخليك مرة زي أمك."
نظر إليها وابتسم بسخريةٍ وتهكمٍ، يهتف:
"ودي هتعمليها إزاي؟"
تشدقت هي الأخرى تفعل كما فعلت ابنتها، تصيح بغضب:
"هي لسه هتتعمل، ما أنت مرة يا ولا."
نظرت إلى الجيران في شرف منازلهم، ثم صاحت بعلو صوتها:
"يلا يا شارع مفيهوش راجل."
وأخذت تسب الناس وشقيق زوج ابنتها. لا تخاف من أحد، تعلم أن ليس هناك من يردعها عما تفعله. فاستمرت في الصراخ وضرب الباب بالحجارة بعد أن دلف شقيق زوجها.
بقيت تهتف بألفاظٍ لا يوجد رجلٌ يتفوه بها، ووالدتها تقوم بمساعدتها على فعل ذلك، تسب السيدة "ليالي" في الداخل، بعد أن دلفت من النافذة وأغلقتها خلفها.
تركتهم في الخارج يفعلون ما يشاؤون، وجلست على الأريكة تضع يدها على وجنتها تفكر بحالها. سيدةٌ بهذا العمر، وبعد كل هذه السنوات التي مرت في شقاءٍ وتعبٍ، تأتي فتاةٌ بعمر بناتها وأصغر تفعل بها هكذا في منتصف الشارع، وتجعل الجزيرة بأكملها تتحدث عما فعلته معها، ويتناقلون الألفاظ والكلمات التي نعتتها بها.
سيدةٌ من مليون سيدةٍ تمر بهذه الظروف، بعد التربية والتعب، بعد الشقاء عليهم ومواجهة حياةٍ صعبةٍ لأجلهم، بعد أن تجعل كل واحدٍ منهم يصل إلى مرسى يبدأ منه أسرةً سعيدةً، يقومون برميها بالحجارة وسبها أمام العالم. هذه كانت مكافأة نهاية الخدمة لها!
رفعت بصرها إلى سقف الغرفة التي تجلس بها وتمتمت بهدوءٍ وخفوتٍ، تخرج الكلمات من شفتيها دون ملامح:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكم."
الابن لا يعلم ما أثر دعوةٍ كهذه تخرج من قلب أمٍ مفتورٍ على حياتها الضائعة بينهم. قلبٌ يحترق بالنيران الملتهبة لأجل ذلك العطاء الوفير والمستمر الذي يخرج منها إليهم دون أي مقابل، فقط لأنهم أبناؤها وهي والدتهم.
شعورٌ بالضيق والحسرة احتل كيانها وهي تجلس وحيدةً تفقد أبناءها وكأنها لم تُنجبهم من الأساس. أتى على خلدها ولدها الآخر الذي تغرب بعيدًا عنها وترك زوجته وأولاده معها، فقد أحسن إليها، فوجدت نفسها تتمتم بنفس الخفوت:
"ربنا يديك ويرضيك ويوقفلك ولاد الحلال يابني."
هذه الدعوة أيضًا لا تدري ما السر بها لتجعل السعادة تحل عليك من كل جانب، وتأتي بالرزق الوفير والمستمر. إنها دعوةٌ من قلب أمٍ بات مجبورًا من ولدها، فُتحت له أبواب السماء تستقبل دعوتها بصدرٍ رحبٍ لتكون دعوةً واجبة التنفيذ.
شتان بين هذا وذاك، ولكن أنت الوحيد الذي يقرر ما الذي تريده من شفتاي والدتك: دعوةٌ تدوم العمر بأكمله بالحياة والرضا والصلاح، أو دعوةٌ تقضي على حياتك ومماتك أيضًا، تقابل بها ربك وتكن سببًا كافيًا، غير كافة ذنوبك، لتمنعك من رائحة الجنة.
***
منذ أن أتت إلى هنا وهي تراه ذلك الحيوان الذي لا يرتضي أبدًا، يفعل ما يشاء وما يحلو له حتى ولو كان على حساب الجميع، لا يهمه الأمر. اغتال ما بها عنوةً اعتقادًا أنه حقه ويحل له، هدد وقتل وفعل أشياء لم تراها بحياتها قط.
ولكن أيعقل أنه يجرح ويداوي؟ يقتل ويحيي؟ في الآونة الأخيرة تأقلمت بنسبة واحد بالمئة أنها أصبحت زوجته، سجينة هذا القصر معه ومع عائلته. بدأت ترى به أشياء لم تعتقد أنها به، تكذب نفسها وتقول أن كل هذا خيال أو اعتقاد من رأسها الذي لا يكف عن التفكير.
رأته وهو رجلٌ حكيمٌ بين أهل الجزيرة، يحكم بالعدل حقًا؟ أهو هذا الرجل العادل بينهم أم القاتل الذي يعرض حياتهم للخطر؟ يا لها من تناقضٍ وسخريةٍ حقًا، لم تعد تعلم هو أي شخصٍ بينهم.
رأته يقترب من طفلتها بحبٍ وحنانٍ لا يليق به، ولكنه حاول. يتودد إليها بابتساماتٍ وألعابٍ وطعامٍ تحبه. يحاول أن يكون الأقرب إليها وهي ترى ذلك. تُرى ما الذي ينوي فعله؟ هل يريد أن يجعل الطفلة تحبه هو وعائلته حتى إذا قتلها لا تكون تربيتها صعبة؟ أو يريد أن يأخذها منها؟
في هذه الفترة الصغيرة جعلها بدلًا من أن تناديه "بعمي" أن تقول "بابا جبل". ما الذي يريد أن يتوصل إليه هذا الجبل الصلب؟
تابعته بأعينٍ لا تعلم أهو ذلك الحق أو الباطل. يأتي بذكراها وجهه الشرس وهو يقتل دون رحمة، وتناقضه ذكرى أخرى وهو يحكم بالعدل والحكمة، أي شخصٍ منهم هو الحقيقي هذا الجبل؟
يأخذ منها الهاتف منذ ذلك اليوم المشؤوم، لا تستطيع أن تفعل أي شيء. ويبدو أنها بدأت في التأقلم على الحياة هنا. ولكن الحقيقة أنها حياةٌ مريبةٌ وتتسم بالغموض، أثارت فضولها أكثر أن تبقى وتعلم الحقيقة خلف كل شيءٍ يحدث. ربما يحدث التغير على يدها كما قامت بتهديده.
استمعت إلى صرخة طفلتها الفرحة وهي ترمي بالكرة بعيدًا لتتخطى "جبل" الذي كان يلعب معها:
"كسبتك.. كسبتك يا بابا جبل."
وقف متذمرًا يشير إليها بحزمٍ قائلًا:
"لأ لأ، أنتي كده بتغشي. أنتي خليتي عاصم يرفعك وحدفتيها."
عارضته وهي تقترب من "عاصم" تصيح قائلةً بنبرةٍ طفوليةٍ للغاية:
"لأ مش بغش. أنا هخلي عاصم معايا في الفريق. أنت طويل أوي وبتكسبني، هو هيساعدني أكسبك."
نظر إليها وأحبطها عندما قال بجديةٍ شديدة:
"عاصم مش هيوافق."
أمسكت بيد "عاصم" ورفعت رأسها تنظر إليه نظرةٍ طفوليةٍ بريئةٍ تتودد إليه بها كالقطة، وهتفت بصوتٍ رقيق:
"لأ هيوافق، إحنا صحاب.. مش كده؟"
حملها "عاصم" فجأةً بين يده يرفعها للأعلى قائلًا بصوتٍ عالٍ:
"آه طبعًا صحاب وهرفعك علشان تكسبيه."
ابتسمت الصغيرة تنظر إلى الآخر بسعادةٍ قائلة:
"أهو يا بابا جبل."
أمسك "جبل" بالكرة واقترب قائلًا بابتسامة:
"ماشي، بس من غير غش."
أومأت إليه برأسها:
"ماشي."
ألقى الكرة مرةً والأخرى، وهي لا تستطيع أن تتابع رميته لها، فصاحت بعصبيةٍ غاضبةٍ منه:
"إيه ده، أنت اللي بتغش كده."
رآها "جبل" وأبصر نظرتها له مع صوتها الذي حاولت جعله غاضبًا، فلم يتمالك نفسه هو و"عاصم" يسألها بمرح:
"أنا عملت إيه بس؟"
قالت بتذمرٍ وضيق:
"بترفع نفسك أوي وترمي الكرة."
أجابها مبتسمًا:
"كل واحد وشطارته. أنتي مش عارفة تصدي."
اعترضت قائلةً بانزعاجٍ وهي تطلب من "عاصم" أن يتركها:
"لأ ده غش، مش هلعب. نزلني يا عاصم."
تركها تهبط إلى الأرضية، فأبتعدت عنهم. ذهب "جبل" خلفها يناديها:
"استني بس، غش إيه، تعالي."
لم تُجبه، فأمسك بيدها وهبط إلى الأرضية ليكون في مستواها، محاولًا التحدث معها:
"استني هنتفق."
وقف معها قليلًا يتهامسون سويًا، يبدو أنه استطاع أن يجعلها تسعد أكثر من السابق، يُنسيها ما حدث منذ قليلٍ عندما عانقته بقوةٍ وابتسمت بسعادة.
منذ لحظاتٍ و"إسراء" تقف جوار "زينة" في الشرفة تتابع ما كان يحدث، تنظر إليهم بعيونٍ تشع بالحب والشوق.
عيناها تتابع ذلك الشاب فارع الطول الذي يبتلعها كلما وقفت أمامه. مشاعرها تجاهه أصبحت متخبطةً أكثر وأكثر، ففي الآونة الأخيرة بدأت تفهم أشياء تحاول أن تكذبها بخصوص مشاعرها تجاهه.
وجدته ينظر إليها، وقد كان هو الآخر يحاكيها بعينيه، يهتف إليها بمنتهى الشوق واللوعة، يقول: متى اللقاء والاعتراف بالعشق المكنون داخل قلبيهما.
سمائها أزهرت باللون الأزرق المخالط الأبيض، ووجدت السحاب تتموج بها كموج البحر، وعينيها الزرقاء تماثلها، تتشابه معها. تدق الطبول في القلب معبرةً عن قدوم حياةٍ أخرى جميلةٍ ستنعم فيها بالغرام ولهفة الاشتياق.
أطالت النظر إلى عينيه وهو بالمثل، فنظرت إليها "زينة" باستغرابٍ كلي ودهشةٍ صارخةٍ بأن لا يحدث ما في رأسها.
أعادت النظر إليه وإليها مرةً بعد الأخرى، ولم تفهم ما الذي يحدث بينهم. تبتسم بهدوءٍ وخجلٍ، وهو ينظر إليها بقوةٍ غير خجلٍ مما يفعله، مغيبين عن الواقع تمامًا هما الاثنين.
نغزتها في ذراعها فجأةً، تنظر إليها بعبثٍ، فصاحت الأخرى خجلةً من شقيقتها قائلةً بتوتر:
"سرحت."
أردفت "زينة" بقوةٍ وحزمٍ قائلة:
"ابعدي عن أي حد هنا.. فاهمة؟ ملكيش دعوة بحد يا إسراء، لا في القصر ولا الجزيرة دي."
أومأت إليها الأخرى برأسها بهدوءٍ، ثم تركتها ودلفت إلى الداخل.
تابعت "زينة" "جبل" الذي يحمل ابنة شقيقه يتسامر معها في الحديث بهدوءٍ وابتسامةٍ، وهي تماثله. وعقلها ما زال يعمل في كل اتجاهٍ، وطوال الوقت يفكر في كثيرٍ من الأمور، إلى أن قاربت على الجنون.
***
أرسلت السيدة "ليالي" مرسالًا إلى "جبل العامري" بما حدث بينها وبين زوجة ولده ووالدتها، فحدد موعدًا للجلوس في جلسةٍ عرفيةٍ يحكم فيها بينهم بعد أن يقص عليه كلٌ منهم ما حدث. وقد حان وقتها.
استمع إلى الطرفين، والذي لم يتجرأ أحدٌ منهم على الكذب. فنظر إليهم بهدوءٍ وجديةٍ، فأضافت السيدة "ليالي":
"اللي خلاها تمشي يا جبل بيه، وأنا طالعة سطح بيتي عديت على شقتها.. الباب كان مفتوح، تو ما شافتني راحت قفلاه في وشي بآخر ما فيها. كل اللي قولته أنا حسبي الله ونعم الوكيل. العيب مش عليكي، العيب على اللي قانيكي."
أكملت بعد أن أزالت بوشاحها دمعةً خائنةً هبطت على وجنتها:
"أنا قولت كده من غُلبي يا جبل بيه، من غُلبي. دي داري.. داري أنا ويتعمل فيا كده. أنا اللي كبرت وعلمت وجوزت، وفي الآخر يتعمل معايا كده من عيلة."
لم تتجرأ الأخرى على الكذب، قالت كل ما فعلته منذ البداية هي ووالدتها، فظهر كوضوح الشمس من الظالم ومن المظلوم.
نظر إليها بجديةٍ شديدةٍ وأردف بحزمٍ قائلًا:
"امسحي دموعك يا حجة ليالي. أنتي قولتي أنها دارك، واللي هيقعد فيها اللي أنتي هتطلبيه. أما دلوقتي، كل واحد لازم يتحاسب."
أشارت له بيدها ترفض حديثه بطيبة قلبٍ قائلة:
"لا يا جبل بيه، أنا مسامحة في حقي. دي مهما كانت أم عيال ابني، أنا مسامحة."
سألها بعقلانيةٍ ونظرته نحوها حنونةٌ مشعةٌ بالحب لامرأةٍ عجوزٍ أكل من عمرها الشيب والسنوات:
"إيه اللي يرضيكي؟"
أشارت بأصابع يدها الأربعة أن تبتعد عنها، وهي تقول بحرقة:
"جوزها مسافر، تمشي تقعد عند أهلها."
أبعد بصره إلى الأخرى قائلًا بصرامةٍ وقوة:
"قومي يا فتحية، بوسّي راس الحجة ليالي، ووطّي كمان على رجليها بوسيها."
وقفت على قدميها واقتربت منها على مضض، ولكنها لا تجرؤ على الاعتراض، فهذا أمرٌ من "جبل العامري". كادت أن تنخفض لتقبّل قدمها، ولكن الأخرى ابتعدت قائلةً برفض:
"لا، متبوسيش رجلي، أبعدي."
وقفت مستقيمةً تود لو تخنقها بيدها، تراها تتمسكن أمام كبيرهم. نظر إلى والدتها وأشار إليها بقسوةٍ، وهو يعلم أنها سيدةٌ تأكل من يقابلها:
"قومي يا أم فتحية، بوسّي راس الحجة ليالي، وحقوا نفسكم ليها."
أردفت "فتحية" بجديةٍ تنفذ أمره:
"حقك عليا يما، أنا غلطانة."
ومن خلفها والدتها الذي تحدثت ببغضٍ قائلة:
"حقك عليا يا حجة ليالي، مصارين البطن بتتعارك. ياختي."
تابعها "جبل" وتفوه بالكلمات بجديةٍ تامةٍ لا تسمح بعدها بالنقاش، يملي عليها ما الذي ستفعله:
"جوزك النطع ده يدورلك على بيت بره تسكني فيه، متقعديش عند أهلك. معاكي مهلة يومين اتنين بس، وعفشك يطلع من عند الحجة ليالي. خلينا نشوف هيصرف عليكي وعلى إيجار البيت إزاي، ولما يتعلم يحترم أمه يجيلي."
تحولت ملامحها إلى أخرى منزعجةً وقالت بضيق:
"بس يا جبل بيه، إنت عارف البير وغطاه."
صرخ بها بقسوةٍ وعنف:
"يبقى كنتي تحترمي نفسك."
نظر إلى والدها وشقيقيها الشابين، هتف بغلظةٍ وشدةٍ مهددًا إياهم:
"المرة دي أنا مش هعمل حاجة علشان خاطر الحجة ليالي. إنما المرة الجاية، إنتوا عارفين اللي هيحصل. ربي مراتك وبنتك، وإلا هربيهم أنا."
أومأ إليه والدها يجيب بتأكيدٍ على حديثه، لأنه يعلم أن هذا ليس تهديدًا فقط، بل واجب الفعل مع وقف التنفيذ:
"حاضر يا جبل بيه، حاضر."
أكمل بنفس الغلظة التي تحدث بها:
"بكرة الصبح الكل عند دار الحجة ليالي، تحقوا نفسكم ليها قدام الكل، زي ما بهدلتوها قدام الكل."
مرةً أخرى يؤكد حديثه بخوفٍ، راهبًا ما يستطيع فعله بهم:
"ماشي، كلامك يا جبل بيه."
أشار إليهم بيده ليبتعدوا عن هنا، قائلًا بصرامة:
"امشوا."
صرخ على أحد الحراس الذي فتح البوابة ليتقدم منه، فقال بجدية:
"مسعود، وصل الحجة ليالي لحد دارها."
ابتعدت عنه المرأة وهي تصيح بصوتٍ عالٍ تردد بالدعاء إليه:
"ربنا يخليك يا جبل بيه.. يا ناصر الغلابة، ربنا يديك الصحة ويرزقك بالذرية الصالحة."
وقف عند آخر دعوةٍ قالتها. هل سيأتي يومٌ من الأيام ويكن له طفلٌ من صلبه يحمل اسمه، يكن ولده يربيه كما يشاء على الخير والحب؟
لم يأتي على خلد أحدٍ سواها. فرفع بصره للأعلى لأنه كان يعلم أنها تقف تطلع إليه وتراه وهو يتحدث معهم، تستمع إلى مشكلات أهل الجزيرة كما كل مرة.
توترت للغاية عندما تقابلت أعينهم، وأدركت بما يفكر. أطال النظر إليها، ودون درايةٍ منها استمرت بالنظر إلى عينيه، كما يفعل، يحدث نفسه بأن هناك شيئًا غريبًا يحدث له. لما فكر بها هي عندما أراد الإجابة على سؤاله؟ ولما هي تابعت النظر إليه هكذا بهذا الشغف وكأنها تحبه؟
في الأساس هي تقف تفكر، أهذا هو الشر أو الخير؟
حقًا لم تعد تستطيع أن تفرق بين شخصياته الغريبة. إحداهما يقتل والآخر يحيي. لم تعد تستطيع فهم، أهو شخصٌ واحدٌ لديه فصام الشخصية، أو شخصان مختلفان للغاية!
***
"بعد مرور يومين"
دلف إلى الشرفة ليقف جوارها. نظر إليها بهدوءٍ وتساءل:
"بتعملي إيه؟"
سخرت منه تنظر إلى البعيد قائلةً بتهكم:
"بشم هوا.. أصل هوا الأوضة يخنق."
ابتسم باتساعٍ، فهو يفهم أنها تقصده، فتابع في إغاظتها قائلًا:
"ماشي، شمي هوا براحتك."
أردفت بجديةٍ واستدارت تنظر إليه:
"أنا عايزة أروح الصيدلية أشتري كام حاجة. ده لو عندكم صيدلية هنا."
أجابها يهتف مؤكدًا لأنها تسخر من الجزيرة وما بها:
"عندنا كل حاجة هنا.. اكتبي اللي عايزاه في ورقة وهيجيلك لحد عندك."
رفضت قائلةً بسماجة:
"لأ، دي حاجات خاصة بحب أجيبها بنفسي."
خرجت ضحكاته من فمه عندما وجدها تريد أن تذهب هي، فقال بسخرية:
"أوعي يكون سم."
أكمل بيقينٍ متأكدًا:
"مع إني عارف إنك مش هتعمليها تاني."
كرمشت ملامح وجهها ببغضٍ وغضبٍ تنظر إليه:
"لأ اطمن مش هعملها. فكرت في كلامك."
مرةً أخرى أردفت تطلب منه:
"أنا عايزة موبايلي وموبايل إسراء وتابلت وعد."
أومأ إليها برأسه يوافق على ما أرادت، ولكنه قال بجديةٍ شديدةٍ وخشونة:
"ماشي.. هديكي الأمان يا غزال، بس متحاوليش تغدري."
صاحت بوجهه بعصبيةٍ وغضب:
"أنا عمري ما كنت غدارة.. أظن إحنا عارفين مين فينا الغدار."
أومأ إليها يقول:
"عارف."
اقترب منها يدفعها إلى سور الشرفة وأمسك بها من خصرها، يضغط بيديه الاثنتين عليها، يقترب بوجهه ينوي تقبيلها، فهو بات يفعلها عنوةً عنها.
وجد كف يدها يهبط على عنقه مع صوتها الذي هتف بجدية:
"دي ناموسة."
على أثر ضربتها له، ابتعد وجهه قليلًا. احمرت عيناه من الغضب لأجل تطاولها عليه، وما كاد إلا أن يفعل بها ما لم تتخيله، إلا أنه رصد شيئًا بعينيه حمد الله في لحظتها أنها فعلت ذلك.
لم يعطِ لنفسه الفرصة في التفكير، بل أمسك بها يستدير بسرعةٍ كبيرةٍ، جاعلًا نفسه هو أمام سور الشرفة وهي تختبئ بجسده، وصرخ عاليًا بصوتٍ جهوريٍ يهتف باسم "عاصم". استمع إليه كل من داخل القصر.
ولكن تزامنًا مع تلك الصرخة، خرجت طلقةٌ ناريةٌ لتستقر في جسد إحداهما، فوقعا هما الاثنين داخل الشرفة، واهتاج الجميع من بعد ذلك، وخرجت الدماء تسيل على الأرضية بغزارةٍ تعلن عن أن هناك من قارب على فقد حياته.
"جبل العامري" أو "غزالته".
***
"يُتبع"
رواية سجينة جبل العامري الفصل التاسع 9 - بقلم ندا حسن
ارتجف جسدها بعنف وقوة وهي تقع على الأرضية، يتردد صدى الطلقة النارية في أذنها.
وهو يحمل ثقل جسده عليها بعد أن هبط معها على الأرضية.
سارت القشعريرة في بدنها بالكامل، تنظر إليه وخصلاتها السوداء متبعثرة حول وجهها.
يدق قلبها بسرعة ضارية، ولوهلة شعرت بالخوف والهلع عليه معتقدة أن الطلقة أصابته.
شعرت بالدماء تسيل من جسده على ذراعها.
انتفض قلبها بين أضلعه وتأكدت من ظنها، فقد فداها بعمره وأخذ الطلقة مكانه.
لم تستطع التحدث، فقد لجم لسانها وهي تنظر إلى خصلات شعره السوداء القابعة فوق صدرها.
لا تدري هل شعر قلبها بالهلع خوفًا أن يصيبه مكروه، أو تتركه ينزف إلى أن يموت وتستطيع الهرب من سجنها!
رفعت يدها عليه تهتف بشفتين ترتجف خوفًا:
- جبل! أنت كويس؟
رفع وجهه إليها بملامح متألمة، فقد أخذ الرصاصة في ذراعه الأيسر.
أومأ إليها برأسه دون حديث، وعيناه تجوب وجهها مستقرًا على عينيها.
ينظر إلى الخوف بها الذي استشعره بمنتهى السهولة.
- الخوف عليه ليس منه!
- متخافيش.
قالها بصوت حانٍ رقيق لأول مرة يخرج من بين شفتيه لها وهو ينظر داخل عينيها السوداء.
نظرت إلى ذراعه الذي ينزف عليها وتفوهت بقلق بالغ ظهر في نبرتها الخافتة:
- أنت بتنزف.
أغمض عينيه بألم وأجابها بإيجاز:
- بسيطة.
وضعت يدها على جسده لأول مرة أمامه دون خوف، تلمسه بكل أريحية.
ولم تشعر بأن هذا خطأ، بل شعرت أنه من الواجب عليها مساعدته لأنه "زوجها".
- طيب قوم.
وقف ببطء يبتعد عنها وذراعه جوار جسده لا يستطيع تحريكه.
تخرج الدماء منه بغزارة تتساقط على الأرضية بعدما وقف على قدميه.
نظر إلى الخارج فوجد الحراس يركضون خلف بعضهم البعض يحاولون الإمساك بمن تجرأ وفعل ذلك.
مد يده اليمنى إليها وهي ممددة على الأرضية.
نظرت إليه للحظات تحاول أن تجمع شتات نفسها تفكر في الأمور من زاوية أخرى.
ترى ما الذي يحدث معها وما الذي يريده منها بعد ذلك!
لما عقلها مشوش للغاية!
مدت يدها إليه فسحبها منها لتقف على قدميها أمامه تعدل من ملابسها وخصلاتها الثائرة.
وقفت تنظر إليه بعيون لا تفهم ما مضمون حديث لمساته وهمساته.
تتسائل إن كان حنون أو غليظ القلب ليس به رحمة كما قال.
هي امرأة متحيرة بين هذا وذاك لأنها رأت قسوة قلبه وعنفوان أفعاله الذي أشتد بها عليها.
ورأت رحمة أحكامه وحنان نظراته لأي شخص بات مظلوم غيرها.
تابع النظر إليها يتوه داخل عينيها.
يبادلها نفس الغرابة في الشعور، فلا يدري أهو أراد جسدها وتربية ابنة شقيقة أو تغير شيء ما بداخله ليقف الآن معتوه لسانه ملجم وحركاته مشلولة أمامها.
لم يستفق أي منهما إلا عندما دلفت والدته الغرفة تدفع الباب بقوة تتقدم منهما داخل الشرفة.
وجدت الدماء على ذراعها فاعتقد أن "زينة" المصابة فهلعت إليها تقول بخوف:
- زينة اتصابتي فين يا بتي ادخلي.
نظرت إليها بتوتر خائفة من أن تدلي بأن ولدها من أصيب وليست هي.
تحدثت بخفوت قائلة:
- مش أنا.. ده جبل.
ابتعدت عنها تتقدم منه في الداخل بذعر وخشية من أن يكون أصاب ولدها مكروه وهو وحيد عمرها ومن تبقى لها.
- ابني.. جبل.
أومأ إليها برأسه ينظر إليها بحنان يبعث إليها الأمان والاطمئنان من نظرات عينيه.
- أنا بخير يما متخافيش جات سليمة.
رأت "زينة" نظرته لوالدته ونبرته الحنونة الخافتة المنبعثة لها.
ودت لو كانت هذه النظرة والكلمات الرقيقة إليها فقط ليجعل قلبها يطمئن.
اعترضت والدته بقوة والدموع متحجرة بعينيها تنظر إليه بقلق وخوف.
- إزاي يابني الدم نازل منك سيل.
خرجت "زينة" من الشرفة وعادت إلى الداخل وهو يتحدث مع والدته.
تابع يحاول تهدأتها ولكنه يتألم، لا يستطيع مواساة أحد الآن، فقال بجدية:
- قولتلك بسيطة متخافيش خدش في دراعي.
دلفت إليهم مرة أخرى وتقدمت إليه بقطعة من القماش تهتف برفق.
- اربطي ايدك بدي علشان النزيف لحد ما نروح الوحدة.
أخذها من يدها وحاول لفها باليد الأخرى فلم يستطع.
أقتربت منه هي واخذتها منه مرة أخرى تقوم بلفها على ذراعه وربطها بأحكام تحت نظراته الفاحصة لها ونظرات والدته المتعجبة لما تفعله معه.
تتسائل هل لان الحديد وارتخى؟
قال بخشونة وجدية:
- الدكتور هيجي هنا مش هروح الوحدة مش مستاهلة.
رفعت بصرها إليه وأشارت إلى ذراعه قائلة بتوجس:
- إزاي دي رصاصة دخلت دراعك.
أجابها مبتسمًا بزاوية فمه لا يدري هذه سخرية أو ابتسامة حقيقة بعد أن مس اهتمامها به.
- جرح سطحي.. وإلا إزاي بكلمكم وواقف كده.
أشارت إليه بيدها وهي تنظر إلى وجهه وابتسامته التي لا تدري لما تواجدت الآن بين حديثهم.
- طيب أدخل ارتاح.
أكدت والدته على حديثها وهي تجذبه من ذراعه الأيمن ليدلف إلى الداخل.
- ادخل يابني ادخل.
دلفت خلفهم إلى الداخل فتسائلت بعد أن جلس على الفراش.
- فين رقم الدكتور أكلمه.
أجابها وهو يكرمش ملامح وجهه بألم شديد أصابه، هتف بجمود يجيبها.
- شوية عاصم يجي يجيبه.
استشعر خوفها حقًا ورآه الجميع والدته وشقيقته عندما هتفت بانفعال وخوفها يظهر على ملامحها.
- شوية ايه ايدك بتنزف.
كانت شقيقته دلفت إلى الغرفة منذ لحظات فصاحت تتسائل وهي تتقدم منه.
- أنت بخير يا جبل؟
أومأ إليها برأسه وجد "وعد" تتقدم منه بخوف وذعر رُسم على ملامحها وتسائلت بخوف ونبرة قلقة مرتعشة.
- بابا جبل حصلك ايه.
أقترب بوجهه يقبلها مُحتضن إياها بذراعه وقال بحنان وحب.
- أنا كويس يا حبيبتي متخافيش.
بنظرات طفلة أشارت إلى ذراعه وقالت بخفوت.
- في دم عليك.
أردف بجدية والألم يشتد به يقول.
- دي شكة صغيرة.. روحي روحي مع خالتك دلوقتي.
أخذتها "إسراء" التي كانت تقف على أعتاب الغرفة وخرجت وخلفها شقيقته.
لم يبقى معه سوى والدته وزوجته "زينة".
لحظات والأخرى وأتى "عاصم" بالطبيب بعدما علم بأن "جبل" من أصيب بالطلق الناري.
بينما رأته "إسراء" وهي تسير في الخارج يتقدم إلى الأعلى مع الطبيب والعاملة "ذكية" التي تسير أمامهم لتفسح لهم الطريق.
تبادلت النظرات معه، لقد كانت نظرات محملة بالحب والاشتياق.
ولوعة الغرام المخفي بينهم تحرقهم هما الاثنين.
تحدثت الأعين تدلي بكل ما يشعر به القلب دون حركة واحدة من الشفاة.
دلف "عاصم" بالطبيب إليه فخرجت والدته ولكن "زينة" بقيت معه.
تقسم أنها لا تدري ما الذي يحدث لقلبها الخائن، لقد عذبها، سجنها، أخذ ما يحق لها، هددها بأبشع الأشياء وآخر ما فعله انتهك جسدها بكل غلظة وعنف.
والآن هي تشفق عليه وتشعر بالخوف والهلع بعدما حدث له؟
لا تدري هذا حدث لأنها رأت الجانب الآخر منه أو ماذا؟
رأت ضعفه مع صغيرتها، حنانه عليها وعلى الآخرون غيرها، حكمته في العدل بين الناس ورد الظالم عن ظلمه وأخذ الحق للمظلوم.
لا تدري تغيرت لأنه أصبح يعاملها أقل خشونة وأكثر هدوء ورفق؟
ولكن كل هذا لا يشفع له عندها.
كل هذا لا يشفع حتى وإن تساقطت منه الرحمة والحنان حتى وإن اعترف بالحب وأراد الغفران على قلبها تتبع القسوة وأن يدلي بحرمانه الرحمة والغرام.
نظرت إليه وهو يتألم أسفل يد الطبيب الذي قال أنها لم تغوص داخل لحمه بل كانت سطحية للغاية.
لم يأخذ المخدر لأنه من الأساس لا يوجد فتح.
تحمل وملامحه تصرخ بالألم ولكن لسانه لا يقدر على نطقها.
أقتربت منه، جلست على الفراش عندما شعرت بتألمه المكبوت.
قدمت يدها إليه تتمسك بيده بحنان تشدد عليها تحاول أن تجعله يطمئن.
ما تفعله من المؤكد نابع عن تربيتها الأصيلة فما فعله بها لا يستحق بعده أن تعامله هكذا.
شدد من مسكته ليدها وهو يتألم بقوة وخرجت أنة من بين شفتيه المضمومة على بعضها.
يشعر بالخجل والضعف لأنه يتألم أمامها ويشعر بالخجل من نفسه لأنها تقابل كل سيئاته بالحسنى.
هل هي تشعر بالشفقة تجاهه أو تشعر بشيء آخر مثله؟
انتهى الطبيب وقام بربط يده وترك لهم روشته الأدوية المطلوبة.
فأبتعد "عاصم" لاحضارها لكن "جبل" أوقفه وهو يهتف بخشونة متألمًا.
- مين عمل كده؟
استدار "عاصم" ينظر إليه بتوتر لأن الرجل الذي فعلها هرب منهم ولم يستطيعوا الإمساك به.
- لسه مش عارف.
اعتدل "جبل" في جلسته يتغاضى عن الألم الذي يشعر به وسأله باستفهام.
- يعني ايه مش عارف اومال هو راح فين.
قال بجدية شديدة يجيبه وعيناه في الأرضية.
- هرب يا جبل.
كان يعتقد أنهم أمسكوا به فاستغرب بشدة وهو يسأله.
- هرب؟ يعني ايه هرب اومال انتوا بتعملوا ايه.
تحدث الآخر وهو يشير إليه بيده يقول ما حدث ولكنه يعلم أنه لن يصمت على هذا.
- دخل الغابة واختفى فيها معرفناش نمسكه وأنا رجعت على طول أشوفك لكن سبت الرجـ ـالة يدورا عليه.
سخر منه قائلًا.
- يا راجـ ـل؟ وفكرك هيلاقوه.
صرخ بعنف وصوت عالي اهتز له جسد تلك الواقفة جوار الفراش.
- أنا اللي هقولك تشتغل إزاي يا عـاصـم.
نظرت إلى عينيه التي عادت مخيفة وتشنج ملامحه فقالت برفق.
- اهدى.
صرخ بها بقسوة شديدة يخرسها فلا يحب أن يتدخل أحد بحديثه.
- اسكتي.
تحدث يكمل بصوته العالي، ونبرته تحمل الهمجية والعنفوان الشديد تجاه "عاصم".
- لولا ستر ربنا كان زمان مراتي ميتة فاهم يعني ايه وتقولي هرب.
نظرت إليه باستغراب، إنه يقول زوجتي؟
لقد دافع عنها ووقف أمام المدفع وهو يعلم أنه على وشك الموت؟
ما الذي كان يفكر به عندما فعل ذلك؟
هل هي رجـ ـولة زائدة منه ولكنها تشك بهذا لأن الرجـ ـل الحقيقي لا ينتهك جسد امرأة عنوة عنها، أم لأجل ابنتها وابنة شقيقه أو هناك سبب أكبر من كل هذا هي لا تعلمه.
أكمل بكلمات مهينة وهو ينظر إليه بغضب وعصبية شديدة.
- لو مشغل معايا رجـ ـالة مكنش هرب.
اغتاظ "عاصم" وشعر بالإهانة خاصة أنه يقول كل هذا أمام زوجته فأردف بعنف يعلمه بما يقول.
- جبل.
صرخ هو الآخر أمامه دون توقف وصوته يعلو أكثر بعد أن شعر بالعجز الشديد والبغض تجاه نفسه وحراسه.
- جبل ايه وزفت ايه.. القصر بقى حمام عمومي أي حد بيدخله ويعمل اللي عايزة الحرس كانوا فين.. فين اللي قولت يقفوا بره القصر.
تحدث "عاصم" بتذمر.
- كانوا بيلفوا حواليه.
أردف بصرامة وحزن وكلمات لا تحتمل النقاش.
- وقف حرس أكتر على مدخل الجزيرة مش عايز حد يدخل ولا يخرج منها لحد ما نلاقيه وهو لو في الغابة يا إما نلاقيه يا إما الديابة تاكله.
أكمل بمنتهى القسوة والعنف على حديثه السابق.
- والحرس على القصر من بره يزيد واللي يقرب تدولة مكافأة نهاية الدنيا.
أومأ إليه عاصم وخرج من الغرفة.
بينما هي وقفت تنظر إلى عيناه المخيفة الذي عاد بريقها مرة أخرى وتعود كلماته مرة خلف مرة على أذنها بقسوة ضارية.
يأمر بالقتل ويدرك أنه إن بقي في الغابة ستأكله الذئاب وقلبه لم يرق أو يلين بل بمنتهى العنفوان أمر هو بذلك.
نظرات الخوف منه عادت إلى عينيها وألجمت شفتيها عن الحديث.
في بادلت عيناه القوة بنظراته وكأنه يقول لها أن سقوطه ليس سهل ورحمته ليست دائمة بل قسوته وجبروته هم الدائمين وما تراه ليجعل قلبها يرق ناحيته ما هو إلا لحظات تمر على حياته كهفوة سريعة أو لمسة الرياح المارة بسطحية.
***
"بعد بضعة أيام"
أحاطت قلبها بسلاسل وأغلقتـه بأصفاد حديدية، خوفًا من اقتراب الجوى منه ليحترق بلوعته ورغبته الملحة في الاقتراب منه والغوص داخل أمواجه لمعرفة أسراره المكنونة في أعماقه.
دومًا ما كانت سريعة الفهم، جيدة التركيز، ولكن الآن سرعة الإدراك لا تعمل عندها.
ترى كل شيء وتستغرب حدوثه، تبصر بعينيها أفعاله ولا تصل إليها أهدافه.
تخبطت أمواج قلبها الثائر بجسدها الهزيل الذي اعتبرته شاطئ هوى يغوي قلبه كلما نظر إليها وشاهد حضورها.
تنهدت بعمق تخرج زفرة حادة من صدرها المكبوت تستغرب أفعاله، تجلس الآن جلسة صافية مع حالها لتحاول إدراك ما الذي يحدث وما الذي يريد فعله.
هل تعيد على عقلها كل ما حدث منذ بداية الأمر لتحاول الفهم أم ماذا!.
نعم ستفعل ذلك.
بداية الأمر أنه كان باردًا معها متجبر ومتكبر، أشعرها بأنه لا يبالي وجودها.
حضورها أو غيابها لا يعنيه.
ثم في الخطوة التالية أظهر إليها قليل من حقيقته فقط ليجعلها تهابه.
لم تخضع له ولم ترتوي بحديثه فازاح القناع عن وجهه وأظهر إليها ما بداخله لتقع خائفة والرهبة تزحف إلى قلبها وعقلها وارتجاف جسدها ما كان إلا رعبا منه.
رأت وجهه الحقيقة قتلة للبشر، تحديه لها، عنفه معها، وتهديده الصريح والواضح، والأسوأ والأسوأ من كل ذلك مرة بعد مرة إلى أن بغضته، شعرت بالكراهية الشديدة تجاهه.
لو كانت نالت الفرصة لقتلته لفعلتها وهي بالفعل حاولت.
عندما قام بانتهاك ما لا يحق له، أنه فعلها مرة واحدة منذ أن كتبت زوجته والآن أدركت لما فعلها، فقط ليريها أنه يستطيع فعل أي شيء وبأي وقت ليجعلها تعلن أنه الأمر الناهي والمتحكم الوحيد، والقاضي الذي يحكم وينفذ.
عندما عارضته ورفضت هيمنته عليها علم كيف يستطيع أن يجعلها تنظر إلى عيناه الخضراء القاسية بكل قهر وكسرة.
علم كيف يشعرها بالمذلة والضعف ولم يبخل عليها في فعل ذلك بل منذ أول لحظة لها معه نهب أنوثتها وحريتها.
أقترب منها مرة واحدة فقط!
ولم يفعلها ثانية ثم من بعد ذلك حاولت التأقلم وفهم ما يحدث فبادر هو بمعاملتها أفضل من السابق.
لا تدري كيف ولما، لا تدري لما نظراته التي تغرق بها والبحث داخلها عن أسباب تغيره معها.
لا تدري لما حضوره يربكها ويشعرها بالتوتر.
تغيره معها جعلها لا تفهم شيء أبدًا، بدأت تتحدث معه هي الأخرى ليس أفضل ولم تتقبله بعد ولكن تتحدث معه.
أصبح أب لابنتها، لاحظت تغير واضح في حياة ابنتها بعدما أصبحت تناديه باسم والدها وقد شكل هو هذا الدور حقًا معها منذ أن تزوج منها.
ترى حبه إلى الطفلة ظاهر بعينه وترى حب الطفلة إليه فتخاف أن تفعل شيء يفقدها ذلك الحب والحنان منه لأنها حرمت منه مبكرًا.
هل وجود "جبل" الآن يعوض ابنتها عن والدها "يونس"؟
هل تبقى فقط لأجل ابنتها؟
أو لأجل نفسها وتحاول خوض حياة أخرى معه!
وقفت على قدميها ودق قلبها بعد ذلك الهراء الذي هتف به عقلها، ما الذي تتفوه به ما الذي تفكر به.
لوعة فراق زوجها المحب أثرت عليها أم ماذا!؟
آخر ما حدث تلك الرصاصة التي أخذها بدلًا منها، لقد كان يعلم أنه سيموت أن أتت به ولم يتردد في فعلها بل بصدر رحب استدار ليجعل نفسه في المواجهة.
ثم هتف بكلمة زوجتي بكل حرقة خوفًا عليها!
ما هذه التراهات!
ما الذي يريده من كل هذا أو ما الهدف منه، ما الذي تفعله هي وما الذي ينتظرها بعد؟
احتارت في وصف مشاعرها واحتارت في الوصول إلى بر جاف تقف عليه!
لن توصل إلى مرسى معه إلا بعد أن تسير في دروبه جميعها سوى أن كانت قاسية أو حنونة تربت على قلبها.
ستفعل، ستبقى إلى النهاية لتمر بكل مراحل المشاعر معه بداية من الكراهية إلى الغرام.
ستبقى لتعرف كل سر خفي في الجزيرة، ستبقى لأجل ابنتها وحقوقها الذي أخذها منها بالإكراه.
بينما هو على الناحية الأخرى يشعر بالنقيض تماما، يعلم ما الذي هو مقدم عليه ويفهمه جيدًا.
في البداية لم ينظر إليها بعيون رجـ ـل، لم يشتهي أي شيء بها إلا بعد حديث والدته له.
أثارت مشاعره وحركت رغبته تجاهها.
فعلها بالقوة والعنف فعلها، أصبحت زوجته حلالًا له وأخذ ما يطيب مشاعره منها وما يرضي رجـ ـولته.
لكن يوم بعد الآخر يرى نفسه يصبح أكثر هدوءا معها، أكثر عقلانية، أكثر حديث.
أحب ابنتها وأقترب منها وشعر أنها ابنته هو ليست ابنة شقيقه.
نظر إليها بعيون جائعة تحترق بها الرغبة المشتعلة تجاهها بالهوى القادم مع العاصفة التي ستدمج قلوبهم معًا.
نظراته الشغوفة نحوها وحديثه الهادئ اللين يعلم أثره عليه جيدًا ويعلم لما يخرج منه.
هل سيحيا قلبه مرة أخرى ويعود إلى الحب!
هل سيكون هناك نقطة ضعف أخرى غير السابقة تدمر ما بقى منه وتزعزع كيانه وما وصل إليه!
أنها لا تحبه بل تبغضه وتريد قتله والخلاص منه.
إذا أحبها ستكون هي السكين الذي ينحر عنقه بكل شر وكراهية على عكس الأخرى كانت تحبه وكان يهوى كل ما بها فغدرت به وطعنته في منتصف قلبه.
لكنه مع كل ذلك رأى الخوف بعينيها عليه، لا يدري إن كان خوف حقًا أو شفقة خالصة تجاه ما حدث له أو هي وقفت جواره لأجل ما فعله خوفًا عليها.
الآن كل ما يستطيع فهمه أن قلبه بدأ لها بالخفقان، وعيناه بدأت بالنظر إليها بنظرات أخرى غير تلك الراغبة بها، بل أصبح يرمي سهام الحب والغرام متلهفًا لضمها ونيل عناق حاد منها يروي به ظمأ قلبه وحرمانه من الهوى لسنوات.
لن يحرم نفسه أكثر من هذا، سيترك العنان لقلبه ليفعل ما يريد وأن أرادها قلبًا وقالبًا ستكون معه رغما عنها وعن الجميع ولن يتركها ترحل من هنا إلى الأبد.
ستكون سجينة جبل العامري بحق.
طال الاشتياق لحبيب يغمر القلب بالحب واللوعة التي تحرقه بالغرام.
طال الفراق الذي جعله وحيدًا ليلًا يعاني وحدة الأنات المتألمة مطالبة بالغفران.
فكلما خفق اشتاق وكلما اشتاق احترق والتهبت نيرانه تخرج بفوران من داخل أعماق قلبه الثائرة.
دقات متعالية بها جمرات مشتعلة تطالب بالحب لقلبين دامت الوحدة مرساهم الوحيد لفترة طويلة، فكانت أشبه بالحياة دون روح.
ولم يكن أحد غيرهما "زينة" العاصفة القادمة عليه لتدمر كل ما به و "جبل" ذلك الصلب الشامخ الذي وعد بالبقاء وأن يبعثر عاصفتها إلى أن تخمد.
***
جلست "إسراء" على الفراش ممددة القدمين تستند بظهرها إلى ظهر الفراش تنظر إلى الفراغ أمامها في الغرفة بهيام وعيون لامعة بالحب والاشتياق.
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيها وهو يأتي على خلدها بنظراته وحديثه وقوته.
عضلات جسده وطوله الذي يبتلعها، عينيه الساحرة!
هل قالت ساحرة!
لم تسحرها هذه العينين إلا قريبًا بعد أن توطدت العلاقة بينهم وأصبحت أقوى بكثير وأعمق من السابق.
حيث كانت تستمع إلى كلماته المعسولة التي تخجلها وتلبك كلماتها، ونظراته الغريبة الصارخة باللهفة، حركاته الذي كانت تعوقها كلما أرادت الذهاب والابتعاد عنه.
قلبها يدق بعنف أثناء وجوده أمامها ومتابعة نظراته إليها.
روحها ترفرف وهي تتحدث معه وتستمع إلى خشونة صوته ورجـ ـولته الطاغية.
هل هذا حب!
وقفت على قدميها بلهفة تسير بالغرفة تفكر في حديثها وما يمليه عليها عقلها.
هل أحبته!
لأول مرة تمر بهذه المشاعر، تسير على جسر ملئ بالورود الحمراء ذات الرائحة الطيبة المشعة بالحب والغرام.
هل أحبته؟
هل هذا هو شعور المحبين؟
أن تطير الفراشات داخل معدتهم وأن يخفق قلبهم وكأن هذا الخفقان طبول تقرع للإعلان عن حرب ضارية!
هل هذه مشاعر العاشقين!
أن يشعروا بأمواج البحر الثائرة مقبلة عليهم تأخذ جسدهم ليطفو فوق سطح الماء بكل سعادة.
خرجت من شرودها على صوت هاتفها المزعج الذي يدق يعلنها بوصول مكالمة إليها.
من هذا المزعج في هذا الوقت المتأخر من الليل.
أقتربت منه سريعًا حتى لا تستفيق "وعد" تخرسه وهي تنظر إلى شاشته الذي أنارت بإسم "عاصم".
رفرف قلبها ودق في ذات الوقت وارتسمت الابتسامة على شفتيها بفرحة وسعادة وهي لا تشعر إلا بفراشات الحب تطير داخل معدتها تعلنها بأنها أحبته حقًا!؟
استقر الهاتف بين يدها بعد أن انتهت المكالمة ولم تجيب عليها بسبب كثرة المشاعر الذي زارتها وجعلتها تنظر إلى الهاتف بعدم تصديق وتعيد على عقلها كل ما كانت تقوله منذ قليل.
نظرت إليه بيأس وانزعاج لأنها لم تُجيب عليه وعلقت ملامح وجهها بشدة وهي تلقي الهاتف جوارها على الفراش بحزن.
لكن ما لبثت إلا وجدته يعلن عن وصول المكالمة إليها مرة أخرى.
أخذته سريعًا تنظر إليه وعندما وجدته هو يعاود الاتصال لم تنتظر كثيرًا وأجابت متلهفة.
- أيوة.
أجابها من الناحية الأخرى بصوته الرخيم يتحدث.
- فكرتك نمتي.
وقفت على قدميها تُسير في الغرفة وهي تحادثه وقالت بنفي سريعًا.
- لأ لأ أنا صاحية.
سألها بتطفل.
- مردتيش ليه أول مرة طالما صاحية.
أجابته وهي تكذب عليه فلا تستطيع قول أنها كانت تنظر إليه ولا تستطيع الإجابة بسبب المشاعر الذي حاوطتها بحبه.
- ملحقتش أرد عليه أصلي كنت بعيدة عنه.
استنكر حديثها وهو يجيب عليها قائلًا بيقين وهو يعلم أنها لا تترك الهاتف من يدها.
- بعيدة عنه! أنتي من ساعة ما أخدتيه تاني وأنا حاسس إن مافيش في حياتك غيره.
أردفت بجدية تسرد عليه ما يحدث معها ليجعلها تبقى طوال الوقت جليسة مع هاتفها وهي تشير بيدها وكأنه يراها تسير في الغرفة.
- أصل بصراحة الجو ملل أوي هنا يا إما نتفرج على التلفزيون يا إما أقعد مع زينة أو وعد يا أما الموبايل وأنت عارف جبل من وقت ما تعب طول ماهو هنا زينة بتعمله كل حاجه ووعد رجعلها التابلت فـ مافيش حاجه أعملها غير أقعد على الموبايل.
سألها بغلظة متهكمًا.
- وبقيت الناس اللي في القصر مش مقامك ولا ايه.
وقفت في موضعها وسألته بتوتر.
- أقولك بصراحة!
أومأ برأسه وقال بجدية ورفق.
- أكيد.
قالت بخوف وهي تتذكر نظرات والدة زوج شقيقتها لها وللجميع وأكملت بانزعاج وضيق من شقيقته.
- طنط وجيدة بخاف منها، نظراتها غريبة وتخوف وبتتكلم بجد أوي إنما فرح دي متكبرة أوي وبتكرهني أصلًا.
ضيق ما بين حاجبيه واستنكر قولها فسألها بجدية ليعلم ما الذي بينها وبين "فرح".
- بتكرهك ليه.
قالت بلا مبالاة وهدوء وهي لا تدري ما الذي يفكر به.
- معرفش بس من وقت ما جيت بتعاملني وحش أوي وبترمي كلام وحش فـ كبرت دماغي منها بقى.
صمت قليلًا ثم قال بمرح يشاكسها.
- أنتي بتعرفي تكبري دماغك أه.
ابتسمت بسعادة وهي تمازحه قائلة.
- طبعًا أنا أعجبك.
تحرك في الحديقة وهو ينظر إلى شرفة الغرفة الموصدة ومن خلفها تظهر إنارة الأضواء الخافتة، قال بسخرية.
- لأ منا عارف أنتي كبيرة مش صغيرة وتعرفي تعملي كل حاجه.
سألته بانزعاج واقفة في موضعها.
- أنت بتتريق ولا ايه.
أجابها بلين يأكل ما بقي من عقلها.
- أنا أقدر أتريق عليكي بردو.
أكملت سيرها مرة أخرى وتفوهت بجدية متسائلة بعد أن شعرت بالملل يسيطر عليها.
- بقولك يا عاصم هو أنا مقدرش أخرج بره القصر، أمشي في الجزيرة أشوف الناس أي حاجه أنا بجد زهقت.
حاصرها بسؤاله الخبيث وهو يبتسم باتساع.
- اشمعنى أنا بقى اللي بتقوليلها.
ارتبكت كثيرًا وصمتت قليلًا وهي تنظر إلى الأمام بوجنتين حمراء للغاية اشتعلت من شدة الخجل فلا توجد إجابة مناسبة ولكنها أردفت.
- مش... مش أنت صاحبي بردو.
مرة أخرى بمكر يحاول إخراج الكلمات منها وهو يعلم أنها الآن تموت خجلًا.
- صاحبك بس!
هربت من محاولة محاصرة لها وقالت متسائلة بصوت خافت رقيق.
- هتخرجني.
أومأ بالموافقة ولكنه مصر على اخجالها بحديثه الماكر الخبيث الذي يعلم أثره جيدًا.
- ماشي هخرجك بس بشرط.
سألته باستغراب.
- ايه هو.
رد بمنتهى البساطة وخشونة صوته تثير ما بها ومع تلك اللهفة التي خرجت من بين كلماته واستشعرتها جيدًا.
- اخرجي البلكونة عايز أشوفك.
كررت كلمته مرة أخرى بذهول وخجل.
- تشوفني!
أومأ مرة أخرى برأسه للأمام يهتف بخبث ولوعة الاشتياق لها تحرقه.
- آه اخرجي مش أنا صاحبك بردو.
تقدمت من الشرفة المغلقة فتحتها ببطء حتى لا تصدر صوت وخرجت إليها تطل عليه بوجهها الحسن وعينيها الزرقاء الرائعة.
- أهو خرجت.
ينظر إلى وجنتيها الحمراء من كثرة الخجل الذي تشعر به إنه يدرك ذلك.
ينظر إلى شفتيها الوردية ونظرتها الساحرة إلى عينيه.
بعد أن تذوق حرارة رؤيتها الملتهبة في جسده قال بصوت رجولي أجش.
- تصدقي إن القمر نور دلوقتي بس.
سخرت من حديثه قائلة بتهكم تشير إلى السماء.
- والقمر اللي في السما ده بيعمل ايه.
حرك رأسه يمينًا ويسارًا ينظر إليها ولا يستطيع إبعاد عينيه عن وجهها وسحره تفوه بحب يغازلها.
- لأ ده نجم إنما القمر الحقيقي هنا قدامي أهو.
صمتت ولم تتحدث فقط يستمع إلى أصوات أنفاسها العالية تنظر إلى الأرضية بخجل بعد أن أبعدت عينيها عنه فقال مُمازحًا إياها يخجلها أكثر.
- مكسوفه ها.
خرج صوتها مبحوحًا يصدر بخفوت وخجل يقتلها.
- بس بقى.
نظر إليها مطولًا وعشقه إليها الذي أعترف به مؤخرًا يدفعه نحوها بقوة ضارية.
فتابع بصوت رجولي أجش.
- إسراء.
حرك كل ما بها بعد الاستماع إلى نبرته الذي أسكرتها فقالت بخفوت ورفق.
- نعم.
خرجت كلمة واحدة من شفتيه نابعة من قلبه الذي يدق بعنف في حضرتها وود إعلامها بكم الاشتياق الذي يشعر به نحوها فقال بلوعة قاتلة.
- وحشتيني.
نظرت إليه للحظة واحدة فقط فلم تستطع المواصلة اخفضت الهاتف من على أذنها ودلفت إلى الداخل راكضة تغلق باب الشرفة من خلفها.
ووقفت خلفه تضع يدها على موضع قلبها الذي تعالت دقاته وخرج ليصل إلى مسامع أذنها.
ترفرف عاليًا بين الفراشات والعصافير المغردة بأسامي الحب والغرام في سماء صافية تماثل زراق عينيها وسحاب بيضاء تماثل بشرتها وما اختلف في الأمر شعورها بالنيران تخرج من وجنتيها بسبب خجلها التي شعرت به وهو يرمي عليها كلمة الاشتياق التي خرجت منه بلوعة ولهفة قاتلة.
بينما هو وقف ينظر إلى الشرفة وعيناه لا تستطيع أن تنحرف بعيدًا عنها.
فما كان يخطر على باله يومًا أن يقع لعشق فتاة صغيرة جميلة مثل هذه خجلها يربكها ويحرك ما بها.
لم يخطر على باله أن تأتي تلك الصغيرة التي تنزعج أن ناديتها بالصغيرة وتطير فرحًا كالطفل أن عبرت لها بأنك تراها فتاة كبيرة ناضجة.
أعترف لنفسه من فترة صغيرة للغاية أنه أحبها، ليس صغير وليس مراهق حتى لا يعلم ما الذي يشعر به ويمر به في حضورها واشتياقه لها ورغبته الملحة على أن تكون معه وله.
أدرك كيف يشعر بالحب والغرام، حين تهتز رجولته أن رأى رجـ ـل غيره يبصرها، أن يدق قلبه بكثرة في حضورها وحتى إن تذكرها، أن يتلهف لرؤيتها وتحرقه نار الاشتياق ولوعة الفراق إن غابت عن عينيه لحظة.
الآن يعترف، لقد عشقها وذلك الاعتراف الصحيح يخفي داخله الكثير.
على الناحية الأخرى كان هناك قلب يحترق أيضًا مثل قلبيهما ولكنه كان يحترق بالغيرة والغل، الحقد والكراهية.
تنظر إليه بعيون مشعة بالظلام الدامس والكره الدفين داخلها، تتنفس بعمق وسرعة شديدة ليست قادرة على مواكبة أنفاسها بانتظام بسبب انفعالها.
دلفت إلى غرفتها بعدما رأت ما حدث بينهم وأدركت أيضًا ان هناك مكالمات هاتفية إذًا تطور الوضع بينهم وأصبح أكثر سوءا بالنسبة إليها.
اشتعلت نيران الغيرة بقلبها ونهشت حشاياه، فار بركان غضبها وخرجت من الغرفة بعنفوان وكره لا نهائي أن تركته عليهم سيحرقهم هما الاثنين وكل من يقف أمامها.
هبطت إلى الأسفل وخرجت إليه نظرت إلى داخل عينيه وأخذته من يده بعد أن أقتربت منه تبتعد عن مسامع الحرس فصرخت به بعصبية.
- ايه اللي بتعمله ده يا عاصم.
أجابها بعدم فهم لما تقصده بما فعل.
- ايه اللي عملته.
أردفت بحرقة تشير بيدها بعصبية وعنف تنظر إليه بشر وحقد.
- البت اللي اسمها إسراء شيفاك فعلًا مشغول بيها وعايزها وأنا مش هتوه عندك لما تعوز حاجه.
فهم ما الذي تقصده فـ أومأ برأسه للأمام وهتف بلا مبالاة وبرود.
- وافرضي ده صح وأنا عايزه أنتي عايزة ايه.
صدح صوتها الصارخ بوجهه بشراسة وعنفوان فلم تتخيل أن يُجيبها بهذا البرود.
- نعم؟ عايزة ايه أنت اتجننت يا عاصم.
أقترب منها وبعيون قاسية حادة تحدث بغلظة وخشونة ينظر إليها بعمق.
- لأ متجننتش أنتي اللي لسه معقلتيش أنا عايزك ترجعي بآخر مرة اتقابلنا فيها في محطة واحدة وأنتي هتعرفي إذا كنت اتجننت ولا لأ.
تابعت نظراته القاسية عليها ورأت اللا مبالاة الخالصة التي يتحدث بها فقالت بحرقة.
- وأنا عايزاك تعرف أنت بتلعب مع مين يا عاصم.
ابتسم بزاوية فمه وهو يتهكم قائلًا بسخرية.
- أنا مش بلعب أصلًا يا فرح.
اشتعل جسدها بالغضب ونظرتها نحوه أصبحت نارية عنيفة تود الآن لو تأتي بسكين تنحر إليه عنقه أو تأخذ عينه الذي نظر بها إلى أخرى.
- خد بالك قلبتي وحشه.
لم يبتسم هذه المرة بل خرجت الضحكات من بين شفتيه بقوة وكم كانت خلابة يحرك رأسه باستياء فنظر إليها قائلًا بسخرية مرة أخرى.
- ده تهديد يعني.
قالت بجدية شديدة محاولة اخافته على الرغم من أنها تعلم أنه ليس ذلك الرجـ ـل الذي سيخيفه تهديد من رجـ ـل أو امرأة.
- اعتبره زي ما أنت عايز.
نظر إليها بعمق وهدوء ولم يريد أن يتحدث أحد عن شقيقه صديقة الغالي "جبل" حتى وإن كان ما بينهم سابقًا "خلف القصر".
- فرح.. بلاش تقولي كلام أنتي مش قده ويلا اطلعي بقى ولا عاجبك شكلك هنا وأنتي معايا قدام الحرس.
أكملت على حديثه متهكمة بعد أن وضعت يدها اليمنى في وسط خصرها.
- ولا خايف أنت حد يقول لجبل إني واقفة معاك.
نظر إليها بقوة قائلًا بقسوة وغلظة.
- أنا مبخافش من حد.. وحتى لو أكيد مش هخسره علشانك.
هددته بقوة ووضوح وعلمت أن هذه الكلمات هي المناسبة التي ستجعله يخاف حقّا فغمزت بعينيها بشر قائلة.
- أنت فعلًا مش هتخسره يا عاصم.. أنت هتخسر حد تاني لو متعدلتش معايا.
احترق قلبه من مجرد فكرة أتت على عقلة فصاح بها بعنف وعصبية وصوته يعلو.
- احترمي نفسك واتكلمي كويس أنتي لسه مشوفتيش قلبتي وبعاملك على إنك عيله هبلة مش فاهمه حاجه.
حركت يدها على خصرها تحاول مضايقته بلا مبالاتها بعد أن أشعلت قلبه بالنيران خوفًا عليها فقالت بتكبر.
- لأ العيله دي البت اللي أنت باصصلها إنما أنا فرح ستك وتاج راسك.
نظر إليها بشر وود لو يقتلع عنقها من مكانه فمن هذه سيدته!
صاح وهو يجز على أسنانه محاولًا للتحكم في نفسه حتى لا تنفلت الأمور منه.
- قسمًا بالله إن ما خفيتي من وشي هتصرف معاكي تصرف يناسب وساختك.. غوري.
علمت أنه وصل إلى ذروة غضبه فلم تريد أن تتأزم الأمور أكثر من هذا.
نظرت إليه بقوة وألقت عليه آخر كلماتها المهددة.
- ماشي يا عاصم.. ماشي أنت اللي بدأت.
سارت مبتعدة عنه تعود إلى الداخل وهي ترفع حجاب رأسها الذي هبط ليستقر على عنقها.
عائدة إلى الداخل بقلب يشتغل وروح تحتضر من نظراته وغضبه الذي لم يخرج إلا عندما تحدثت بالسوء عنها.
لن تتركه هكذا، لن ينعم بحياته هكذا بتلك السهولة مع تلك الغبية التي أتت لتأخذ مكانها ولكنها ليست ضعيفة لتتركها تفعل ما تشاء بل ستجعلها تفكر ألف مرة قبل النظر إليه بعد ذلك.
بينما هو نظر إليها بغضب دمائه فارت داخل عروقه بسبب حديثها الغبي ونظراتها نحوه بل وتهديدها له أيضّا تلك الغبية الماكرة.
فتاة غبية مغرورة ومتكبرة تعتقد أن كل ما تريده سيكون لها دون حساب أو نقاش.
ليس هو ذلك الرجل الذي سيفعل لها ما تشاء على حساب نفسه وسعادته.
***
ولج "جبل" إلى الغرفة ليلًا في ساعة متأخرة، أغلق الباب وتقدم إلى الداخل لينظر إليها نائمة على الفراش بهدوء ونعومة رآها بها.
تلك الشرسة القوية التي تقف أمامه خمدت نيرانها ومن أمامه الآن امرأة متفتحة كورده حولها الأشواك بكثرة، فينجرح أثناء محاولة الوصول إليها.
ملامحها هادئة مرسومة بدقة وعناية، جميلة وجمالها الطبيعي خلاب.
أقترب منها ينظر إلى جسدها الأبيض الذي يظهر بعضًا منه بسبب قميصها ذو اللون البنفسجي من قماش الستان.
كم بدت امرأة صارخة بالأنوثة تغريه ليقترب منها يطفئ نيران شوقه إليها الذي لم يخمدها إلا مرة واحدة فقط.
توجه إلى الفراش وصعد إلى مكانه فكانت تعطيه ظهرها في هذه الوضعية، أقترب منها بيده اليمنى يسير بكفه على ذراعها الأبيض الظاهر أمامه بنعومة وخفه.
أقترب من رأسها يستنشق خصلات شعرها ورائحة عبيرها الذي يسكره.
حرك أصابعه عليها ذهابًا وإيابًا وهو يقترب منها بكل الطرق ففتحت عينيها واستدارت بجسدها ببطء شديد تنظر إليه بعيون نصفها مغلقة يغلبها النوم.
أقترب منها بجسده وهبط عليها برأسه يضع يده حول وجهها يمسد عليه بحنان ورفق وهي تنظر إليه لا تدري ما الذي يحدث.
فهبط على شفتيها يقتنص منهما رحيق العسل الذي أخذه مرة واحدة من قبل عنوة وقهر فلم يكن يعلم حينها أنه سيشتاق إليه مرة أخرى وشوقه يزداد إلى هذه الدرجة.
وجدها مسالمة، ليست مغلوبة على أمرها ولكنها مستسلمة أسفل يده تترك له زمام الأمور غير معترضة على شيء.
اعتبرها دعوة صريحة منها ليأخذها ويدلف بها إلى بساتين الورود مختلفة الألوان والروائح ليس بها أشواك بل رقيقة ناعمة الملمس يعوض ذلك اليوم المشؤوم الذي خلده بذكراها.
مستمتعًا بكل لحظة تمر جوارها وهي راضية مستكينة بين يديه مستمتعة بنظراته ولمساته وكأنها تطالب بالمزيد منه لأول مرة منذ سنوات كثيرة لم تعلم طريق إلى هذه المشاعر.
المشاعر الجياشة الذي أخذتهم إلى عالم غريب لأول مرة تسير به معه وهو لأول مرة يشعر بحلاوته وتزداد رغبته الملحة في التكملة إلى النهاية وما بعد النهاية.
اشتعلت رغبته تجاهها فترك الأشواك متجاهلًا إياها متقدمًا منها يأخذها إلى شاطئ أمواجه ثائرة متضاربة كمشاعرة الراغبة.
تقدمت أمواج المتعة واللذة الراضية تغطي على رمال البغض والكراهية وصدفها راضيًا مستمتعًا وكأنه بمرحلة من مراحل الهوى.
رواية سجينة جبل العامري الفصل العاشر 10 - بقلم ندا حسن
"هل تخفي جزيرة العامري أسرار بعد!."
جالسة على الفراش في غرفة نومه التي أصبحت مشتركة بينهم بعد أن كتبت على اسمه وأصبحت زوجة له..
تنساب الدموع من عينيها على وجنتيها بغزارة تتساقط على يدها المُمسكة بالهاتف تطلع بعينيها على شاشته التي تُنير بوجه زوجها الراحل "يونس"
تبكي بقهر وحرقة وهي تنظر إلى صورته، تستمع إلى صوته بأذنها يعاتبها على ما فعلته..
ينظر إليها بخذلان من عبر الهاتف يقول لها كيف سمحتي له بأن يفعل ذلك وكيف تركتي كل ما بكِ إليه بهذه الطريقة المُهينة..
وضعت يدها على وجنتها تُزيل دمعاتها السائلة بكل انسيابيه وسهولة والحرقة تأكل قلبها والندم يتمسك بعقلها يسحقه أسفله على فعلته الخائنة..
تلك الأمواج التي تضاربت من كثرة الرغبة والغرام الآن تتهاتف نادمة على ما فعلته بالأمس ناحية كل شعور جميل مرت به ولم تترك لها إلا الآلام والندم..
كيف تركت نفسها بهذه السهولة وكيف سمحت له بالاقتراب، كيف كانت قطعة حرير بين يده تتحرك بسهولة ورقة.. ما الذي كان يسيطر عليها في هذه اللحظات.. ما الذي مرت به جعلها تلقي بنفسها داخل أحضان الذئب
وهو ذلك المجنون الذي كان على أتم الاستعداد لفعل أي شيء كان يأتي مُتحضرًا لما سيفعله أو هي من أغرته بنموتها البريئة وملابسها الأنثوية التي لم يعتاد عليها معها!
أغمضت عينيها السوداء بقوة تحاول أن تُمحي من ذاكرتها ليلة أمس وما حدث بها بينهما، تحاول أن تكون خفيفة غير محملة بالأوجاع وأيضًا الآن الندم والحزن على أشياء لم تكن بيدها أن تفعلها أو لأ
أنها كانت مغيبة عن الواقع لم تدري ما حدث إلا في الصباح عندما وجدت نفسها تنام بين أحضانه وكأنه زوجها الذي تعشقه منذ سنوات ليس ذلك الحقير الذي سجنها داخل الجزيرة وفعل بها ما لم يفعله أحد
ارتجف جسدها من شدة البكاء وحاصرها الندم والألم على قلب بات لا يدري ما السبيل في الخلاص من كل هذا العذاب وما السبيل في الوصول إلى طريق النور ليعرف أين تكون وجهته..
دلف إلى الغرفة بهدوء نظر إليها وجدها تعطي إليه ظهرها تجلس على الفراش مُنحنية على نفسها، لم يدرك ما الذي تفعله فأغلق الباب وتقدم إليها وجدها تتمسك بالهاتف مغيبة عن الواقع تنظر إلى صورة شقيقه الراحل وعينيها تأتي بالدموع وكأنه شلال يخرج من نهر منسوب المياة به عالي..
ظل واقفًا ينظر إليها وهي لا تشعر بوجوده معها يتابع نظراتها النادمة وبكائها الغريب وتلك الشهقات المباغتة التي تخرج منها.. لأول مرة تقع أمامه هكذا لأول مرة يرى بكائها بهذه الطريقة وضعفها هذا
دائمًا كانت تقف صلبة شامخة أمامه وكأنها جبل من الثلج ولكن الآن يبدو أن هناك بركان فار فوقه فانصهر وأصبح مياة جارية كتلك التي تجري على وجنتيها دون توقف..
علم أنها نادمة على ما حدث بينهم، تلك النظرات والبكاء هذا لا يقول إلا أنها نادمة لم يكن يتوقع ذلك في الحقيقة فهي كانت لينة سهلة معه وهي من دعته دعوة صريحة ليأخذها بين أحضانه ولتكن ملك له برضاء تام منها وهو لم يفعل أي شيء سوى أنه لبى هذه الدعوة وقام بفعل دوره كما توجب عليه كرجل..
الآن بعد ليلة رفعت بها رايات الحب والغرام مستسلمة بها شعارات الكراهية والبغضاء تبكي نادمة على ما فعلته، تبكي نادمة على شعور بالذة والهوى ساحبًا إياها معه بين السحاب تتمسك بيده وتشعر لأول مرة منذ خمس سنوات بالحب..
يا لها من غريبة وغبية، لقد توفى شقيقه، رحل عن عالمهم منذ الكثير وهي الآن أصبحت زوجته والعلاقة بينهما تتحسن وهو ترك لقلبه القرار فإن كان يريدها أو لأ فما الذي تفعله الآن!..
شقيقه أفضل منه! كيف أفضل منه وهو الذي أحب ابنتها وكأنها ابنته هو وعاملها غير كل البشر الذي بحياته حتى أنها أصبحت تعتبره والدها وهي أيضًا بدأ يعاملها أفضل وأفضل بكثير، تعيش بقصر العامري وتتزوج كبير جزيرة مثله، محامي، رجل له وضعه في الدولة وليس في الجزيرة فقط.. رجل يفعل الكثير ولكنها غبية فقط تراه مجرم قاتل لا يفعل غير ذلك..
فارت الدماء بعروقه عندما بدأ بالمقارنة بينه وبين شقيقه فتقدم منها بعنف وقسوة يجذب الهاتف من يدها فانتفضت بفزع لأنها كانت شاردة الذهن لا تعلم بوجوده..
نظرت إليه باستغراب وهو يقف بغضب وعصبية يظهران عليه فمسحت دمعاتها السائلة وحاولت أن تعود تلك التي يراها دائمًا على الرغم من أنها محتها بضعفها أمامه أمس..
سألها بغلظة وهو يضغط على الهاتف بيده:
-أنتي بتعملي ايه
اعتدلت في جلستها على الفراش ونظرت إليه قائلة بصوت خافت وأعين ذابلة من كثرة البكاء:
-مش بعمل
سألها مرة أخرى بقسوة ونظرات عينيه حادة عليها:
-وبتعطي كده لـيـه
استمعت إلى سؤاله وعينيها تنظر إليه ولكنها لن تقوى على الإجابة فصرخ بها وهو يتقدم للأمام:
-ما تردي
لم تجب وظلت تنظر إليه بعينيها الباكية ونظرتها نادمة مُنكسرة فقال بحدة يمسك بذراعها:
-بتعيطي علشان ندمانه على اللي حصل بينا مش كده.. أنا جوزك وأنتي مراتي ومن حقي وحلالي أنا
حركت شفتيها باستهزاء تسأله ساخرة:
-أنت تعرف الحلال والحرام
ضغط على ذراعها بين قبضته بضراوة وصرخ أمام وجهها بعنف واستماته وهو يدافع عن حقه بها:
-لأ معرفوش بس عندك أنتي بقى وهعرفه أنتي حقي أنا مش حقه هو.. يونس مات من زمان أنتي دلوقتي مراتي
تابعت نظراتها نحوه وأجابته بشراسة وعناد وصوتها يرتفع أمامه:
-يونس مات صحيح لكن عايش في قلبي
نهشت الغيرة قلبه وفارت الدماء بعروقه من حديثها الذي تفوهت به عن شقيقه وهي زوجته هو، ثار غضبه عليها فترك يدها وتدم بكفه فجأة صافعًا إياها بعنف فقد أهانت رجل وحتى لو لم تكن تبغاه..
صدح صوته أمام وجهها وتبعثرت أنفاسه عليها بعد أن جذبها من خصلاتها لتنظر إليه بعمق:
-محدش ليه الحق يبقى في قلبك غيري أنا.. أنا جوزك
ثار بركان غضبها هي الأخرى بعد صفعته لها مرة بعد مرة أنه رجل غير متحضر مختل، صرخت بوجهه بعدما كانت أصبحت علاقتهم تتحسن:
-أبعد ايدك عني أنت حيوان
لم يصغي إلى ما تقوله بل أكمل هو بمنتهى الغرور والعنجهية يطنعها بقلبها ويطعن قوتها وأنوثتها كما طعنته الآن بسكين الغيرة:
-لو كان يونس عايش في قلبك مكنتيش رميتي نفسك عليا بالشكل ده
ضربته بقبضة يدها الصغيرة بصدره وهي تنفي حديثه قائلة بعصبية:
-أنا مرمتش نفسي أنت كداب.. أنت اللي قربتلي
أكمل بنظرات حادة وصوته خافت أمام وجهها يخرج كالفحيح ناظرًا:
-وأنتي عملتي ايه؟ كنتي موافقة ولا لأ كل حاجه حصلت كانت برضا منك مش بالغصب جاية دلوقتي تعيطي عليه وندمانه
أومأت إليه برأسها ونظرت إليه بتحدي وقوة تماثل نظراته نحوها:
-آه ندمانه
سخر منها وهو يبتسم بزاوية فمه ثم ضغط على خلاصتها السوداء الطويلة وهو يجذبها أكثر لتقترب منه وأردف يكمل حديثه بثقة كبيرة وتأكيد ونبرته القاسية تضعي على كل شيء:
-لأ مش عندي.. الندم ده مش عندي يونس تنسيه تطلعيه من دماغك يا غزال الله وكيل لو ما اتعاملتي باحترام وعرفتي إنك متجوزة هوريكي وش اوسخ من اللي شوفتيهم وأنتي عارفه أنا مبتوصاش
أكمل وهو يُشير بيده المُمسكة بالهاتف التي كانت بها الرصاصة ولكنه فك رباطها فقط يلتف الشاش حول ذراعه.. أشار على قلبها يمثل ما يقوله بغلظة وخشونة:
-ولو كان في قلبك زي ما بتقولي.. فقلبك ده أنا اخلعه من مكانه بأيدي أشيل منه يونس وارجعه مكانه تاني
تابع وهو يقترب أكثر من شفتيها قائلًا بخبث:
-حطي الكلام ده في عقلك.. أنا جوزك واللي حصل بينا هيتكرر كتير علشان ده حقي.. وحقك
صرخت بوجهه وتناثرت أحرف كلماتها عليه وهي تقول بعنف وشراسة:
-مش عايزة من وشك حاجه يا جبل.. مش عايزة
ابتسم إليها بثقة وأومأ برأسه قائلًا بمكر:
-لأ عايزة يا غزال.. عايزة وأنا شوفت ده بنفسي
علمت ما الذي يتحدث عنه ولكنها لا تستطيع أن تظهر الضعف إليه وتثبت أن حديثه صحيح فقالت مُتسائلة بسخرية وتهكم محاولة مداراة ضعفها:
-شوفته إزاي بقى
حرك عينيه الخضراء على وجهها وأخفى ذلك الرعب الذي يتكون داخلها ويبعثه إليها في كل نظرة منه ظاهرًا فقط الخبث والمكر وهو يهتف بصوت خافت حنون يتذكر كل ما حدث بينهم في شريط سريع على عقله:
-شوفته امبارح في كل لمسة وهمسة خرجت منك وأنتي معايا.. تحبي أقولك أكتر شوفته إزاي
حركت يدها وحاولت دفعه للخلف ولكنه كان مُتمسك بخصلاتها بقوة فصاحت به بعد أن خانها عليها حديثه:
-سيبني يا جبل
تابع ضعفها الذي تحاول إخفاءه ونظر إلى عينيها التي تحاول الهرب منه فقال بصوت رخيم ينظر إليها:
-أول مرة اسمي يبقى حلو كده
رفعت عينيها عليه بغرابة وذهول فصاحت قائلة:
-أنت مجنون ومختل
دفعها للخلف فأبتعدت على الفراش ألقى الهاتف جوارها وأبتعد هو الآخر يقف مستقيم شامخ وقال بثقة وتأكيد:
-بس أنتي لسه مشوفتيش جنون
نظرت إليه بعينين متحيرة، قسوة قلبه تشبه نهر ارتفع منسوب المياة به فأحدث فيضان ومات الجميع بسببه، ورحمته تشبه نفس ذلك النهر الذي ارتفع منسوبه فأحدث فيضان وارتوى منه الجميع وكان سبب في احيائهم بعد جفاف حل لسنوات..
من هو بينهم!..
أبتعد عنها يفتح خزانة الملابس الخاصة به ليصل إلى خزنة أوراقه وماله الموضوعة بها يتذكر نظراتها الشرسة والضعيفة..
امرأة قوية شرسة تشبه الجواد الذي يُسير راكضًا يعبر الحواجز بتفوق ليفوز على الجميع يصعب ترويضه والوقوف إلى جواره..
ولحظة أخرى بنظرات ضعفها وحزنها تشبه نفس الجواد الذي خرج خاسرًا بعد أن فاز عليه الفارس الذي روضه وأصبح ملك له..
ابتسم بمكر وهو يدرك جيدًا أنها ذلك الجواد الذي سيروضه ويصبح ملك له.. كل الإشارات تقول ذلك وهو يعشق التحدي واللعب بهذه الطريقة وإلا لم يكن الآن "جبل العامري"
❈-❈-❈
منذ اليوم الذي تلقى به جبل تلك الرصاصة وهو يمنع دخول أو خروج أي شخص من الجزيرة إلا عندما يعلمون من هو جيدًا والحراس على كل مدخل ومخرج بالجزيرة، يلتفون حول القصر ليلًا نهارًا خوف من حركة اغتيال أخرى قد تصيب أحدهم..
إلى أن وجدوا ذلك الخائن الذي قام بإطلاق النار عليه ملقى في الغابة بعد أيام فلم يستطع الخروج منها ولا الاختباء بها..
عثر عليه الحراس أثناء بحثهم مرة أخرى كما أمرهم وفي هذه المرة قاموا بالإمساك به ولكنه كان بحاله سيئة متدهورة للغاية.. بضعة أيام دون طعام أو شراب في الغابة تحت أشعة الشمس الحارقة لا يخفيه عنها سوى أوراق الشجر، والخوف ينهش قلبه ليلًا كلما استمع إلى أصوات الذئاب يصعد على أغصان الأشجار كي يبتعد عن أعينهم..
الآن بعد اتخاذ الأوامر هو ملقي على مقعد داخل الجبل في تلك الغرفة التي رأتها "زينة" مليئة بأدوات التعذيب يلتف حول جسده والمقعد معًا سلاسل حديدية تعيق حركته..
نظر إليه جبل وهو يقف ومعه حراسه، رفع يده إلى أحدهم يشير إليه فقام بالتلبية حيث أمسك بجردل مياة ثم ألقاه على ذلك مغمض العينين الذي أمامهم..
استفاق مفزوعًا ينظر إليهم واحد تلو الآخر واستقر بنظراته على "جبل العامري" ابتلع تلك الغصة التي تشكلت بحلقة وهو ينظر إليه خوفًا ورهبتةً منه
أشار "جبل" بيده مرة أخرى فاتى إليه أحدهم بمقعد آخر ثم وضعه أمامه، أمسك "جبل" بالمقعد وقام بعكسه ليجلس عليه جاعلًا ظهره للأمام ووجه للخلف، نظر إلى الرجل ونظراته جميعها لا تعبر إلا عن الشر..
أردف متسائلًا وكأنه يجلس بقاعة محاكمة:
-اسمك وسنك
اجابه الآخر بعدما ابتلع لعابه وهو ينظر إليه بفزع فالمكان الذي به وهولاء الراجل وذلك كبيرهم يجعلونه يشعر بالرعب:
-شكري مهران.. أربعين سنة
رفع أحد حاجبيه وقال بجدية وهو ينظر إليه بحدة:
-مهران.. يعني مش من العوامرية
أومأ الآخر إليه قائلًا وجسده يرتجف:
-لأ يا بيه
ثبت "جبل" نظرته عليه واستند بيده الاثنين على ظهر المقعد من الأعلى يقول بغلظة:
-مين اللي وزك تعمل اللي عملته
أجابه الآخر بصوت مرتفع وملامح صارخة بالرعب:
-محدش وزني
حرك جبل لسانه داخل جوفه وأردف يسأله بجدية وعيونه لا توحي بالخير أبدًا:
-ليك طار عندي
حرك رأسه بالنفي قائلًا:
-لأ يا بيه
صدح صوت "جبل" الصارخ بوجهه بعنفوان وشراسة وعينيه مثبتة عليه تنظر إليها تبعث بجسده الخوف والارتعاب:
-اومال جالك الوحي تضربني بالنار يا روح أمك
تدلى الخوف منه وانسابت الدموع من عينيه معلنة ضعفة ورهبته:
-يا... يا بيه أنا مقدرش أتكلم أنا عبد المأمور
أجابه الآخر بثقة وقوة وهو يُشير أسفله يكمل حديثه منتهى البرود والهدوء:
-وعبد المأمور لو متكلمش هيندفن مكانه.. ومتقلقش مش هتبقى لوحدك في تحت منك كتير
صرخ به فجأة عندما وجده لا يتحدث:
-انطق مين اللي وزك
أجابه بصوت مُرتجف والبكاء يُسيطر عليه بضعف خوفًا على أولاده:
-يا بيه مقدرش.. هيقتل عيالي
تحدث بقسوة وعنفوان وهو يبعث الرعب به أكثر:
-ما أنت بردو لو متكلمتش هقتلهم أنا.. أنت تسافر وهما هيحصلوك
وقد كان قلبه يدق بعنف وضرباته تشتل خوفًا ورهبةً مما هو به ولكنه قال مرة أخرى:
-يا بيه أنا.. أنا عبد المأمور مقدرش أتكلم
صدح صوت "جبل" بإسم "جلال" ونظراته مثبتة على الرجل أمامه ولم يرف له جفن:
-جلال
أتى جلال بصاعقة كهربايئة قام بتشغيلها ثم وضعها على جسده تحت صراخته المتوسلة لهم بأن يرحمه لأنه قليل الحيلة وليس له يد بما حدث أنه فقط كان ينقذ ما طلب منه مقابل الكثير من المال ليأمن به حياة أبنائه الفقيرة..
أبتعد عنه جلال عندما شعر أنه يفقد صوابه فنظر إليه جبل قائلًا بقسوة وشر وهو يبتسم بلا مبالاة:
-قبل ما نسفرك هنستعمل عليك كل الحاجات دي.. عايزين نجربها
تدلى رأس الرجل على جسده بضعف فلم يعد يتحمل كل ما يحدث به ولم يشفع له سنة الكبير عنهم جميعًا..
فقال "جبل" مرة أخرى ولكن ما قاله خرج منه بقذارة وتفكيره منحدر نحو الهاوية:
-ولو عندك بنات قبل ما يسافروا ليك بردو الرجالة تجرب عليهم حاجات تانية
رفع رأسه سريعًا عنوة عنه وهو لا يستطيع ولكنه صرخ عاليًا وارتجاف جسده لم يهدأ:
-لأ... لأ هتكلم بس تدوني الأمان أنا وعيالي
أومأ إليه بثقة:
-خدته.. أتكلم
سأله بخوف وعدم ثقة:
-خدته إزاي يعني
أكمل بصرامة وقوة:
-كلمة جبل العامري أمان وسيف.. أتكلم
استرسل الرجل في الحديث يسرد عليه من أمره بفعل ذلك ولما قد يفعل:
-اللي خلاني أعمل كده واحد اسمه طاهر أداني فلوس كتير علشان عيالي وقالي اضربك بالنار.. أنا شغلتي اخوف حد أعمل لحد عاهة لكن مموتش بس الفلوس غوتني
أكمل بجدية وهو ينظر إليه:
-قالي محدش في الجزيرة يقدر يعملها مافيش غيري وافقت
سأله ناظرًا إليه وهو يعلم أن الخائن مازال في الجزيرة أو مجموعة الخائنين لـ "جبل العامري":
-دخلت الجزيرة إزاي
اجابه بصدق وجدية فلم يكن يعلم حقًا:
-أنا معرفش يا بيه هو اللي امنلي طريق الدخول من النيل ومشيت فيها كأني واحد من العوامرية
أومأ إليه برأسه ثم نظر إليه وباغته بسؤاله الذي استغربه الجميع:
-دفعلك كام
قال الرجل بخوف:
-عشرين ألف
صرخ جبل في وجهه حتى أنه افزعه وهو يقول بعد ذلك بمنتهى البرود والنرجسية:
-غبي.. حياة جبل العامري بعشرين ألف بس!
وقف على قدميه ليخرج من الغرفة وهو يقول بقسوة ضارية:
-علموه الأدب وارموه في النيل يا إما حد لحقه يا إما غرق
صرخ الرجل عليه وهو يراه يخرج من الغرفة بعد أن أعطى الأوامر القاتلة له:
-جبل بيه أنت ادتني الأمان يا جبل بيه
استدار ينظر إليه بعينين ثابتة مخيفة لكنه قال باستهزاء:
-تصدق.. كنت ناسي، تحب تخرج عن طريق الغابة ولا النيل
قال بتوتر وهو ينظر إليه:
-اللي تشوفه يا جبل بيه
أبتعد إلى الخارج وتركه لا يدري ما الذي سيحدث له، وقف مع "عاصم" في الخارج وهتف بنبرة حادة:
-الخونة كترو في الجزيرة يا عاصم.. مش هنعرف نسيطر ولا ايه
تفوه "عاصم" بالحديث الجاد مثله وهو يحاول أن يجعله يشعر بالاطمئنان ولو قليل على الرغم من أن الوضع لا يسمح:
-من بكرة الصبح هطلع حراس يلفوا في الجزيرة كلها من شرقها لغربها وأي حد خاين معروف مصيرة ايه
قال بقوة وهو يسير بيده إلى الداخل:
-غورو الراجل ده بس علموه الأدب الأول..
ثم أكمل بقسوة وصرامة ونظرات عينيه مخيفة للغاية ولكن كلماته كان لها مغزى واضح وصريح:
-عايز الجزيرة كلها تعرف أننا قتلناه
أومأ إليه "عاصم" وقد أدرك ما الذي يريد الوصول إليه:
-تمام
أبتعد يخرج تاركًا إياهم معه يفكر في ذلك "طاهر" الذي لا يريد أن يرحم نفسه من يدي "جبل" هو من يحفر قبره بيده ويسارع متعجلًا بالولوج إليه.. يا له من غبي..
❈-❈-❈
"بعد مرور عدة أيام"
جلست شقيقتها جوارها على الفراش في غرفتها نظرت إليها بعينيها الزرقاء مطولًا بعمق وشفتيها تود التحرك بالحديث ولكنها تعود عنه..
رفعت "زينة" وجهها إليها وهي تعلم أنها تود قول شيء منذ أن جلست معها فقال بجدية ناظرة إليها:
-اتكلمي قولي اللي عايزة تقوليه
رفعت عينيها وبقيت أمام سوداويتها مباشرة متسائلة باستغراب:
-عرفتي منين إني عايزة أقول حاجه
ابتسمت برفق قائلة بهدوء:
-شكلك بيقول إن في كلام جواكي ومش عارفه تطلعيه
خرجت الكلمات منها بعفوية تامة وهي تتابعها تتسائل:
-أنتي إزاي حبتيه بالسرعة دي
للحظة بقيت بعينيها تنظر إليها تحاول أن تفهم ما الذي تقصده وما الذي تتسائل عنه، ما يأتي على خلدها لم تكن تصدقه فقالت:
-هو مين ده اللي حبيته
اجابتها بهدوء وثقة:
-جبل
استغربتها كثيرّا واستنكرت حديثها فتابعت هي الأخرى تتسائل مضيقة عينيها عليها:
-حبيته! مين قال إني حبيته
اعتدلت في جلستها أمامها وأردفت قائلة بجدية شديدة ما تراه أمامها:
-أنا حاسه بكده.. نظراتك في الفترة الأخيرة ليه كلامك معاه سكوتك عن قعدتنا هنا مع أنك كنتي رافضة أوي وعد اللي سيباه ياخد مكان يونس في حياتها
قالت هي الأخرى بجدية وقوة توضح لها ما تفعله معه وأن كان حب أو لا:
-نظراتي وكلامي معاه ميقولوش إني بحبه أبدًا هو يمكن في الفترة الأخيرة فعلًا اتغيرت شوية بس ممكن تكون شفقة أو حزن عليه.. على قد ما هو صعب زي ما أنتي شايفة بس عادل وبيعرف يتصرف وأتاخد على خوانة
أشارت بيدها بقلة حيلة وعدم معرفة وهي تقول:
-بالنسبة لحكاية قعدتنا هنا فأنا دلوقتي مراته ومش عارفه هنمشي امتى ولا هاخد حقي ولا لأ ووعد دي الحاجه الوحيدة اللي ممكن أكون مبسوطة بسببها
أكملت وهي تعلم أن دوره في حياة ابنتها الشيء الوحيد الجيد الذي يفعله معهم وهذا سبب من الأسباب الذي تدفعها للتكملة معه فقط لأجل ابنتها:
-وعد اتحرمت من يونس بدري وبقت يتيمة أنا شايفة جبل بيعوضها وبياخد دور أبوها علشان تعرف تعيش
نظرت إليها شقيقتها للحظات ثم باغتتها بذلك السؤال وهي تتابع عيناها:
-يا ترى هياخد دور جوزك ويقدر يقوم بيه زي ما قام بدور الأب لوعد
حركت كتفيها بعد أن نظرت للبعيد تفكر في كلماتها التي دلفت قلبها مباشرة وعقلها لم يتركها دون التفكير بها:
-معرفش
سألتها مرة أخرى:
-لو عمل ده هتفضلي معاه!
وقفت "زينة" على قدميها تبتعد عنها تسير في الغرفة تعطي إليها ظهرها وحقّا لا تستطيع تحديد موقفها تجاهه:
-معرفش بردو.. بس في حاجات كتير أوي تمنعني أعمل كده.. الجزيرة بيحصل عليها حاجات مقدرش استحملها وهو بيعمل حاجات......
بترت حديثها عندما علمت أنها تدلف باشياء لا تدري بها شقيقتها ومن المفترض ألا تدري بها أبدًا.. سألتها هي بعدما قطعت حديثها بفضول:
-بيعمل ايه كملي!
حاولت التغاضي عما كانت ستتفوه به وقالت كلمات أخرى حقيقة للغاية تعذبها عندما تدرك أنها لا تفهم شيء ولا تستطيع الاختيار:
-بيعمل تصرفات غريبة وحاجات أغرب مش فهماه مش عارفه هو الخير ولا الشر مش عارفه أقدر أكمل على الجزيرة وأشوف نهايتها ولا مش هستحمل
سألتها بثقة:
-أقولك أنا!
أومأت إليها قائلة:
-قولي
أردفت بتعقل وكلمات عقلانية لم تعتقد أبدًا أن تخرج منها يومًا ولكنها كانت تعلم أكثر بكثير مما تعلم به شقيقتها وواجهتها باشياء لا تستطيع حتى التفكير بها:
-هتكملي معاه، عيونك بتقول إنك محتاجه ده.. يمكن أنا صغيرة وساذجة ومعرفش أتصرف من غيرك في أي حاجه وأنتي كنتي الأمان ليا بس أنتي محتاجة أمان لنفسك من بعد يونس ومش هيكون غير جبل
نفت ما تقوله بقوة وبغض:
-أكيد لأ.. أنا مقدرش أكون الإنسانة اللي موجودة معاه بجسمها بس كمان في ظل الظروف دي
سألتها ثم أجابت هي أيضًا بثقة وتأكيد:
-ومين قال كده.. أنتي هتبقي معاه بقلبك
وضعت يدها على موضع قلبها وتذكرت زوجها "يونس" الذي قامت بخيانته مع شقيقه ومحت كل ذكرياته من عقلها في تلك الساعة المشؤومة:
-قلبي مفيهوش غير يونس وبس حتى وهو مش موجود
وقفت "إسراء" هي الأخرى وتقدمت منها تضع كف يدها على كتفها وقالت برفق ولين:
-يونس الله يرحمه من خمس سنين أظن قلبك حل عليه الجفاف ومستني اللي يرويه
استدارت زينة تنظر إليها باستغراب جلي وذهول لكل ما تفوهت به حتى الآن فهذه ليست شقيقتها:
-أنتي جايبه الكلام ده منين
ابتسمت إليها بهدوء وتفوهت قائلة بكلمات أكثر تعقل ولكن نبرتها كان ينبع من داخلها كل معنى تقوله ويظهر على تعابيرها مع كل كلمة تغيرها من حب إلى اشتياق إلى لهفة وكأنها واقعة في الحب حقًا:
-كلام أغاني.. بس حقيقة.. القلب محتاج حنان وأمان وابتسامة وفرحة ولهفة وغيرة واشتياق وكل ده بيجي من الحب والشخص اللي بتحبيه حاليًا الشخص اللي بتحبيه أنتي مش موجود من مدة طويلة أظن قلبك هيلين مع أول واحد يدق بابه علشان يرجع يعيش كل الحاجات دي
وجدت "زينة" تنظر إليها دون حديث تحاول فهم كيف أدركت كل هذا في أسابيع فقط مضت عليهم هنا فابتسمت أكثر اتساعًا وقالت لها:
-متستغربيش من كلامي ده الحقيقة.. قولتلك أنا صغيرة وساذجة بس فاهمه اللي قدامي وفاهمه الحب
سألتها هذه المرة وأخذت دورها قائلة بجدية ونظراتها مُثبتة عليها:
-وفهمتي الحب منين يا إسراء
للحظة ترددت ووترتها تلك النظرات التي تخرج من أعين شقيقتها تجاهها ترمي عليها أسهم الشك ولكنها هربت من ذلك قائلة:
-هيكون منين غير المسلسلات التركي اللي بسمعها
أومأت إليها برأسها قائلة بسخرية:
-ماشي ياست ياللي فاهمه الحب
لم يعجبها نبرة السخرية والتهكم التي خرجت منها فقالت بجدية وثقة:
-بكرة تقولي إن كلامي صح وحقيقي
حركت كتفيها إليها قائلة:
-جايز.. وجايز لأ بردو
واحدة منهم وقع قلبها أسيرًا للحب في جزيرة العامري، اعترفت به أمام نفسها بعد خجل دام كثيرًا عندما تشتعل وجنتيها بالحمرة أثناء حديثه معها، وعندما يغليها التوتر وهو ينظر إليها، وعندما تتعلثم في الحديث أثناء النظر إليه..
بينما الأخرى إلى الآن لا تدري ما الذي تشعر به تجاهه، لحظات تشعر بالبغض والكراهية ولحظات أخرى تشعر بالشفقة عليه ولحظات غير كل هذا تشعر بأن هناك شرايين في قلبها تتحرك تجاهه!..
هل تخفي جزيرة العامري أسرار بعد!.
❈-❈-❈
خارج القصر أمام بوابته الحديدية الخارجية وقفت فتاة في ربيع عمرها تغرق الدموع وجهها ونهش الحزن ملامحها مع نحافة وجهها وجسدها على الرغم من أنها جميلة بيضاء البشرة ذات خصلات حريرية تخرج من أسفل حجابها الغير مهندم تتحرك رافعة تلك العباءة الكبيرة عليها تدق بيدها الاثنين على البوابة من الخارج تصرخ بعنف باسم "جبل العامري"
صرخت بصوتٍ عالٍ وهي تدق بيدها تطلب النجدة:
-جبل بيه.. الحقني يا جبل بيه
لم تجد إجابة من أحد في الداخل فـ أشتد البكاء عليها وأخذت تدق بقوة أكثر صارخة:
-افتحولي البوابة دي أنا عايزة أشوف جبل بيه
مرة أخرى تكرر النداء ولا أحد يلبي إليها:
-يا جبل بيه اسمعني
فتح "جلال" البوابة وطل منها صارخًا بوجهها بصوتٍ خشن قاسي:
-في ايه يا بت أنتي
ما أن فُتحت البوابة حتى ركضت إلى الداخل بعدما دفعته بيدها وتسللت من جواره سريعًا فصاح بسبها وهو يركض خلفها:
-يا بت الكلب.. اقفي عندك يابت أنتي
وقفت عند البوابة الداخلة وسارت تدق مرة أخرى تكرر ما كانت تفعله بالخارج ولكن "جلال" أعاق حركتها وهو يقوم بالإمساك بها:
-جبل بيه.. يا جبل بيه الحقني الله يخليك
نظرت "زينة" إلى "جبل" الذي كانت تجلس جواره في غرفة الصالون وبينهما ابنتها:
-في ايه
لم يكن يدري ما الذي يحدث فأردف بعدم معرفة:
-مش عارف
وقف على قدميه وسار للخارج.. فوقفت زينة خلفه مُشيرة لـ "إسراء" و "وعد" بالبقاء في الداخل وذهبت هي لترى ما الذي يحدث ومن تلك الصارخة بإسمه
فتح البوابة وطلع منها ليجد "جلال" يتمسك بفتاة من معصمها يجبرها على الرحيل، تقدمت زينة هي الأخرى تنظر إليه وصرخت به بعنف بعدما استفزها ما يفعله معها وتذكرت موقف شقيقتها:
-ايه الجنان ده هو بيعمل ايه قوله يسيبها
نظر إليها "جبل" بقوة لأجل صوتها المُرتفع الصارخ ولكنها لم تهدأ عاصفتها ونظرت إليه بتحدي فأبتعد بعيناه إلى الآخر يأمره:
-جلال.. سيبها
تقدمت منه الفتاة مُتوسلة إياه والبكاء يغرق وجهها وتقدمت تقبل يده:
-جبل بيه الحقني يا جبل بيه أبوس ايدك.. أبوس رجلك ساعدني يا جبل بيه أنا تعبت علشان اوصلك
سحب يده سريعًا منها ينظر إليها بعمق واستغراب معًا فالأحداث الآن غريبة للغاية
كاد أن يأمر "جلال" بتفتيشها فهو بات لا يثق بأحد على هذه الجزيرة ولكنه نظر إلى "زينة" عائدًا في حديثه فالرجـ ـل لا ينبغى أن يفعل ذلك..
أردف بقوة وصرامة ناظرًا إليها بجدية:
-زينة.. فتشيها
أقتربت منها "زينة" وقامت بتفتيشها جيدًا والبحث في ملابسها من الخارج عن أي شيء قد يكون معها والأهم من أي شيء قد يكون سلاح فالجميع هنا حتى الأطفال تعتقد أنهم يملكونه..
قالت بثقة وجدية:
-معهاش حاجه
مسحت وجهها بكف يدها وهي تتقدم منه تنظر إليه بخوف قائلة بصوت يرتعش ومن بين حديثها قالت عن ذلك الرجل الذي علمت به الجزيرة بأكملها:
-والله ما معايا حاجه يا جبل بيه ولا يمكن أذي حد لو مكنش علشان خيرك مغرقنا يبقى خوف علشان الراجل اللي قتـ ـلته لما ضرب عليك نار
نظرت "زينة" إليه سريعًا عندما أتمت حديثها، بقيت عينيها عليه مستغربة للغاية وخائفة إلى ما لا نهاية، مرة أخرى يقـ ـتل رجل آخر! الأول كان خائن والثاني حاول اغتياله! لما القـ ـتل عنده شيء سهل إلى هذه الدرجة.. لما قـ ـتل الأرواح كقـ ـتل الطيور القابلة أن تصبح للطعام..
علم ما تفكر به زوجته عندما أطالت النظر عليه وعينيها تتسائل بألف سؤال كل دقيقة، سأل الفتاة بغلظة:
-أنتي مين وعايزة ايه
أشارت إلى نفسها وهي تقول بلهفة وحزن وكلماتها تخرج من بين شفتيها بارتعاش وكأن هناك من يلاحقها إلى هنا:
-يسرية أنا يسرية العامري من الجزيرة واقعة في مشكلة هتطير فيها رقاب يا جبل بيه محدش غيرك يقدر يحلها
سألها مرة أخرى مُضيقًا عينيه عليها:
-مشكلة ايه دي
نظرت حولها ورأت "زينة" و "جلال" فقالت بتردد:
-أتكلم كده
أومأ إليها قائلًا بكلمات تخرج منه بعفوية:
-دي مراتي اتكلمي
تلبكت أكثر وهي تنظر إليها قائلة برفق تصلح ما أخطأت به ولكنها بقيت خائفة:
-أهلًا يا هانم زادني الشرف والله.. بس
فهم "جبل" ذلك فنظر إلى الآخر الذي يقف خلفها وأشار إليه بيده ليرحل:
-روح أنت يا جلال
تغاضت "زينة" عما برأسها وعقلها الذي تنهش به الأسئلة والتوقعات ناظرة إليه بعدما اشفقت على حالة الفتاة فلم تستطع النظر إليها وهي هكذا:
-ممكن تخليها تدخل؟ شكلها خايفة ومتبهدلة
أومأ إليها ومازال يشعر بالخوف منها أن تأذي أحدهم ولكنها أن فكرت فقط لن تخرج من هنا بقطعة واحدة كاملة في جسدها:
-ماشي دخليها المكتب وخدي بالك أنا جاي
ذهبت معها إلى الداخل بهدوء تأخذها إلى مكتبه الخاص داخل القصر، جعلتها تجلس أمام المقعد على أحد المقاعد المقابلة له وجلست قابلتها قائلة بفضول تحاول أن تعلم ما بها:
-أنتي مالك.. ايه مشكلتك وليه شكلك عامل كده
تطلعت نحوها الفتاة ببعض من الاستغراب وهي تسألها:
-كده إزاي يا هانم
قالت "زينة" بعقلانية تشبهها بالوردة المنزوعة من مكانها قبل الأوان فذبلت إلى أن أصبحت هكذا:
-دبلانة كأنك وردة مقطوفة من مكانها
أومأت إليها وهي تتقدم في جلستها على المقعد لتقترب منها وهي تقول بلهفة وخوف:
-أنا مخطوفة فعلًا يا هانم ومشكلتي كبيرة وعويصه ومحدش يعرف يحلها ولا يدي فيها أمر غير جبل بيه
أكملت مرة أخرى بتوسل عندما وجدتها تنظر إليها ببلاهة:
-قوليله يسمعلي ويساعدني يا هانم
تفوهت "زينة" بثقة تتحدث عنه بعدما رأت موافقة النبيلة مع الناس هنا على الجزيرة ووقوفه إلى جوارهم:
-أكيد هيساعدك من غير ما أقوله
أكملت الفتاة مرة أخرى وهي تعتقد أنه لن يساعدها ولن يستمع إليها من الأساس مُعتقدة أن زوجته هي من تجعله يستمع إليها ويساعدها:
-لو موافقش كلمة منك يا هانم استسمحك بيها
قالت بجدية بعدما اختنق صدرها من هذا اللقب الذي يجعلها تشعر بالغرابة منهم وكأنهم يعيشون في العصور القديمة عندنا كان هناك ملوك وعبيد:
-اسمي زينة مش هانم
وضعت كف يدها على صدرها وتشدقت بحركة غريبة بفمها لم تحاول حتى استيعابها وقالت:
-المقامات محفوظة يا هانم
حركت رأسها بيأس من هؤلاء البشر الذين يجعلونها شخص غير الذي هي عليه
دلف جبل إلى الغرفة بجدية يُسير شامخ وطوله فارع، أقترب إلى أن جلس خلف المكتب أمامهم هما الاثنين ثم نظر إلى الفتاة قائلًا بخشونة:
-اتكلمي في ايه
مسحت عبراتها واعتدلت تنظر إليه هو قائلة بتعلثم والكلمات تقف على بابا شفتيها خجلًا:
-أنا.. أنا بحب واحد يا جبل بيه
صمتت للحظات وهو ينظر إليها هو وزوجته ينتظر أن تكمل ما بدأته، بقيت صامته فصاح هو ساخرًا منها ثم أكمل بسخط:
-دي المشكلة اللي جايه علشانها.. عايزة اجوزهولك ولا ايه.. أنتي بتهرجي
نظرت إليه الأخرى وقالت بهدوء تحسه على الاسترخاء كي يستمع إلى الفتاة بهدوء ولا يخيفها فيكفي ما به:
-بالراحه يا جبل
لم يصغي إلى حديثها وصاح بعنف وغلظة وهو يقترب إلى الأمام:
-اتكلمي يا بت
أردفت بجدية تقص عليهم ما حدث معها والدموع بدأت في الخروج مرة أخرى من عينيها وهي تحكي ما حدث:
-كنت بحب واحد يا جبل بيه.. وهو كان بيحبني آه والله كان بيحبني يا هانم.. جه اتقدملي أكتر من مرة أبويا وأخويا رفضوا الجوازة علشان عايزينه عنده ملك على الجزيرة..
لوعة الحب احرقتها وناره استوت عليها والحرقة بقلبها تحكي بها وتظهر عليها واللهفة تتحدث قبل منها متحدثة بمعانتها:
-مكانوش يعرفوا إني بحبه ولا حتى أعرفه هو كان جاي على أساس السيرة والسمعة وسؤاله عني وعن أهلي في الجزيرة ومحدش يعرف اللي بينا بس رفضوا مرة واتنين وتلاته وأنا بحبه يا بيه
مرة أخرى يسخر منها بعدما توقفت عن الحديث:
-وبعدين مش فاهم أكلمهم يعني يجوزهولك ولا ايه
نفت ما قاله وصمتت لحظة ثم أردفت متعلثمة بخجل تخفض وجهها إلى الأرضية بعيد عنه:
-لأ يا بيه أنا.. أنا اتجوزته من وراهم
رفعت بصرها إليه مرة أخرى بعدما أشتد الحزن بها وهي تتذكر آخر ما حدث بينهم وما القادم معهم:
-أبويا وأخويا غصبوا عليا بغيره وأنا ريداه هو اتجوزنا عرفي ودلوقتي هما عرفوا حالفين يقتلوني ويغسلوا عاري ويقتلوه هو كمان علشان أتجرأ وعمل كده
وقفت على قدميها وهي تحاول الإقتراب منه تتوسلة بكل ما بها وتبكي بحرقة كبيرة ظهرت عليها منذ أن دقت على البوابة في الخارج:
-الله يرضى عليك يا جبل بيه ويخليلك الهانم ويرزقك بالذرية الصالحة تقف معايا أنت بس اللي تقدر توقفهم أبعدهم عني وعنه يا بيه
تابعها بنظراته الحادة وكلماته التي تخرج بجدية تامة:
-أبوكي اسمه ايه وقاعدين فين في الجزيرة
أجابته بإسم والدها ومنطقة مكوثهم وهي تبتسم ببطء بعدما بعث الأمل إليها بأنه سيساعدها ويقف إلى جوارها ويبعدهم عنها وعن حبيبها وزوجها الذي لم يتخلى عنها إلى الآن..
-كمال جابر العامري في شرق الجزيرة
أومأ برأسه إليها بهدوء مقررًا مساعدتها وأن يمنع ما يريد والدها فعله في وجوده على الجزيرة فكان سيبعث أحد الحراس إليه ليأتوا به إلى هنا ولكنه استمع إلى أصوات في الخارج عالية تصل إليهم فوقف سريعًا ليخرج يرى ما الذي يحدث..
عندما خرج من بوابة القصر وجد رجل في عمر الخمسين وشاب في الثلاثين يقف جواره يمسك السلاح بيده رافعة للأعلى..
تقدم منهم "جبل" ونظرات عينيه على ذلك الشاب الذي بعدما رآه ظل على وضعه رافعًا السلاح كما هو ولم يهابه حتى..
وقف أمامهم وتحدث بقوة وحزم:
-أنت واقف جوا ملك العامري ورافع السلاح!
قدم والده يده ليخفض يد ابنه الممسكة بالسلاح وتفوه قائلًا بدلًا عنه بتوتر:
-سماح يا جبل بيه مخدش باله
تابع ونظراته على الشاب ووضع يده الاثنين في جيوب بنطاله ووقف ببرود كما المعتاد منه:
-لأ ياخد باله وإلا العواقب مش هتبقى كويسه أبدًا
صاح الآخر بضجر وحنق وهو ينظر إليه:
-عواقب ايه إحنا جاين ناخد أختي ونغسل عارها إحنا عارفين أنها هنا
أومأ إليه برأسه بمنتهى البرود واللا مبالاة يؤكد على حديثه ثم أكمل بثقة وعنجهية:
-آه هي هنا.. بس قولي أنت تقدر تاخدها من غير أذني ولا هي ممكن تخرج معاك من غير أنا ما أقولها تخرج!
صدح صوته أمامه وهو يقول باستنكار وذهول:
-دي أختي
أجابه بجدية يوضح له من هو أيضًا بالنسبة إليها وإلى أهل الجزيرة ثم ختم حديثه بسخرية:
-وأنا مالك الجزيرة أخوها وأخ لكل واحدة عليها، ابن لكل أم وابن لكل أب وأنت شكلك كده مش عاجبني
كان الشاب يشعر بالإهانة لأجل ما فعلته شقيقته به وبوالده وكان يقف أمام "جبل العامري" ويعلم من هو وما الذي يستطيع فعله ولكن النار المشتعلة داخله هي من تحركه:
-المفروض أعمل ايه علشان شكلي يعجبك
تقدم منه "جلال" وأمسك به من تلابيب عباءته بعدما ازعجته نبرة حديثه:
-أنت بتتكلم كده ليه ياض أنت ما تتعدل ولا مش عايز تخرج من هنا حي
أمره "جبل" بهدوء:
-سيبه يا جلال
تقدم منه والده وربت على يده يقول بخوف وتوتر وهو يحاول تبرير ما يفعله ابنه أمام كبير الجزيرة:
-الحق علينا يا جبل بيه سماح ابني دمه حامي ومقهور من اللي عملته أخته
تهكم عليه وهو يردف بسخرية:
-لأ ماهو واضح
سأل والدها ينظر إليه بجدية وحزم:
-أنت جاي علشان تاخد بنتك وتروح تقتلها هي وجوزها ولا جاي علشان هتسمع الحكم اللي هقوله وهتنفذه
أردف شقيقها بدلًا عن والدها بتسرع:
-جايين ناخدها
أخرج "جبل" يده اليمنى من جيب بنطاله وتقدم منه بعد أن استفزه ذلك الطائش ولكنه لا يريد أذيته، تقدم منه واضعًا يده على عنقه يشتد عليها قائلًا بغضب:
-الله وكيل مرة كمان وهتخرج من هنا عاجز
تحدث والده سريعًا بذعر:
-جايين نسمع حكمك يا جبل بيه واللي أنت عايزة هنعمله
أبتعد عنه ونظر إليه بعصبية وغضب، يُعكر صفوه وهو لا يريد أن يفعل به شيء يبدو أنه متهور ولا يفكر في الأمور قبل فعلها أو الأقدام عليها..
دلف بهم إلى داخل القصر بعد أن أخذ السلاح من شقيقها، تقدم معهم إلى الداخل ليصل إلى مكتبه المتواجد به زوجته والفتاة "يسرية" قبل أن يجعل أحد منهم يولج إلى الداخل وقف أمامهم قائلًا والباب مفتوح وهي تطل عليهم منه:
-أنا كلمتي بتطلع مرة واحدة بس، أي خطوة غلط من حد فيكم الله وكيل هعجزه
نظر إلى "زينة" بعد أن دلف بهم كي تذهب إلى الخارج ولكن الحقيقة هي أرادت أن ترى كيف سيعالج هذا الأمر وكيف سيساعد الفتاة وينفذ والدها وشقيقها رغباته دون مجهود منه.. أقتربت منها وتحججت بها قائلة:
-خليني معاها
لم يجيب عليها لأنه علم ما الذي تفكر به ويعلم أن فضولها هو من يسحبها خلفه دون إرادة منها فأعطى لها الفرصة وتركها لترى ما تريد
أشار إليهم بالجلوس على الأريكة المقابلة لمكتبة وذهب هو الآخر ليجلس كما كان ناظرًا إليهم بكبر وعنجهية ثم قال متسائلًا:
-انتوا رفضتوا الشاب اللي أتقدم لبنتكم كام مرة لسبب مش منطقي
أجابه شقيقها قائلًا بجدية:
-منطقي بالنسبة لينا
أومأ إليه برأسه ثم سأله:
-علشان معندوش أرض؟
أومأ إليه الآخر وأجابه بتأكيد:
-أيوة
سألهم "جبل" مرة أخرى بخبث متواري خلف كلماته البسيطة التي تدل على أنه يريد معرفة أن كان هذا هو السبب فقط:
-في أي حاجه تانية تعيبه
تحدث والدها بجدية يقول الصدق:
-الشهادة لله لأ يا جبل بيه
ابتسم بهدوء وأبعد نظره إلى ذلك المتهور الفظ وسأله بجدية:
-أنت متجوز؟
أومأ برأسه يمينًا ويسارًا وقال:
-لأ لسه
أعاد "جبل" السؤال مرة أخرى:
-خاطب
نفى مرة أخرى وقال بهدوء ينظر إليه ولا يدري ما السبب خلف أسئلته الذي لا علاقة لها بالأمر:
-لأ بردو لسه هخطب
كرر أسئلته واستمر تحت أنظار الجميع وهو واثق من حديثه ويعلم ما الذي سيصل إليه في النهاية:
-عندك أرض
حرك رأسه يمينًا ويسارًا نافيًا:
-لأ معنديش
نظرت إليه "زينة" بذهول يا لك من ماكر خبيث لا أحد يستطيع التغلب عليك، ذئب تأكل من أمامك وماكر كثعلب يغلب بالحيلة..
استمعت إليه وهو يُجيبه بسخرية يعود إلى ظهر المقعد يستند عليه بعنجهية بعد أن أوقعه بالفخ:
-يبقى مش هتتجوز بقى
أجابه الآخر بضيق:
-ليه إن شاء الله ناقص ايد ولا رجل ولا يمكن ناقص حاجه تانية
أشار إليه بيده بعدما نظر إليه بعمق وأتى فوق رأسه بخيبات لم يفكر بها، يقول بقسوة ضارية مُهينًا إياه في نهاية حديثه:
-ناقص أرض... لما تروح تتقدم لواحدة من الجزيرة وترفضك علشان أنت معندكش أرض ملك يبقى ده سبب منطقي ومن حق أي حد يرفضك ما أنت ناقص
وجده صمت هو ووالده، ينظر إليه بعمق ونظرات الكره حلت على وجهه لأنه تغلب عليه بالحديث فقط إلى الآن فتابع "جبل" بحديث عقلاني:
-الجواز بيتم بناءً على أسباب كتير منها، القبول والرضا بين الاتنين، الحب لو موجود، قبولك للي متقدم على أساس هو محترم ولا لأ شغال ويعرف يصرف على بيت ولا لأ وأسباب زي كده مش علشان معندوش أرض ملك
نظرت إليه باستغراب مرة أخرى، الآن يقول الزواج يتم بالتراضي! بالحب ولأسباب أخرى لما إذًا هي فقط من تزوجت عنوة وقهرًا وكرهًا له وبه!..
استمعت إلى قسوته في الحديث وهو يتقدم منهم مرة أخرى يضع يده على المكتب يوجه عينيه الذي حولها لعيون مرعبة قائلًا:
-كلنا عارفين أن حتى اللي عنده أرض ملك في الجزيرة فهو وأرضه وماله وعياله ملك ليا... يعني الكل على الجزيرة معندوش حاجه
يالا تلك القسوة والثقة! يالا هذا الجبروت الذي يخرج من مجرد نظرة عين منك أيها الجبل
أومأ إليه الرجل بخوف وفزع بعدما تحدث "جبل" بهذا الحديث:
-أيوه يا جبل بيه أيوه
وقف على قدميه وأصدر حكمه الذي خرج كفرمان واجب التنفيذ دون النقاش بأي حرف به:
-بنتك هتتجوز.. بس المرة دي جواز على سنة الله ورسوله في حضورك وحضور أخوها وحضور الجزيرة كلها وفرحها ولو حاجه ناقصة في جهازها عندي أنا
وقفت الفتاة بعد وقوفه عن المقعد احترامًا له وهما أيضًا فعلوا مثلها ولم تستطع كبح دموعها في الخروج من عينيها.. فهي لم تخطئ عندما قصدت "جبل العامري"
تقدم منهم يضع يده في جيبه ونظر إلى شقيقها وخرجت الكلمات من فمه بتهديد واضح وصريح لهم:
-هتخرج من هنا معاكم.. الله وكيل ما حد يمس شعره منها أو من جوزها لاسفره مع اللي سافروا
أومأ إليه الرجل وهو يرتجف خوفًا على ابنه إن أخطأ فلن يتحمل أحد منهم عقابه:
-كلامك هيتنفذ يا جبل بيه.. هيتنفذ
ابتسم بزاوية فمه قائلًا بثقة:
-أنا عارف أنه هيتنفذ
خرج معهم من المكتب بعد أن أخذوا الفتاة إلى الخارج ليذهبوا بها ويتم تنفيذ ما أمر به ويالا السعادة التي كانت تخرج من قصر العامري..
وقف شقيقها أمام "جلال" يطالب بسلاحه:
-السلاح
وقف جبل أمام بوابة القصر الداخلية وصاح بصوت عالٍ كي يستمع إليه لأنه كان عند البوابة الخارجية:
-جلال.. متدلوش حاجه، السلاح مش أي حد يشيله لما تبقى تعرف تشيله إزاي الأول ابقى تعالى خده
نظر إليه الشاب ببغض وغضب شديد يشعر به تجاهه فوالله لو تركوه عليه لمحى اسم "جبل العامري" من الوجود
جذبه والده وهو يخرج به وبابنته بسرعة شديدة قبل أن يتحدث ويخطأ في الحديث فهو لا يريد سلاح فليس هناك أكثر منهم على الجزيرة..
دلف إلى الداخل، وقف في ردهة القصر أمام الدرج وخرجت هي من المكتب وقفت أمامه ابتسمت بسخرية وهي تقترب منه ثم قالت:
-خبيث ومكار
غمزها بعينيه متهكمًا:
-وأعجبك
هبطت "وعد" من على الدرج سريعًا وهي تهتف بإسمه فتح لها ذراعيه مُبتسمًا مُنتظرًا إياها تتقدم إليها، حملها على ذراعه يقبل وجنتها بحب وسعادة..
هناك من يقف على بوابة القصر، خرجت "ذكية" من الداخل وفتحت البوابة لتطل من خلفها فتاة في العشرينات، وقفت أمام البوابة ببنطال من الجينز الضيق وقميص بنصف كم تتطاير خصلاتها البنية على جانبيها.. جوارها حقيبة سفر كبيرة وبيدها غيرها..
استدار "جبل" الذي يحمل "وعد" على ذراعه ينظر ليرى من أتى من حراسه لكن قلبه خفق بقوة فجأة عندما رآها تقف أمامه..
ثبتت نظرات عينيه عليها، ترك "وعد" تهبط من على ذراعه دون حديث لتقف جوار والدتها وأعتدل هو في وقفته مرة أخرى ينظر إليها بعينه الخضراء..
ابتلع غصة مريرة وقفت بحلقة كما وقفت الذكريات بعقله الآن تسير بشريط سريع وكأنه على حافة الموت..
دقات قلبه المتعالية ونظرات عينيه نحوها، جسده الذي بقيٰ متشنجًا بعد رؤيتها وملامحه التي تغيرت مئة وثمانون درجة جعلو زوجته تنظر إليها هي الأخرى باستغراب.. فلم يأتي عليها الوقت الذي تراه يقف به هكذا مسلوب الإرادة غير قادر على التحرك فقط ينظر وعيناه لا تحرك اهدابها..
تقدمت هي إلى الداخل وتركت الحقائب في الخارج، دلفت القصر وهي تنظر إليه بقوة كما يفعل، حنين داخل قلبيهما يحرك عينيهما على بعضهم البعض.. لهفة ولوعة حارقة لكل منهما.. إحداهما خائن والآخر مطعون بسكين الحب في قلبه!..
تحركت شفتيه ببطء وصوته خافت للغاية تسيطر عليه كثير من المشاعر التي لم يستطع تحديدها، ندم وقهر، لهفة واشتياق، خذلان وحزن:
-تمارا
ما أن تفوه باسمها حتى تركت "وعد" والدتها وتقدمت منه لأنها شعرت بالضجر لأجل أنه تركها وهي كانت تريده، تمسكت ببنطاله قائلة بقوة:
-بـابـا
هذه الكلمة انتشلت الجميع من الحالة الذي هم بها، نظرت إليها "تمارا" بذهول واستغراب وحزن شديد ونيران اشتعلت داخل قلبها في لحظة واحدة بعدما كانت شعرت أن القادم سيكون أفضل..
وهو نظر إليها بقوة وكأنها تخرجه من الحالة الذي بها تنبهه بوجودهم معه هنا هي ووالدتها..
بينما تلك المسكينة التي كانت تقف لا تفهم ما يدور حولها نظرت إلى ابنتها مشفقة عليها، فيبدو أنها قريبًا ستفقد الأب الآخر الذي اكتسبته في فترة صغيرة..
نظرات من ثلاث أعين تنبع محتواها من داخل قلبهم، وكل نظرة تخرج من قلب تعبر عما به، إن كان اشتياق، أو حرقة، أو ندم..
❈-❈-❈
"يُتبع"
ياريت تفاعل حلو وتقدير يستاهل بقى وكومنتات وحركات ❤❤❤