تحميل رواية «سجينة جبل العامري» PDF
بقلم ندا حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تطاولت الأيام عليها، قللت منها ونالت من طموحها، رحل من كان لها الأمن والأمان، السكن والسكينة. حاولت الصمود فوجدت الهزيمة عنوانها. لا مفر من الوحدة والاحتياج، في بلد غريب عنها وعن أهلها. وجدت العودة هي الحل الأنسب لأخذ ما بقي لها منه، لتستطيع الصمود أمام كل محاولة اغتيال، لتقف في مواجهة كل عاصفة تنحدر نحوها ونحو ابنتها وشقيقتها. فليس هناك حل آخر سوى العودة إلى المجهول، والإقتراب من وحش حذرها كثيرًا ألا تقترب منه. ولكن لا مفر. يا الله، لقد عانت كثيرًا كي تصل إلى هنا. أتت إلى هذا المكان مرة واحدة س...
رواية سجينة جبل العامري الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندا حسن
تقدمت "تمارا" بخطوات مُترددة غير ثابتة على الأرضية. عيناها مُثبتة على أعين "جبل" الخضراء المهزوزة. ملامحها تقول أشياء كثيرة أثناء سيرها تجاهه. وقفت أمامه مباشرة وبينهما "زينة" وابنتها.
تابعت "تمارا" بعينيها ثم أردفت بنبرة مليئة بالحنين:
- جـبـل..
نظرات عينيه تتابع تفاصيل ملامحها التي تغيرت كثيرًا. قُتلت البراءة بهما، قُتل الحب، ومعهم قُتلت لهفته إليها وعليها. المتواجد الآن مشاعر مختلطة لا يستطيع تفسيرها، ولكنه يعلم أنها بسبب قدومها المفاجئ أعادت إليه ذكريات راحلة منذ سنوات كثيرة. وقامت بفتح جروح غائرة كانت قد التئمت وشعر بالإهانة والشفقة تجاه نفسه وهو يحاول أن يداوي هذه الجروح. الآن بكل بساطة فقط لأجل رؤيتها من جديد تفتح جروحه هذه!
اخفضت نظرها إلى الطفلة "وعد". دارت عيناها عليها بقوة وعلى ملامح وجهها. ترددت الكلمة مرة أخرى في أذنها فرفعت بصرها إليه متسائلة بنبرة مرتعشة:
- أنت اتجوزت؟
ضغط على فكه بشدة. أغمض عينه بعمق وبقوة ثم فتحهما مرة أخرى وحاول استعادة نفسه وهو يقول مؤكدًا:
- أيوه.. اتجوزت.
أكمل ناظرًا إليها بقوة. عيناه تنظر إلى عيناها مباشرة وكأنه يقول لها لا مكان للحب أو الضعف، لا لمكان لوجودكِ في قلبي ولا مكان لجروح غائرة منكِ:
- حمدالله على سلامتك.. دخلتي الجزيرة إزاي؟
أقتربت منه وهي تنظر إليه نظرة ذات مغزى تحاول أن تجعله يتذكر ما مضى بينهم بعد أن ابتلعت غصة كانت بحلقها بسبب اعترافه بأنه تزوج:
- نسيت طرقي؟ ولا نسيت إني بنت العامري وأدخل في أي وقت؟
تحرك عيناها على وجهه وملامحه الجامدة والتغير الغير معقول بها. نظرة الحدة والقوة وثباته الذي أوضحه أمامها وكأن عودتها لا تُعنيه.
تابعها هو الآخر بجدية شديدة وسخر منها وهو يرسل إليها معانى أخرى غير التي خرجت من بين شفتيه:
- منستش طرقك ولا أقدر أنساها وإلا مكنتيش خرجتي من الجزيرة. أما بنت العامري فبنات العامري مكانهم هنا.. هنا وبس.
نظرت إليه مطولًا ولم تستطع الرد فهي تدرك جيدًا أنه يحاول اهانتها، يحاول أن يزعجها ويسخر منها بحديثه، ولكنها تعرفه جيدًا تحفظه عن ظهر قلب.
هبطت "فرح" من أعلى الدرج تنظر إليها غير مصدقة أنها تراها أمامها وصاحت باستنكار وذهول وهي تقترب منها:
- ايه ده.. تمارا!
أقتربت منها تقف أمامها تضمها إليها تعانقها بقوة قائلة بحب وشغف:
- تمارا ازيك عامله ايه جيتي امتى وإزاي؟
عانقتها الأخرى وبادلتها الحب والاشتياق فهما الاثنين كانوا أصدقاء طفولة إلى أن رحلت عنهم:
- ازيك يا فرح وحشتيني.
عادت للخلف تنظر إليها قائلة بحنين وأسى تحثها على أن فراقها كان ثقيل للغاية على حياتها:
- وأنتي كمان يا تمارا متعرفيش سيبتي فراغ عامل إزاي في حياتي والله.
ابتسمت إليها باتساع وهي تقول بقوة تبتعد بعيناها إليه:
- اديني رجعت.
استمعت إلى نبرة "فرح" التي تخرج بسعادة خالصة فأبتعدت عيناها تنظر إليها:
- على طول.
أومأت إليها برأسها وهي تجيبها بثقة وتأكيد:
- أيوه هقعد على طول.. مش هسيب الجزيرة أبدًا ولا قصر العامري.
مرة أخرى تنظر إليه وتسائلت بفضول شديد وقلبها يدق بعنف:
- اومال مراتك فين؟
أشارت إلى "إسراء" التي كانت تهبط الدرج، فهي الغريبة هنا، هل هي زوجته؟ أيعقل هذه الفتاة الصغيرة:
- دي مراتك؟ معقول؟
نظر إليها وابتسم بزاوية فمه. أقترب من "زينة" يضع يده عليها يحاوطها مقربًا إياها منه بقوة ثم نظر إلى الأخرى مؤكدًا بثقة وتأكيد وهو ينظر إليها بفخر يمحي ألمه ونظرة ضعفه التي سبق ورأتها:
- دي مراتي.. واللي نازلة دي تبقى أختها.
شبهت عليها وتابعت تنظر إليها بتمعن فتذكرت أين رأتها ثم قالت باستغراب:
- دي مرات يونس.. أنا شوفت صورة ليها.
ضغط على ذراع الأخرى الذي يحاوطه بيده بعنف عندما ذكرت أنها زوجة شقيقه فعارضها قائلًا:
- الله يرحمه.. زينة جبل العامري مراتي.
ترك "زينة" وهبط إلى "وعد" بجسده يحملها على ذراعه رافعًا إياها إليها قائلًا بفخر وحب:
- ووعد بنتي.. حبيبة بابا.
كانت الأخرى تقف تتابع ما يقوله باستغراب تام. هل توفى "يونس" إلى هذه الدرجة كانت بعيدة عنهم. نظر إلى "زينة" زوجته وتغيرت ملامح وجهه وهو ينظر إليها ثم هتف بهدوء ورفق حانٍ يمثله ببراعة وكأنهم معشوقين:
- دي تبقى تمارا بنت عمي يا حبيبتي.. كانت خرجت بره الجزيرة من سنين كتير بس شكلها ملقتش مأوى غير هنا فرجعت تاني.
تنظر إليه باستغراب تام. تغيرت نبرته مئة وثمانون درجة ونعتها بحبيبتي وهي تقف مذهولة لا تدرك ما الذي أصابه. هل فقد الذاكرة.. أم أن هناك شيء بينهم يمحيه بوجودها.
وجدته يُشير إليها بعينيه فخرجت من تفكيرها تنظر إليها قائلة بابتسامة مصطنعة:
- تشرفنا.
استمعوا إلى صوت والدته "وجيدة" المُستنكر وهي تأتي عليهم من الداخل:
- تمارا!
أقتربت منها تعانقها قائلة بود:
- ازيك يا مرات عمي.
ابتعدت إلى الخلف زوجة عمها وهي مازالت مستنكرة تنظر إليها باستغراب وخرج صوتها بتوتر:
- الحمدلله ازيك أنتي.
تنظر إلى جبل باستغراب تتسائل عن سبب قدومها، ترسل إليه بعينيها خوف مكبوت ورهبة عجيبة من مكوثها معهم بين "زينة" و "وعد" وابنها.
أجابتها بحرارة وهي تنظر إلى "جبل" تبعث إليه آخر كلمات جملتها:
- أنا الحمدلله كويسه.. انتوا وحشتوني أوي.
أومأت إليها زوجة عمها ومازلت مترددة تشعر بالتوتر فقالت:
- وأنتي كمان بس..
بقيت تتابعها تحاول أن تفهم ما الذي تريد قوله فوجدتها صمتت تمامًا فحثتها هي على الحديث:
- بس ايه؟
شدت نفسها، واستجمعت قوتها وعهدها المعروف فنظرت إليها بقوة وحزم وقالت تذكرها بما قالته سابقًا:
- ايه سبب الزيارة الغريبة دي.. خرجتي من زمان قولتي أن الجزيرة مش مكانك.
ابتسمت وهي تتودد إلى "جبل" إليه من الحين إلى الآخر:
- اكتشفت إني ماليش مكان غيرها يا مرات عمي.
استنكرت الأخرى بشدة وخرج صوتها باستغراب:
- فجأة كده؟
قالت بهدوء تشرح لها ما شعرت به:
- لأ مش فجأة أنا اللي كنت بكدب نفسي.. بس خلاص أنا رجعت ومش خارجه منها تاني.
استدارت تنظر إليه قائلة:
- ولا ايه يا جبل؟
تابع نظرتها نحوه، يفهمها جيدًا هل تعتقد أنها بمجرد عودتها سيعود هو الآخر إليها يرتمي باحضانها يطالبها بالمكوث معه وأن تظل في حياته. يالا سخرية القدر يا "تمارا" فقد تبادلت الأدوار وأصبحت اللعبة أفضل بكثير.
قال بجدية شديدة ونبرة غليظة وهو يصر على الحديث بالألغاز ولكنها تفهمه جيدًا:
- الجزيرة مكان لكل العوامرية.. ومكان لكل واحد مالوش مكان.. زيك يا تمارا.
أقتربت مرة أخرى تقف أمامه بتحدي، لأنها تعتقد أنه لن يمسها بسوء كما في السابق يخاف عليها من الهواء المار جوارها فقالت بثقة:
- بس ده مكاني وليا فيه كتير أوي يا جبل.
أومأ إليها بابتسامة ساخرة يؤكد حديثها ويكمل عليه بتهديد واضح:
- محدش قال غير كده.. بس المرة دي حافظي عليه علشان المرة الجاية ملكيش رجعة.
وقفت أمامه بثقة أكبر وتحدي أكبر ونظرت إلى داخل عيناه المخيفة التي لطالما كانت ملجأ لها:
- هحافظ عليه وهرجع كل حاجة كانت ملكي فيه قبل ما أمشي.
نظر إلى "وعد" مبتسمًا باتساع دون أن يعطيها أي اهتمام يجيبها:
- بيتهيألك إنك هتعملي كده.
ردت تنظر إليه بعمق تحاول التسلل إلى داخله لتفهم ما الذي يفكر به:
- بكرة تشوف.. لسه قلوبنا بتنبض يا جبل.
استدار ينظر إليها بقسوة خالصة، عنف ضاري ظهر داخل عينيه وعلى ملامح وجهه الذي تغيرت بعد كلماتها فقال بغلظة وخشونة:
- بالقسوة يا تمارا.. بتنبض بالقسوة.
نظرت إليه للحظات فلم تستطع التكملة داخل عينيه التي أصبحت غريبة للغاية، ليست عيناه التي تعرفها.. ليست هي.
أقتربت تنظر إلى "وعد" قائلة بابتسامة خبيثة:
- ازيك يا حلوة..
أجابتها الصغيرة برقة وهدوء:
- الحمدلله يا طنط.
تعالت ضحكات "تمارا" تنظر إليها وإلى والدتها وقالت ساخرة:
- طنط.. لأ أنا مش طنط.
تحدثت والدته عندما وجدتها لا تريد النزوح عن هنا تقترب منها تحدثها على الذهاب إلى الأعلى:
- اطلعي يا تمارا.. وريها اوضة يا فرح تنام فيها.
تحدثت وهي تنظر إليه مرة أخرى تؤكد على أنها تعلم أين مقرها كما تعلم أين هو:
- أنا عارفه اوضتي كويس يا مرات عمي.
صدمها عندما ابتسمت باتساع وهو يرى ثقتها الزائدة وقال بخشونة:
- مبقتش موجودة.
سألته باستغراب وقد خالف توقعها:
- يعني ايه؟
قال بجدية وهو يبتعد إلى الداخل ومعه وعد ببرود تام:
- يعني اوضتك مبقتش موجودة استخدمتها في حاجة تانية مفيدة أكتر من أنها تكون اوضتك.
نظرت إليه وهو يبتعد تراه يحاول أن يثبت لها أن مكانها لم يعد موجود، اسمها وحبها وكل ما كان لها هنا رحل معها عندما تركته.
أقتربت من "زينة" تنظر إليها بعمق ونظرتها نحوها ماكرة:
- لسه محتاجة أتعرف عليكي يا.. زينة!
الأخرى تقريبًا فهمت كل ما حدث منذ قليل من كلمات جميعها ألغاز ونظرات متحدية وماكرة وأخرى واثقة فقالت لها بهدوء:
- آه زينة.
أومأت إليها برأسها وهي تتابع النظر إليها قائلة بخبث:
- هيبقى بينا حكايات كتير أوي الفترة الجاية.. دا أنتي مرات الغالي يا.. زينة.
لم تجيب عليها ولم تعيرها أي اهتمام ولكنها فهمت ما الذي يريده هو منها في هذه الفترة التي ستكون هي متواجدة بها هنا فنظرت إليها بثقة وأحبت هذه اللعبة قائلة بابتسامة:
- أكيد.. عن اذنك أشوف جبل.
نظرت إليها بقوة وكأنها تحدي، أشارت إلى شقيقتها أن تذهب معها تدلف إلى الداخل وتركتها تنظر في أثرها تتسائل هل كل هذا حقيقي!
***
جلس الجميع على سفرة الطعام لتناول العشاء ومن بينهم الزائرة الجديدة لقصر العامري "تمارا"، التي تركت القصر بكامل إرادتها وتخلت عن كل ما كان ملكها به وخارجه وتركت جزيرة العامري بأكملها محتجة على وجودها بها. الآن تعود ورأسها به الكثير والكثير عن عودة كل ما كان لها.
نظرت إلى "إسراء" بعينين مُستغربة فضولية وسألتها وهي توزع بصرها على ملامحها الجميلة:
- بس أنتي شكلك مش مصرية.
رفعت "زينة" رأسها وتركت الطعام نظرت إليها وخرج صوتها المُسائل:
- اشمعنى يعني؟
أبعدت عيناها من على "إسراء" ونظرت إلى "زينة" بهدوء تستوعب سؤالها ثم أجابت عليها بسخرية تحاول التقليل من جمالها:
- شكلها يدي على أجانب مش حساها أختك خالص.
ابتسمت إليها بسماجة وهي تعلم أنها تريد فعل ذلك ولم تعطي لاجابتها اهتمام فأجابت "إسراء":
- أنا مامتي تركية.
أومأت إليها برأسها وهي تضع معلقة الطعام في فمها وتحدثت بعدما ابتلعت قائلة:
- مش قولتلك.. شكلك مش مصري شعر أصفر وعيون زرقا.
أكملت الأخرى بهدوء وجدية تصحح لها معلوماتها:
- في مصرين بشعر أصفر وعيون زرقا بردو عادي على فكرة.
ابتسمت إليها قائلة بمجاملة:
- مش حلوين زيك.
ردت إليها "إسراء" الابتسامة الخجلة للغاية قائلة برقة ورفق:
- شكرًا.
اغتاظت "فرح" من مدح "تمارا" الزائد في الماثلة أمامها وشعرت بالغيرة الشديدة البعيدة كل البعد عن "عاصم" الآن ولكنها تشعر أن هذه الفتاة تأخذ مكانها بالبطيء وتحظى باهتمام الجميع فقالت بغيظ:
- مش أوي كده يا تمارا أحسن تتغر جمالها عادي يعني زينا.
نظرت إليها "إسراء" باستغراب شديد فـ إلى الآن لا تدري ما سبب كرهها الشديد لها أو دعنا لا نقول كره يمكن أن يكون مجرد بغض لطريقتها التي تتعامل بها والتي تعتبرها مُزيفة! أبعدت نظرها عنها غير مهتمة بحديثها الذي حظى باهتمام "زينة".
خرج صوت "وجيدة" تنظر إلى "تمارا" بجدية تسائلها:
- قولولي يا تمارا.. أمك عامله ايه ومجتش معاكي ليه؟
تركت ملعقة الطعام على الطاولة وتعمقت بالنظر إلى عينيها، أنها تعلم تصرفات زوجة عمها جيدًا وتتوقع ما القادم منها:
- أمي قاعدة عند خالي رفضت ترجع معايا الجزيرة.
كل هذا كان تحت أنظار ومسامع "جبل" الذي جلس بهدوء شديد يتابع حديثهم وينظر إلى كل تعبير صغير يخرج من أي منهن.
سألها بسخرية بعدما أجابت على والدته:
- ولما هي رفضت.. رجعتي أنتي ليه؟
ابتسمت وبمنتهى الثقة نظرت إليه قائلة:
- قولتلك يا جبل.. جاية على طول وهرجع كل حقوقي.
أنهت جملتها وهي تنظر إلى "زينة" نظرة ذات مغزى فلم تستطع الأخرى الصمود أمام نظرتها فتركت ملعقتها ونظرت إلى "جبل" وتفوهت تسائلة مستفهمة:
- حقوق! حقوق ايه اللي بتتكلم عليها؟
نظر إليها مُبتسمًا بزاوية فمه يسخر منها وهو ينظر إليها بطرف عينه يحاول في كلماته أن يظهر للأخرى أنه يحب زوجته:
- متشغليش بالك بكلام تمارا يا حبيبتي.. أصلها كانت ساعات كتير بتهلوس.
اغتاظت منه بشدة ونظرت إليه بعمق، تحاول أن تدرك هل هذا هو نفسه؟ هل ستكون المهمة صعبة إلى هذه الدرجة؟ فهو لم يتغير به أي شيء حتى ملامح وجهه لم تزداد شيء إلا قسوة وعنف. لم تختلف إلا في تهجمها وتغير روحها. لم يتغير به شيء إلا جسده أصبح أقوى وأضخم من السابق، لا ترى أي تغيير سوى هذا وذاك فهل حقًا يوجد غيرهم داخله تغيير؟
ابتسم أكثر اتساعًا وهو يتابع قائلًا بقسوة وغلظة عكس ما يظهر على ملامح وجهه وهو يتذكر كل ما مضى:
- عارفه العيل الصغير لما يستغني عن حاجة والحاجه دي تروح لحد غيره فيحس بالغيرة ويبقى عايز يرجعها.. أهي تمارا كده فاكرة نفسها جاية تاخد كل اللي سابته ومشيت.
تنظر إليه زينة بعدم فهم وكل ما يأتي بخاطرها يعبر عن أشياء تراه هو بهذه الصفات يرفضها. ولكن من الواضح أنها تفهم ما يحدث جيدًا.
أخرجتهم من الصمت الذي حل عليهم وهي تقول بغيظ تنظر إليه:
- سبق وقولتلك هرجع كل حاجة.. وأنت أكتر حد عارفني.
وضع ذراعه على ذراع المقعد الجالس عليه ورفع كف يده ويستند باصبعة الإبهام والسبابة على وجنته ناظرًا إليها بسخرية يقول بلا مبالاة:
- لأ مبقتش أعرفك السنين بتغير، ومتحاوليش تتعاملي معايا على إنك تعرفيني ولا مع أي حد هنا.
تحدثت وجيدة" لتخفف حدة ما يحدث وتخفي ذلك الحديث الذي يُمر من أسفل الطاولة:
- شبعتي يا وعد؟
أومأت إليها الصغيرة برأسها قائلة بصوت خافت:
- آه يا تيته.
وقفت على قدميها تبتعد عن الطاولة وأقتربت من الفتاة تأخذها للخارج:
- تعالي نغسل أيدينا سوا.
أومأت إليها وذهبت معها:
- ماشي.
أمسك جبل بيد زينة الموضوعة على الطاولة ونظر إليها بنظرة محبة مُشتاقة لا يدري إن كانت خرجت منه بعفوية أو كانت مصطنعة لأجل إحراق الأخرى:
- تعالي عايزك.
أومأت إليه على الرغم من استغرابها التام لما يحدث وما حل عليه ولكنها عاونته قائلة:
- ماشي.
نظرت إليه ابنة عمه، احترق قلبها وهي تتسائل هل ستدفع الثمن لأجل ذهابها من الجزيرة؟..
دفعت "تمارا" بيدها أحد أطباق الحساء الموضوعة على الطاولة جوار زينة لتقع على قدمها اليسرى بكل عنف تفرغ ما تحويه عليها وهو ساخن للغاية.
صرخت زينة بقوة ووقفت سريعًا تبعد المقعد للخلف تحترق قدمها والنيران تلتهب بها وتغيرت ملامح وجهها كثيرًا وهي تتألم.
وقفت "تمارا" هي الأخرى معها تمثل الاهتمام والآسف لما فعلته عن عمد:
- أنا آسفة آسفة مأخدتش بالي والله.
لكنها كانت تشعر بالغيرة تنهش قلبها، تتألم لرؤيتهم هكذا وهذا الشيء من حقها وهي من تستطيع الحفاظ عليه والشعور به.
تألمت زينة بقوة وقدمها تخرج منها النيران تحترق تشعر بفوران الدماء داخلها تتألم بصمت والدموع متحجرة بعينيها.. أقتربت منها "إسراء" سريعًا ولكن جبل قد جذبها إليه ينظر إليها بقلق بالغ يرده إليها عندما قلقت عليه ولكنه كان نابع من قلبه ونظر إليها بخوف شديد وهو يرى الدموع تقف على أعتاب عينيها بسبب الألم القابع داخل قدمها..
انخفض بجسده يحملها على ذراعيه ناظرًا إليها يأخذها إلى الأعلى في غرفتهم ليعتني بها.. قابلته والدته في طريقها إلى الداخل مرة أخرى تنظر إليه باستغراب تسائلة:
- أنت بتعمل ايه يا جبل؟
خرجت خلفه شقيقتها فأجابت هي عليها لأنه لم يعطيها اهتمام:
- زينة وقعت على رجلها الشربة.
هرولت خلفه والدته وهي تصرخ عليه:
- طب استنى يابني ادهنلها حاجة عليها.
أومأ برأسه وهو يصعد الدرج قائلًا بجدية:
- ماشي.
ثم تركهم وأبتعد بها إلى الأعلى يختفي عنهم في داخل غرفة نومهم ليرى ما الذي أصاب قدمها بسبب تلك الغبية الحقيرة التي عادت بعد أن خمدت نيرانه وانطوت صفحة الهوى الخاصة بها معلنة عن وجود وحش كاسر كان قابع داخل قلبه وكشف عن أنيابه وظهوره في غيابها وتخليها عنه.
أجلسها على الفراش ووقف مستقيمًا يتقدم إلى المرحاض وهو يقول بحزم:
- اقلعي البنطلون.
نظرت إليه ببلاهة وهو يبتعد عنها تتابع حركاته بعينين مُتسعة عليه وقدمها تحترق داخلها ألم مميت لا تحتمله.
عاد إليها وبيده كريم الذي سيضع لها منه ليخفف حدة ألمها ويعالج ما حدث. نظر إليها وقال بقوة:
- مش قولت اقلعي.
وجدها ما زالت تنظر إليه بجدية واستغراب فتفوه ساخرًا وهو يجذبها من يدها لتقف:
- أكيد مش أول مرة تقلعي فيها قدامي.
غمزها بعينه الخبيثة الخضراء صاحبة اللمعة المخيفة وهو يكمل بتهكم:
- كده ولا ايه؟
تنظر إليه فقط ولم تتحدث يا له من حقير حيوان يعبث بها كلما سمحت له الفرصة ليفعل ذلك، شعرت بيده تفتح سحاب بنطالها الجينز فنظرت إلى الأسفل لتراه يبعده عن قدميها كادت أن تتحدث وتبتعد عنه ولكنها تألمت عندما سحبه على قدمها في موضع الالتهاب الذي سببه الحساء الساخن.
دفعها للخلف لتجلس مرة أخرى على الفراش وأزاح البنطال كليًا عنها لينظر إلى قدميها البيضاء الظاهرة أمامه، لمعت عيناه وابتلع لعابة بعدما شعر بغصة توقفت بحلقة. رفع بصرة إليها ثم مرة أخرى إلى قدميها فدفعته في صدره عندما انخفض لمستواها صارخة به:
- ايه.. هات الكريم.
غمزها مرة أخرى بعينه وهو يقول بمكر:
- دي تفوتني بردو.
فتح العبوة وأخذ على إصبعيه منها ثم توجه بها إلى قدميها يضعه عليها برفق ولكنها شعرت بأن قدميها تحترق أكثر وأكثر فور أن وضعه عليها. نظر إليها فوجدها تغلق عينيها بقوة تتمسك بشرشف الفراش من الناحيتين تشعر بالألم الذي ظهر على كافة ملامحها فخرج صوته وهو يعود إلى قدمها مرة أخرى:
- هيحرقك شوية.. بس هيعمل مفعول بسرعة.
فتحت عينيها السوداء ونظرت إليه فوجدته يرفع وجهه مرة أخرى إليها أومأت إليه بهدوء ورفق وتابعته وهو يحرك أصابعه على يدها بذلك الكريم برفق وحنان.
انتهى مما يفعله فذهب إلى المرحاض دون حديث ليغسل يده عاد مرة أخرى وجلس جوارها ثم قال بجدية:
- سيبيها شوية كده والكريم أهو ابقي حطي منه تاني.
أومأت إليه مردفة بصوت خافت:
- طيب.
جلس جوارها صامتًا وبقيت هي كذلك تنظر أمامها إلى أن عبثت أفكار رأسها بها وودت أن تسأله أسئلة كثيرة وتحصل منه على إجابة ولكنها تعلم أنه دومًا لا يود إظهار الحقيقة إليها ولا يحب أن يجعلها ترتاح وتهدأ.
استدارت تنظر إليه للحظات وهي صامتة فشعر بأنها تود أن تقول شيئًا بقيٰ كما هو ينظر إلى الأمام وقال بثقة:
- عايزة تقولي ايه؟
ابتلعت غصة مريرة وقفت بحلقها وتابعت النظر إليه وهو يبعد وجهه عنها:
- بنت عمك.
استدار ينظر إليها عندما تحدثت عنها، كان متوقع ذلك ولكنه لم يكن متأكد منه، سألها بهدوء:
- مالها؟
سألته بغباء وهي لا تدري كيف تسأله بطريقة أفضل من ذلك ليجيب عليها بصدق ولا تكن أمامه فضولية تتدخل في حياته التي أعلنت رفضها لها:
- كنت بتبص ليها كده ليه؟
تابع النظر إلى سوداوية عينيها وسألها مضيقًا ما بين حاجبيه:
- كده إزاي مش فاهم قصدك.
حركت كتفيها وهي تلوي شفتيها قائلة مرة أخرى محاولة الشرح له أكثر:
- كده.. شوية بحنين واشتياق وشوية تانين بقسوة وكره.
أبعد نظرة إلى أمامه مرة ثانية، فكر في حديثها الصحيح أنه عندما أبصرها شعر أنه مُشتاق يسعى لأي طريق يدله إليها ثم لحظات وأدرك أنه ذلك المطعون في قلبه منها فلا اشتياق ولا حنين ينبغي أن يخرج لها:
- أول ما شوفتها حسيت فعلًا إني مشتاق لها بقالها كتير أوي بعيدة.. كانت متربية معانا هنا بعد كده افتكرت كل حاجة وأدركت أن مش دي اللي الواحد يشتاقلها.
حركت رأسها وهي تسأله مرة أخرى بعمق أكثر عندما وجدته يتحدث:
- مثلت قدامها أننا كويسين ليه.. حبيبتي وبتاع.
ابتسم بزاوية فمه ساخرًا منها:
- فيها ايه لما أقول أنك حبيبتي.. مش مراتي!
خرج صوتها المحتج تنظر إليه بقوة:
- جبل بلاش لف ودوران.
أومأ برأسه للأمام وهو يضع يده الاثنين ببعضهم البعض يتكأ للأمام بجسده وهو جوارها وقال بجدية وقد كانت هذه رغبته حقًا:
- ماشي.. أنا عايز كده، عايزها تعرف أن وأنتي كويسين أوي.
صمتت لبرهة وهي تنظر إليه باستغراب، ثم أردفت بجدية تماثل جديته تدلي إليه بشيء غريب تغير به:
- أول مرة تبقى عايز تثبت لحد حاجة.. أو بمعنى أصح تبقى عامل لحد حساب ولتفكيرها.
استدار برأسه ينظر إليها وابتسم بتهكم يقول:
- بدأتي تعرفيني أهوا.
استمع إلى سؤالها الذي خرج من شفتيها باهتمام كبير وتابع نظرات عينيها المستفهمة التي تود الإجابة سريعًا وكأنها يهمها أمره:
- كان فيه بينكم حاجة؟ قلبك كان بيحب؟
أومأ إليها ولم يخفي عليها سرًا قائلًا:
- آه.. كان فيه بس حاليًا قلبي مابيعرفش يحب.
تابع وهو يرى نظراتها الغريبة الذي لم يستطع أن يحدد منها أي الشعور ينتابها الآن وقال بغلظة وقسوة لا توحي بأنه يتحدث عن الحب أبدًا:
- لكن تأكدي لو جت الفرصة اللي يحب فيها مش همنعه سواء عافية أو لأ.
وجدته يسترسل معها في الحديث فتجرأت أكثر:
- عايز تثبتلها ايه؟
قال بمنتهى البساطة وكأنه يتحدث مع نفسه لا يدري ما العواقب لكل ما يفعله الآن:
- إني مش جبل اللي تعرفه نهائي ودي حقيقة أنا بقيت واحد تاني تمامًا وإني حياتي مستقرة معاكي.
هتفت بقوة وحزم وهي تسأله بسرعة:
- يعني أنت مكنتش كده! صح.
نظر إليها وقد ندم لأنه غاص معها بالحديث وأدلى بأشياء ليس عليه التحدث عنها، كيف له أن يقول كل هذا الحديث دون حساب كيف له أن يتفوه بالكثير عنه وعن حياته معها بكل هذه السهولة.
وقف على قدميه بعد أن أبعد نظرة عنها وقال:
- أنا عندي شغل لازم أمشي.. ارتاحي.
أردفت سريعًا وهي تراه يتوجه للخارج:
- أنت بتهرب.
كانت تود أن تعلم أكثر عنه.. تحدد إن أرادت تبقى لتعلم ما الذي يحدث أو تبقى لأجل ابنتها أو.. لأجله. وهذه الفرصة الوحيدة التي يمكنها تجميع الخيوط منها.
استدار إليها ورد بغلظة وخشونة:
- أنا عمري ما هربت.
تفوهت بما يشعر به قلبها وعقلها واتحاد كل ما بها، قالت له ما تراه منه وما تفهمه ومع ذلك وإلى الآن لم تفهمه هو. خرجت كلماتها بشجاعة وهي تعبر عنه:
- خليك شجاع للآخر.. قولي أن ده مش أنت مستحيل يكون في شخص بالقسوة دي.. لأ لأ مش قسوة أنت متناقض.. أنت رحيم أوي وفي نفس الوقت بتقول أن قلبك مفيهوش رحمة.. قاسي أوي وفي نفس الوقت حنين.
وقف معتدلًا ينظر إليها باستغراب، لا يفهم جرعة الشجاعة التي تحلت بها لتتحدث معه بهذه الطريقة، ولكن من الواضح ستكون العلاقة أفضل في المرات القادمة. سألها مستفهمًا:
- عايزة ايه؟
وقفت على قدميها تدلي بأكثر مما قالته تعبر عن أنها وافقت على حكم السجن المؤبد معه أما الموت أو الموت:
- مش زي ما بتقول بقيت مراتك وأتحكم عليا بالسجن معاك خلاص.. أنا اتأقلمت وعايزة أقعد هنا فهمني بقى اللي بيحصل.
أجابها ببساطة وهو يضع يده بجيب بنطاله يقف أمامها شامخًا واثقًا من نفسه:
- مش مسموح أفهمك حاجة ثم أنك عرفتي حاجات كتير أوي مش المفروض أصلًا تعرفيها.
رفعت أحد حاجبيها ووضعت يدها الاثنين أمام صدرها تقف متحدية له قائلة بسخرية:
- زي أنك كنت بتحب..
أكمل على حديثها قائلًا بقوة وقسوة وهو يخرج يده من جيبه يُشير بها إلى صدره في نهاية حديثه بقوة:
- كنت مراهق واللي قدامك دلوقتي راجل أمر من العمر.
أومأت إليه قائلة بصوت متهكم ساخر:
- أنت فعلا مُر.. بس التشبيه الأفضل غامض أكتر من مثلث برمودا ومتناقض أكتر من واحد مجنون.
نظر إليها بعمق يرى انزعاجها من هروبه بعد أن كان يتحدث بكل شيء عنه، لكنه ضحك لأول مرة من كل قلبه دون سخرية أو حزن، ضحك بصوتٍ مرتفع وهو ينظر إلى ملامحها وهي تشبهه بأشياء غريبة تراه يماثلها. ولكنها محقة.. وذكية.
توقف عن الضحك قائلّا بثقة:
- قولتلك لسه مشوفتيش جناني.
نهد بصوت مرتفع واعتدل في وقفته ينظر إليها بجدية وهدوء، تتحرك مشاعره تجاهها وهو لن يوقفها أبدًا سيعود شاب مرة أخرى وسيشعر بالحب وهذه المرة لن يتخلى عنه.
قال برفق وهدوء بعدما ترك تفكيره بالحب جانبًا:
- غزال.. لو في حاجة المفروض تعرفيها هتعرفيها في الوقت المناسب ومني أنا شخصيًا بلاش الفضول اللي وداكي في داهية ده.
تهكمت ساخرة تؤكد:
- مظنش في داهية أكتر من دي.
نفى حديثها بثقة وتأكيد لأنه يعلم أن هناك أكثر من حبسها على الجزيرة وهناك ما لا تستطيع تحمله دقيقة واحدة:
- لأ فيه يا زينة.
اخفضت يدها من على صدرها واستمرت في النظر إليه تشعر بغرابة حديثهم لأول مرة هكذا ولكن يبدو أنها حقًا تأقلمت!
- أول مرة تقولي زينة.
ابتسم بسخرية:
- للضرورة أحكام.
أشارت بيدها تسأله باستغراب ومرة أخرى تشعر بمراوغة حديثه:
- وهي فين الأحكام دي وفين الضرورة أصلًا؟
تركها وهو يخرج من الغرفة قائلًا:
- مش بقولك فضولية.
ولج إلى خارج الغرفة وتركها وحدها، عادت مرة أخرى تجلس على الفراش كما كانت تفكر بكل ما حدث منذ لحظات تحاول أن تفهم أي شيء من حديثه الذي قاله فلا يجب أن يكون تحدث معها هكذا لأول مرة ولا تتوصل لأي شيء.
كان يحب ابنة عمه ومن الواضح أنها كانت تحبه فلما تركته ورحلت! ولما يشعر بالكره والبغض تجاهها! قال إنه تغير! لم يكن ذلك الشخص القاسي العنيف لم يكن "جبل العامري" القاضي والسجان المجرم والبريء لم يكن أي منهما!
تحدث عن الحب، ونظر إليها نظرة ذات مغزى فهمتها جيدًا قال إن شعر قلبه بالحب فلن يحرمه إياه. هل كان يتحدث عنها! ما القادم عليهم معًا؟!
توقف عقلها عن التفكير في بقية الحديث الذي دار بينهما وهي تحسب كم من سؤال برأسها لا يوجد له إجابة!
يا لك من محتال أيها الجبل العامري، يا لك من مراوغ مختل...
***
بقيت "تمارا" تحت أعين "وجيدة" المتفحصة لها بتمعن ودقة ثم قالت بجدية دون خجل أو مراوغة:
- جاية ليه يا تمارا؟
رفعت كتفيها للأعلى واخفضتهم مرة أخرى قائلة لها بجدية:
- جايه بيتي يا مرات عمي هيبقى ليه؟
سخرت منها وهي تحرك شفتيها بطريقة متهكمة:
- بيتك اللي سبتيه بمزاجك ومشيتي وبعدها معرفناش أي حاجة عنك.
قالت الأخرى بجدية:
- واديني رجعت.
أكملت زوجة عمها بنظرات حادة جامدة وملامح وجهها تتحول إلى ملامح أخرى مخيفة:
- واديني لسه بسأل عن السبب.
لوت شفتيها ببرود ونظرت إليها غير مبالية بحديثها لأنها تدرك ما الذي تريد أن تقوله زوجة عمها فقالت:
- مافيش أسباب غير إني راجعة لبيتي ومكاني.
أومأت إليها برأسها وقالت بهدوء:
- أنا كمان عايزة يبقى ده بس السبب ولو راجعة لجبل تنسيه زي ما نستيه قبل كده.
أكملت بجدية شديدة ونبرة حادة تحاول أن توصل إليها أنها حتى إن كانت عائدة له فهو لن ينظر إليها مرة أخرى:
- تبصي ليه على أنه أخوكي وبس علشان حتى لو غير كده جبل مش هيبصلك تاني أنتي عرفاه اللي بيسيبه مرة بيرميه على آخر دراعه مليون مرة.
تابعت تنظر إليها نظرة ذات مغزى وقالت بنبرة مليئة بالخبث والمكر:
- وهو دلوقتي خلاص عنده مراته وبنته وحياته اللي شغلاه.
ابتسمت الأخرى ببرود وعدلت حديثها قائلة:
- مرات أخوه وبنت أخوه.
وقفت "وجيدة" على قدميها أمامها وحقّا تغيرت ملامح وجهها عندما استمعت إلى تلك الكلمات منها وأدركت أنها آتيه ولا تنوي خير فقالت بغضب:
- أخوه الله يرحمه.. زينة مراته ووعد بنته وبكرة هو يخلف ويجيب بنات وولاد من صلبه.. متحاوليش يا بت العامري تخربي على ولدي.
أشارت إليها بيدها بعد أن وقفت هي الأخرى أمامها وقالت بمنتهى الحدة والجدية وحديثها لا يحتمل أي نقاش منها:
- أنا لو بحبك قيراط قصاده هحب ولدي وبت ولدي تلاته وعشرين قيراط ومش هبقيكي عليهم.. مرات عمك بتنصحك خليكي في حالك بعيد عن جبل ومراته وبته.
حذرتها أكثر وحاولت اخافتها من مجرد الإقتراب منه أو محاولة التودد إليه كالسابق:
- جبل مش هو الراجل اللي سبتيه ومشيتي بعد لما أبوه مات.. مش هو المحامي اللي وعدك بكل حاجة هتتغير وأنتي بردو مشيتي وسبتيه ولا هو جبل اللي كان رافض شغل أبوه.. جبل دلوقتي شيطان جزيرة العامري بياكل اللي قدامه أكل لو بس عمل حركة معجبتهوش بملامحه.
أقتربت الأخرى منها تنفي حديثها بنفس الحدة التي قابلتها بها تتحدث عنه في عهده السابق كما رأته واعتادت عليه:
- جبل هو جبل يا مرات عمي.. هو اللي رافض شغل السلاح وهو اللي دافع عن أبوه هو جبل اللي حبني وهو جبل اللي اترجاني أقعد وهو نفسه اللي اشتاق ليا بدل المرة ألف.. جبل متغيرش.
تهكمت عليها الأخرى وهي تُشير إليها بيدها تثبت أنه أصبح شخصًا آخر ولكنها تتوهم أنه كما كان وسيظل:
- جبل بقى واحد تاني.. اللي كان رافض شغل أبوه دلوقتي هو اللي ماسكه ولا مشوفتيش الحرس اللي بره والسلاح اللي معاهم.. جبل اللي اتغير بسبب أنه حبك وأهو دلوقتي ما شاء الله عليه ربنا يهدي سره مع مراته.
ابتسمت ساخرة ثم تفوهت قائلة:
- لو كان زي ما بتقولي كان حتى استقبلك استقبال عدل.. ده مش طايق يبص في وشك.
اغتاظت الأخرى وهي تنظر إليها وكأن حديثها صحيح فهو حقًا لا يطيق النظر إليها ولا يجيب على حديثها بأي رفق مما كان بينهم لن تقول حب أو غيره بل حتى رفق!
توجهت والدته إلى باب الغرفة وتحدثت وهي تُسير بحدة وتهديد واضح:
- أنا عملت اللي عليا وقولت الكلمتين ولو عملتي غير اللي قولته أنا بنفسي هرميكي في النيل ومش هيهمني إذا نجيتي ولا لأ.. انتي مش أغلى منهم.
استدارت تنظر إليها وهي تفتح باب الغرفة:
- فاهمه يا تمارا.
أومأت إليها على مضض قائلة:
- ماشي يا مرات عمي.
خرجت زوجة عمها من الغرفة وتركتها وحدها تفكر فيما حدث منذ أن أتت! لقد كانت آتية معتقدة أنه إلى الآن لم يتزوج لم يحب لم تدلف حياته امرأة من بعدها! كانت آتية معتقدة أنها بمجرد ظهورها مرة أخرى سيقول هي بنا للزواج وستنفرج أساريره ولن يكون هناك أسعد منه ولكن من الواضح أنها أخطأت.
أخطأت عندما عادت إليه! أو أخطأت عندما رحلت وتركت كل هذا! وتركت جبل!
من الواضح أنه حقّا تغير كثيرًا، شكله قد تغير أصبح أكثر وسامة ونضج، جسده حتى وكأنه اندمج مع جسد شخص آخر بتلك العضلات والهيبة التي حلت عليه أكثر من كونه كان مراهق.
تغير قلبه وبغضها؟ أحب غيرها؟ عليها أن تفهم ما الذي حدث ليجعله يتزوج من زوجة شقيقه الراحل! ومن هنا تستطع أن تفكر وتستطيع أن تتحرك وتبدأ رحلتها وبحثها عن عودة "جبل العامري" إليها.
***
تحركت في الحديقة تسير برفق والهاتف بيدها، تحاول الاتصال به ولكنه لا يُجيب عليها، ودت رؤيته والتحدث معه. النظر إلى عيناه والتمتع برهبة جسده الطاغي على جسدها الصغير عندما يقف أمامها.
أخذتها قدماها إلى خلف القصر وهي شاردة به وبكل ما بينهم لا تنظر حولها ولا أمامها. لا تفكر إلا به وبأنها تريده الآن لتمتع أعينها الزرقاء برؤية هيبتة وخفة ظله وحسنه.
وقفت خلف القصر تنظر حولها ثم نظرت إلى الهاتف محاولة مرة أخرى أن تحدثه ولكنه لا يُجيب زفرت الهواء من رئتيها بضيق وأخفضت الهاتف ثم سارت خطوات تبتعد عن هنا لتعود إلى القصر مرة أخرى ولكنها فجأة وجدت من يسحبها من يدها ليدفعها إلى الخلف تتوارى عن الأنظار يلامس ظهرها السور وتنحصر بينه وبين الجسد الذي أمامها.
وضع يده على فمها وحاصر جسدها بعنف وقوة، عيناه الجائعة والمخادعة نظرت إليها برغبة وشر في ذات الوقت فوقع قلب "إسراء" على الأرض جوارها مع الهاتف الذي وقع بمحاذاة قدميها.
ارتعش جسدها وهي تنظر إليه باستغراب شديد حاولت رفع يدها الاثنين تبعده عنها ولكنه صدمها أكثر ووخز قلبها وروحها وهو يرفع عليها مدية يضعها في جانبها قائلًا بغلظة وعنف:
- حركة واحدة هعملك عاهة مستديمة.. اثبتي مش هناخد وقت كتير.
حاولت ابتلاع غصة مريرة وقفت بحلقها وعيناها تزرف الدموع بقوة دون توقف نهر جاري على وجنتيها وهي تنظر إليه لا تصدق ما يفعله معها ذلك الحيوان. ولا تستوعب أنها الآن محاصرة أسفل يده ونظراته الجرئية التي تكاد تجردها من ملابسها.
أقترب منها بوجهه إلى عنقها يحاول تقبيلها بطريقة قذرة بشعة أشعرتها أنها تود التقيؤ ولم تستطع التحرك بسبب تلك المدية التي هددها بها. فبقيت يدها جوارها وقلبها يعتصر ألمًا وتنطبق أضلعه عليه أكثر وأكثر لتختنق وروحها تبكي قهرًا على ذلك الوضع الذي أصبحت به.
كل هذا فقط حدث لها عندما أتت إلى هذه الجزيرة الملعونة. وعندما قابلته وكَنت له الحب بقلبها!
تضاربت حواسها ولم تعد تشعر بأي شيء يحدث من حولها لا تشعر إلا بالقهر والضعف. والخوف الشديد الذي سيطر على سائر جسدها وهي وحدها هنا بين أنياب ذئب قذر. دون شقيقتها الحامي الوحيد لها.
كل هذا وأكثر أيها العاصم! أليس اسم "عاصم" يعني الحصن والملجأ الذي يحتمي به الإنسان من أي ضرر!
رواية سجينة جبل العامري الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندا حسن
الشعور بالانكسار قد يكون أبشع شعور على الإطلاق.
أن تكون شخص يشعر بأن هناك من يقف خلفك يشجعك على الاستمرار، ويكن العون إليك والسند الذي تبغاه.
ثم فجأة تقف أمام ذئاب متوحشة في صحراء جرداء وحدك دون الحامي لك.
فتشعر أنك مجرد حتى من ملابسك.. فهذا انكسار!
وهناك غيره أنواع متعددة.
حاولت رفع يدها الاثنين لتدفعه للخلف على الرغم من أنها تعلم أن المدية في جانبها.
ولكنها لا تطيق تلك الرائحة القريبة للغاية منها في أثناء محاولته لتقبيلها.
ولكنه شعر بها فوغزها بطرف المدية مهددًا إياها بقسوة وغلظة:
- اثبتي.. قولتلك الموضوع كله مش واخد وقت.
كانت دمعاتها تتهاوى على وجنتيها بغزارة.
تقف مربطة بجسد مُتشنج، تستند إلى ظهر السور تحاول دفعه للخلف لتبتعد عنه.
وهي تقول بتعلثم:
- أنت عايز مني ايه؟
عاد للخلف برأسه ومازال يقف أمامها مباشرة.
يحاوطها بيد والأخرى في جانبها بالمدية.
ينظر إليها قائلًا بخبث ومكر:
- واحدة قمر زيك كده هيتعاز منها ايه... غير كل خير.
انسابت دمعاتها أكثر وهي تنظر إليه بقهر.
تشعر بمدى قذارته ودنائه.
نظراته نحوها فقالت برجاء وهي تبكي:
- أبعد عني أنا معملتش فيك حاجه.
حرك رأسه يمينًا ويسارًا يرفض حديثها.
وهو يقترب من وجهها للغاية، يتحدث أمام شفتيها قائلًا:
- لأ عملتي.. بس يمكن وأنتي مش واخده بالك.
سألته وهي تبتلع غصة حادة وقفت في جوفها.
وارتجاف جسدها مازال مُستمر.
ولكن تحاول أن تلهيه عن تقبيلها والإقتراب منها بهذه الطريقة:
- عملت ايه طيب؟
غمزها بعينه الوقحة التي جردتها من ملابسها.
وهو ينظر إليها من الأعلى إلى الأسفل.
ووقف على شفتيها بعيناه:
- قربتي.. وحبيتي.. وعاندتي.
حركت رأسها هي الأخرى يمينًا ويسارًا بعدم فهم.
تخرج منها شهقات متتالية برعب وذعر شديد.
تشعر به كلما شاهدت نظرته نحوها:
- أنا.. أنا مش فاهمه.
ابتسم وهو يرفع يده التي على الحائط إليها.
يضعها فوق ذراعها يسير عليه برفق ورقة.
وهو يتحسسه قائلًا ببرود ومكر:
- لأ أنتي فاهمه كويس وأنتي اللي عملتي في نفسك كده.. مش أنتي اللي قربتي بردو ولا أنا جيت من نفسي.
شعرت أنه يتمادى وهو يُسير بيده عليها.
فدفعت يده وحاولت أن تستجمع نفسها.
وقالت من بين بكائها وشهقاتها المُستمرة بتعلثم وضعف شديد:
- أبعد عني والله ممكن اصرخ وألم القصر عليك.
ابتسم بسخرية وهو يعود بيده مرة أخرى إلى الحائط كي يحاصرها.
وأقترب برأسه منها أكثر وكأنه بوضع حميمي معها.
لكنه قال بثقة دون رحمة:
- اصرخي وأنا هدب المطوة دي هنا ونخلص بعدها ونقول واحد نط من على السور زي اللي حاول يقتل جبل كده.
اعتصرت عيناها وهي تبكي نادمة على كل شيء مر عليها هنا.
سواء كان فرح أو حزن جيد أو سيء.
وقالت وهي ترتعش:
- أبعد عني يا..
قاطعها سريعًا وابتسامته تتسع أكثر قائلًا اسمه:
- عاصم.. ولا نسيتي الاسم؟
صرخت به بانفعال وهي على وشك الانهيار والوقوع إلى الهاوية:
- أنت مجنون.. حرام عليك أبعد أنا معملتش حاجه.
عاد للخلف وأخفى المدية بيده.
وهو يأخذها إلى جيبه سريعًا وقال بسخرية ضاحكًا:
- هبعد.. أنا بس كنت بهزر معاكي بس عارفه لما أبعد لو فتحتي بوقك لحد مش هسمي عليكي.
أومأت إليه برأسها سريعًا عدة مرات بقوة.
وقالت من بين بكائها الذي حاولت السيطرة عليه:
- مش هتكلم أبعد بقى.
عاد للخلف أكثر وأفسح لها المجال للعبور.
وقال مرة أخرى محذرًا إياها:
- أنا حذرتك.. أي حد.
تعود ثانية تومأ له برأسها بهستيرية.
وهي تنظر إلى ابتعاده عنها.
وأبصرته ينخفض إلى الأسفل يأتي إليها بهاتفها.
ثم أعطاه لها وهو ينظر إليها مُبتسمًا بسخرية وتهكم.
لم تعطي إليه الفرصة لفعل شيء أخر.
أخذته منه ثم سريعًا دفعته بيدها وذهبت راكضة إلى الأمام.
تاركة تلك المنطقة المشؤومة وهي تبكي بقوة.
وصوت بكائها يرتفع كلما ابتعدت عنه.
فصاح بصوت عالٍ يحذرها:
- هــا.
انخفض صوتها وهي تركض ورأها تضع يدها على فمها كي تكتم شهقاتها وصوت بكائها الذي خرج منها بفعل تلك الخضة والشعور بالخوف والذعر الذي مرت به معه.
أبتعد هو يعود إلى مكانه مرة أخرى وعلى وجهه ابتسامة خبيثة.
تظهر للأعمى وتوضح أنه شخص قذر.
بعدما أبتعد عن خلف القصر وذهب إلى الأمام.
تعالت ضحكات آخرى تأتي من الأعلى.
لم تكن سوى "فرح" التي كانت تقف في الشرفة أعلاهم.
تتمسك بالهاتف وتقوم بتسجيل كل ما حدث لحظة بلحظة.
كل فعل ومعه رد الفعل الخاص به.
ولكن من أي زاوية وكيف كان المشهد بالهاتف!
فهذا هي فقط ما تعرفه.
ابتسمت بانتصار وتحركت تدلف للداخل.
وقلبها خالي من الغيرة تجاهها في فترة لحظية فقط.
لأن قلبها ينشغل الآن بالسعادة لأجل ما حدث منذ لحظات.
ينشغل بفرحة الإنتصار لأنها ظهرت بالوقت المناسب لتسجل ما حدث بينهم.
ويكن ذلك السيف بين يدها لتتخلص منها وتبعدها عنه إلى الأبد.
كان مخطئ للغاية عندما وقف أمامها وتحداها.
إنها "فرح العامري" من فرع العامري وامتداد العائلة الكريمة.
والتي لم ترى كرم يومًا.
إنها من امتداد عائلة تجارة السلاح وغيره.
ذهبت الأخرى باكية بقهر وحرقة.
ولكنها محت دمعاتها عندما دلفت القصر وصعدت إلى الأعلى دون أن يراها أحد.
ولجت إلى الغرفة وأغلقت بابها خلفها عليها من الداخل.
ثم ألقت نفسها على الفراش وأخذت تبكي بقوة وصوت بكائها يعلو للغاية.
استمعت جدران الغرفة والأبواب إلى بكائها.
وشاهد الطلاء حزنها وكسرتها.
وكل ركن شهد على كل شهقة خوف ورهبة خرجت منها ومن أعماقها.
لقد شعرت بالذل والمهانة وهو يقترب منها بهذه الطريقة القذرة.
يقبل عنقها ويضع يده عليها يتحسسها كما يريد.
شعرت بالانكسار والضعف وهي تقف مكتفة الأيدي خائفة من تطاولة عليها بتلك المدية التي كانت معه.
يا لها من لحظات بشعة قهرية مرت عليها وحطمت ما بها.
لقد وقع قلبها على الأرض ولم تعد تدري أين هو.
فقد أشعرها بالخوف المميت وهو يقترب منها إلى هذا الحد.
ويقول كلمات لم تفهم منها شيء ولم تعرف السبب الذي جعله يفعل بها هكذا!
شهقت بعنف وهي تبتلع غصة مريرة شعرت بها تعبر جوفها.
وارتجف جسدها أكثر وهي تفكر في أن هذه كانت البداية منه فقط.
فما الذي سيفعله أن رآها مرة أخرى وما الذي يريده منها؟
ولما فعل ذلك ولما تركها؟
أسئلة كثيرة تدور داخل رأسها تحاول أن ترى لها أي إجابة من أي إتجاه.
ولكن لا يوجد.
لا يوجد سوى الشعور بالخوف وعدم الأمان والرهبة.
إنها كانت هناك فقط لرؤيته ذلك الذي أرهب قلبها وجعلها تشعر بالحب تجاهه.
كانت تتقدم للبحث عنه والنظر إلى وجهه والاستمتاع بقربه.
هو الوحيد فقط هنا الذي اكتسبته واكتسبت معرفته وقربه.
وحبه لها.
ولكنها لم تكن تتوقع أبدًا أن تقابل لحظة مصيرية فارقة في حياتها.
أما كانت تكتمل أو تنتهي كما بدأت مثلما حدث منذ لحظات.
توقفت عن البكاء واعتدلت على الفراش تنظر أمامها بعمق.
تضيق عينيها بتفكير.
لما فعل هذا في لحظات وتركها!
كان يريد أن يرهبها فقط؟
أم هناك سبب آخر لا تستطيع الوصول إليه!
جلست ابنة عمها وصديقتها التي كانت مقربة إليها للغاية قبل أن ترحل وتترك الجزيرة.
بقيت أمامها على الفراش تجلس مُعتدلة تنظر إليها بعمق.
ثم سألتها بجدية مُستفسرة:
- قوليلى يا فرح.. جبل وزينة اتجوزوا إزاي؟
تركت "فرح" الهاتف من يدها واعتدلت هي الأخرى تنظر إليها بجدية.
وقالت بعدما زفرت الهواء من رئتيها:
- دي حكاية.
تعمقت الأخرى في النظر إليها والاستماع إلى حديثها بجدية تامة.
وقالت بحماس:
- احكيهالي بقى.
غمزتها "فرح" بعيناها السوداء وهي تتابعها.
تحاول أن تفهم ما الذي تريد الوصول إليه بعد أن أتت إلى هنا مرة أخرى:
- جاية ترجعيه؟ قوليلي ولا هتخبي عني؟
استنكرت جملتها ثم أبعدت وجهها وهي تتحدث بضيق:
- أنا اخبي عنك؟ بس خايفة تكوني زي أخوكي ومرات عمي اللي اتشقلب حالهم.
رفعت الأخرى أحد حاجبيها تأنبها على تركها لكل شيء خلف ظهرها فقط لأنها فكرت بنفسها بأنانية:
- ما أنتي اللي خايبة مشيتي وسيبتي كل ده يروح من ايدك ولما رجعتي لقتيه فعلًا راح.
أومأت برأسها وهي توضح لها أنها أخطأت وتريد الصلاح.
ولكن ذهولها منه تحكم في نبرتها:
- واديني عايزة ارجعه واتعلمت من غلطي بس ازاي ده جبل كأنه واحد تاني.. ده كأنه محبنيش يوم.
فهمت شقيقته أنها تود أن تلقي باللوم عليه بعد أن تأكد خطأها.
قائلة بأنه لم يحبها من الأساس.
ولكنها عارضت حديثها وواجهتها بحقارتها:
- لأ حبك يا تمارا متضحكيش على نفسك علشان تبرري عملتك.
جبل حبك واتهز لما مشيتي وسيبتيه في الوقت اللي كان محتاجك فيه.. وبقى دلوقتي زي ما أنتي شايفه.
سألتها بقلة حيلة مستنكرة حديثه مع زوجته:
- طب أعمل ايه علشان يرجع وأبعد زينة دي عنه.. أنا مش فاهمه هو بيحبها ولا ايه.
بس بيعاملها كويس أوي ده بيقولها حبيبتي اللي عمره ما قلهالي طول عمره ناشف مالوش في الكلام ده.
ضحكت على حديثها ثم نظرت إليها بقوة قائلة بسخرية:
- لأ يا حلوة ده بيغيظك ولا بيقول حبيبتي ولا غير حبيبتي.
أنتي أصلًا مش فاهمه اتجوزوا إزاي ولا حتى زينة جت هنا ليه.
زفرت الأخرى بضيق قائلة:
- ما تقولي الله.
بدأت تسرد لها ما حدث بهدوء:
- زينة جت هنا علشان عايزة ورثها من يونس أخويا.
لكن لما جت وقعت في المصيدة أمي عايزة وعد بنت يونس تفضل هنا ومتطلعش من الجزيرة.
فقالت لجبل يتجوزها.
أكملت تحت نظرات "تمارا" التي تبتسم وتزداد ابتسامتها اتساعًا وهي تستمع إليها:
- جبل رفض وقالها أنه هيحاول بأي طريقة تانية وأنتي عارفه طرقه كتير.
بس زينة حليت في عينه فجأة ووقفت قصاده في كل كلامه لحد ما طلبها للجواز.
رفضت بردو وحاولت تهرب واتنازلت عن كل حاجه في سبيل أنها تمشي.
لكن جبل مسمحلهاش.
استردت وهي تعود بظهرها للخلف:
- عجبته أوي وقال مش هيحلها لحد ما اتجوزها زي ما أنتي شايفه.
بعد كده اللي بيحصل بينهم محدش يعرفه إن كان حقيقي ولا كدب.
سألتها باستغراب فكل ما قالته يبدو جيد للغاية بالنسبة إليها.
وما أوضحه إليها فهمت مقصده منه:
- اشمعنى؟
تهكمت عليها "فرح" وهي تنظر إليها بسخافة:
- علشان مش قدامنا يا ناصحة بيحصل في اوضة النوم.
ابتسمت "تمارا" باتساع وهي تضرب بيدها على ركبتيها بفرحة كبيرة تسألها:
- بس المهم أنه ولا كان عايزها ولا هي طيقاه.. صح؟
أومأت إليها الأخرى مستغربة سعادتها:
- صح.
أكملت تسألها مرة أخرى بابتسامة أكثر اتساعًا من السابقة:
- وكان عايزة تهرب وتسيبه؟
مرة أخرى تأكد لها:
- آه.
أبعدت وجهها للناحية الأخرى وهي تحدث نفسها بصوت مرتفع يبدو عليه السعادة:
- كده اتحلت خالص وسهلة خالص.
استغربتها ابنة عمها فعادت للأمام ثانيةً تنظر إليها مستفسرة عن حديثها الذي لم تفهمه:
- هي ايه دي اللي سهلة؟
حركت وجهها إليها ونظرت داخل عينيها وهي تقول بسعادة خالصة وكأنها حصلت على حبل لغزه لتستطيع العودة إليه:
- إني أرجع جبل.
حركت "فرح" رأسها تسألها باستفهام مضيقة عينيها عليها بجدية شديدة:
- إزاي؟
رفعت حاجبيها وحركت إصبعها أمامها وهي تقول بقوة متأكدة من حديثها.
وبدأت الفكرة أن تلعب داخل رأسها:
- لأ دي بتاعتي خليها ليا أنا واقولهالك بعدين.
بس بقولك ايه أنتي في ضهري لو عوزت أي حاجه معايا ماشي.
أومأت إليها بثقة فهي حتى لو لم تساعدها لأجلها ستساعد نفسها.
فـ أيًا كان ما الذي ستفعله "تمارا" مع "زينة" فهو سيعود عليها بالنفع عندما ترحل من هنا وتأخذ شقيقتها معها.
- طبعًا معاكي هو أنا هحبها أكتر من بنت عمي.
ابتسمت لها بسعادة:
- فرح بصحيح.
ومن هنا بدأت اللعبة معها على حق.
علمت كيف ولما تزوج من زوجة شقيقه.
لقد كانت تائهة بينهم ولكن الآن أصبحت تعلم أين المرسى وما الذي ستفعله معهم لتسترد ما كان لها.
ولتعيد البلاد إلى حاكمها.
كان عاصم يقف داخل غرفة الحراسة.
ما كاد إلا أن يخرج هاتفه لمحادثها إلا أنه وجده يصدر رنينا عاليًا.
أخرجه من جيبه ونظر إليه ليجد "طاهر" يحادثه.
أجاب عليه قائلًا باستغراب مضيقًا عينيه:
- بتكلمني ليه؟
أجابه الآخر باستهزاء وتهكم وصل إليه من خلال نبرة صوته:
- هو عيب لما أكلمك ولا ايه؟
زفر الهواء من رئتيه بنفاذ صبر قبل أن تبدأ المحادثة بينهم حتى وصاح قائلًا:
- عايز ايه يا طاهر انجز.
تخللت نبرته السخرية وهو يقول مُجيبًا إياه:
- واحشني يا جدع قولت أمسي عليك.
سأله يبادله سخريته وهو يضغط على الهاتف بيده بقوة:
- ومسيت؟
بمنتهى البرود أجابه "طاهر":
- لأ لسه.
صاح به بنفاذ صبر وهو يتحرك بالغرفة بعصبية:
- انجز.
تنهد بصوت مرتفع وقال له بجدية بعد أن اعتدلت نبرة صوته:
- مش ناوي تكمل المسيرة بتاعتك وتبقى أوفى راجل عرفه جبل؟
سأله "عاصم" مضيقًا ما بين حاجبيه:
- اومال أنا ايه يا طاهر؟
ضحك بصوتٍ مرتفع ضحكات متفرقة بسخرية مُستهزأ به ومتهكمًا عليه.
وأكمل حديثه بجدية ذات مغزى:
- اوفى راجل بس من ناحية تانية.. جالي أخبار كده إنك وقعت ومحدش سما عليك.. سما زرقا وشعر أصفر.
اعتدل "عاصم" وثبت في وقفته ولم يتحرك.
فمرت هي كالهفوة على عقله عندما استمع إلى حديثه ولكنه أردف:
- أنت قصدك ايه؟
لم يكذب عليه بل أفصح عن قصده بلا مبالاة:
- هيكون قصدي ايه غير الجمال التركي النادر.
على صوت "عاصم" بغضب صارخًا باسمه:
- طاهر...
أخذ الآخر ما يريد فابتسم وهو يعود لتهدئته:
- اهدى بس على نفسك بالراحة دا أنا حتى كنت هباركلك.. متبقاش حمقي كده.
لم يعطي إليه الفرصة للتحدث أكثر من ذلك وصرخ مرة أخرى وصبره ينفذ حقًا:
- بقولك عايز ايه.
سأله بخبث ومكر:
- مش ناوي ترجع الملاعب.. علشان نوقف كل اللي بيتدربوا.
وقف شامخًا وأجابه بتأكيد وثقة:
- أنا موقفهم كده كده يا طاهر وأنت عارفني كويس.
ضغط "طاهر" على أسنانه بقوة وأردف بتهديد واضح بعد أن أدلى برفضه لحديثه:
- مش لوي دراع يا عاصم.. فاضلك عندي تكه واحدة.
لم يعير حديثه أي اهتمام بل أكمل عليه ساخرًا:
- اعتبرها مش موجودة ووريني أخرك.
سأله بقوة وهو يتوعد له:
- أنت شايف كده؟ بايع يعني.
أومأ برأسه وأدلت بالكلمات شفتيه وارتفع صوته وهو يقول بغضب:
- آه بايع يا معلم ويلا في داهية.
استمع إلى صوته الذي يهدد إياه:
- طب متبقاش تزعل.
ضحك بسخرية يردها إليه ثم صاح بقوة يذكره بتاريخه معهم:
- أنت هتعملهم عليا إحنا عارفين من فينا اللي كل يوم والتاني زعلان.. غور بقى.
أغلق الهاتف بعصبية بعد أن عكر ذلك الحيوان صفوه.
وهو الذي كان في مزاج جيد للغاية، وعلى بُعد لحظة واحدة من الوصول إلى تلك الغريبة الغبية.
الطفلة المزاجية والتي تتحول كل ثانية.
الذي اخترق معها كل القواعد وتعدى الخطوط الحمراء وابتعد عن مساره الصحيح.
وأبحر داخل محيط ليس به مرسى وليس به مكان للنجاة.
لقد أغرق نفسه بنفسه وهو يركض من هنا إلى هناك خلف هواجس غريبة تخللت وسارت داخل عقله.
وأثبتت إليه أشياء لم يكن يعرف لها معنى ولم يكن يدري بوجودها.
نظر إلى الهاتف وأعاده مكانه مرة أخرى وهو يزفر بضيق.
فقد كان يود أن يتسلى قليلاً بذلك العبث الذي يفعله بها.
عاد إليه عقله مبتعدًا عن التفكير بها وللحظة تذكر حديث "طاهر".
كيف علم عن أصولها التركية؟
كيف علم بمظهرها!
خصلاتها الصفراء وعينيها الزرقاء ومن أخبره أنه وقع بحبها أو حتى الإعجاب بها!!
الخائن بيس على الجزيرة بل هو من داخل القصر.
من حراس القصر!
اخرج الهاتف مرة أخرى وهو يقرر أن يفعل ما أراد.
بعد أن اخترق عقله كثير من الأفكار.
ولكن استوقفه ما أرسلته إليه "فرح" عبر تطبيق الواتساب.
فولج إليه ليرى ما الذي ارستله وليته لم يدلف.
نظرات عينيه الحمراء يخرج منها غضب بركان وحممه تتساقط.
وهي تنظر إلى الشاشة وترى ما كان يحدث خلف السور.
صقر طائر وقع جريح وهو الجارح.
كيف لها أن تفعل ذلك؟
كيف لها أن تسمح لنفسها.
وكيف يحدث هذا!
غضبه لا يدري أهو منه نفسه أو منها أو من "فرح" تلك الغبية الحقيرة.
التي سيكون لها عقاب لم تشهده سابقًا ولكن صبرًا.
لقد أوقعته وفعلت ما أرادت.
ولكنه لن يجعلها تفرح كثيرًا ولن يترك أي شخص اشترك بهذه الفعلة الدنيئة.
نظر أمامه بنظرات حادة غاضبة.
غضبه جامح ورفقها غير موجود.
والتفكير يعبث برأسه والحرب دائرة داخله.
جلس "جبل" على الفراش ومعه بيده بعض الأوراق والملفات المهمة.
الذي أخرجها للتو من خزنته الخاصة بدأ في النظر إليها واحدة تلو الأخرى وهو يعمل ويعيد ترتيبهم مرة أخرى.
تركت المقعد الذي كانت تجلس عليه وذهبت لتجلس جواره على الفراش.
ثم خرجت الكلمات من بين شفتيها دون حساب:
- مش ناوي تفتحلي قلبك؟
رفع بصره إليها باستغراب شديد وعيناه تتابعها.
ثم ابتسم فجأة وهو يقول ساخرًا:
- الكلمتين اللي اتكلمتهم معاكي ادوكي دفعة شجاعة علشان تقولي تفتحلي قلبي مرة واحدة.
أومأت إليه برأسها وهي تعتدل لتكن مقابلة له.
وقالت الحقيقة بجدية:
- آه.. خلوني أفكر أكتر.
أعاد نظره إلى الأوراق بيده وسألها:
- في ايه بقى؟
ببساطة شديدة تحدثت عنه:
- فيك.
سألها مرة أخرى بجدية وهو يود حقًا أن يعلم ما الذي تفكر به:
- إزاي؟
أردفت بجدية وصدق فحقًا الحديث معه في المرة السابقة كان كالسهل الممتنع.
وتفكيرها المستمر دائمًا ابحر أكثر من السابق وأرهقها:
- يعني.. خلوني أشوفك بطريقة تانية وأحس أنك إنسان عادي زينا وممكن التعامل معاك يبقى أسهل لو فهمتك وفهمت حياتك كانت إزاي وليه بقت كده.
عاود يسألها ببرود ولا مبالاة:
- وأنتي كنتي شيفاني إزاي؟
عبثت ملامحها وضغطت على أسنانها وحروف كلماتها وهي تتحدث بغل:
- كنت شيفاك ديب من ديابة الغابة بتاعتك.
ضحك بقوة وعبث بالأوراق وهو يستشعر طريقتها وتخيل ملامحها بعد الاستماع لصوتها لأنه لم يحظى برؤيتها وهي تقول ذلك:
- للدرجة دي؟
أومأت إليه وهي توضح له برفق:
- وأكتر كمان ولحد دلوقتي أنت لسه زي ما أنت أنا بس بحاول اتأقلم أكتر.
رفع بصره إليها ينظر إلى ملامحها ثم هتف مستغربًا:
- مش قولتي خلاص اتعودتي على سجنك معايا؟
تابعته وهي تنظر إليه أيضًا ولكنها الآن في مرحلة لم تمر عليها من قبل معه إلا مرة واحدة.
تتحدث معه برفق ولين وهو سهل بسيط للغاية.
فحاولت استدراجه وهي تقول:
- سجن.. ليه ميتحولش لتأقلم عادي وبالرضا؟
سألها مضيقًا عينه عليها:
- وده ينفع؟
حركت كتفيها بهدوء تعاود هي نفس السؤال:
- ماينفعش ليه؟
ابتسم باتساع لأنه يدرك جيدًا أن هذه ليست المرأة التي تتحول هكذا بين ليلة وضحاها.
فقال يوضح لها مدى ذكائه الذي رأته سابقًا ولكن يبدو لا تعترف به:
- علشان اللي أعرفه إنك مش بالساهل تتغيري كده.. يمكن بتحاولي تستهبليني علشان احكيلك اللي أنتي عايزاه.
سبته داخلها لأنه يدرك جيدًا ما الذي تريد الوصول إليه.
ولكنها تصنعت ذلك بحرافية وهي تقول بمكر:
- بالعكس أنا بفكر بجد أنه ليه مقعدش هنا بالرضا بدل الغصب خصوصًا إنك محتاج كده الفترة دي.
استغرب قائلًا:
- وده ليه بقى.
أجابته بعقلانية لأنه أراد أن يظهر لابنة عمه أنه الأفضل على الإطلاق ومعه زوجته وابنته.
لعبت على ذلك تعبث به:
- علشان تمارا مثلًا.. مش ممكن نحسن علاقتنا وتبان أنها حقيقية أكتر قدامها.
ابتسم أكثر وعاد بعينه بعيدًا عنها قائلًا بعدم اقتناع:
- مش داخل عليا كلامك ولا هيدخل يا غزال.
سألته بضيق:
- للدرجة دي؟
أجاب سؤالها بهدوء وجدية موضحًا لها أنه يفهمها جيدًا ويعلم أنها تريد العبث به ليس إلا:
- مش أنتي اللي تستسلمي بسهولة وحتى لو استسلمتي مش هيبقى بالطريقة الراغبة فيا ديتحدثت وهي تتحرك على الفراش تبتعد للخلف تظهر ثقتها بنفسها أكثر وتظهر له أن حديثها حقيقي بعدما تراجعت وتحدثت بعدم اهتمام:
- مين قال إني رغباك.. أنا عايزة نعيش مع بعض وإحنا راضيين طالما خلاص اتحكم علينا بده وده في مصلحتك ومصلحتي.
تفوه مستغربًا من حديثها:
- مصلحتي وعرفناها.. مصلحتك ليه بقى.
عادت المسافة التي ابتعدتها مرة أخرى وقالت بجدية وصدق نابع من قلبها وعقلها الذي قتله التفكير:
- أولًا علشان بنتي.. ثانيًا علشان أنا تعبت منك وتعبت من تفكيري فيك أنت شخص كويس ولا لا ومحتاجه أفهم بجد وارتاح.
ترك ما بيده تمامًا واعتدل في جلسته عندما طرح عقله عليه هذا السؤال بعد حديثها الذي استشعر به الصدق.
فقال دون مقدمات:
- لو طلعت شخص كويس مش زي ما أنتي شايفه هتعملي ايه.. هتفضلي معايا ولا هتمشي.
نظرت إليه للحظة ثم عدلت عليه:
- أنت سألت السؤال غلط.
حرك رأسه يسألها وعيناه تتابع كل حركة تصدر عنها:
- وايه الصح؟
نظرت إليه بعمق وبقوة ثم خرجت الكلمات من بين شفتيها تعدل سؤاله ليكون عقلاني أكثر:
- لو طلعت شخص كويس مش زي ما أنتي شايفه هتغيري نظرتك السابقة فيا وتنسي اللي عملته فيكي ولا لأ.
ظل ينظر إليها دون حديث فأكملت هي قائلة:
- من هنا نقدر نسأل ولو هغير نظرتي وانسى تسأل بعدها هتتقبليني ولا لأ وبعدها هتقعدي ولا لأ.
لا يدري لما أصبح ينظر إليها كل هذه المدة دون حديث.
وهي تتابع عيناه دون كلل أو ملل.
بل وقف الحديث على طرفي لسان كل منهما.
ولكنه في لحظة ما خرجت منه الكلمات بعفوية تامة:
- لو نسيتي وغيرتي رأيك فيا.. هتحبيني؟
كررت نفس الكلمة باستغراب تام وذهول أحاط عقلها.
بعد أن ارتجف جسدها من أثرها عليها:
- أحبك!
بقيت تنظر إليه دون إجابة وهي ترى عيناه وملامحه تترقبها وتنتظر منها إجابة.
أهو حقًا ينتظر منها أن تحبه؟
أهو يتخيل أن الأمر بهذه السهولة؟
أو هو تغيرت مشاعره تجاهها ليقول هذا الحديث مرة واحدة.
أهو مختل؟
لقد قفز مرة واحدة في العلاقة بينهم وهي لا تستطيع تحديد أي مرسى تقف عليه الآن معه؟
أنها فقط أرادت التحدث ليس أكثر.
شاهد تعابير ملامحها التي تتغير كل لحظة والأخرى وكأنها تحدث نفسها.
قال:
- ايه صعب؟
حاولت الهرب من حديثه لتعود إلى ما أرادت وقالت بضيق وانزعاج:
- أنت بتغير الموضوع وبتهرب بردو.
نفى ما قالته وهو يوجه لها نفس الإتهام بالهرب:
- أنتي دلوقتي اللي بتهربي.
تابعته قائلة بامتعاض:
- بس أنا اللي سألت الأول.
استاء من حديثها لأنه على علم تام بما تريد.
وفجأة أراد أن يبدل الأدوار وراقت له اللعبة:
- معلش مش في حضانة إحنا.
وجدها تسأله بضيق شديد يظهر على ملامحها:
- أنت إزاي كده.
لوى شفتيه قائلًا:
- كده ايه.
خرجت الكلمات منها بنفعال بعد أن احتارت في وصفة.
بكل أريحية يجلس الآن ينظر إليها بعينيه الخضراء الصافية.
يخفي نظرته المخيفة عنها وكأن لم يكن هناك أي شيء سيء فعله معها:
- مبقتش فاهمه أي حاجه منك بجد.. عصبي ودبش، قاسي وعنيف، ولا حنين وطيب، عادل وحكيم لأ وبتتكلم معايا دلوقتي عادي كده من غير ما عينك تبصلي البصة اللي بتخوف دي.
ارتفعت ضحكاته التي لم تخرج مؤخرًا إلا معها هي بسبب تلك العفوية الغريبة التي تستدرجه إليها بكامل إرادته:
- أنا عيني بتخوف؟
أومأت إليه دون خوف مؤكدة:
- آه.
صمت وهو ينظر إليها ومازال يضحك.
فابعدت الضحكات عنه وهي تقول بضعف وحزن ظهر عليها:
- جبل.. احكيلي.
تنهد بعمق وهو ينظر إلى ضعفها ويشعر بمدى المعاناة التي تمر بها.
خصوصًا أنها امراة حرة فضولية تريد أن تكون على علم بكل شيء.
أردف بجدية شديدة:
- ماينفعش.. جبل اللي أنتي عرفتيه ماينفعش يتهز ولازم يفضل زي ما هو.
وكلمة مني يا غزال طالما أنتي عايزة نبقى كويسين هبقى كويس معاكي بس طول ما أنتي مش بتغلطي.
احتارت وهي تقترب منه تشير إليه بيدها على مدى الإرهاق التي تشعر به كلما فكرت به أو بشيء يخصه.
تدلي إليه بعذابها في الأيام السابقة وسعادتها بأن الطريق فتح بينهم:
- لو اتكلمت معايا هتريحني.. أنت مش فاهم دماغي فيها ايه.. أنا ما صدقت بقى في كلام بينا لأن أنت الوحيد اللي ممكن يريحني.. طول الوقت دماغي كانت مش بتفصل تفكير وتسأل أسئلة مش لاقيه ليها إجابة.
لمعت عينيها بغرابة وهي تحاول بكل الطرق أن تجعله يدلي إليها بكل شيء بحياته ويعترف بأسراره:
- طول الوقت مش فاهمه أنت ايه ولا عارفه أهرب منك إزاي لكن مرة في مرة حسيتك حد تاني ودي الفرصة اللي سرقتها علشان تتكلم.. أنا مستعدة انسى اللي حصل دلوقتي بس تريحني.
تفوه مستغربًا من طريقتها التي تحولت وكأنها مدمنة تريد الخلاص وهو بيده فقط:
- اريحك إزاي؟
وضعت يدها على يده تتمسك به قائلة وعينيها متعلقة به:
- قولي أنت فعلًا تاجر سلاح؟
وجدت الصمت عنوانه لم يدلي إليها بأي حديث.
فأكملت مرة أخرى تسأل:
- طب أنت قتلت فعلًا؟
الإجابة الصمت كالسابق.
فتابعت تضغط على يده تتأمل أن يجيبها:
- طب أنت راجل ظالم ومجرم؟
أبعدت يدها عنه وأصبحت تُشير بها وهي تتحدث بصدق موضحة له أنها لا تستطع العيش مع رجل مجرم مثله.
أما أن يتركها تذهب أو يعترف بالحقيقة:
- جاوبني.. أنا مقدرش أعيش معاك وأنا عارفه أنك كده مقدرش أعيش في نفس المكان حتى لو أنت بعيد عني.. جبل لو أنت فعلًا كده أرجوك خليني أمشي أنا مش هعوز منك أي حاجه وأقسملك إني مش هبلغ.
ابتسم بسخرية شديدة قائلًا:
- هو أنتي فاهمه إني خايف تبلغي؟
يبقى لسه معرفتنيش فعلًا.
أومأت إليه تؤكد ما قال ورأسها تكاد تنفجر من كثرة التفكير والحديث الذي لم يأتي بنتيجة معه:
- دي حقيقة أنا مش عرفاك.. دي تاني مرة نتكلم مع بعض بجد كل اللي شوفته منك أفعال كلها بتناقض بعضها بسببها دماغي بقت متلغبطة.
تنهد وهو ينظر إليها بعمق وقال بثقة وتأكيد:
- كل اللي أقدر اقولهولك ارتاحي يا زينة.
استغربت نطقة لاسمها بهذه الطريقة.
فرددته باستنكار:
- زينة!
ضرب على يده وهو يضحك ساخرًا قائلًا بتهكم:
- أنتي محسساني إني لما بقول زينة كده بقول اسم واحدة تانية.. هو مش ده اسمك بردو.
ابتسمت على حديثه وعيناها تلمع بطريقة غريبة.
كنجم لامع بقوة بين ظلام السماء.
قالت برفق وهدوء تنظر إليه:
- تصدق غزال أحلى.
ظل ينظر إليها للحظات والأخرى يتابع نظراتها نحوه وحديثها معه كل هذا الوقت.
وليست المرة الأولى.
لهذه الدرجة هي امرأة فريدة من نوعها كي تجعله يجلس هكذا ويتحدث معها ويضحك أيضًا.
- شايف لمعة غريبة في عينك.. يمكن هتحبيني!
كانت تنظر إلى عيناه مباشرة واخترقت الكلمة قلبها مرة أخرى غير الأولى.
لكنها تحدثت تجيبه بقوة تنظر إلى داخل عيناه دون خوف تقول ما لم يستمع إليه سابقًا.
تذكره أنه من كسرها بكامل إرادته الحرة.
وتعلمه بأن ما صدر منها ما كان إلا ضعف:
- بتتكلم عن الحب كأنه حاجه سهلة أوي بأيدينا.. حتى لو سهلة وتنفع معاك متنفعش أنا مستحيل انسى اللي عملته فيا.. كله كوم وكسرتك ليا كوم لأنك عملت كده وأنت عارف إنك بتكسرني وبتذلني.
ولو فاكر إني لما سبتلك نفسي كده خلاص فلا.. دي كانت لحظة ضعف مني وندمت عليها لأنها مكانتش المفروض تحصل.
تابع نظراته نحوها، يشعر بكل كلمة خرجت من داخل قلبها ليس فمها أو شفتيها تدلف إلى قلبه مع تلك الأسهم الذي تخرج من عينيها تلقي إياه بها بعنف.
- مبتردش ليه؟
قال وهو يبعد وجهه عنها:
- كفاية كلام.
سألته تحاول أن تنظر إليه وترى ملامحه بعد حديثها:
- ليه؟ علشان قولت الحقيقة ولا يمكن تكون وجعتك.
وقف على قدميه بعد أن ارهقه الحديث معها.
فهو جميعه يحتاج إلى تحليلات يرفعها إلى نفسه ثم إن كانت تجوز أن يدلى بها تعبر من بين شفتيه وتخرج.
وهو لم يعتد على ذلك أبدًا.
أبتعد وهو يقول بنفاذ صبر:
- علشان كلامك كله بيحتاج تبريرات أنا مقدرش أقولها.. وكله استدراج ليا علشان أتكلم معاكي وافتحلك قلبي زي ما قولتي.. زينة أنا وأنتي اخرنا قعدة صافية زي دي أكلمك فيها كلمتين زي دول أكتر من كده لأ.. لأن دي أسرار وآه أنا تاجر سلاح وقاتل ومجرم.
كذبته وهي تقف تتقدم منه تقول بمنتهى الثقة ما الذي تشعر به تجاة رجل حكيم عادل لا يصلح أن يكون غير ذلك:
- مش حاسه بده.. تصرفاتك الأخيرة وكل الكلام اللي حوليا خلاني أعيد حساباتي وأفكاري فيك.. مافيش مجرم بيعمل كده.. أنت نفس الشخص اللي قالي أن قلبه مافيهوش رحمة...
أشارت إلى نفسها وهي تعترف بأنه رجل لا يوجد به إلا كل الخير:
- أنا زينة مختار بقولك أن قلبك مافيهوش غير رحمة وبس.. والقسوة دي معرفش سببها ولا جات منين بس أنا عندي فضول هيموتني علشان أعرف أصل الحكاية.
أشار إليها بيده مستنكرًا وعيناه تجوب وجهها بذهول:
- بردو الفضول ده.. أنتي مش بتحرمي أبدًا.
أكمل بقسوة تعود إلى موضعها الأصلي تخرج منه بصرامة وعنف وعيناه بدأت في التحول:
- حاولي متمشيش ورا فضولك علشان ممكن يوقعك في غلط أكبر مني ومنك.. وقتها هتنوري في الجبل ومش هسمي عليكي.
استدارت تعطيه ظهرها تزفر بضيق لأنه يعود معها إلى نقطة الصفر.
بعد أن أيقنت أنها إن استمرت معه هكذا سيكون كتاب مفتوح لها إن لم تخطئ:
- رجعنا للغرور والتكبر والكلام الزفت اللي زيك.
شعر بها وبما جال بخاطرها فعاد يقص عليها ما قاله يطمئنها بأنه لن يعود ذلك الشخص القاسي مرة أخرى:
- بعرفك بس.. متزعليش أوي كده أنا مش برجع في كلمتي قولتلك خلاص هنتعامل كويس.
عادت تنظر إليه وقالت بفضول قاتل:
- ماشي بس ايه الغلط اللي ممكن يكون أكبر منك.
ضغط على شفتيه بقوة بعدما انفعل بسبب فضولها الزائد عن حده.
فهي لا تترك الكلمة تمر مرور الكرام، قال بضيق:
- أنتي مش بتهمدي.
رن هاتفه على الفراش فتقدم يأخذه نظر إلى شاشته وعاد إليها قائلًا:
- معايا تلفون مهم.
ذهب إلى الشرفة بعد أن فتح الهاتف ودلف ليتحدث به وترك الأوراق على الفراش كما هي.
جلست هي مرة أخرى تنتظره تفكر في حديثهم المتناقض ونظراتهم الغريبة.
حديثه عن الحب بطريقة غريبة مبالغ فيها.
هروبه منها وعدم إجابته على أي من أسئلتها بإجابة واضحة مريحة.
طريقة تواصلهم الذي اختلفت كثيرًا وهي التي لم تعد تفهم شيء أكثر من السابق حتى لم تفهم نفسها!
ما الذي يحدث معهم!
حركت رأسها بقوة وهي تشعر بالصداع يداهمها من كثرة الأفكار.
وحاولت طردهم إلى أن تنهي النقاش معه لتبدأ بالصداع وهي تفكر بعد انتهاء الحديث ليكن مرة واحدة.
نظرت إلى أوراقه الذي كان مهتم بها للغاية.
ثم عادت بنظرها إليه لتراه يقف في الشرفة يتحدث في الهاتف يعطي إليها ظهره.
انتهزت الفرصة عندما أدركت أنه مشغول عنها وهذه الأوراق شغلته أكثر أثناء الحديث.
فازاد فضولها نحوها وتقدمت منها وهي جالسة على الفراش تضغط على شفتيها بحدة وهي تتمسك ببعض منهم.
رفعت الأوراق أمام وجهها وأخذت تقرأ محتواها وهي تبدل من ورقة إلى الاخرى.
ثم وقفت بعينيها على حين غرة ودققت النظر وعينيها تتسع بصدمة وذهول.
ألقت ما بيدها وأخذت من بقية الأوراق على الفراش وعينيها تتسع أكثر وأكثر.
لم تستطع أن تبتلع تلك الغصة التي وقفت بحلقها وهي تقرأ ما كتب على الأوراق وتلك التواقيع أسفله!!
كل الأوراق تنص على الإجرام الكامل!
كل الأوراق تقتل البشر، كل ما كتب ينص على قتل النفس والتحريض على ذلك.
حقائق وأسرار بشعة تنظر إليها بعنيها ولا تصدق ما تراه.
وكأن الآية انقلبت!
رفعت وجهها عنهم مُحركة شفتيها ناطقة بارتجاف:
- إزاي.. معقول!؟
حقيقة أخرى تحل عليها من المساء بطريقة غير معقولة.
وكأن الله يبعث إليها الحقائق واحدة تلو الأخرى لتستطيع التفريق ومعرفة البشر وما يفعلون من حولها.
احتلت الصدمة كيانها وارتجف جسدها والشريط المار على عقلها لا يتوقف بكل ذكرى راحلة منذ البداية إلى الآن!
رأته يدلف من الشرفة ينظر إليها والأوراق بيدها.
تابع نظراته ببرود تام ووقف شامخًا أمامها يعود لعصره بعدما علم أن فضولها ساقها إلى تلك الأوراق وعلمت محتواها!
لكنها كانت في حالة أخرى بعيدة كل البعد عن التفكير به.
بل كانت تفكر بحياتها الضائعة سابقًا والآن!
رواية سجينة جبل العامري الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندا حسن
نظرات مُتألمة ومخدوعة في سنوات راحلة، ملامح لا تصدق الصدمة التي رأتها من باب الصدفة وأدركت مدى خطورتها على حياتها وحياة ابنتها.
قلب في لحظة تهشم وأصبح فُتات ليس له أي قيمة، جسد يرتجف بعنف يظهر على حركاته اللا إرادية الذهول التام.
أدرك حينما أبصر الحقيقة أن أرضه كانت محتلة لسنوات عديدة.. ولكنها أحتلت بالحب والحنان.. أحتلت بالعطاء الوافر وفي الخلفية كانت الجرائم لا تعد ولا تحصى.. لم تدرك ذلك إلا الآن من باب الصدفة!؟
ترقرقت الدموع بعينيها الحادة ورفعت الأوراق بيدها إلى الأعلى لينظر إليهم ثم صاحت بصوت مرتجف مُتردد:
- ايه ده؟
جذب منها الأوراق بعنف وخرج صوته بحدة:
- أنتي مش هتهمدي؟.. مين قالك تمدي ايدك على الورق ده
صرخت بوجهه وهي تنهار وكل حصونها تقع مدمرة حولها من هول الصدمة فلا تستطيع تحملها:
- رد عليا بقولك.. رد عليا ايه ده
أجابها بعجرفة وهو يقف أمامها شامخًا يعلم جيدًا ماذا رأت لتكن بهذه الحالة:
- ميخصكيش
عارضته بقوة وحده وصوتها يعلو أمامه:
- لأ يخصني.. يخصني أكتر منك
تقدم منها يقف أمامها أكثر إقترابًا عندما رق قلبه ناحيتها ورأى رعشة جسدها الواضحة وملامحها التي تحولت إلى أوراق ذابلة:
- قولتلك يا زينة بدل المرة عشرة اتحكمي في فضولك وخليكي في حالك أنتي مش هتوصلي لأي حاجه إلا لو أنا اتكلمت وأنا مش هقولك حاجه لأن الحقيقة هي اللي قدامك بس أنتي مش مقتنعة
صرخت بوجهه منفعلة وهي تشير بيدها الاثنين بهمجية شديدة:
- ما تولع.. ياخي ما تولع أنا دلوقتي بتكلم في الورق ده! يونس؟ يونس كان عارف كل حاجه أنت بتعملها كان شريكك؟
تعلقت عينيها به عندما وجدته صامت لا يُجيب، أطالت النظر إلى عينه الحادة فلم تدرك ما تقول وإلى ماذا تشير! وضعت يدها على صدرها تستعطفه وحالتها مذرية:
- رد عليا يا جبل.. أبو بنتي كان بيعمل كده معاك؟ كان عارف كل حاجه عنك؟
أومأ إليها برأسه بقوة وتأكيد وبعدما كان مظهرها يؤثر على قلبه الجاف القاسي تهللت أساريره وهو يراها فرصة مناسبة لإبعاد "يونس" عن قلبها للنهاية وأن يرق قلبها ناحيته هو:
- آه كان عارف
صرخت بعنف وقسوة وصوتها الحاد يخترق أذنيه قائلة بانهيار:
- لأ.. لأ كدب... كدب
كان أناني للغاية في هذه اللحظات عندما وقف بجمود يتحدث بقسوة لن تفيد أي شخص إلا هو:
- أنتي مجنونة ولا ايه، سألتي ورديت والورق قدامك يثبت وأنتي عارفه إني مش كداب
تقف الدموع حبيسة على أعتاب جفنيها تأبا الهبوط بهذه السهولة أمامه ولكن الصدمة كبيرة للغاية على استيعاب عقلها وقلبها:
- لأ قول غير كده أرجوك.. قول غير كده إزاي يونس؟ لأ طبعا مستحيل
حرك كتفيه وهو يستلذ بهذه النظرات الخارجة منها الغير مصدقة لما رأته وما قاله عن شقيقه ولكن في نفس الوقت تتغير هذه النظرات إلى الصدمة والذهول الذي يبغضه:
- طالما أنتي شايفه إنه لأ براحتك
تقدمت منه للغاية وأمسكت بيده بقوة تجهش في البكاء في لحظة ضعف أقل ما يقال عنها أنها جعلت قلبها فتات ملقى على الأرض بإهمال من قِبل شخص تخلت عن بصرها لأجله! الدموع تنهمر من عينيها بغزارة كأنها كانت حبيسة لسنوات والآن تحررت..خرجت الكلمات منها مُتعثرة تتليها شهقات مُتفرقة ونظراتها نحوه تطالب بأن يكذب كل شيء فليس من السهل عليها أن تتحمل هذا أيضًا:
- جبل علشان خاطري.. قولي الحقيقة كلها.. ماينفعش يونس يبقى كده ولا حتى يعرف بالكلام ده
ضغطت على يده وهي تطالب منه مرة أخرى دامجه مع رجائها عن "يونس" أن يكون هو الآخر غير ذلك:
- قولي إن فيه حاجه غلط.. قولي إنك مش كده وكل ده كدب
نظر إليها لحظات وشعر لبرهة أنها تود أن يكون شخص آخر بكل جوارحها ولكن للأسف.. تحدث بجدية وهدوء، ينعم بثبات غير طبيعي أمامها:
- دي الحقيقة.. أنا كده جبل العامري مجرم وقاتل ويونس كان عارف كل حاجه عني وكان شريك
دب خنجر داخل قلبها مُعتقد أنه مازال في موضعه بكل قسوة وأنانية:
- اومال أنتي مفكرة أن الفلوس اللي كان بيصرفها عليكم دي منين
تركت يده وبقيت ترتعش أمامه، أردفت سريعًا توضح له وتنفي ما يريد التلميح له:
- من شغله.. كان شغال في شركة محترمة ومكناش أغنية بالعكس كنا زي أي حد
تعالت ضحكاته وهو يُسير مبتعدًا عنها متقدمًا من خزانته ليضع الأوراق في مكانها وهو يقول ساخرًا منها:
- عيشتي خمس سنين أنتي وبنتك وأختك بفلوسه اللي سابها وزي أي حد؟ أنتي بتضحكي على نفسك
صرخت به وهي تنهار مرة أخرى وأخرى وبكائها لا يتوقف ويرتفع صوت شهقاتها في أذنيه لا تتحمل ما يقوله ولا تستطيع استقبال تلك الصدمة:
- ماينفعش والله العظيم ماينفعش.. يونس!
أُطمست على وجهها وأزالت عبراتها وهي تحاول أن تتحلى بالثبات قائلة بروعة:
- يونس كان طيب وحنين.. راجل بجد ومحترم ومثقف.. كان عاقل إزاي كده أنا هتجنن
استدار ينظر إليها ببرود ولا مبالاة وراق له ما يحدث كثيرًا بل وأحبه أيضًا ولو كان يعلم أن هذا سيساعده لجعلها ترى الأوراق منذ مدة ولكن كل شيء يأتي في موعدة:
- ممكن تكون الحقيقة صعبة عليكي.. بس في النهاية هي دي الحقيقة
أشارت إلى نفسها وهي تتحرك في الغرفة تحدث نفسها باستنكار وانهيارها الداخلي أصعب بكثير مما يظهر عليها:
- كان بيبعدني عن الجبل وعنك علشان كده! كان بيحذرني منك وأنا مكنتش فاهمه حاجه طلع كان عارف
وقفت تتابعه والكلمات تخرج منها بعفوية:
- كان عارف وكان شريكك.. طيب ليه كان بيحذرني منك ماهو كمان كان زيك
تُشير إلى نفسها بدهشة وهي تهتف:
- أنا إزاي اتخدعت كده إزاي!
نظرت إليه بأمل واقتربت منه لا تستطيع تقبل ما يحدث، لا تستطيع أن ترى زوجها الراحل بهذا الشكل والهيئة الذي عليها شقيقه.. قاتل، مجرم.. لا تستطيع فهو حقًا لم يكن هكذا:
- الورق ده أكيد مزور.. أكيد غلط أنت عملت كده علشان أشوف يونس زيك صح.. قول الحقيقة أنت اللي عامل كده
وضع يده بجيب بنطاله كعادته الباردة وهو يتابعها دون ذرة رحمة أو شفقة لحالتها الجنونية المنهارة:
- أنا لو عملت كده هستفاد ايه مثلًا
أشارت إليه بقوة وصاحت بصوت مرتفع عالٍ تقول ما أراده حقًا ولكن لم يفعله فهو لم يأتي بخلده أن يفعل ذلك من الأساس:
- إني أكره يونس علشان أنت عارف إني لسه بحبه.. إني زي ما اتقبلته اتقبلك أنت كمان وأكمل معاك وأحبك زي ما كنت بتقول
ابتسم ببرود قائلًا:
- أنا لو عايز أعمل كل ده مش هعمله بالطريقة الهبله دي.. عندي طرق تانية أحسن وأسرع كتير
وضعت يدها على ذراعه تستطعف كل عضو به وعينيها تذرف الدموع بغزارة ويدها الموضوعة عليه يشعر بارتجافها.. قالت بانكسار وهي تسير خلف أي شيء يكذب ما علمته:
- جبل فهمني.. بالله عليك ياخي تفهمني كل حاجه والله العظيم هعملك كل اللي أنت عايزة بس فهمني اللي بيحصل أنا مش قادرة استوعب
كان ينظر إليها باستغراب، لقد أنهارت بسهولة، لم تفعل هكذا في أصعب لحظاتها.. لم تنهار هكذا عندما أقترب منها ولم تنهار هكذا عندما أخذها الجبل، لم تنهار بهذا الشكل في أي لحظة مرت عليها معه.. أيعقل إلى هذه الدرجة كانت تعشق شقيقه وتراه رجل غير أي رجل:
- أنا عمري ما شوفتك كده
انسابت الدموع من عينيها بكثرة وضغطت على يده وهي تجيبه بتعلثم:
- دي صدمة عمري.. أنت قتلتني بجد
أكملت على حديثها تحت نظراته المستغربة إياها:
- أو هو اللي قتلني.. مبقتش عارفه مين فيكم الجاني والمذنب ومين الكويس البرئ
أجابها بمنتهى السهولة ينظر إلى عينيها مباشرة بعينيه الخضراء المخيفة ثم قال:
- إحنا الاتنين مذنبين وأكتر.. بس في فرق بينا، الفرق إن يونس كان خواف وجبان كان مداري ده كله عنك بالحنية والحب وشوية الكلام الحلو بتاعه إنما أنا
ابتسم بخبث وحقارة ولذة المتعة تحلق في سمائه وهو يرى نظراتها نحوه التي تتحول كل لحظة والآخرى وعينيها لا تستطيع التحكم بتلك المياة المالحة الخارجة منها كأنها نهر جاري:
- أنا بقتل القتيل وأمشي في جنازته بس باختلاف أن كل الناس بتكون عارفه إني القاتل ومحدش بيقدر يرفع عينه فيا.. عارفه ليه؟ علشان أنا جبل العامري وأنتي أكتر واحدة عارفه صاحب الاسم ده ايه
تركت يده وابتعدت للخلف، لا تستطيع التحمل حقًا لا تستطيع..
الجميع يعلم كل شيء، يونس! يعلم وكان من شركاه، والدته، شقيقته، الخدم، الحرس، الجزيرة بأكملها والجميع يغلقون أفواههم بغراء!..
أين الشرطة؟ أين القانون، وأين هي ومع من وكيف ستستمر هنا وإلى متى! وما مصيرها
فارت الدماء بعروقها وتضخمت رأسها من كثرة الأسئلة وهي تنظر إليه بحدة وغرابة تهابه بطريقة لا توصف ومنذ لحظات كانت تتحدث معه بمنتهى الأريحية والبساطة..
ربت على كتفها وهو ينظر إليها وإلى ملامحها ويعلم جيدًا ما الذي تفكر به:
- اقتلي فضولك.. قبل ما اقتله أنا
فُدفعت يده بعنف ليبتعد عنها ترفع يدها إلى وجهها تمحي دمعاتها تزيل وجود أثرها ثم صاحت بشراسة وقسوة وهي تعود من جديد قائلة:
- فضولي مش هيموت وضميري هيفضل صاحي مش هبقى زيكم.. عمري ما هبقى زيكم وأنا اللي بقولك يا جبل مش هطلع من الجزيرة دي إلا وأنا عارفه سرك وسرها.. وهكون أنا.. أنا زينة مختار اللي أنت ارغمتها على العيشة هنا هي السبب في خراب كل اللي بتعمله وأنا قولتلك الكلام ده أول ما وقفت قصادك وأنا لسه عند كلامي.. وهيتنفذ وبكرة تقول زينة قال
تبسم وأكمل على حديثها ساخرًا:
- وريني شطارتك يا غزال
تهكم عليها أكثر وهو يقلل من قدرتها على فعل ذلك، سخر من كلماتها وهو يبتسم بتشفي قائلًا:
- متعرفيش أنتي الواحد نفسه يتغير إزاي ويبقى بني آدم زي ما بتقولي.. يلا عايز أشوف همتك
تغيرت ملامحها وصمدت أمامه وهي تصيح قائلة:
- هوريك.. مافيش حاجه اخسرها أكتر من كده، الراجل الوحيد اللي حبيته جوزي وأماني وسندي يطلع هو كمان مجرم وتاجر سلاح وقاتل أرواح الناس و.....
جذبها ناحيته من خصلاتها ليبقى وجهها أمامه مباشرة.. تحدث أمام شفتيها ببطء وتروي وكأنه يبعثه إلى داخلها:
- الله يرحمه.. أنا بس اللي جوزك دلوقتي أنا بس يا زينة!
دفعته بقبضة يدها في صدره ولكنه لم يهتز فصاحت بقسوة وعنف بعدما أدركت أنها وقعت ببراثن عائلة العامري عن حق:
- أنت وهو أوسخ من بعض ومكنش المفروض أعرف حد فيكم
قال رافعًا أحد حاجبيه للأعلى:
- قدرك ونصيبك.. ولسه الحلو مجاش
عادت للخلف بعدما تركها قائلة بجدية وثقة:
- مظنش في حلو وأنا معاك
ابتسم وهو يبتعد خارجًا من الغرفة شامتًا بها والسعادة ترفرف داخله بكل ما حدث منذ قليل.. كُسر أنفها بمعرفة حقيقة شقيقه الآن فقط لن تستطيع أن تقف أمامه وتتحدث عنه وتثرثر طيلة الوقت تشرح صفاته الذي لا مثيل لها.. أنهم الاثنين شخص واحد الآن.. هذا قاتل وهذا مثله.
جلست على الفراش وانتحبت في البكاء مرة أخرى، قلبها يدق بعنف وكثرة وجسدها بالكامل يرتعش.
الدموع تنساب من عينيها بغزارة دون إرادة منها وعقلها يلقي عليها كل لحظة مرت عليها معه، كيف له أن يكون هكذا؟ كيف استطاع أن يكون ذلك الشخص الحنون الراقي.. العاقل المثقف كيف استطيع تمثيل الحب بهذه الطريقة وهو قاتل مجرم بشع..
أنهارت قلعتها وأنهار مخدعها.. وقعت حصونها وسالت الدماء في كل مكان وليس هناك ناجي واحد من هذه الملحمة.. ما بقيٰ منها حطام امرأة تحاول جمع شتات نفسها لأجل أشخاص حياتهم متعلقة بحياتها.. والله لو كان بيدها لعرضت حياتها للخطر ألف مرة وهي تحاول الهرب..
ولكن بعد ما عملته لن ترحل.. لن تترك الجزيرة ولن تترك جبل، لن تبتعد عن قصر العامري وجزيرة العامري ستبقى هنا إلى أن تعلم كل شيء..
تخاف أن يكون حديثه صحيح وليس هناك ما يُخفى عنها وتنصدم مرة أخرى بأنه حقًا قاتل مجرم.. ولكن هناك شعور داخلها يكذب كل هذا يقول أن هناك ما يُخفى عنها وعليها أن تعلمه لأنها أصبحت داخل المعركة تحارب بكل جوارها لتستطيع الصمود والبقاء أمام كل هذه الصدمات..
لن تترك جزيرة العامري لن تفعلها.. إلا إذا سمحت لها الفرصة بذلك دون المخاطرة بحياة من معاها، ستترك كل شيء حينها وتذهب دون عودة..
❈-❈-❈
ذهب "جلال" إلى منقطة الجبل بعدما تحدث معه "عاصم" طالبًا منه اللحاق به إلى هناك، حاول أن يسأله ما الأمر الذي استدعاه لأجله ولكنه لم يتفوه معه بشيء والآخر قد استغرب كثيرًا لأن من المفترض إن كان هناك مهمة أو شيء كهذا سيعرف ومعه بعض الحراس ولكنه على أي حال ذهب مسالمًا ليعرف ما الذي يريده "عاصم" منه..
لم يرى أحد عندما وصل إلى هناك فنادى بصوته عاليًا باسمه ليظهر من العدم في لمح البصر وملامح وجهه حادة جامدة وعيناه مُثبتة عليه بقوة.... وقسوة.
أقترب منه ببطء وهناك حالة برود تامه توحي بها ملامحه مخالطة للجمود والقوة البادية عليه بينما في الداخل حربًا ضارية وأصوات كثيرة كل منهم يطالب بفعل شيء مختلف عن الآخر به ليتعلم الدرس جيدًا من أول مرة دون العودة إلى المراجعة.. ليكن تلميذ مجتهد..
وقف أمامه ثابتًا و "جلال" ينظر إليه باستغراب وإلى حالته فسأله يُشير بيده مستفسرًا:
- في ايه؟ جبتني هنا ليه ياعم
أجابه "عاصم بمنتهى البرود والحدة معًا وهو ينظر له بحقد وكراهية:
- علشان نتحاسب
لوى "جلال" شفتيه ساخرًا ناظرًا إليه بعمق وهو في قمة ارتياحه:
- نتحاسب؟ نتحاسب على ايه.. هو أنت عليك فلوس ليا لامؤاخذة
حرك "عاصم" شفتيه ورأسه بقوة معقبًا على حديثه معدلًا إياه:
- تؤ.. أنت اللي عليك
سأله مرة أخرى وهو لم يفهم شيء مما يتفوه به ذلك المعتوه:
- عليا ايه
- حق
نطق كلمته بمنتهى البرود الذي يملكه ثم في لحظة تحول إلى ذئب من أحد الذئاب في غابتهم وتمثل به عندما لكمة بقوة وعنف في وجهه بحركة مباغتة، ترنح "جلال" إلى الخلف وخرج صوته بخشونة شديدة وقوة وهو يُشيح بيده بعصبية مفرطة:
- أنت اتجننت ولا ايه يَلا
أنفعل للغاية بعدما لكمة "عاصم" ونظر إليه نظرة نارية والغل يملؤها فاقترب منه مرة أخرى وهو يلكمة ثانية بقوة أكبر من السابق وبحقد دفين وكره لا يستطيع السيطرة عليه بعدما أقترب من أغلى الأشياء على قلبه وليس أي اقتراب بل استحل كل ما بها له وأقترب إلى الحد الأعمق الذي لم يصل إليه هو بعد..
دفعه "جلال" للخلف ليبتعد عنه وهو لا يستطيع الدفاع عن نفسه لأنه يداهمه في لحظة مفاجأة ويريد أن يعلم ما السبب الذي يجعله يفعل به ذلك..
ازدادت النيران المتأهبة نحوه لتشتعل في أي لحظة لتحرقه وتحرق كل ما يصدر عنه، صرخ بقوة وعنف وعروقه بارزة من كثرة الانفعال:
- أنت شكلك اتجننت فعلًا يا عاصم.. عايز ايه
صرخ الآخر مثله بقوة وصوته عاليًا يرتفع بعنف، تحركه مشاعر الغيرة المكبوتة داخله ولا يستطيع التعبير عنها:
- أنا اللي اتجننت ولا أنت يا ابن الكلب
أشار إليه "جلال" بيده مهددًا إياه بنظرات نارية يتبادلونها معًا:
- ولاَ احترم نفسك قسمًا بالله ههينك أنا لحد دلوقتي مردتش عليك وعلى غباءك
أشار بيده الاثنين على صدره وهو يقترب منه يحثه على القدوم نحوه وبدأ العراك:
- لو تقدر ترد وريني يا جلال
غمزه بعينه وهو يرد عليه قائلًا واثقًا من نفسه:
- بلاش علشان هتزعل في الآخر.. وأنا مبحبش أزعل صحابي
سخر منه "عاصم" بشدة واسترسل في الحديث المهين إليه وهو يعبر عن مدى صغر حجمه بالنسبة إليه:
- صحاب مين يلاَ.. أنت نسيت نفسك ولا ايه أنا مش صاحبك أنت مجرد حارس زيك زي أي حد واقف ماسك سلاح.. أنت ماشي تحت أمري
أشار إليه بيده بعدما أكبت الكلمات التي استمع إليها من قلبه وعقله وأشعرته بالغيرة الشديدة التي لو بدأت في التضخم أكثر من ذلك ستحرق الجزيرة بأكملها:
- لأ أنا زيي زيك يا عاصم وأنا وأنت عارفين إحنا ماشيين تحت أمر مين.. ولا أنت هتعمل فيها الكبير
- أنا كبير غصب عنك
قال جملته بثقة وكبر ثم دفعة للخلف بعنف أسقطه أرضًا فرفع بصره إليه وهو يجلس على الأرضية بارتياح قائلًا بخبث:
- أنت شكلك متهزق جامد من جبل
ابتسم إليه وهو على دراية تامة بمدى خبثه وحقارته فقال بجدية:
- متحاولش تصطاد في الميه العكره
تفوه الآخر يكمل عليه بحديث ذات مغزى:
- متحاولش أنت تقف صلب.. أنا عارف إنك بتتهز
تقدم نحوه وانحنى بجزعه عليه ليمسكه من تلابيب ملابسه يرفعه ليقف أمامه مرة أخرى ثم صرخ بوجهه بعنف وقوة:
- مالك ومالها يلاَ.. عايز منها ايه
كان يدري أنه يتحدث عن "إسراء" وليس هناك أحد غيرها ليفعل كل ذلك لأجله، تلك الغبية التي قالت له ما حدث، افتعل الغباء قائًلا:
- هي مين دي
حرك جسده بعنف بين يده بغضب عارم وعصبية مفرطة هما المتحكمان الرئيسيين به الآن:
- أنت هتستهبل.. أنت عارف كويس مين دي
أكمل "جلال" على نفس النحو قائلّا ببرود:
- لأ مش عارف
لكمة قوية أخذها بجانب شفتيه على حين غرة ككل مرة سابقة فعلها "عاصم" فاعتدل "جلال" ثم خرج عن سيطرة نفسه وأعاد اللكمة إلى صاحبها مرة أخرى ليدخل معه في حرب ضارية كل منهم يسدد للآخر اللكمات أينما تأتي..
نشب بينهم عراك قوي محتد وكل منهم يغل على الآخر بطريقة أو بأخرى وخرجت سيطرتهم عن نفسهم بكل سهولة فـ "عاصم" كان يضربه بكل جوارحه في أي مكان يقابله بيده وقدمه ونيران غيرته تشتعل داخله دون حتى أن تتهيأ إلى ذلك نشبت في لمح البصر وعيناه تتذكر ذلك المشهد القذر الذي اختلى بحبيبته به وأخذ ما لا يحل له ولو كان استنشاق بعض من أنفاسها..
والآخر كان يضربه للأسباب أخرى عديدة منها حقده عليه بعدما قلل منه منذ قليل وقال ما يعتلي صدره واقفًا للبوح به وها قد فعلها وهو يرى نفسه مالك الجزيرة أو ملك على عرشه..
أعطاه "عاصم" ضربه خلف الأخرى بقدمه اليمنى في معدته بعدما جعله ينحني للأسفل لتخرج الدماء من فمه وأنفه بغزارة بعد كم اللكمات الذي أخذها.. دفعه للخلف ليقع على الأرض ملقى على ظهره ثم مسح "عاصم" بظهر يده الدماء الذي تسيل من شفتيه وفمه عائدًا إلى الخلف يخرج سلاحه من بنطاله سابحًا الزناد موجهًا إياه عليه بنظرة مميتة..
ثم أخرج هاتفه هو الأخر وفتحه ليظهر أمامه الفيديو الذي أُرسل إليه من "فرح" ليرفعه أمام وجهه فنظر إليه بقوة وتوتر فلم يكن يدري أبدًا أنها قامت بتصويره وأيضًا أرسلته إلى "عاصم"!.. من غيرها سيفعل ذلك؟ وهو الذي توقع أن "إسراء" من قصت عليه ما حدث ولكنها حقًا ضعيفة هلوعه لن تستطيع فعلها بعدما هددها بصراحة
خرج صوت عاصم بحدة:
- عرفت مين ولا لسه معرفتش
تصنع عدم فهمه لحديثه وحاول ضبط نفسه وهو يقول ببرود:
- ما تقول إنك بتتكلم عنها أنا معرفش إنك تقصدها
صرخ به "عاصم" وهو يدلي إليه بمدى كذبه يوضح أيضًا أنه يفهمه جيدًا:
- كداب يلاَ.. كداب وأنا هقصد مين غيرها
ابتسم "جلال" بسخرية شديدة:
- شوف أنت
وقف "عاصم" صامدًا محاولًا التماسك على ذلك الحيوان الحقير وقال بخشونة:
- جلال أنا مش ملاوع.. ورب العزة هدفنك مكانك.. قربت للبت ليه
أكمل الآخر ما بدأ به وهو يقول بكذب:
- هيكون ليه يعني.. حلوة وكتكوته وهي موافقة أنت اللي هترفض
ضربه بقدمه في معدته بقوة وهو ملقي على الأرض أمامه وجن جنونه وهو يستمع إلى حديثه عنها:
- هي مين دي اللي موافقة يا كلب
نطق اسمها ببرود وهو يشعل النيران داخله على الرغم من تألمه الذي يسير في أنحاء جسده بعد تبادل الضربات معه:
- إسراء
قال عاصم وعروق جسده بالكامل بارزة من كثرة الانفعال:
- متجبش سيرتها على لسانك
لعب على وتره الحساس وهو يشعره بأنه إلى الآن لم يتأذى وسأله بخبث ومكر:
- أنت محموق كده ليه
لم يخفي الأخر عليه سرًا وهو من الأساس لم يكن سر فهو يعلم جيدًا أن هناك علاقة تنشب بينهم:
- أنت عارف كويس أنا محموق ليه
أكمل وهو يُشير إليه ناظرًا إليه بجدية شديدة وخرج صوته بخشونة وقوة صارمة لا نقاش بعدها:
- أنا مش هحلف يا جلال بس دي قرصة ودن.. لو قربت منها ولو بنظرة أنا هقتلك وأنت عارف إني قدها
تعالت ضحكات الآخر وهو يسخر منه:
- خوفت
- لا لازم تخاف
ابتعد للخلف عنه ورفع سلاحه إليه موجهًا إياه ناحيته ثم بمنتهى البرود واللامبالاة خرجت منه طلقة نارية أصابته في يده اليسرى فصرخ عاليًا بقوة وعنف بعدما اخترقت الطلقة لحمه..
تجعدت ملامح وجهه وهو يتلوى على الأرض خلف الجبل من كثرة الألم ولم يكن متوقع أن يصل الحال بـ "عاصم" إلى أن يطلق عليه رصاصة نارية..
نظر إليه الآخر ببرود وهتف ساخرًا:
- قولتلك لازم تخاف
أكمل بعنف وقسوة لا نهائية وهو يعي ما الذي يتفوه به ويستطيع التنفيذ في أي لحظة كما فعلها الآن دون أن يرف له جفن:
- قسمّا بالله المرة الجاية ما هسمي عليك يا جلال
ثم تركه وابتعد عائدًا مرة أخرى إلى القصر تاركًا إياه على الأرضية الرملية يتلوى متألمًا مُمسكا بيده لاعنًا الساعة التي فعل بها هكذا لتغدر به تلك الحقيرة وتقوم بتصويره وإرسال ما حدث إلى "عاصم" لن يكون هناك أحد غيرها فعل ذلك..
بينما الآخر شفي غليله ولو قليلًا بعدما فعله به فلا يحق لأي أحد غيره أن ينظر إليها مجرد نظره أو يعبر من جوارها مستنشقًا رائحتها.. اقترابه منها كان بمثابة اقترابه من الموت ولكنه كان رحيم معه هذه المرة.. ولكن المرة القادمة إن وقع أسفل يده سواء عن طريقها أو غير طريقها لن يرحمه.. يقسم أنه لن يرحمه..
بينما هي، لم يأتي دورها بعد!..
❈-❈-❈
دلف إلى القصر والنيران تشتعل داخله، تحرق كل ما به، تمزق روحه وما داخلها من مشاعر تجاهها وحب لا يخمد بسهولة.. فهو حصل عليه بعد معاناة وانتظار طويل، بعد أيام وليال لم يفكر فيها بأحد ولم يترك لمشاعره العنان لتحلق في سماء الحب والغرام إلا عندما رآها هي وابتغى قربها وحبها..
تعبث به غيرته العمياء ويقتله المشهد المتكرر داخله وهو يقترب منها بكل سهولة وحميمية وهي تقف أمامه دون أن تتحرك أو تبدي أي اعتراض وكأن ما كان يحدث يروق لها ويسعدها..
ولكن كيف! إنها بريئة، طفلة صغيرة لا تفهم فيما كان يحدث معها منه، ليست خبيرة في أي شيء أنه عندما يهتف بابسط الكلمات المغازلة لها تدوب وهي تستمع إليه..تتغير تعابير وجهها وتتجه للاحتراق من كثرة خجلها، كيف لها أن تكون سعيدة ومرحبة باقترابه منها، أنه لا ينخدع بأحد، رجل أو امرأة لا ينخدع بأحد يستطيع أن يرى إن كان كاذب أو صادق يخدعه أو لأ وهي بريئة إلى درجة أنه لا يمكنه الشك بها أو بعفويتها ورقتها..
أخرج هاتفه من جيب بنطاله ووقف ينظر إلى شرفة غرفتها بأعين نارية غاضبة للغاية، قام بالاتصال بها أكثر من مرة وهي لا تجيب عليه، تدفقت الدماء بعروقه وانحبست أنفاسه من شدة الغضب.. ينظر إلى الهاتف مرة والشرفة ألف مرة.. ضوئها مشتعل، لم تنم بعد.. تحاول الهرب منه؟ تخاف أن يكون علم بشيء! لن يتركها.. لن يتركها إلا عندما تجيب عليه ويعلم منها كل ما حدث، سيحاسبها ولن يسمح لها أن تمنعه.. أنها تعلم ما يشعر به تجاهها حتى لو لم يعترف بعد.. أقل حق له أن يغير ويحترق من كثرة غيرته على من أحبها..
توقف رنين الهاتف بأذنه ليستمع إلى صوتها الهادئ الخافت فخرج صوته بانفعال:
- مبترديش ليه
أجابته بنبرة خافتة تنهي حديثها بسؤال مثله لتنهي المكالمة سريعًا:
- رديت أهو في حاجه؟
تفوه بجدية تامة ونبرة صوته حازمة مقررة أن عليها الهبوط إلى أسفل ليراها:
- انزلي أنا عايز اتكلم معاكي
امتنعت عن رؤيته قائلة بهدوء:
- معلش مش هعرف أنزل
صاح بقوة وارتفعت نبرة صوته صارخًا بها يأمرها بأن تفعل ما طلب وهو يكبح نفسه عن ترك مشاعره تنطلق عليها وتحرق ما يحيطها:
- بقولك انزلي عايزك
استغربت نبرة صوته الذي يتحدث بها معها فضيقت ما بين حاجبيها وسألته مُستفسرة:
- أنت بتتكلم معايا كده ليه؟
زفر بضيق وامتعاض وحاول تهدئة نفسه يطمس على وجهه بيده ثم قال برفق:
- اسمعي الكلام وانزلي أنا عايز أتكلم معاكي في حاجه مهمة
مرة أخرى تعارضه بعدما ارتفع صوتها قليلًا:
- وأنا بقولك مش هعرف أنزل
تنفُس بقوة ثم زفر الهواء من رئتيه بغضب جامح ولم يستطع السيطرة على نفسه أكثر من ذلك فقال بخشونة يفجر قنبلته في أذنها:
- كنتي بتعملي ايه مع جلال ورا القصر
أحاط الصمت خلوتهم، لا يستمع إلا لأصوات أنفاسه اللاهثة بفعل ارتفاع وانخفاض صدره بشدة وعنف، بينما هي قابلته بالسكوت أكثر من اللازم لم تتقابل معه حتى بصدى أنفاسها..
صرخ بقوة والدماء تفور بعروقه من شدة غيرته وما أحرقه وجعله يأن أكثر هو صمتها:
- ردي عليا كنتي بتعملي ايه
قابلته بصوت خافت برئ، مهتز مبعثر كأوراق شجر مبعثرة على الأرضية تود لو أحد يجمع شتاتها:
- أنا معملتش حاجه
وقف في مكانه ولم يتحرك يضغط على الهاتف بيده بقوة يستشعر نبرة صوتها المتوترة ويقتله صوت شهقاتها التي تحاول مداراتها عنه:
- أنتي بتعيطي؟
ارتفع صوت بكائها عندما علمت أنه أدرك ذلك، تركت لنفسها العنان لتخرج ما في قلبها مع أحد ولن يكن أحد أفضل منه:
- هو اللي قرب مني غصب عني... وهددني لو قولت لحد مش هيسكت
لوح بيده في الهواء بعنف وشدة يكبت جموحه، يقيد جسده وأعضائه يتحدث من بين أسنانه ضاغطًا عليهم بقوة:
- وأنتي ليه وقفتي كنتي اصرخي ولا اعملي أي حاجه
أجابته بضعف وقلة حيلة ونبرتها مرتجفة:
- هو كان معاه مطوة حطها في جنبي وهددني بيها.. أنا والله معملتش حاجه.. بالله عليك متقولش لحد يا عاصم علشان خاطري بلاش زينة وجبل يعرفوا
سألها بشك بعد الاستماع إلى آخر حديثها:
- أنتي خايفة ليه؟
أجابته بتوجس ورهبة ظاهرة:
- أنا.. أنا مش خايفة بس مش عايزة مشاكل
استنكر كلماتها بشدة وصاح قائلًا بغلظة يشير بيده في الهواء بهمجية دليل على مدى تعصبه الذي يحاول أن يكتمه:
- يقرب منك كده بالطريقة دي وتقولي مشاكل.. أنتي مجنونة
ارتجفت نبرتها أكثر وازداد صوت بكائها وقلبها ينتفض أسفل يدها الموضوعة عليه خوفًا من أن تعلم شقيقتها أو زوجها:
- علشان خاطري بلاش.. كفاية اللي حصل أنا مش هنزل تحت تاني خالص..
قال سريعًا يقاطع حديثها:
- انزلي أنا محتاج نتكلم
رفضت قائلة بجدية:
- أنا مش هنزل.. بكلمك أهو
كان يريد أن يراها يطمئن عليها، يستشعر مدى صدقها وكذبه، يرى براءتها ورقتها، يهدأ من روعه بالنظر إلى الملحمة القابعة داخل عينيها المختلطة بالسماء الزرقاء المتوسطة السحاب الأبيض..
علل بجدية شديدة ونبرته ملحة عليها أن تنزل إليه ليستطيع رؤيتها:
- مش واخد راحتي ومش فاهم حاجه.. عايز أفهم واشوفك
رفضت مرة أخرى وهذه المرة كانت قاطعة عندما ارتفع صوتها متخليًا عن نبرته الخافتة..
- مش هقدر
أدرك أنها خائفة من أن تتواجد هنا بالأسفل لأجل ذلك الحيوان الحقير فقال مهدأ إياها يطمئن قلبها:
- متخافيش أنا اخدتلك حقك منه.. مش هيقدر يرفع عينه فيكي تاني
خرج صوتها بلهفة وخوف:
- عملت فيه ايه
ضيق ما بين حاجبيه وضاقت عيناه أيضًا وهو يسألها بعد الاستماع إلى نبرتها المتلهفة:
- أنتي خايفة عليه
صمتت لبرهة ثم أجابته بالنفي قائلة بثقة وتأكيد:
- لأ طبعًا أنا بس.. أنا بس مش عايزة مشاكل قولتلك
تستمع إلى إجابة منه فقالت مرة أخرى تسأله باستفسار:
- عملت فيه ايه
أجابها بخشونة وغلظة وهو يتذكر الشجار الذي نشب معه منتهيًا لأنه تلقى منه رصاصة نارية:
- ربيته وبعد كده لو شافك في مكان هيختفي منه
سألته وهي تتنفس بعمق:
- للدرجة دي..
ابتسم بزاوية فمه يود لو يبوح لها بكل ما يكنه صدره عنها، لو يقول كم يحبها ويعشق البراءة الخالصة النابعة منها وكأنها هي من علمت البشر إياها، يقول إنه يلقي بنفسه في التهلكة لأجلها ولكنه اكتفى بقليل من الحديث قائلًا:
- وأكتر كمان.. قوليلي ايه اللي حصل وايه خلاه يعمل كده
روت إليه ما حدث منذ البداية بهدوء بعدما هدأت قليلًا:
- أنا كنت بتمشى تحت وبكلمك، بس أنت مردتش وصلت ورا القصر فجأة لقيته بيشدني وحاوطني قدام السور.. اتكلم معايا كلام غريب
ضيق عينيه وسألها بصوت رجولي حاد:
- كلام ايه
لوت شفتيها بعدم معرفة هي الأخرى فلم تفهم ما الذي كان يقصده أو ما الذي يُشير إليه فقط استمعت إلى حديثه والقته عليه:
- كنت بقوله يبعد عني علشان معملتش فيه حاجه بس هو فضل يقول إني عملت وقربت وحبيت.. حتى لسه بقوله أبعد عني يا جلال قاطعني وقالي عاصم
استردت تكمل بصوت مُتحير:
- أنا مفهمتش حاجه من اللي قالها.. ولا حتى فهمت ليه قرب مني كده وبعد، بس هو خوفني أوي وحسيت أنه بيخوفني من حاجه معينة بس أنا مفهمتش
صمت قليلًا وانشغل عقله بحديثها يكرره مرة وأخرى ودقت فكرة غريبة على رأسه لا يدري أهي صحيحة أو مجرد هاجس!..
قال بهدوء وهو يبتسم بزاوية فمه:
- ده طبيعي
سألته باستغراب فلم تفهم ما الذي يقصده هو الآخر بعد كل حديثها هذا:
- هو ايه
قال بابتسامة عريضة ظهرت على شفتيه فجأة لتظهر أسنانه من خلفها:
- إنك مش فاهمه أنتي كده كده غبية
صاحت بقوة وصوتها يصرخ في أذنه بعدما تمادى بوقاحته معها:
- احترم نفسك أنا مش غبية
عبث معها أكثر رافعًا أحد حاجبيه يشاكسها لتخرج مما هي به ولتعود لطبيعتها الخجلة الرقيقة فتلك الحزينة لا تليق بها أبدًا:
- خوافة طيب؟
صرخت باسمه بانفعال:
- عاصم
صدحت ضحكاته وهو يستمع إلى صراخها ثم خفض صوته وقال بنبرة نادمة حزينة:
- أنا آسف
سألته باستغراب:
- على ايه
وضح لها بصوت رجولي جاد، يتغلغل داخلها ويهدد كيانها بالانهيار والسقوط راكعًا إليه مطالبًا بالحب إن لم يكن يحب:
- لو كنت جنبك مكنش حصل كل ده أو حتى لو رديت عليكي أنا آسف سامحيني
تفوهت بنبرة رقيقة للغاية، هادئة إلى أبعد حد وكأنها تلقي عليه تعويذة غرام تسحره لها تجذبه ناحيتها ليطالب بالبقاء معها إلى المنتهى وما بعده:
- أنت مالكش ذنب في حاجه
رفض حديثها وهو يشعر أنها ملكه، له وحده امرأته وحبيبته هو الحامي والحارس لها.. هو الدرع الواقعي والوجه المتصدي لأي خطر يتجه ناحيتها:
- أنتي مسؤولة مني
صمتت قليلا وصوته يدلف إلى أعماق قلبها وبالأخص إن كان يتحدث بهذه الطريقة المغرية للغاية والمطالبة بالحب بل بكل الحب والغرام..
قالت اسمه بنبرة خافتة:
- عاصم
مشاعر غريبة اجتاحته وهو يستمع إلى اسمه من بين شفتيها يخرج بهده الرقة والنعومة، تدفعه إلى الاعتراف بكل شيء يكنه لها فقال برقة هو الآخر يبادلها:
- قلبه
لبرهة ابتسمت واتسعت ابتسامتها وهما يلقيان التلميحات لبعضهما البعض وكل منهما يعلم ما في مكنون الآخر له.. قالت بجدية:
- مش عايزة حد يعرف حاجه عن اللي حصل.. لو سمحت
أومأ برأسه قائلًا بجدية:
- حاضر
بدأ في محادثتها بعيدًا عن ما حدث بعدما خفف عنها بحديثه الساخر الممازح لها ولكنه كان من داخله يشعر بالالتهاب الحارق والمميت بسبب غضبه وغيرته، تتدفق الدماء بعروقه أكثر وأكثر وهو يتذكر ما فعله ذلك الحيوان وتكرر عليه أذنه صوت شهقاتها وبكائها الخافت..
لن يفكر كثيرًا فيما حدث، بل سيفكر في القادم، سيفكر بما سيخطط له ليكتشف تلك الفكرة التي طرأت على عقله.. صحيحة أم ليس لها وجود من الأساس..
ليترك حبيبته، ليترك حبه وغرامه جانبًا الآن وليتجه إلى الأعمق والأكثر خطورة..
❈-❈-❈
"بعد منتصف الليل في اليوم التالي"
واقفة في شرفة غرفتهم في الأعلى تنظر إلى أسفل تتابعه بعينيها وهو يتنقل بين الحرس يتحدث معهم بجدية وصرامة ظاهرة، وحركة الجميع متوترة وكأنهم ينتظرون حدث مهم ينبه عليهم بالالتزام بتعليماته وتنفيذ أوامره..
ظهر "جلال" ليقف أمامهم رافعًا ذراعه أمام صدره برباط طبي أثر ما فعله به "عاصم" في الأمس..
نظر إليه "جبل" مستنكرًا مظهره وسأله بجدية مضيقا عينيه على ملامحه:
- ايه اللي عمل فيك كده
أبعد "جلال" بصره إلى "عاصم" يخترقه بنظرته الحاقدة الكارهه له، لم يكن يستطيع أن يقول ما حدث بينهم لأنه سيكون المتضرر إن لم يقتله جبل لأنه تعدى على أهل بيته ولكن هذا لا يعني أنه سيبتلع ما فعله به..
- رصاصه طايشه خرجت من سلاحي وأنا بنضفه
تفوه بجدية متابعًا إياه:
- مش تخلي بالك
أومأ الآخر رأسه قائلًا بامتعاض:
- أهو اللي حصل
رن هاتف "عاصم" فابتعد قليلًا عنهم يجيب عليه يتحدث بجدية، لحظات وعاد إليهم يشير إلى جبل قائلا بجدية:
- وصلوا يلا بينا
قال موجهُا حديثه لجلال:
- خليك هنا
أجابه معترضًا وهو يتحرك معهم:
- لأ هاجي معاكم متقلقش أنا تمام
أومأ إليه جبل وهو يبتعد يسير إلى الخارج ومع "عاصم" و "جلال" الذين يتبادلون النظرات الحارقة لبعضهم البعض..
وخلفهم البعض من رجال حراسته المتواجدين في القصر..
نظرت إليهم باستغراب واعتدلت في وقفتها، إنه لا يترك القصر دون حراسته أبدًا.. لقد ترك عدد قليل للغاية هنا ربما أربعة أو خمسة متفرقين في أنحاء القصر يتخفون في الأشجار وهم ينتقلون داخله بسبب قلة عددهم..
مؤكد هناك شيء سيحدث ليفعل هذا.. شيء مهم للغاية!..
حركت عينيها يمينًا ويسارًا بتفكير.. عليها أن تكن من الحاضرين في قلب الحدث..
ولجت إلى الداخل وأخذت هاتفها من على الفراش ثم هبطت درجات السلم سريعًا لتذهب خلفه وترى إلى أين هو متجه ولكن يبدو أنها تعلم.. إلى أين سيذهب إلا إلى "جبل العامري"!
خرجت من البوابة الداخلية للقصر وهي تنظر حولها، أبصرت حارس يقف على البوابة الخارجية مؤكد سيمنع خروجها وإن خرجت بموافقته فسيقوم بمحادثته ليبلغه أنها خرجت..
تنفست بعمق وسارت بهدوء ثم وقفت أمامه قائلة بصوت جاد تنظر إليه نظرات حادة:
- أنا سمعت صوت ورا القصر شوف في ايه
أومأ إليها دون حديث ثم ذهب ليتأكد مما قالت له دون أن يُخون حديثها، انتهزت الفرصة بعد ابتعاده للداخل ولا أحد من الباقيين يراها.. فتحت البوابة ببطء فتحة صغيرة للغاية لتخرج جسدها منها ثم جذبتها خلفها سريعًا بهدوء كي لا يرتفع صوتها ويعلم أنها خرجت..
لم ترى طيفهم حتى في الطريق المظلم أمامها، استغربت اختفائهم بهذه السرعة فسارت راكضة متوجهة إلى "جبل العامري" لترى أن كان هو هناك أو لا ولا تترك هذه الفرصة الذهبية تضيع من يدها لتبدأ بالبحث عنه..
وصلت إلى هناك بعد دقائق قليلة للغاية وهي تركض وكان حدثها صحيح.. لم تستطع أن تتقدم من الجبل فقد كانوا يقفون أمامه.. أمام بوابته الحجرية الضخمة..
بقيت بعيدة عنهم لم تقترب، سارت تعاكس طريقهم لتقف خلف شجرة بعيدة ولكن تستطيع أن ترصدهم جيدًا من ورائها..
يخرجون كمية كبيرة من الصناديق من داخل الجبل، يقفون والسـ ـلاح بيدهم، ويقف رجلًا مقابلا لـ "جبل" زوجها لا تستطيع أن تبصره جيدًا بسبب جسد زوجها الذي يحجبه عنها..
أخرجت الهاتف من جيب بنطالها سريعًا وقامت بتشغيل الكاميرا تسجل كل ما يحدث، تستطيع أن تتحكم بالكاميرا أكثر لتقترب من أجسادهم ووجوههم وكأنها تقف بينهم، وضعت الكاميرا لدقائق على مخرج الجبل ترصد الرجال وهم يخرجون منه بالصناديق، تتحرك بالهاتف بيدها لتأتي بظهر جبل الغير واضح وذلك الرجل الذي يقابله ومعه "عاصم" وكثير من الرجال..
أقترب الرجل الذي كان يتحدث معه يفتح أحد الصناديق ليظهر جسده وجهه بالكامل في الكاميرا يخرج من الصندوق سلاح يرفعه للأعلى ينظر إليه مبتسمًا..
كالهفوة مرت بعينيها إلى جانبها للأمام وعادت مرة أخرى تتابع ما تفعله، ولكن عينيها اتسعت للغاية وصدمت لا تستطيع تفسير ما رأته!..
رجل آخر يقف على بعد كثير منها، يقترب من "جبل" ومن معه أكثر يتخفى خلف حجارة كبيرة للغاية تبتلع جسده ورائها، يقوم هو الآخر بتسجيل كل ما يحدث بينهم!..
من ذلك!؟
طُرح السؤال على عقلها أكثر من مرة في ثانية واحدة، سريعًا عدلت تفكيرها لتصب تركيزها على ما يحدث ثم أبعدت الكاميرا عليه هو الآخر لتحتفظ به معهم!..
ولكن يبقى السؤال من ذلك الشخص!؟
لمحت بطرف عينيها زوجها "جبل" الذي استدار للخلف ينظر بعينيه الخضراء المخيفة اللامعة في وسط ظلام الليل.. استدارت خلف الشجرة سريعًا تلهث بعنف وصدرها يعلو ويهبط خوفًا من أن يكون أبصرها!..
❈-❈-❈
"يُتبع"
رواية سجينة جبل العامري الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندا حسن
"ركضت بين دروب القسوة ولم أجد يومًا مأوى يحتويني بحب"
انقبض قلبها وأخذت وتيرة أنفاسها تتعالى أكثر وهي تقف خلف الشجرة تحاول مداراة نفسها عن أعينه تتمسك بالهاتف بين يديها الاثنين بقوة شديدة..
لحظات مرت والأخرى وهي تقف كما هي ثم استدارت بجسدها وقدمت رأسها من خلف الشجرة تنظر عليهم من بعيد فوجدتهم كما هما وعاد "جبل" ينظر إليهم يتابع ما يحدث معهم، يحملون الصناديق على السيارات المفتوحة يهمون بالرحيل..
بعدت بعينيها إلى ذلك الرجل الذي كان يقوم بتصويرهم لتجده كما هو يقف يكمل ما بدأ به يسجل كل ما يصدر عنهم..
قامت بحفظ كل ما سجلته الكاميرا وأخفت الهاتف داخل جيب بنطالها.. نظرت إليهم نظرة أخرى ثم ركضت سريعًا تعود إلى المكان الذي أتت منه..
أخذت طريق العودة إلى القصر كله ركضًا خوفًا من أن ينتهي مما يفعله ويعود هو الآخر ليراها في الخارج ويدري بما فعلته.. إنه حذرها أكثر من مرة لا تعتقد أنه سيصمت أمامها..
وقفت على بعد خطوات من القصر بعد أن وصلت إليه أخذت تلهث بعنف وصدرها يعلو ويهبط تحاول أن تُعيد انتظام أنفاسها وتهدأ كي تستطيع التفكير كيف ستعود إلى الداخل دون أن يعلم أنها خرجت ودون أن يراها أحد..
كان الهلع يُسيطر عليها، فحاولت السيطرة على نفسها بعدما أصبح الارتجاف في سائر جسدها، طردت كل الأفكار من عقلها، وحاولت أن تصب تركيزها في الشيء المهم الآن والأصعب..
وقفت لحظات تحاول أن تجد طريقة سريعة للولوج إلى الداخل قبل عودته.. في لحظة طرأت على عقلها فكرة فـ أخرجت هاتفها من جيب بنطالها وضغطت عليه عدة مرات ثم وضعته على أذنها تتحدث مع شقيقتها قائلة بجدية:
-إسراء.. أنا بره.. بره القصر كله انزلي تحت مافيش حرس كتير حاولي تعملي أي حاجه تبعد الحارس اللي عند البوابة وافتحيلي من غير ما حد يحس
ضيقت الأخرى حاجبيها وهي تفتح شرفة الغرفة لتنظر إلى الأسفل تجد أن حديثها صحيح لا يظهر أحد من الحرس من الأساس إلا هو.. سألتها باستغراب مُستفسرة:
-كنتي بتعملي ايه بره
صاحت الأخرى منفعلة ثم أخفضت صوتها سريعًا:
-هو ده وقته انزلي بسرعة الأول
أومأت برأسها وهي تغلق الهاتف قائلة:
-طيب طيب
بعد دقائق قليلة للغاية خرجت من البوابة الداخلية "وعد" تركض مبتعدة عن القصر متجهة إلى الحديقة و "إسراء" خلفها تهتف بصوت مرتفع تناديها للعودة:
-وعد ارجعي هنا بلاش تروحي بعيد
لم تجيبها الصغيرة بل ركضت سريعًا تتجه إلى خلف القصر وهي تضحك بصخب حتى يظهر أن ما يحدث ما هو إلا مزاح..
حاولت "إسراء" أن تنادي عليها عدة مرات متتالية ولكنها لم تستجيب إلى أن اختفت خلف القصر..
تقدمت من ذلك الحارس قائلة له بهدوء محاولة الثبات:
-لو سمحت ممكن تجيبها.. ورا القصر ضلمة
أومأ برأسه لها وأتجه سريعًا تاركًا إياها ليأتي بالصغيرة حبيبة رئيسه ومدللته..
وقفت إلى أن اختفى هو الآخر وعلمت أن "وعد" ستجعله يتأخر في العودة كما اتفقت معها لتقوم بفعل ذلك..
فتحت البوابة وأخرجت رأسها منها تبحث عن زينة فلم تجدها.. تقدمت قليلًا إلى الخارج وخرج صوتها وهي تهتف بصوتٍ خافت:
-زينة أنتي فين
ظهرت الأخرى حيث أنها كانت بعيدة متخفية في الناحية الأخرى من السور حتى لا يراها أحد.. ركضت سريعًا وولجت إلى داخل القصر تُشير إليها أن تأتي خلفها..
أغلقت "إسراء" بوابة القصر الخارجة ونظرت إلى الداخل لتجد "زينة" قد دلفت إلى القصر واختفت.. صاحت إسراء بصوتٍ عالٍ وهي تتجه إلى مكان "وعد" مع التحفظ بعدم الاقتراب منه..
استمعت "وعد" إلى صوتها الصارخ باسمها ففهمت أن عليها العودة الآن.. تنحت عن رفضها القاطع للحارس في العودة وتقدمت صامتة تعود معه..
أخذتها "إسراء" إلى الداخل بعد أن تمت المهمة بنجاح..
صعدت معها إلى الأعلى مُتجهة إلى غرفة والدتها، دقت "إسراء" عليها الباب، ففتحت لها شقيقتها وأقتربت منها ابنتها تحتضن قدميها، هبطت "زينة" إلى مستواها وقامت بمبادلتها العناق تستنشق عبيرها الناعم الرقيق.. وطفولتها البريئة المذاعة للجميع..
بقيت لحظات تضمها إليها بكل حب وحنان وهي تفكر في مصيرها معها هنا في هذه الأرض.. على هذه الجزيرة بين "جبل العامري" وعائلته..
أصابتها الفجعة، وتمكن الخوف منها مرة أخرى، اقترابها من ابنتها والشعور بأنها لا تملك غيرها يصيبها برجفة غريبة تغطي سائر جسدها، تلعن ذلك اليوم الذي فكرت به بالقدوم إلى هنا..
تلعن كل شيء قادها إلى جزيرة العامري والوقوع مع ذلك الجبل، الوقوع مع من يرحم ولا يرحم، من يقتل ويداوي.. مع شخص لا تفهم لحياته ملامح ولا ترى لشخصيته هوية ولا تدري أهو ذلك نفسه الذي كان في الأمس واليوم! الذي كان في البداية وما قبل النهاية؟
عادت للخلف ووقفت أمامهم، ولجوا إلى الداخل فسألتها "إسراء" تنظر إليها بهدوء واستغراب:
-كنتي فين بره
أجابتها كاذبة بفتور:
-كنت خرجت اتمشى والبوابة مفتوحة لما رجعت اتقفلت وخوفت جبل يعرف إني خرجت لوحدي علشان منبه عليا
أومأت إليها برأسها متفهمة ما قالته تنظر إليها بجدية فقالت "زينة" بهدوء:
-أنا هدخل أخد دش روحوا انتوا
أخذت "إسراء" "وعد" وخرجت من الغرفة فأغلقت "زينة" من خلفها الباب وهي تتقدم إلى الداخل تجلس على الفراش تنظر في الفراغ المحيط بها تحاول أن تمسك بطرف الخيط ربما من هنا.. فهي لم تعثر عليه سابقًا والمحاولة الآن مستحيلة ولكن يكفيها المحاولة..
هل هو حقًا ذلك الرجل تاجر الأسلحة! هل هو حقًا قاتل البشر وقابض أرواحهم!.. هل هو حقًا نفس الشخص الذي قال عن نفسه أنه لا يعرف للرحمة طريق ولم تدق بابه يومًا!
الإجابة المنطقية لكل هذه الأسئلة نعم! أنه هو ذلك الشخص المجرم.. أنه الجلاد والقاتل أنه القاضي المحتل الحاكم بالعدل.. الذي يسمع إلى الشكوى ويلبي الطلب.. أنه سارق الحرية وسجان الهروب، أنه الذي يحبس التفكير والأنفاس وهوايته ترويض العاصي.. أنه "جبل العامري"
ما الذي تنتظر أن تعرفه بعد! إلى الآن لم تدرك ذلك جيدًا؟ إلى الآن تفكر هل هو ذلك الشخص أو لا؟ ما الدليل الأكبر من كونه يقف يسلم الأسلحة بيده! يخرج كمية هائلة معبأة داخل الصناديق ستكون هي المدمرة لكل من وقع قتيلًا بطريقة غير مشروعة..
ما الذي تنتظره من شخص مثله؟ ولما يأخذ أكبر من حجمه داخل عقلها ولا تصدق أنه يفعل ذلك!..
رأته بنفسه ليس أحد غيره يقف بشموح وكأنه يدافع عن البلاد، رافعًا أنفه عاليًا واقفًا صلب شامخ! كيف له أن يكون هكذا وهو قاتل مجرم!
كيف له أن يكون واثقًا من نفسه إلى تلك الدرجة؟
إنها إلى الآن لا تصدق ما تراه أعينها قلبها يقول شيء غير كل ذلك، يُملي عليها أنه شخص آخر حنون محب غدرته الأيام وذاق فراق الأحباب.. قلبها يقول أنه اشتاق وقتلته لوعة الاشتياق.. يخبرها أنه ليس بقاتل وليس بمجرم بل عادل حاد..
لما؟ لما تراه بهذه الهيئة، لا تستطيع أن ترى أي هوية حقيقة له؟ كلما رأت ظلمه لها وغدره بها رأت عدله وحكمته مع غيرها، كلما تذكرت قسوته عليها وتجبره الذي أودي بقلبها إلى الحسرة والأسى تذكرت نظراته الغريبة نحوها الدالة على وجود ما يبتغي إياه لتكن من في سكن قلبه..
أليس كل هذا غريب؟ أليس تفكيرها هذا غريب؟ أليس عدم تصديقها بإجرامه بعد معاشرته هذا غريب!..
رأت كل ما هو قاسي وعنيف داخله رأت عنجهيته وغروره.. تكبره وحدته، ظلمه وكرهه، رأت عدم الرحمة في قلبه، صدقت كل هذا وحاولت الفرار منه بأي ثمن.. ولكن بعد أن عاشرته تكذب كل هذا.. تكذب الهالة الوهمية الذي يحيط نفسه بها وهي ليست شخص غبي إلى هذه الدرجة كي تنخدع إلى هذا الحد..
الآن ازداد إصرارها على معرفة ما يحويه قلبه، ما يخبئه عقله عنها وما يدفنه أسفل أرض الجزيرة..
ازداد إصرارها في معرفة ما المكنون بين الناس وما الخبايا في شخصيته.. وستعرف، ستعرف من هو وإن كلفها هذا موتها.. ستعرف أهو "جبل العامري" القاتل.. أو "جبل العامري" العادل
شردت تتذكر ما حدث معها وهي في الجبل، ضيقت عينيها بشدة محاولة أن تصل إلى إجابة سؤال آخر.. من ذلك الرجل الذي كان يقف يقوم بتسجيل كل شيء كما كانت تفعل هي..
هل يعلم جبل بوجوده؟ هل كان شخص آخر يغدر به؟ أم ماذا؟
تلك الصدمات التي أتت واحدة تلو الأخرى أشعلت هواء العاصفة الهوجاء التي كانت خامدة داخلها، غيرت مشاعرها بين يوم وليلة وشعورها الذي كانت تدركه جيدًا أصبحت لا تعلم ما هو من الأساس وإلى أين يتجه.. جنون فضولها أوصلها إلى طريق أصبح مكشوف للغاية من ناحية ومخفي للغاية من ناحية أخرى.. وما توصلت إليه لم يكن إلا أنها خسرت حياتها السابقة وذكرياتها الراحلة وما لا تعلم عنه شيء هو مستقبلها المجهول كليًا..
أتت الضربة من شخصك الأقرب والأحب إلى قلبك، أتت من خليل روحك وملاذ فؤادك ورأيت الحقيقة الكاملة الذي كانت مخبأة عنك بهيئته المحبة الحنونة، لحظة واحدة أدركت بها أن لحظاته الحميمية والسعادة الخالصة التي مرت عليكما معًا ما كانت إلا احتلال.. وعند إدراك ذلك تشعر بأن قلبك إناء كثرت به المياة الموضوعة فوق النيران ففارت وتناثرت حوله مخلفة من وراءها دمار غير طبيعيًا.. هذا حال قلبك الذي خُدع بالحب والغرام..
كما كل مرة تفكير لا حدود له وأسئلة دون إجابة، ومازال الطريق مغلق، الخيط كله لم تعثر ليه..
رفعت وجهها عندما شعرت به يفتح باب الغرفة يهم بالدخول، نظرت إليه وهو يتقدم للداخل يغلق الباب ناظرًا إليها بلا مبالاة وهدوء رُسم على وجهه بحرافية..
جلس في مكانه على الفراش يعطي ظهره إليها يعبث بهاتفه لفترة ليست صغيرة، تركه على الكومود ثم وقف متجهًا إلى المرحاض فباغتته بسؤالها:
-أنت كنت فين يا جبل
سألته دون النظر إليه وبقيت على وضعها، فاستدار إليها يرمقها بنظرات ساخرة متحدثًا:
-بتسألي ليه!
حركت وجهها ناحيته بعد أن دق قلبها بعنف، توترت نظراتها نحوه وكانت ظاهرة بشدة، ابتعلت غصة وقفت بحلقها وقالت:
-حرام السؤال؟
ضيق عينيه عليها يراقب حركاتها المتوترة قائلًا ببساطة:
-غريب
سألته باستغراب غير مدركة أنه يتحدث عن سؤالها وقد اعتقدت أنه رآها ويراوغ في الحديث معها:
-ايه اللي غريب
أجابها وهو يتقدم منها ليقف أمامها فرفعت رأسها لتنظر إليه حيث أنها كانت جالسة على الفراش:
-السؤال.. أول مرة تسأليني كنت فين
انزاح القلق عن قلبها وارتخت أعصابها وهي تتحدث قائلة ببرود ونبرة عادية واثقة:
-اتعود بقى لما أسألك كل يوم..
مرة أخرى يسألها وعيناه متعلقة بعينيها السوداء:
-وده من ايه بقى
ابتسمت ساخرة وهي ترفع وجهها إليه تسأله بتهكم:
-هو أنت متعرفش
حرك رأسه نفيًا ورفع كف يده إلى وجهها يسير بإصبعه عليه بنعومة ورقة ونظرتها نحوها حميمية للغاية:
-لأ معرفش
فسرت له حديثها بوضوح تام وجدية ظاهرة محاولة الثبات إلى النهاية:
-مش أنا قررت إني هعيش حياتي معاك عادي.. زي أي اتنين
ما قالته الآن كان نتيجة تفكير أتى على عقلها في أقل من ثانية، تنحت عن فكرة استدراجه والحديث معه ووضع حياتها معه مقابل اعترافه بكل شيء، ستتبع طريقة أخرى علها تأتي بفائدة..
ابتسم بزاوية فمه وهو على علم تام بأن حديثها ما هو إلا هراء هي لا تبتغيه من الأساس ولكنه بادلها:
-ده شيء كويس
عادت تسأله مرة أخرى ناظرة إلى عينيه الخضراء:
-كنت فين بقى
تحول البريق اللامع في عينيه إلى آخر مخيف معتادة عليه هي ولكن في كل مرة تراه ينتابها الذعر منه وكأنها المرة الأولى، هبط بجذعه العلوي إليها ليبقى وجهه مقابلًا لوجهها وقال بفحيح أمام شفتيها:
-كنت بسلم سلاح
عاد للخلف برأسه قائلًا ناظرًا إليها بعمق بعدما صدمت من حديثه، فهي لم تكن تتوقع أن يعترف بهذه السهولة على الرغم من اعترافه الدائم أنه تاجر أسـ ـلحة..
سخر من نظراتها المصدومة نحوه وقال بتهكم مراوغًا:
-ايه مالك.. بقولك الحقيقة طالما هنعيش زي أي اتنين محبش أكدب على مراتي.. أحسن بعدين تفتكري إني بخونك ولا حاجه
بادلته نفس السخرية، وما سيرهق كلاهما أنهم يفهمون بعضهم جيدًا:
-لأ متقلقش مش هيجي على بالي حاجه زي كده ولو جت.. هكدبها
عاد يقترب منها مرة أخرى ليبقى أمام وجهها دون فاصل بينهم أنفه تمر على ملامحها مستنشقًا أنفاسها يقول بلوعة:
-اتمنى.. يلا بقى حضري نفسك
استغربت ما قاله فعادت إلى الخلف لتنظر إليه متسائلة:
-احضر نفسي لايه
ابتسم وظهرت أسنانه من خلف شفتيه وهو يقول واثقًا:
-مش قولتي هنعيش زي أي اتنين.. وعلشان نعيش هنبدأ من هنا
أنهى حديثه مشيرًا إلى الفراش برأسه فنظرت إليه محركة رأسها ثم عادت ببصرها إلى الواثق من حديثه القابع أمامها.. ابتلعت ما وقف بحلقها وهي تنظر إليه متوترة ثم قالت برفض:
-أنا مقولتش كده.. أنا..
قاطع حديثها وهو يقترب منها يميل عليها بجسده حتى أنها مالت إلى الخلف فقبع فوقها مستندًا بذراعيه على الفراش ينظر إليها بعينين جائعة ولن تشعر بالارتواء إلا منها:
-دي مبتتقالش.. بتتحس
غطت السخرية نبرتها وملامح وجهها وهي تسأله:
-وأنت بتحس
أشار عليها بعينيه الخضراء غامزًا لها متفوهًا بحديث ذات مغزى:
-أسأل مجرب.. ومش هنلاقي مجرب غيرك
دفعته للخلف بيدها فلم يتزحزح عن مكانه ناظرًا إليها بثقة تامة رافعًا أحد حاجبيه متحديًا إياها فلم تطل النظر إليه بنفس الحدة فيقوم بالعناد أكثر ويفعل ما يريد.. أخفت وجهها عنه وهي تبتعد به لتنظر في الفراغ فكبت جوعه داخله ورغبته الملحة للاقتراب منها وعاد للخلف يقف شامخًا مبتعدًا عنها..
نظر إليها وهو يتجه إلى الحمام يمازحها قائلا بثقة:
-بمزاجي..
غمزها بعينه مرة أخرى وظهرت وقاحته معها:
-المرة الجاية مش هصبر
تركها مبتعدًا ذاهبا إلى المرحاض ليحبس مشاعره الهوجاء التي أرادت الفرار منه وتحطيم كل الحواجز الموجودة بينهم ليستمتع بعبير قربها ولهفة الالتحام معها، ولكنه لم يسمح لها عائدًا بها مرة أخرى تاركًا إياها بجانب خيباته السابقة إلى أن يحين موعد خروجها بكل جوراحها، إلى أن يحين ظهور الحب معلنًا أنه سيكون عنوان كل شيء قادم عليه ليستطيع الاستمتاع أكثر من كونه ذلك الذي يرهبها..
بينما هي بقيت نائمة على الفراش مبعثرة المشاعر حائرة في عالمه، لم تجد شط تقف عليه ولم تستطع الوصول إلى كلمات تعبر عما بها فلا طريق عودة ولا طريق ذهاب تقف معه في درب ملئ بالجوى والقسوة الخالصة فباتت لا تدري ما مصيرها من الاثنين وهي كل يوم متقابله مع إحداهما إلى أن شتت عقلها وغاب قلبها عن الواقع تحتاج إلى كلمات صريحة صادقة ولن تفكر ثانية ستأخذها برحابة صدر وتغلق قلبها عليها..
❈-❈-❈
أتدري كيف يجتمع الأشرار سويًا؟ بنظرات الأعين، هل رأيت سابقًا عاشقًا يشعر بأنه ينجذب بطريقة سحرية إلى محبوبته من عينيها! وهو كذلك، اجتماع خبثاء النوايا ومفرقين الأحبة معًا يأتي عن طريق الأعين ينجذب كل منهما ناحية الآخر بطريقة مفعمة بالحقد والخبث وتبدأ من هنا العلاقة في البدء والتطور، ويزداد معها الحزن والذعر وآنات الألم وسهام الخيانة..
جذب "جلال" "فرح" من ذراعها بقوة ضاغطًا عليه بطريقة مؤلمة جعلتها تتأوه وهي تحاول جذب يدها منه قائلًا بانزعاج وغضب:
-بقى بتغفليني يابت.. بتصوريني وتبعتي لعاصم الفيديو
حاولت العودة للخلف في الظلام الدامس خلف القصر ومكان إلتقائهم السري في كل مرة، تجذب يدها منه بعنف وقوة وهي تقول بجدية ولا مبالاة:
-بقولك ايه أهدى كده علشان منزعلش من بعض.. أنا كان غرضي أقوله أنه بمزاجها
ضغط أكثر على ذراعها ولم يجعلها تفلت منه وكأن قبضته عليها حديدية يصيح أمام وجهها وملامح وجهه متغيره للغاية متجهة إلى العنف والقسوة وخرج صوته خشنًا عنيفًا:
-مزاج مين يا روح أمك ماهو عارف أنها قطة مغمضة
أكمل بحرقة وهو يرى نفسه غبي فعل ما أرادت منه دون أن يعترض فقط لأجلها ولكنها غدرت به والقته في أول طريقها:
-وده مكنش اتفاقنا يابت.. أنتي قولتلي أنها مزعلاكي اقرص عليها وأخوفها منه من بعيد لبعيد علشان تبعد.. مقولتيش إنك هتغدري وتصوري وتبعتي لعاصم
حاولت أن تعود عما كانت ستفعله وتكبت حديثها المتهور داخلها فقالت محاولة إظهار الندم:
-اللي حصل حصل بقى كانت لحظة تهور
نفض جسدها بعنف بذراع واحد والآخر معلق على الرباط الطبي أثر رصاصة "عاصم" التي اخترقت لحمه، يكمل قائلًا بثقة:
-لأ يا روح أمك مكانتش لحظة تهور أنتي كنتي عارفه كويس أوي هتعملي ايه بس أنا المغفل اللي سمعت كلامك وادي أخرتها
دفعته بعنف وشدة وهي تعود للخلف مبتعدة عنه قائلة بوقاحة:
-أخدت رصاصة وايه يعني ما تسترجل
جذبها من رأسها واضعًا يده خلف عنقها يجذبها ناحيته فوقع وشاحها عن خصلاتها قائلّا أمام وجهها بنبرة ذات مغزى:
-أنا راجل غصب عنك يا بت وأنتي عارفه كده كويس ولا لسه عايزة تجربي
حاولت دفعة في صدره ولكنه لم يبتعد فقالت بنفاذ صبر وهي غير قادرة على مجاراته فقد فعلت ما أرادت وانتهى الأمر:
-بقولك ايه يا جلال أقف عوج واتكلم عدل
سألها بسخرية وقحة:
-وأنا كده بتكلم إزاي.. بقولك لسه عايزة تجربي لو مش مقتنعة إني راجل
نظرت إليه نظرات نارية مشتعلة قائلة بتساؤل وحرقة:
-ده أنت مصمم بقى تقفلها كده
دفعها للخلف بعنف أكثر، ارتضم جسدها في سور القصر تنظر إليه بقوة متألمة من دفعته لها، باغتها بحديثه قبل أن تتفوه بحرف واحد:
-وأقفلها ليه مش مراتي.. لا قولت حاجه حرام ولا عيب
خرج صوتها عاليًا نسبيًا ثم عندما أدركت ذلك اخفضته:
-أنت هتفضحنا ولا ايه.. ما تخرس بقى
أقترب منها بعيون جائعة للشر والقسوة وما فعلته به ينهش ما بداخله يشعر أنه يود لو يقوم بقتلها الآن ودفنها أسفل ما تضع قدميها وهي تعلم جيدًا من هو:
-لسانك بدل ما اقطعهولك.. هو أنتي فكراني ساكتلك علشان سواد عيونك.. لمي نفسك معايا يا بت
حركت شفتيها بسخرية تشعل نيران قلبه أكثر وهي تقول بشماته:
-أظهر وبان.. بقى كل ده علشان عاصم علم عليك
تقدم يعود جاذبًا خصلاتها الظاهرة أمامه قائلًا بقسوة:
-علم على مين يا بت.. اظبطي بدل ما اظبطك
دفعته ثانيةً تتحدث بجدية تنظر إليه بنفاذ صبر:
-اوعا كده وأعرف مصلحتك فين
أجابها بقوة وعنف واثقًا من حديثه بعدما تدفقت الدماء بعروقه فكلما تذكر ما الذي كان من الممكن أن يحدث يشعر بفوران دمائه وغباءه الغير طبيعي كي يستمع إلى حديث واحدة مثل هذه:
-أكيد مش معاكي من بعد اللي عملتيه ده.. ماهو كان ممكن سي عاصم بتاعك يوري الفيديو لجبل والبت تعترف إني عملت فيها كده وأنها مكانتش موافقة ومن غير ما تعترف كانوا هيصدقوها وتقولي عليا يا رحمن يا رحيم..
قالت بلا مبالاة وبساطة:
-مكانتش هتوصل لكده
هتف قائلًا بجدية مغتاظًا من برودها:
-أنتي عرفتي منين أنها مكانتش هتوصل لكده.. البت دي أكيد هي اللي وقفت عاصم علشان هي عملتها على روحها مني.. لكن لو عليه هو يولع فيا
أكمل شامتًا بها يبادلها ما تفعله يشعرها أنها من دونه لا تساوي شيء:
-كنتي بقى وريني شطارتك وشوفي مين هيتجوزك
وضعت يدها الاثنين في وسط خصرها تتمايل بهم قائلة بتهكم مقلله منه:
-كنت هطلعك من قبرك تتجوزني يا سي جلال بيه
ابتسم بزاوية فمه فهي تحاول مدارة خوفها أمامه حتى لا يكون نقطة ضعف لها يتمسك هو بها تفوه ساخرًا:
-اتريقي اتريقي.. أنتي من غير سي جلال بيه هيتقال عليكي يا رحمن يا رحيم بردو متقلقيش
نظرت للأمام نظرة شيطانية مفكرة فيما قد تفعله وأردفت قائلة:
-وقتها هيبقى عندي الحل
أومأ برأسه إليها وهو ينظر إليها باشمئزاز متناسيًا نفسه وقال متأكدًا وهو يتابع نظراتها الغريبة:
-قادرة وتعملي أي حاجه
ابتسمت إليه بثقة عالية فأكمل وهو يكرمش ملامحه غير قادر على تكملة النظر إليها بعدما فعلته به فصاح بها قائلًا:
-أمشي غوري من وشي
بقيت تنظر إليه وعلى شفتيها تلك الابتسامة رفعت وشاحها أعلى رأسها تغطي خصلاتها الظاهرة ثم وضعت يدها مرة أخرى في وسط خصرها تسير متغنجة وكأن لم يحدث شيء منذ قليل.. لم يصرخ عليها لم ينفعل لم يهتف بحديث مهين لأي امرأة غيرها وكأنه لم يذكرها بأنها لا تستطيع الزواج إلا منه لأن شقيقها حاكم الجزيرة إن علم أحد أن شقيقته فعلت ذلك كباقي الفتيات التي يحاسبهن هو على اخطائهن سيكون أضحوكة للجميع في أيامه القادمة جميعها ولن يستمع إليه أحد من بعدها.. هذا أن جعل "جبل" أحد يعلم فلو علم هو لنقرأ عليها سورة الفاتحة توديعًا ووداعًا.. ولنتذكرها بالخير دائمًا وأبدًا فمن بعدها ستكون في مكان آخر لا ينتمي لعالمهم بشيء..
بصق بقوة من فمه على الأرضية بعدما رحلت لاعنًا نفسه على التوريط في هذا الأمر..
توجهت إلى القصر لتعود إلى الداخل دون أن يراها أحدًا ولكنها عندما وجدت "عاصم" هنا بين الحرس غيرت رأيها وذهبت لتجلس على أحد المقاعد المقابلة له تنظر إليه وهو يتحدث مع أحد الحراس..
بقيت تتأمله وتنظر إليه بعيون محبة إلى درجة الأنانية، تابعت حركاته واللمعة تزداد داخل عينيها تظهر الشر الذي قبع داخلها.. عيون تطالب الحب منه ولكنه قابله بالرفض!..
شردت وهي تنظر إليه عائدة إلى ذكرى راحلة حدثت بينهم منذ سنوات..
"كانت استدعته إلى خلف القصر ذلك المكان الذي يحدث به أي شيء لا يريد أحد أن يعلم به، ولكن في ذلك الوقت لم يكن كالآن بل كان مضي بالأنوار مثله مثل القصر كله وبه كثير من الحراس في فترة كانت الاغتيالات بها كثيرة والجواسيس تملأ الجزيرة..
وقف أمامها قائلًا بجدية يسألها مستفسرًا عن سبب استدعائها له:
-نعم يا فرح عايزة ايه
تغنجت وهي تتمايل أمامه بدلال وابتسامة هادئة فعلتها:
-مافيش ازيك الأول
ابتسم يبادلها الهدوء والبساطة وقال متأسفًا يسألها:
-معلش أنا آسف.. ازيك عامله ايه
أجابته برقة وهدوء متسائلة عن أحواله:
-كويسه.. أنت عامل ايه
أجابها ولم يعطي إليها الفرصة للحديث مرة أخرى باغتها متسائلًا عن سبب طلبها له هنا:
-تمام كويس.. ها في ايه
تصنعت الحزن وهي تقول مغيرة تعابير وجهها وصوتها هادئ ولكنه عابس بسبب سرعته وإرادته في الرحيل عنها:
-مالك أنت مش عايز تقف معايا ولا ايه.. أنا حلوة على فكرة
ابتسم بهدوء يسألها ثم يصحح لها حديثها يغازلها باحترام حتى لا تحزن من حديثه واستعجاله معللًا لها سبب ذلك:
-حد قال عليكي وحشه؟ أنتي ست البنات بس أنا عندي شغل
تلهفت وهي تقترب منه خطوة متعلقة بعينيه ترتفع على أطراف أصابعها لتنظر إليه عن قرب:
-أنت شايفني ست البنات بجد؟
أكد ما قاله بجدية شديدة ولم يكن يقصد الغزل حقًا ولكنه لم يكن يريد أن تعبث ملامحها وتحزن بسببه وهي من قالت أنها ليست بشعة فكان من المفترض أن ينفي ذلك:
-أكيد يا فرح أنتي جميلة
اتسعت ابتسامتها وظهرت من خلفها أسنانها البيضاء معتقدة أن مهمتها بهذه الطريقة ستكون أسهل بكثير:
-عاصم أنا.. أنا كنت عايزة أقولك حاجه مهمة أوي
أومأ إليها متعجلًا يسألها:
-تمام قولي مالك في ايه
حاولت الحديث متعلثمة:
-أنا بجد.. حاسه..
لم تستطع أن تكمل وتخرج كل ما كان في جوفها فوقفت صامتة تنظر إلى الأرضية خجله مما تريد قوله
أخذ الحديث منها بطريقة أخرى وصب تركيزه في عمله فسألها بقوة وتمعن:
-حاسه ايه؟. في حركة مش مظبوطة في القصر ولا ايه
نفيت سريعًا مشيرة بيدها معقبة بانزعاج وضيق:
-لأ لأ قصر ايه بس
اقتضبت ملامحه بسبب تأخيرها وحديثها المتقطع أو الذي بدون فائدة فقال بحدة:
-اومال ايه بس يا فرح ما تتكلمي
أخذت نفسٍ عميق وأخرجته ثم نظرت إليه تحاول دفع نفسها في الحديث قائلة له ما تشعر به في الأيام الماضية وقلبها يرفرف لأنها تعترف له بمكنونه:
-أنا.. أنا مش مركزة في حاجه.. طول الوقت بفكر وبالي مشغول.. قلبي وعقلي مشغولين بحاجه واحدة بس مش قادرة أبطل تفكير فيها
انزعج أكثر من اللازم وهو ينظر إلى تفاهاتها وهذا الهراء الذي تقوله له، وما دخله من الأساس؟ تحدث يسألها بجدية والضيق يظهر على ملامحه:
-أنتي جيباني هنا علشان تقولي الكلام ده؟ حاجه ايه يا فرح انجزي
باغتته بقولها السريع المتلهف ونظرة عينيها نحوه حالمة طائرة فوق السحاب وكأنه استمع إلى ما قالته وأجاب بالموافقة:
-أنت
أشار إلى نفسه بعدم فهم ولم يربط الحديث ببعضه متسائلًا:
-أنا حاجه؟ أنا حاجه إزاي يعني
أقتربت منه أكثر تبحر بعينيها داخل عيناه ترتفع على أطراف أصابعها لتقابله بذلك الطول الفارع:
-أنت اللي بفكر فيه يا عاصم.. بالي مشغول بيك دايمًا وقلبي لما بيشوفك بيدق أوي لحد ما بحس أنه هيقف بعد كده.. حتى عقلي
تابعت تكمل حديثها الحاني ونبرتها الرقيقة تتردد في أذنه ينظر إليها باستغراب تام غير مصدق أنها تجرأت وقالت له هذا الحديث:
-عقلي مش مبطل تفكير فيك.. وخيالي كل شوية يسرح ويفتكرك.. بجد مش عارفه أعيش كده
تصنع عدم الفهم على الرغم من أن أي حد يستطيع فهم المبتغى مما قالته ولكنه كي يبعث إليها رسالة أن هذا مرفوض تمامًا قال مبتسمًا:
-أنا عملت ايه لكل ده
اعترفت بها صريحة وواضحة وشعورها نحوه بالحب يزداد ويكبر أكثر من اللازم.. تنظر إليه بهيمنه وافتتان:
-عاصم أنا بحبك.. بحبك أوي وبموت فيك كمان، مافيش واحد على الجزيرة كلها زيك مافيش أحسن منك ولا حتى يشبهلك
قضبت ملامح وجهه بالانزعاج والضيق وأظهر إليها الجدية الخالصة قائلًا:
-فرح.. أنتي عارفه أنتي بتقولي ايه
أقتربت منه تتمسك بيده تضغط عليها بقوة تحسه على التحرك نحوها والاعتراف بما داخله تبعث إليه نظرات شاعرية لو أحد غيره لانتهز الفرصة وسرقها:
-بقولك الحقيقة أنا بحبك وعايزاك
عاد للخلف مبتعدًا عنها سريعًا باعدًا يدها التي أقتربت منه وصاح قائلًا بقسوة وغلظة شديدة وهو يُشير إليها لتذهب من أمامه:
-أنتي لسه صغيرة ومش فاهمه أنتي بتقولي ايه.. انسي الهبل ده واطلعي يلا
استغربت ما قاله وضيقت حاجبيها تعقب:
-صغيرة؟ صغيرة إزاي بقى كل ده صغيرة
التفت حول نفسها وهي تقول تلك الكلمات تظهر إليه جسدها الأنثوي ومفاتها لتستطيع أن تغريه بها
ارتفع صوته بعدما اغضبته بشدة بسبب هذه الفعلة الجريئة والدنيئة للغاية:
-اطلعي يا فرح يلا
أشارت إلى نفسها ترفض ما يأمرها به موضحة له مصرة على موقفها معه وتريد لو يبادلها ما تشعر به لتلتحم معه في عناق قاسي تشعر داخله بأنها ملكه:
-عاصم أنا مش صغيرة ولا حتى أنت صغير.. أنا عارفه أنا بقول ايه وبعمل ايه
مرة أخرى بغضب وقسوة قال:
-لأ أنتي لسه صغيرة ومش فاهمه حاجه..
تغيرت ملامح وجهها إلى الانزعاج والضيق هي عندما وجدته لا يريد التنحي عما قاله بعد أن جعلته يرى فتنتها وحاولت الإقتراب منه لاغراءه:
-تلاته وعشرين سنة مش صغيرة
أشار إليها بيده لتذهب من أمامه:
-اطلعي يا فرح يلا وتنسي كل اللي قولتيه ده
أقتربت منه ثانيةً محاولة التأثير عليه وهي تتحدث برقة:
-طب قولي.. أنت بتحبني ولا لأ
بمنتهى السهولة والقسوة، وبكل الإخلاص داخله، واللا مبالاة بمشاعرها قال:
-أكيد لأ.. أنتي أخت صاحبي مش أكتر، وأنتي بكرة تعقلي وتنسي كل ده
نظرت إليه نظرات نارية محتقرة، واشتعل فتيل الغضب داخلها بسبب رفضه لها بتلك الطريقة المهينة القاسية تقول غير مصدقة:
-ايه؟
أجاب ببرود:
-اللي سمعتيه
أبصرها بقوة وعنجهيته ظهرت في نظرته فبقيت بالنسبة إليها تكبر عليها ومن بعد هذه النظرة رحل وتركها تقف وحدها ولم يفكر لحظة فيما قد يمر بها أو تمر به.. تاركًا خلفه أنثى مطعونة بقسوة وغرور، ملقاة أسفل قدمه بعد أن قدمت نفسها إليه وهو من قام برفضها.."
خرجت من شرودها وهي مازالت تنظر إليه، إلى تكبره وعنجهيته، إلى ثقته من نفسه وغروره الواضح، إلى قوته وعنفوانه، تنظر إلى رجل لن يتكرر ولكنه رفضها.. وهي لن تنسى ذلك ولن تصمت عنه ولكن لكل شيء موعد..
❈-❈-❈
جلست "زينة" في حديقة القصر نهار اليوم التالي تنظر إلى ابنتها التي كانت تركض هي وشقيقتها يتمازحون سويًا..
شعرت بمن يجلس جوارها فـ أدارت رأسها لتبصر "تمارا" هي من أتت إليها.. ابتسمت لها بعملية وعادت تنظر إلى شقيقتها وابنتها غير مبالية بتلك التي أتت لها ولم تعيرها أدنى اهتمام..
ابتسمت "تمارا" بسخرية وهي تلاحظ عدم اهتمامها بها أو بالأحرى تجاهلها لها وكأنها لم تراها من الأساس..
استمعت "زينة" إلى صوت "تمارا" يخرج بسخرية واستهزاء:
-مش أنا عرفت يا زينة سبب جوازك من جبل
استدارت معتدلة تنظر إليها باستغراب ثم سألتها قائلة:
-وايه هو السبب.. تصدقي إني لحد دلوقتي معرفش السبب
حركت "تمارا" حاجبيها بطريقة تدل على عدم تصديقها قائلة بسخرية:
-ده بجد؟
أغاظتها "زينة" بقوة وهي تردف:
-أكيد مش مصدقة.. حقك بصراحة أصل الأسباب كانت كتيرة، منها أن جبل مقدرش يخليني اسيبه وأمشي
ألقت كلمات ذات مغزى بتهكم واستعلاء:
-وأنا بصراحة مش زي حد.. مقدرتش أبعد عنه
كتمت الأخرى غيظها منها ونظرت إليها بعمق ونظراتها مشتعلة بنيران الغيرة والحقد عليها ولكنها شددت على نفسها قائلة:
-غريبة.. أصلي عرفت إنك حاولتي تهربي
ابتسمت إليها وأكملت على حديثها بالكذب لتشعرها بالغيرة أكثر:
-آه حاولت بس الحمدلله إني معرفتش أهرب.. كنت هعيش ندمانه طول عمري.. إزاي اسيب جبل واسيبه لمين
اتسعت ابتسامة "تمارا" وهي تدري أنها كاذبة فقالت بجدية شديدة:
-ما تيجي معايا دوغري يا زينة..
سألتها "زينة" باستغراب:
-أكتر من كده
عقبت قائلة ما حدث وملامح وجهها تشير إلى أنها تعلم كل شيء قائلة من خلالهم لا مجال للكذب:
-أنا عرفت إنك كنتي عايزة ورثك مش أكتر بس مرات عمي وجبل عايزين وعد ومكنش فيه حل غير إنك تتجوزيه وأنتي كنتي رافضة واتجوزتي غصب
حركت كتفيها بدلال وقالت بنبرة هادئة ترفرف بعينيها السوداء:
-ده كلام حقيقي.. بس مافيش حاجه بتفضل على حالها يا تمارا.. كل حاجه وارد تتغير
صمتت قليلًا وهي تراها مصرة على الكذب وإظهار أن كل ما بينها وبينه على ما يرام وأكثر من ذلك، متجهة إلى طريق الحب تأخذ مكانها بقلبه وحياته..
قالت بجدية وعمق دون سابق إنذار:
-ولو سمحتلك الفرصة تهربي.. وارد بردو كل حاجه تتغير من تاني
بادلتها النظرات المستفهمة واعتدلت في جلستها تصب تركيزها عليها متسائلة:
-قصدك ايه
ابتسمت عندما جذبت انتباهها إليها بهذه الطريقة وأدركت أن ما أرادته سيحدث لا محال فهي كاذبة كبيرة فقط عندما أتت على ذكر الهرب عمقت تركيزها نحوها وكأنها طوق النجاة..
قالت بنبرة جدية تحمل داخلها الثقة والتأكيد على كل حرف يخرج من بين شفتيها:
-أنا أقدر اهربك من الجزيرة من غير نقطة دم ولا طرفة عين.. أنا بس اللي ممكن أعمل كده عارفه كل مكان فيها وإزاي تخرجي بسلام من غير ما مخلوق يشوفك.. كفاية إني من عيلة العامري عندي حصانة
وجدت "زينة" تنظر إليها دون حديث يعبر عما يجول بخاطرها فقالت مستفسرة:
-قولتي ايه؟
كانت هي في عالم آخر تفكر في تلك الفرصة الذهبية التي أتت إليها على طبق من ذهب، هذه هي الفرصة التي كانت في انتظارها.. الهروب والفرار من جزيرة العامري دون أن يمسها سوء هي وعائلتها.. كانت في انتظار أن يقوم أحد من قلب العائلة أو الجزيرة بعرض عليها هذه الفكرة لمساعدتها في النجاة بحياتها ومن معها..
لطالما كانت تتوق لخوض هذه التجربة والمرور بهذه اللحظة.. لا مجال للرفض أو التفكير..
هو الفرار وليس غيره.. لا محال
مررت بأبشع الطرق المؤذية، عبرت ممرات الخيانة، وجلست بين ازقه الحزن، ركضت بين دروب القسوة ولم أجد يومًا مأوى يحتويني بحب، تُربت جُدرانه على أكتافي بحنو، و لم أحصُل على كتف يمتص آلام روحي وعناء قلبي، مكثت وحيدة للياليٍ طويلة أُعاني من كثرة آنات الغدر المُصاحبة للقسوة والعنف، وأن سمحت الفرصة بالفرار من بلدة لم يشهد قلبي بين شوارعها سوى الأسى والتعاسة فلن يكُن هُناك قرار آخر ولن أدع الحكم لقلبٍ أو لعقل.. إما الفرار أو الفرار...
❈-❈-❈
"يُتبع"
أهم حاجه اللايك ورأيكم متنسونيش بعد ما تاخدوا الفصل بقى😂 بحبكم في الله♥️♥️
رواية سجينة جبل العامري الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندا حسن
بعد تفكير دام طويلًا ونظرات يتبادلونها الاثنين، واحدة لا تبغي إلا تحقيق حلمها بذهاب غريمتها من الجزيرة بأكملها لتبقى هي الوحيدة معه فيعود عما يفعله ويترك كبرياءه على أحد جوانب مذلة الحب.
أما الأخرى فطال تفكيرها في كيفية الهروب ولما ترك الجزيرة وجبل، ترك حقيقة زوجها وماضي عائلة ابنتها.
هل ستذهب ولن تنظر وراءها؟ ماذا عن الوعد الذي قطعته لجبل أنها هي المرأة التي ستكشف كل شيء وستهدم شموخه وقوته وتجعله يعود محملًا بالخيبات معترفًا بحريتها، معترفًا بأنه لم يكن جديرًا بها ولم يستطع ترويضها.
خرج صوتها حاد واثق ومازال عقلها يعمل كآلة لا تتوقف عن الدوران تأتي بكل الأفكار وتحاول تجميع كل الخيوط.
"لأ يا تمارا.. أنا مش عايزة أهرب ولا عايزة أسيب الجزيرة."
أكملت تنظر إليها بخبث ومكر تعلم كيف تكيدها وتجعلها تستشيط غضبًا وغيرة.
"أنا هنا في بيتي.. قصري مع بنتي وجوزي وعيلتي، وقولتلك إني لما هربت كنت لسه متجوزتش جبل لكن دلوقتي مقدرش أبعد عنه."
جزت على أسنانها بعصبية وغيرة شديدة تنظر إليها بملامح حادة تود لو تتقدم منها تأتي بخصلاتها بين يديها وتلقيها خارج القصر.
"هديكي فرصة تفكري يا زينة وأنا بنفسي هخرجك من الجزيرة."
ابتسمت بسماجة وتقمصت دور الزوجة السعيدة التي لا تستطيع ترك زوجها لحظة واحدة وأجابتها بفتور غير مبالية بحديثها عن الهرب.
"وأنا مش محتاجه أفكر يا تمارا قولتلك الهرب مش لازمني أنا هنا في مكاني ومش هسيبه."
ابتسمت تمارا ساخرة بشدة وهي تحرك أهدابها بطريقة متهكمة عليها وسألتها باستهزاء.
"يعني أنتي مش كدابة يا زينة."
جعلتها تشعر بالغيرة أكثر وهي تقول ببرود تام تذكرها بمن هي وما مكانتها هنا وكل كلمة تخرج منها ذات مغزى تصل إليها بتعالي.
"وأنا هكدب ليه؟ اسألي أي حد في الجزيرة قوليله مين هي زينة مختار هيقولك مرات كبير الجزيرة جبل العامري."
امتعض وجهها وشعرت بالسخط منها. اعتدلت في جلستها تنظر إليها بحدة وعنفوان قابل للخروج في أي لحظة وتفوهت محاولة إظهار السخرية والبرود.
"ليه بتحاولي تبيني أن أمورك معاه تمام مع أن عارفه أنكم مش طايقين بعض."
خرج صوت زينة الضاحك بصخب وارتفع عاليًا. تابعتها وهي تسألها عدة مرات وقد راقت لها اللعبة كثيرًا.
"مش ايه؟ أنا وجبل؟ معلش بس أصلًا أنا ليه ممكن أكون بعمل كده؟"
أجابتها الأخرى بضيق تحاول كبته داخلها.
"علشان أنا هنا مثلًا."
لوت شفتيها باستهزاء وابتعدت عينيها إلى ابنتها وهي تبتسم بتشفي ثم عادت إليها مرة أخرى تكمل دون اهتمام مقللة منها دون أن تدين نفسها.
"وايه يعني أنتي هنا ولا مش هنا.. هل ده عامل فرق، تمارا حبيبتي الشخص لما بيدي لنفسه حجم أكبر من حجمه بيخسر كتير."
استردت تكمل ما بدأته ترسل إليها من خلال كلماتها أنها على علم بما كان بينهم سابقًا حتى لا تظن أن هذا سيكون فرصة لها للتغلب عليها.
"أنتي مثلا كان ليكي مكان هنا لكن زمان.. قبل ما تسيبي جبل وتمشي حتى مكانك اللي كان في قلبه أنا أخدته فأنتي بالنسبة ليا وليه مش موجودة."
لا تستطيع مجابهة زينة تشعر بالنيران تكوي قلبها من شدة الغضب والعصبية تكاد تخرج دمائها من عروقها. فلم تستطع فعل شيء إلا الابتسام ببرود تنظر إليها قائلة بدلال.
"مش واضح.. لو أنتي شايفة كده يبقى مستغفلك."
حاولت أن تزعزع ثقتها به وتظهر بأنها هي القوية ولكن زينة لم تترك لها الفرصة لفعل ذلك بل نفت حديثها بمنتهى البرود واللامبالاة.
"تؤ جبل مبيستغفلنيش ومش بيبص لواحده غيري وأنا عارفه ده كويس."
أكملت بغرور وعنجهية.
"ولو أنا مكنتش عايزاكي في القصر كنت خليتك تمشي بكلمة مني."
اعتدلت تمارا تنظر إليها بشراسة قائلة بصوت جاد يشبه الصراخ عليها.
"هو ده تهديد!"
تصنعت البراءة ناظرة إليها بهدوء ورفق قائلة بجدية تضغط على كل حرف يخرج من بين شفتيها.
"لأ خالص اهددك ليه.. أنا بس بحاول افهمك وأقولك تعقلي علشان جبل عنده حياة مع مراته وبنته."
عارضتها الأخرى بقوة تنظر إليها بتحدي وتشفي.
"وعد مش بنته."
اتسعت ابتسامتها ترسل إليها أسهم مشتعلة بالنيران تنهش قلبها من حالة البرود الذي انتابتها وقالت بثقة وغرور.
"طيب ابقي قولي الكلمتين دول لجبل ونشوف هيقول هو ايه."
رأته يأتي عليهم ينظر إليها بجدية يستغرب جلوسهم سويًا فقالت لها.
"أهو جه."
وقفت تقترب منه وهو يقدم عليهم وكأنها زوجة أصيلة وزوج مُحب حقًا يتبادلون النظرات ولكنه كان مستغربًا من ابتسامة مشعة مشرقة مرتسمة على محياها في استقباله.
وقف أمامهم فاقتربت منه زينة تحتضن خصره بيدها الاثنين تميل برأسها على صدره وقالت بدلال وحب مُصتنع.
"حبيبي."
لحظة واحدة كانت تقرع بها الطبول داخل اذنيها وهي مستغربة من نفسها للغاية. كيف خرجت منها هذه الكلمة كيف عبرت له أنها تحبه بقول "حبيبي" وحتى إن كان كل ما يحدث ماهو إلا تمثيل.
رفع يده يحيطها بها وقد فهم أنها تحاول كيد ابنة عمه فلم يجد شيء يفعله إلا أن يجاريها فيما تفعل. فهذا يصب في مصلحته من الأساس.
ارتعش جسد تمارا وهي تنظر إليهم بهذه الطريقة، يبدو أن ما قالته كان حقًا لا يوجد شيء يبقى على حاله.
لقد نسى جبل حبه الوحيد ونظر إلى زوجة أخيه وأحبها أيضًا، ينظر إليها بقوة وعيناه تقابل عينيها بجمود وكأن ما كان بينهم لم يكن. يقول لها من خلال بريق عيناه أن وجودها لا يمثل فارقًا. لا يحدد موقفًا، لا يسعد أو يحزن أحد أنها هنا كما لو لم تكن هنا.
عادت زينة للخلف مُبتسمة مُتصعنة كل هذا تنظر إليها بطرف عينيها. لم تكن بحاجة لاغاظتها أكثر فقد وصل إليها الغيظ والضيق ودلف إلى جسدها يجعله بالكامل في حالة غير طبيعية.
وضع جبل يده على رأس زينة يمررها على خصلاتها بحنان وما كان يصدر عنه هو كان حقيقي بالكامل وليس به ذرة من التمثيل. خرج صوته شغوفًا قائلًا.
"وحشتيني."
ابتسمت إليه باتساع ولكن الحقيقة أنها لم تكن تستطيع مجاراته هو. لقد كانت تحاول أن تتعالى به على تلك ابنة عمه وفعلت ذلك وجعلتها تعلم أنها المرأة الوحيدة بقلبه وحياته وكل هذا كان بالكذب.
حقًا كل قوي هناك الأقوى منه. لا تستطيع النظر إلى عيناه والاستماع إلى تلك الكلمات القاتلة وكأنها حقيقة.
نظرات عينيه المخيفة دائمًا في تلك اللحظات كانت شغوفه نحوها، تلتمع بحنان وغرابتها تحدثها بالحب تلقي سهام العفو والمغفرة، شفتيه الغليظة التي عذبتها دومًا بكلمات من القسوة والجمود تحركت قائلة كلمات الحب والغزل، يده التي أشتدت في صفعها كثيرًا من المرات تسير على خصلاتها برفق ونعومة وكأنها قطة صغيرة تحتاج لمن يحنو عليها.
تابعها ينظر إلى عينيها السوداء يخرج منها سؤال وخلفه سؤال. من أنت يا حضرة القاضي؟ من أنت أيها الجلاد؟ يشعر بتردد شفتيها بعدما زل لسانها وهتف بكلمة من كلمات الغرام التي لم تعتاد يومًا على قولها ويظن أنها لن تعتاد. ولأول مرة على الإطلاق تقترب منه إلى هذا الحد بكل هذه الرغبة تضمه إليها!
تبادل النظرات كان عنيف للغاية، حرب ضارية ولجوا بها سويًا وكل منهم يبحر داخل أعين الآخر في محاولة بائسة منه معرفة ما المخفي داخله وما السبيل للوصول إليه.
خرج من كل هذا وهو يُشير إليها أمامه قائلًا بصوت رجولي أجش أثرت عليه مشاعره.
"تعالي معايا عايزك."
ذهبت معه إلى الداخل وتركوا خلفهم قلب يشتعل، يحترق، نيران تأججت داخله فقتلت كل ما به. الغيرة تنهش داخلها، روحها تزهق بسبب نظراته نحوها وحديثه معها. لم يهتف يومًا لها بكلمة من كلمات الغزل. لم يفعلها يومًا. إلى هذه الدرجة قامت بتغييره؟
لن تتركه، لن تصمت وتتركه يُسلب منها بهذه الطريقة المهينة. إنه كان ملك لها هي من تركته ومن ستعيده مرة أخرى. لن تكون لغيره وهو لن يكن لغيرها.
ستنشب حربًا قريبًا ستخرج منها فائزة فرحة بجمع الغنائم.
ولج إلى الغرفة وهي خلفه أغلقت الباب ووقفت تنظر إليه محاولة الثبات تمحي ما فعلته بالأسفل منذ قليل تتعامل بهدوء وكأن لم يحدث شيء ولكنه لم يسمح لها بهذا بل بقي ينظر إليها بابتسامة خبيثة ماكرة يتابعها بزاوية عينيه.
يعلم أنها تريد أن تمحي ما حدث ولكنه انتهز الفرصة بسرعة ينظر إليها ضاحكًا. اغتاظت منه فاقتربت تُشيح بيدها بهمجية قائلة بانفعال.
"ايه.. ايه بتبصلي كده ليه."
استقام في وقفته ينظر إليها محاولًا كتم ضحكته التي تريد الفرار من بين شفتيه.
"ولا حاجه مالك."
أشارت إليه بيدها مضيقة عينيها السوداء عليه تدرك جيدًا إلى ماذا يريد أن يصل فقالت موضحة.
"بقولك ايه أنا فهماك كويس.. اللي عملته ده كان بسبب تمارا دي بنت مستفزة."
سألها مُبتسمًا مُعتقدًا أنها تبرر فعلتها ليس إلا.
"ليه؟ ايه الحاجه الكبيرة أوي اللي عملتها خلتك تتخلي عن كل حاجه وتقربي مني كده."
أشاحت بيدها وهي تبتعد للخلف تتحدث ببرود ولا مبالاة.
"كانت عايزاني أهرب ومصدقتش إني مش عايزة وإني مغصوبة فاضطريت أعمل كده علشان تصدق زي ما أنت عملتها قبل كده."
أقترب منها وتحولت ملامح وجهه للجدية التامة والحدة الخالصة يقف أمامها يسألها بقسوة وخشونة.
"كانت عايزة ايه؟"
نظرت إليه ولم تدرك ما فعلته إلا بعدما باغتها بنظراته الغاضبة والشرسة الموجهه نحوها. لم يجد منها ردًا بل وقفت متوترة فصاح بعصبية.
"انطقي.. كانت عايزة ايه."
أردفت كاذبة كي تنهي الأمر قائلة بهدوء.
"استفزتني بالكلام إني حاولت أهرب قبل كده وإني ممكن أعملها."
أقترب منها ليقف أمامها مباشرة عيناه منصبة على عيناها وملامحها ومن خلال توترها ونظراتها المشتتة نحوه علم أنها كاذبة فقال بقوة.
"أنتي كدابة.. قولي الحقيقة يا زينة وإلا مش هيحصل كويس."
ضغطت على شفتيها بعنف وأبعدت عينيها للفراغ بعيدًا عنه قائلة بإيجاز.
"كانت عايزة تساعدني أهرب من الجزيرة."
ضغط عليها وهو يقوم بالإمساك بيدها عندما فهم أنها تريد الهرب منه ومن حديثه يهتف متسائلًا مضيقا عينيه عليها.
"قالتلك ايه بالحرف."
لم تجد مفر آخر بعيد عنه فقالت ما حدث بجدية.
"قالتلي أنها ممكن تساعدني يا جبل علشان أهرب من هنا وأبعد عنك من غير ما حد يعرف ولا حد يمنعني لأنها تقدر تعمل كده.. فأنا حاولت افهمها إني مش عايزة."
استردت تكمل مبررة ما فعلته.
"بس هي كانت فاهمه إني بكدب وأننا مش كويسين مع بعض أصلًا علشان كده لما أنت جيت عملت كده وقربت منك."
صمت للحظات وهو يتابع وجهها وملامحها المتغيرة كل لحظة والآخرى. ضغط على يدها وهو ينظر إليها بعمق متسائلًا.
"أنتي رفضتي؟"
أومأت إليه برأسها قائلة بتأكيد.
"أيوه رفضت."
سألها مستغربًا محركًا رأسه بغرابة وذهول ولم يكن يتوقع أن ما قالته سابقًا ستفعله حتى وإن أتت إليها فرصة للهرب منه.
"ليه؟"
جذبت يدها منه بإصرار قائلة بجدية وثقة ورأسها عاليًا تنظر إليه بقوة وتأكيد.
"مش عايزة أخرج من الجزيرة.. أنا وعدتك إني هفضل ووعدت نفسي إني مش هامشي غير لما أعرف كل حاجه بتحصل ووقتها هقرر ايه اللي هعمله."
تابعتها للحظات ثم سار مبتعدًا عنها متجهًا يفتح باب الغرفة قائلا بانفعال.
"هي اللي جابته لنفسها."
علمت أنه سيتوجه إليها يحاسبها عما أرادت فعله ولم يروقها ذلك الأمر فبهذه الطريقة ستظهر أنها امرأة خبيثة حقودة.
"جبل رايح فين."
لم يستمع إلى حديثها ولم يُجيب عليها بل استمر في طريقه إلى الأسفل تخترق كلماتها المنفعلة أذنه.
"جبل ماينفعش كده أنت عايز تطلعني كدابة مش معقول اللي بتعمله."
لحقته وهو يهبط الدرج متقدمًا للأسفل تمسكت بيده بقوة تحاول إقناعه قائلة بصوتٍ جاد.
"أنا قولتلك اللي حصل وخلاص مش لازم تعمل مشكلة وتطلعني وحشه كده."
أبعد يدها عنه مقررًا عدم التنحي عما يريد فعله قائلًا بقسوة وعنف وهو يدفعها عنه.
"اخرجي من الموضوع ده يا زينة."
أتت والدته على صوتهم المرتفع خرجت تنظر إليه واقفة أسفل الدرج متسائلة باستفهام.
"في ايه يا جبل."
خرجت تمارا وفرح من الغرفة خلف والدته لينظروا إلى جبل وزينة أعلى الدرج بغرابة ولا يفهم أحد منهم ما الذي يحدث.
نظر إلى تمارا عندما خرجت من الغرفة بعنف وقسوة، يبعث إليها من خلال عيناه كم يكرهها ويبغض النظر إليها.
ابتعد عن زوجته وهبط إليها ليقف أمامها مشتعلًا بالغضب يسألها:
- قول لي إيه بقى اللي قولتيه لزينة؟
تقدمت زينة سريعًا تجذبه من ذراعه قبل أن تجيب ابنة عمه قائلة بانفعال منزعجة من طريقته وما فعله:
- جبل خلاص محصلش حاجة لكل ده.
نفض ذراعه منها وأبصرها بحدة قائلًا بغلظة:
- قولت لكِ اخرجي من الموضوع ده.. أنا هعرف أتصرف كويس مع اللي زيها.
نظرت إليه "تمارا" بقوة وذهول وعينيها متسعة عليه من هول الصدمة، إلى هذه الدرجة أصبحت لا تعنيه في شيء.. إلى هذه الدرجة!
كررت كلمته بصدمة:
- اللي زيها.
أقتحم مكانها واندفع يتمسك بذراعها قابضًا عليه بقوة ألمتها وتحدث أمام وجهها بغضب وعنف، ونبرته لا تحمل إليها إلا القسوة والبغض:
- آه اللي زيك.. عايزة زينة تهرب ليه؟ مفكرة إنها زيك مش كده؟ عايزة تسهلي لها طريق الخروج من الجزيرة وتكرري اللي حصل قبل كده.. عايزة يبقى أنتي بس اللي قدامي.
دفعها للخلف بقوة، فتراجعت للوراء واستمعت إليه يقول باشمئزاز:
- تعرفي إن حتى لو زينة مشيت وسابت الجزيرة أنا مش هبصلك يا تمارا.. وجودك زي عدمه في حياة جبل العامري.
اغتاظت مما فعلته وكوتها نيران الغيرة مرة أخرى وأخرى، فصاحت قائلة ثم وجهت حديثها لها بعنف:
- هي لحقت تقولك.. أنا كنت عايزة أساعدك يا مدام زينة معرفش إنك عصفورة سريعة كده.
بررت "زينة" موقفها محاولة تجميل مظهرها الذي شوهه هو بفعلته تلك:
- أنا مكنش قصدي أقوله.
صدح صوته عاليًا يصرخ عليها مناديًا باسمها لأنها تبرر لها ما حدث:
- زيـنـة.
ضيق عينيه عليها، محى كل ما كان بينهم من حب وذكريات، أنفاس لاهثة وغرام واشتياق، تناسى كل شيء بمجرد تركها له.. إذا فالعودة لا تشكل فارقًا.
أردف بصوت حاد غليظ مهددًا إياها تهديدًا واضحًا وصريحًا وهو كفيل به ويستطيع تنفيذه الآن:
- ده أول وآخر تحذير ليكي يا تمارا.. الغلط الجاي أنا بنفسي هرميكي بره الجزيرة.
نظرات نارية خرجت من عيناه تجاهها غير مهتم بنظرات عينيها التي تبادلة بصدمة وخذلان تحاول أن تبعثه إليه ربما بعطف عليها، ولكنه استمر على وضعه ثم استدار تاركًا إياها يرحل عنهم.. لاعنًا الساعة التي أتت بها هنا مرة أخرى.
تابعته زينة وهو يرحل، فنظرت إليها لتجدها تبعث إليها جمرات من النار، فقالت بجدية محاولة تبرير ما حدث:
- أنا مكنش قصدي أقوله.. وافهميها زي ما تفهمي بس بجد مقصدتش.
لم تستمر طويلًا هي الأخرى وتركتها وذهبت إلى الأعلى غير عابئة بنظراتها النارية نحوها المعبئة بالغيرة والحقد الواضحين للغاية.. على ملامحها وحديثها وتصرفاتها.
لم يتبقى سوى هي وشقيقته ووالدته التي تقدمت نحوها لتقف أمامها تنظر إليها بعيون قاسية عنيفة لن ترحمها أو تغفر لها.
خرجت الكلمات بقسوة من بين شفتيها:
- أنا قولت لك إيه أول ما جيتي يا تمارا؟ الظاهر إنك مفهمتيش كلامي كويس.
أكملت بوضوح تستمر في تهديدها كما فعل ولدها منذ لحظات:
- زي جبل ما قال.. أول وآخر غلطة والجايه بموته لو مش منه مني ولو مش مني منه.. حافظي على اللي باقيلك واكفي خيرك وشرك لنفسك.
استردت بجدية شديدة تؤكد مرة أخرى وملامح وجهها لا توحي بالخير أبدًا:
- زينة ووعد مش هيطلعوا من الجزيرة.. بقت مرات جبل خلاص وهي قاعدة هنا برضاها مش غصب.
ألقت عليها نظرة أخيرة ثم تركتها ورحلت، ولكنها أقسمت بداخلها إن بدر منها شيء آخر ولو كان كالهفوة لن ترحمها ولن تجعل غيرها يرحمها.. ستكون هي الجاني على نفسها.
بينما وقفت تمارا حائرة، تنظر إلى الجميع الذي تبدل حالهم من الحب إلى القسوة، واجتاحت ثنايا عقلها الصدمة التي أخذتها منه هو بالأخص وكأنه لم يحبها يومًا ولكن.. هل سيمر ما حدث!
سارت في شوارع الجزيرة بحماس، لهفتها تظهر على ملامحها ونظرتها الشغوفة التي تدور في كل إتجاه.
كانت ترتدي بنطال من الجينز الأزرق يعلوه قميص أبيض يشبه أقمصة الرجال تضعه داخل البنطال يحاوط خصرها حذاء نسائي رقيق.
التفت حول نفسها وهي تسير بين الناس في الجزيرة تنظر إلى بيوتهم وأماكن عملهم، تتابع الأطفال بشغف وحب كبير تنظر إلى النساء باستنكار عندما يبادلونها نظرات مستغربة من هيئتها الغريبة عليهم.
النساء ترتدي عباءة سوداء ووشاح على رأس كل منهن تغطي به خصلاتها وهي الوحيدة فقط التي سارت بينهم بخصلات شعرها صفراء اللون الحريرية.
نظرت إلى "عاصم" الذي كان يسير جوارها ينظر إلى فرحتها بحب ولهفة، خرج صوتها الرقيق وهي تعتدل في سيرها تنظر إليه بسعادة قائلة:
- أنا مبسوطة أوي إنك خرجتني.
يبادلها نظرة عاشق متلهف وابتسامة رائعة تظهر على محياة تجعلها تنكمش على نفسها خجلًا غير مصدقة أن كل هذا لها:
- وأنا مبسوط علشانك.
اتسعت ابتسامتها وهي تنظر أمامها على الأرضية تسير برقة وتحدثت بدلال وغنج:
- شكرًا يا عاصم.
أمسك بيدها يجذبها عندما وقفت أقدامهم أمام بيت كبير في الجزيرة يهتف بجدية:
- تعالي.
سألته وهي تسير خلفه لا تعلم إلى أين يأخذها مضيقة عينيها عليه:
- على فين؟
جذبها إلى باب البيت ووقف أمامه يخرج المفتاح من جيبه قائلًا بجدية:
- تعالي بس هوريكي حاجة.
وقفت تتابعه إلا أن فتحه وتقدم إلى الداخل يأخذها معه ينظر إليها بلهفة متشوقًا للقرب منها، باغته سؤالها المستفسر:
- هو إحنا هنا فين! بيت مين ده؟
تقدم إلى الداخل معها ليقف في ردهة المنزل الذي لا يظهر منه شيء سوى الدرج في منتصفه وأريكة كبيرة، أجابها ببساطة:
- بيتي.
تابعت بعينيها تنظر إلى حوائط البيت وما يظهر منه مرددة باستغراب:
- بيتك!
أومأ إليها برأسه مبتسمًا محركًا شفتيه مؤكدًا ما قاله:
- آه.
تقدمت للأمام تسير مبتعدة لتخرج من المنزل بعد أن دق قلبها بعنف يقدم إليها إنذار معلنًا عن الخطر الذي يحيطها:
- طيب يلا نمشي.
ذهب خلفها مناديًا إياها قائلًا بلهفة:
- استني.
استدارت تنظر إليه، نظرة خيالية، جذبته إلى الوراء تعود به إلى لحظات لا يدركها إلا معها، سألته باستفهام:
- إيه؟
أشار إليها بيده إلى الداخل يتحدث بجدية ونظرته نحوها هادئة:
- تعالي هوريكي البيت.. اتفرجي عليه.
رفضت مقاطعة إياه قائلة بحزم:
- لأ خلينا نمشي.. فرجني على الجزيرة.
أقترب منها ووقف أمامها ينظر داخل عينيها مباشرة يستقبل خوفها ورهبتها منه، يفهم شعورها ومحاولة هروبها السريعة، قال بصوت أجش يسألها:
- أنتي خايفة؟
ارتبكت وهي تستمع إلى سؤاله وتنظر إلى ملامحه الحادة، وكأنها تعرت أمامه وجردها من ملابسها وكل شيء يسترها عندما أدرك خوفها منه:
- وهخاف من إيه؟
ابتسم بخبث وازداد مكره قائلًا:
- مني مثلًا.
فركت يدها الاثنين ببعضهم البعض وهي تعود للخلف خطوة مرة أخرى تبتعد عنه لتذهب من باب المنزل إلى الخارج قائلة بتعلثم وخوف:
- وأنا... أنا هخاف منك ليه؟
أقترب منها وعبر من جوارها فاستدارت تنظر إليه سريعا بلهفة وتمكن منها الذعر وهي تراه يغلق الباب وعاد ينظر إليها بقوة:
- أنت قفلت الباب ليه.. افتحه.
تقدم ببطء شديد يسير في اتجاهها قائلًا ببرود ولا مبالاة يتابعها بعيناه الذي تحول بريقها:
- ولو مفتحتوش؟
كلما تقدم منها كانت هي تبتعد للخلف تنظر إليه غير مصدقة ما يفعله معها، يرهبها أكثر من كونه يسعدها، صاحت بصوت عالي نسبيًا متوترة للغاية خائفة مما هو قادم عليها خاصة بعدما رأت ملامحه تتغير:
- عاصم.. بلاش هزار لو سمحت، أفتح الباب.
رفض حديثها بمنتهى السهولة واللا مبالاة ناظرًا إليها ببرود ونظرته نحوها جامدة وكأنه غير متأثر بأي شيء حوله:
- مش هفتحه.
ابتعدت قليلًا إلى الناحية اليمنى حتى تسير وتعبر من جواره ولكي يكن هناك مسافة بينهم، حاولت فعل ذلك ولكنه أقترب منها وهي تبتعد متقدمة إلى باب المنزل يتمسك بيدها بين قبضته بقوة واستماته فصرخت به بغضب:
- أنا عايزة أمشي.
ضغط بكف يده على يدها أكثر وكل لحظة والآخرى يغير نظرة عينيه عليها فالأن رأته يتمثل أمامها في هيئة "جلال":
- أوعى أنت ماسكني كده ليه.. سيب إيدك.
كشف عن أسنانه البيضاء وهو يبتسم باتساع يستهزأ بها قائلًا:
- ولو مسبتش هتعملي إيه؟
نظرت إليه قليلًا وهي تحاول أن تجذب يدها منه دون حديث، تكونت العبرات داخل مقلتيها محاولة تحرير نفسها منه وصاحت بصوت مهزوز متعلثم خائفة منه:
- عاصم أنت اتجننت اوعى أنا عايزة أمشي.
أقترب منها ليقف أمامها مباشرة، ترك يدها ورفع كف يده إلى وجنتها يسير عليها برفق ونعومة، مقتربًا بوجهه أمام وجهها يستند بجبينه إلى خاصتها، ثم خرج صوته الأجش قائلًا:
- أخر حد تخافي منه أنا.. أنا أقدر احميكي من نفسي قبل أي حد.
شعر بعلو صدرها وهبوطه، يستنشق أنفاسها اللاهثة بعنف وجنون وللحظة شعرت بأن النهاية المكتوبة حقيقيًا وقعت، هربت من براثن شخص لتقع مع آخر.
دفعته بعنف وقوة بكلتا يدها الاثنين وعادت للخ
ملامح طفلة بريئة لا يريد الابتعاد عنها ولا تركها لغيره، لا يريد إلا أن تكون له ملكه ومعه هو فقط.
ينظر إليها وإلى كل ما بها معترفًا بأن الحب لا مثيل له، وخاصة إن كان بالرضا والحلال.
هبطت بنظرات عينيها إلى الأرضية بعدما بلغ الخجل ذروته.
ملامحه الرجولية وصوته الأجش المعترف بحبه لها أغراها وجعل الغنج يتملكها.
عيناه الحادة التي لانت فقط عندما رأى خوفها.
جسده الصلب الذي يبتلعها إن وقفت أمامه لم يمل إلا عندما شعر بارتعاش جسدها.
إنه "عاصم"، وكيف للحب أن يكون هكذا معه.
ضربات سريعة، نبضات متكررة راكضة، خجل مميت، نظرات تلقي بأسهم الحب والغرام، جسد يشتهي القرب ولو بعد حين.
إنه الجوى، الذي انكوت بنيرانه معه.
تعبر على جسر المشاعر المختلفة، غير قادرة على تحديد أي منهم.
أهو حب، لهفة، غرام، حنين، شغف، رعبة.
وما غير الهوى سيكون متعدد المشاعر.
رأته يخرج من المرحاض يجفف خصلات شعره بمنشفة صغيرة بيده.
ينظر إلى الأرضية سيرًا في الغرفة.
ولجت إليه حيث أنها كانت تقف في الشرفة.
تابعته بعينيها ورأت اللا مبالاة وهدوءه الذي يتحله دائمًا.
فقالت بجدية تقترب منه واضعة يدها الاثنين أمام صدرها:
- مكانش ليه داعي كل اللي عملته.
ألقى بالمنشفة على الأريكة ونظر إليها بحدة وانفعال.
منذ الصباح تثرثر بنفس الحديث ولا يشغل تفكيرها إلا مظهرها أمامها.
كيف لها أن تقول ما حدث له بهذه السرعة! أليست زوجته هي!
ضغط على حروف كلماته بانفعال يماثلها:
- بالنسـبة لي أنا ليه ستين داعي.
اتجرأت وعرضت عليكي أنها تهربك، بعد كده هتعمل ايه؟
لازم تقف عند حدها يا إما ترجع مكانها.
ارتفعت حاجبيها تعمق نظرها وتفكيرها في انفعاله الزائد عن حده.
وأردفت ببرود متسائلة:
- هو أنت محموق كده ليه! أنا مش فاهمه.
عبثت ملامحه زافرًا الهواء من رئتيه بانزعاج شديد.
قائلًا بحدة يتقدم منها:
- محموق علشان كنت متوقع تهربي.
لو كان اللي في دماغي صح وهي نجحت أنها تخرجك بره الجزيرة كان زماني بدور عليكي ومش لاقيكي.
بادرت بالكلمات وهي تبتسم بزاوية فمها تسخر منه مردفة:
- وأنا أهمك في إيه.
أشاح إليها بيده بهمجية ينظر إليها باستغراب شديد وعيناه تطلق الشرر نحوها.
فيكفي ما تخفيه عنه:
- أنتي مراتي بلاش جنان.
لحظات من الصمت حلت عليهما معًا.
شعرت بحرقة تخرج من بين شفتيه مع نطقه بتلك الكلمات البسيطة التي تدل على أنها ملكه هو.
حمحت واعتدلت في وقفتها قائلة برفق:
- بس أنا مش ههرب يا جبل متقلقش.
يوم ما أطلع من هنا هيبقى بمزاجك ومزاجي.
ابتسم ساخرًا يشير إليها بيده باعثًا إليها اليأس من خلال نبرة صوته الساخرة ونظراته المتهكمة بسبب حديثها:
- يبقى كده مش هتخرجي من الجزيرة أبدًا.
ابتعد من أمامها في الغرفة فعادت للخلف تتمسك بأحد أعمدة الفراش تنظر إليه وهو منشغل عنها يعطي إليها ظهره.
تذكرت ما حدث في الجبل وهي أخفته عنه.
طوال الوقت تفكر وتحاول الوصول إلى أي شيء، تبحث بين العاملات في المنزل.
تحاول أن تأخذ الحديث منهن عنوة ولكن لا فائدة.
لا والدته تتحدث، ولا شقيقته، وليس هناك ما تستطيع الوصول إليه من خلال أي أحد.
وإن لم تقدم خطوة للأمام ستبقى حقًا عمرها كله هنا دون معرفة شيء ولن ترحل كما قال.
تنهدت بصوت مرتفع وتابعته قائلة بتردد وخوف من نتيجة ما تريد فعله:
- أنا عايزة اعترفلك بحاجة.
استقام في وقفته واستدار ناظرًا إليها بهدوء دون انفعال.
يتابعها منتظرًا أن تقول ما يريد أن يستمع إليه:
- حاجة إيه.
ابتـلعت غصة وقفت بجوفها عرقلت الحديث على شفتيها.
أبصرت عيناه الحادة بتوتر شديد والرهبة تقتلها:
- أنا خرجت وراك وأنت في الجبل.
ظل يتابعها بأعين مفترسة، تفترس كل انش بوجهها.
تتابع حركاتها دون حديث.
ينظر إلى ارتجاف جسدها وخوفها الشديد منه.
اخفضت عينيها عندما أطال هو النظر.
تبتعد عن محاصرته لها والتي لم تفهم منها ما الذي يشعر به.
الغضب مما فعلته أو الصدمة مازالت تلجمه.
أخرجت الهاتف من بنطالها وفتحته تقدم إليه التسجيل قائلة بصوت واثق محاولة الثبات أمامه:
- وصورت كل اللي حصل ووصلني أنك زي ما قولت بس أنا لسه رافضة ده معرفش ليه حتى.
جلست خلفها على الفراش، حائرة خائرة القوى.
لا تدري لما لا تصدق ما هو عليه، ولا تدري لما إلى الآن تلتمس العذر لوجودها.
قالت تنظر إليه باستغراب والحيرة تنهش عقلها تشتته أكثر مما هو عليه:
- واللي أكد رفضي.
الراجل اللي كان بيصوركم، يا إما هو معاك يا إما هو ضدك.
أقترب منها وأخذ الهاتف من يدها منفعلًا بضراوة مما فعلته.
يصيح بصوت حاد خشن ناظرًا إليها بحدة:
- أنا عارف إنك خرجتي ورايا.
وكنت مستني إنك تيجي تقولي لكن مكنتش أعرف أنك صورتي اللي حصل.
لم تستطع الحديث أمام نظراته عليها التي اربكتها للغاية.
دومًا كانت لا تخاف لا تهاب أحد ما دام ما تفعله لا يغضب أحد ولا يؤذيه.
ولكنه الوحيد الذي جعل قلبها يرتعش داخل قفصها الصدري وتخاف من تلك اللحظات الهمجية التي يمر بها.
اخترق صوته أذنها يسأل باحتدام وحنق:
- صورتي ليه.
خرجت منها تنهيدة أكثر حيرة وارتباك.
فهي إلى الآن لا تجد سبب واضح وصريح فعلت هذا من أجله.
قالت بتشتت:
- معرفش.
يمكن علشان يبقى دليل في إيدي يدينك رغم إنك مش ظاهر، أو يبقى سبيل الخروج لو حبيت بعد كده.
بجد معرفش بس لقيتني بعمل كده.
عبث بالهاتف بعد أن استمع حديثها قليلاً يتمسك به.
ثم أقترب يقف أمامها شامخًا يلقيه جوارها على الفراش قائلًا بحدة وشماتة:
- واديني محتلك سبيل الخروج.
أكمل مبتسمًا بشر وسخرية بذات الوقت يقترب بيده منها يملس عليها برفق:
- علشان مافيش خروج يا غزال.
تعلقت بعينيه، تذكرت ذلك الرجل متعجبة لتقل دون إنذار:
- مشوفتش منك رد فعل على الراجل اللي كان بيصورك.
أبتعد يرسم الحيرة على وجهه واضعًا يده الاثنين بجيوب بنطاله يقف شامخًا كما عادته في تلك المواقف قائلًا بقسوة ظاهرة عليه:
- هعرفه.
متقلقيش.
أبتعد أكثر ليخرج من الغرفة.
فوقفت سريعًا وجذبته من ذراعه متعلقة به تحيط عينيه بنظراتها المتوسلة وملامحها الواهية ونبرة صوتها تخرج بخفوت وارهاق:
- جبل.
مش عايز تقولي حاجة!
حرك عينيه عليها ينظر إلى كل ما بها ويصل إليه شعورها يدلف قلبه مباشرة شاعرًا بالشفقة نحوها.
تسائل بخشونة:
- حاجة زي إيه.
لمست الشفقة في نظرته نحوها فحاولت أن تستعطفه أكثر وهي تحيد عليه متمسكة به أكثر قائلة بلين ورفق:
- حاجة تبرأك قدامي.
قهقه ضاحكًا بصوت مرتفع مفتعلًا جلجلة في الغرفة وهو ينظر إليها باستهزاء:
- ومين قالك إني عايز ابقى برئ قدامك.
ضغطت على ذراعه بيدها بين قبضتها القوية ترفع عينيها إليه متفوه تتوسله:
- أنا عايزة.
شعر أنها تتمادى أكثر كل يوم، وفي كل جلسة وتجرأت أكثر عندما أصبح لين معها يتحدث برفق واريحية مبتعدًا عما كان يفعله معها سابقًا.
أراد أن يذكرها أنه هو مثلما كان لم يتغير به شيء.
يخبرها أنه المتحكم الوحيد في كل ما يفعله إن كان لين أو قسوة:
- زينة.
جبل بتاع دلوقتي هو نفسه بتاع قبل كده، أنا بس اللي متهاون معاكي لكن كل ده بايدي أنا متفكريش إني ضعفت أو اتغيرت أنا هو جبل العامري اللي مشوفتيش أقذر منه.
تركت يده وابتعدت للخلف نادمة على ما أقدمت عليه معه.
فهو كلما أرادت القرب لفهم وإدراك ما يحدث صدمها في حائط صلبه وقسوته.
عقبت على حديثه بقلة حيلة:
- وأنا لسه زينة اللي وقفت قصادك في كل حاجة قولتها، بس بحاول ألاقي حاجة كويسة فيك.
هتقولي ليه هقولك معرفش بس يمكن علشان رضيت ابقى هنا وفي نفس الوقت مش عايزة ابقى مع مجرم.
ابتسم باستهزاء شديد مبتعدًا عنها متقدمًا من باب الغرفة قائلًا بخبث وحقارة:
- اللي فات كان نزاهة وبراءة.
اللي جاي كله إجرام.
فتح باب الغرفة تحت أعينها بحقارته وتلك النظرة الدنيئة.
ما كاد إلا يخرج ولكنه وجد شقيقته "فرح" تقف أمام باب الغرفة قاربت على دقه لكي تناديه ولكنه سبقها وفتحه.
سألها مضيقًا عينه عليها:
- مالك.
أجابته بنظرة حزينة وصوت مرهق ضعيف:
- عايزة أتكلم معاك.
أشار إليها بالولوج إلى الداخل، دلفت تنظر إلى "زينة" نظرة عادية خالية من أي مشاعر.
جلست على الأريكة فأغلق الباب وعاد مرة أخرى إلى الداخل ليجلس أمامها على المقعد متسائلًا بنبرة اعتيادية:
- اتكلمي.
رفعت بصرها إلى "زينة" مرة أخرى فشعرت أنها لا تبتغي وجودها لتستمع إلى الحديث الذي سيدور بينهم.
فتقدمت "زينة" تخرج من الغرفة قائلة:
- أنا هنزل تحت.
عرقلت طريقها "فرح" عندما اعترضت على حديثها قائلة:
- خليكي يا زينة.
صمتت كثيرًا بعدما عادت إلى الداخل تجلس على الفراش.
فوضع "جبل" مفصل يده على ذراع المقعد يستند بإصبعيه السبابة والإبهام على وجهه بحركته المعتادة دليل على الملل الذي يشعر به.
خرج صوته ببرود:
- مطولين إحنا.
ترقرقت الدموع بعيونها وهي تنظر إليه.
هبطت بها إلى الأرضية تحرك أهدابها وارتجف جسدها خوفًا مما هي مقدمة عليه.
ثم قالت متعلثمة:
- أنا عملت مصيبة.
اعتدل في جلسته عندما شاهد حالتها التي تغيرت مئة وثمانون درجة.
ينظر إليها بتمعن شديد متسائلًا بقوة:
- عملتي إيه.
أجهشت في البكاء بعدما سألها.
فوقفت "زينة" تنظر إليها باستغراب لترفع "فرح" إحدى عينيها وهي تبقى قائلة دون سابق إنذار تلقي قنبلة موقوتة داخل مجلسهم:
- أنا حامل.
هب "جبل" واقفًا تجتاح خلايا جسده بالكامل الصدمة والذهول.
ينظر إليها بغضب عارم وقسوة خالصة مميته قهرية على حالها.
وضعت "زينة" يدها على فمها تشهق بعنف غير مستوعبة تلك الصدمة وباغتتهم بسؤال عنيف:
- مين عمل كده!
بقيٰ هو على حاله ينظر إليها تفور الدماء بعروقه يشعر بتضخم رأسه وتأجج النيران داخله.
وما كاد إلا أن ينقض عليها بعدما تحولت عيناه إلى السواد الحالك بسبب كثرة الغضب والاشتعال الموقوت.
ولكنه توقف عندما تفوهت باكية:
- عاصم.
عاصم اللي عمل كده.
صدمة لم تلجم ألسنة الجميع بل ألجمت عقولهم.
وتفوقت على إدراكهم لأي حقيقة أخرى، معلنة عن شلل موقت لبدن كل من استمع اسم "عاصم" وفهم ما قصدته.
رواية سجينة جبل العامري الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندا حسن
لم يكن شيء يحميني سوى صداقتنا، كنت أطلق النيران دون النظر خلفي لأني على دراية تامة أنك تُساندني، لم يُخيل لي يومًا أن تأتي الطلقة في منتصف قلبي منك.
لم يدرك ما قالته، يقف بجسد مُتصلب وعيون مشتعلة انطفأ بريق الغضب داخلها وحل محله الذهول التام والصدمة الخالصة. يحاول فهم ما قالته واستيعاب ما يُشير إلى ذلك.
"عاصم"! كيف؟
تتحرك عينيه عليها بشك وحيرة في نفس الوقت. "عاصم"! إنه صديقه ومن يأمن له من بين الجميع ويعلم كل أسراره وخباياه حتى الذي لا تعرفهم عائلته.
"عاصم"! إنه دومًا عندما يدلف القصر تكن رأسه منخفضة، عيناه تنظر إلى الأرضية محترمًا المكان الذي دلف إليه، محترمًا لصديقه وما بينهم.
كيف له أن يفعل شيء مشين كهذا مع شقيقته؟ هل خُدع به؟ هل فعل كل هذا أو غوته نفسه للإقتراب منها ونسيان أنها شقيقة "جبل العامري" وابنة جزيرة العامري.
تقدم منها بغضب وقسوة جاذبًا إياها من خصلات شعرها، يرفعها للأمام لتقف أمامه مرتجفة البدن خائفة بشدة من القادم عليها مع شقيقها بعدما اعترفت بالكذب.
رفع وجهها له يرى عبراتها المنسابة من عينيها بغزارة ولكنه صرخ بها قائلًا وقبضة يده تشتد عليها:
- أنتي كدابة يا بت.
ارتعشت أسفل يده مُتحدثة بصوت متعلثم خائف تناشدة ببكاء حاد:
- والله ده اللي حصل. أنت بتكدب أختك علشان خاطر عاصم.
أكملت موضحة القهرة على ملامحها وهي تنتحب قائلة:
- أنا هعمل كده في نفسي إزاي.
صرخ دافعًا إياها للخلف بعدما وصل إلى ذروة غضبه فاقدًا أي ذرة هدوء به، يرفع يده عليها صافعًا إياها بقوة شديدة جعلتها ترتد إلى الخلف أكثر. ليتقدم هو منها مرة أخرى يجذبها قابضًا على ذراعها بقوة ألمتها:
- اومال ده حصل إزاي انطقي.
ارتجف قلبها عندما شاهدته بهذه الحالة فأدركت إن لم تقنعه بما فعله عاصم ستكون هالكة لا محال:
- عاصم والله. هو اللي عمل كده.
نفض بدنها بقوة وهو يدفعها بكلتا يديه مستمر بالصراخ عليها وعيناه تفقد لونها الأصلي ووجه أحمر للغاية من كثرة الانفعال:
- عمل كده إزاي.
رفعت يدها أمام وجهها تتحدث بضعف وتقطع خائفة منه:
- أنا.. أنا هحكيلك الحقيقة. عاصم كان مفهمني إنه بيحبني ومرة.
توقفت عن الحديث فصدح صوته المنفعل:
- مرة إيه انطقي.
ابتلعت ريقها ورفرفت بأهدابها والدموع لا تتوقف عن الانهمار من مقلتيها، بللت شفتيها وابتلعت تلك الغصة المريرة التي وقفت بحلقها مرة أخرى خائفة من إخراج الكلمات:
- مرة خرجت معاه روحت بيته كان عايز يوريهولي علشان قالي هيطلبني منك ونتجوز وعمل كده فيا هناك غصب عني وأنا مرديتش أقول ولا أتكلم خوفت منك. كنت خايفة تقتلني بس لما عرفت إني حامل مقدرتش أسكت.
جلجل صوته في أرجاء الغرفة وحقًا هذه المرة كانت ذروة الغضب والإنفعال، دفعها للخلف صارخًا بغلظة وعنف:
- روحتي بيته يا بنت الكلب. يا و***.
أنهال عليها بالصفعات من يده الغليظة ذات الضربات الشديدة، يجذب خصلاتها بين يديه بشدة وعنف لتنفصل عن فروة رأسها بيده تحت صرخاتها المميتة الخارجة من صميم قلبها ليست تمثيل ولا خداع بل حقيقة. فضرباته على جسدها لم تكن هينة أبدًا، تستمع بين صرخاتها إلى سبابه لها الذي يخرج من فمه بعنف خالص وقسوة لا نهاية لها.
أقتربت منه "زينة" أخيرًا التي كانت تقف مذهولة مما يحدث ومما استمعت إليه، تكاد تكون قدميها ثبتت في الأرضية فلم تستطع التحرك. ولكن عندما اخترق صوت "فرح" أذنها مطالبة بالنجدة تحركت تجاهه تحاول دفعه عنها صارخة به ولكنه كان جبل حقًا لم يهتز بضرباتها كي يبتعد ولم يعطي لها اهتمام.
تصرخ بشراسة عليه وهي تحاول أن تجذبها منه بعنف:
- حرام عليك قالتلك ملهاش ذنب.
لم يكن يرى أمامه سوى شقيقته التي انتهك شرفها بسببها هي ليس بسبب أحد آخر من قِبل صديق عمره ومن آمن له من بين الجميع. دفع "زينة" بيده بقوة شديدة فابتعدت إلى نهاية الغرفة. حاولت التقدم مرة أخرى مُصرة على تحريرها من بين يده فوقف مستقيمًا حيث أنه كان مائل على الأرضية وهي أسفله ليستطيع أن يجتاح جسدها بالضرب بقوة.
استقام واقفًا ينظر إلى زوجته بغضب جامح وقسوة جمعها من بقية العالم لتبقى بقلبه هو فقط قائلًا بصوت لا يشبه إلا الفحيح لاهثًا:
- لو قربتي هتزعلي.
بقيت واقفة مكانها خائفة من تهديده فهو بهذه الحالة يستطيع أن يفعل بها أي شيء دون ذرة شفقة أو رحمة. عاد للخلف ناظرًا إلى شقيقته ثم بصق عليها باحتقار وإهانة وأبتعد متقدمًا من خزانته يخرج منها سلاحه ثم استدار إلى باب الغرفة فخرجت "زينة" خلفه صارخة به:
- جبل. جبل علشان خاطري متقتلوش.
لم يعيرها اهتمام وفعل ذلك عن عمد حتى لا تأخذ نصيب مما أخذته شقيقته. ولكنها لم تصمت هنا تهبط الدرج خلفه تناديه مستمرة بالصراخ أمام والدته وابنه عمه التي همت بالصعود إلى الأعلى لترى ما الذي حدث لكل هذا الصراخ.
لم يهتم بأحد ولم يستمع إلى هرائهم بل خرج من القصر وكأن العار يلاحقه والناس أجمع يشاهدون فلا طريق عودة إلى الشرف إلا عندما يأتي بروحه بيده دافعًا بكل ما بينهم من أخوه وأمانه، صداقة وحب إلى عرض الحائط.
صرخ في جميع الحرس بصوت جهوري:
- كله بره القصر. الحرس كلهم يطلعوا بره القصر.
انصاعوا إلى أوامره يخرجون واحدًا تلو الآخر ليجد "عاصم" يخرج من الغرفة متسائلًا ينظر إليه باستغراب:
- في ايه يا جبل.
قابله الآخر متقدمًا منه بقوة ينظر إليه بقسوة فلم يدري إلا وهو يرفع سلاحه يضربه به في وجهه ليرتد عاصم إلى الخلف متألمًا وأنفه تنزف الدماء بغزارة. وقف مذهولًا مما فعله ينظر إليه بصدمة تحت أعين والدته وابنة عمه وزوجته.
أقترب منه ليلكمه في وجهه بقوة وكراهية شديدة لم تنشب بقلبه إليه إلا الآن قائلًا بصدمة وصراخ:
- بقى أنت يلا تعمل في أختي كده.
وقف "عاصم" بالمعنى الحرفي مذهولًا مما يفعله به ومما يقوله فتفوه بضعف قائلًا:
- عملت في أختك ايه.
صرخ به "جبل" رافعًا قدمه يدفعه للخلف تخرج الكلمات منه باحتقار شديد:
- أنت مش عارف يا كلب يا خاين. فاكرني هسيبك يا عاصم دا أنا هدفنك مكانك.
كان "عاصم" يستطيع الدفاع عن نفسه والسيطرة على الوضع ولكنه لم يستطع أن يرفع يده على صديق عمره يريد أن يفهم ما في الأمر فقال بصدق ناظرًا إليه بتعجب:
- أنا فعلًا مش عارف عملت فيها ايه. ايه اللي بتقوله ده.
أمسك به من تلابيب قميصه ناظرًا إليه بشر قائلًا:
- أنت مش غوتها وقولتلها إنك هتتجوزها وعملت وساختك معاها.
شهقت والدتها بصدمة وهي تقف على درجات بوابة القصر الداخلية وترنحت للخلف فأمسكت بها "زينة" قبل أن تقع لتجلسها على الدرج وهي تحت الصدمة تستمع إلى ما يدور بينهم بقلب مفتوح وروح مقتولة على ابنتها ولم تكن تدري ما في الأمر وما الذي فعلته ابنتها سيؤدي بحياتها.
بينما "تمارا" لم تكن تعلم ذلك وضعت يدها على فمها شاقهة بقوة غير مصدقة أنه فعل هذا بها وهي لم تقول لها بل كتمت كل ذلك.
دفعه "عاصم" بعنف وعينيه متسعة عليه للغاية لا يفهم ما الذي قاله مرددًا بصدمة كبيرة:
- أنا!
اغتاظ منه "جبل" ومن كذبه وافتعال الذهول والصدمة فتقدم مرة أخرى بغل وحقد:
- ولاَ الله وكيل هدفنك حي.
اهتاج بعنف وضراوة يُشير بيده بهمجية صارخًا بحديث صادق خارج من قلبه يلقيه عليه لعله يصدق ذلك:
- قسمًا بالله ما حصل يا جبل ولا قربتلها ولا عمري قولتلها كلمة واحدة. أختك هي اللي قدمتلي نفسها وأنا قسمًا بالله رفضت وقولتلها أنها صغيرة وعيب اللي بتعمله.
لم يصدق "جبل" ما يراه ويستمع إليه منه فهو لم يكذب يومًا وإن فعل شيء يعترف به ولكنه الآن وصل إلى أقذر مرحلة وتخطى الدنائة بكثير:
- أنت مش مكفيك اللي عملته كمان مكمل في كدبك. بقى هي اللي هتجيلك يلا.
تشنج جسده أكثر وهو يستمع إلى تهمة تنسب إليه وهو برئ تمامًا منها ولم يقربها ولو بالنظر:
- قسمًا بالله عمري ما بصتلها ولا عيني اترفعت فيها بالطريقة دي أنا طول عمري بحافظ على أهل بيتك كأنهم أهلي أنا.
أجابه "جبل" بغيظ قائلًا:
- ما هما أهلك فعلًا. وابنك اللي في بطنها.
وقعت الكلمات على مسامع الجميع كالصاعقة التي هدمت كل شيء ولم تأتي من بعدها إلا الدمار المميت لجميع البشر، وخاصةً تلك البريئة التي كانت تقف في الشرفة تنظر وتستمع إلى ما يدور في الأسفل بوجه باهت وعينين دامعة بكثرة وغزارة.
يرتجف جسدها بعنف تشعر بقلبها يطالبهم بالرحمة والمغفرة يعفو عنه فهو برئ.
تحركت للداخل كي تهبط إليهم بسرعة لتدافع عن ذلك الحب الشريف الذي لم يقربها ولو بنظرة حقًا.
لاحقته الشياطين عندما استمع إلى هذه الجملة الأخيرة، يريدون أن ينسبون إليه طفل ليس طفله!
- ابني! ابن مين عليا الحرام ما ابني. قسمًا بالله ما قربتلها أختك بتلبسهالي.
أكمل بغضب مهتاجًا عليهم جميعًا:
- أنا مش عيل ومش هخاف أنا لو عملت كده هقول قدام التخين لكن أنا معملتش كده شوفها عملت كده فين.
لكمة "جبل" بعصبية دافعًا إياه للخلف يصرخ عليه:
- أنت كمان هتتكلم عنها.
دلف "جلال" من بوابة القصر ينظر إليهم مبتسمًا بعدما أخبروه الحرس في الخارج أنه أخرجهم فتوقع ما يحدث. تقدم يغلق البوابة يقف على بعد قليل فنظر إليه "عاصم" بقوة ليرد النظرة إليه بشماته.
رفع عليه السلاح ليستقيم "عاصم" في وقفته ينظر إليه بخيبة أمل وخذلان كبير، لم يدافع عن نفسه أكثر من ذلك بل بقيٰ واقفًا ناظرًا إلى عيناه شاعرًا بالحزن على ذاته فلم يخيل له عقله يومًا أن تأتي الضربه منه هو. ولكن يستطيع أن يلتمس له العذر فكيف له أن يصدقه هو ويكذب شقيقته. لا يجوز.
ضغط جبل على زناد المسدس مقررًا قتله على أي حال ولكن تبادل معه النظرات شاعرًا بما يحدث به نفسه، يلوم ذاته هو الآخر كيف له أن يفعل ذلك؟ ولكن هو من بدأ هو من اجنى على نفسه عندما زاغت عيناه على شقيقته. مع إطلاق النيران عليه ستقتل صداقتهما التي دامت منذ أن خرج إلى شارع الجزيرة وهو طفل إلى الآن.
خرجت طلقة واحدة مع نظرة حزن من عينياي "جبل" غير مصدقًا ما فعله وصرخة خرجت تزامنًا مع تلك الرصاصة ليستوعب "جبل" ما بدر منه شاعرًا بيده ارتفعت إلى الأعلى لتنطلق في الهواء حرة وعاصم يقف كما هو.
كانت "إسراء" من فعلت ذلك، تبكي بضعف وتنظر إليه بخوف شديد ولكنها تجرأت وفعلت ذلك تعود للخلف لتقف جوار "عاصم" صارخة بـ "جبل":
- عاصم معملش حاجه. عاصم برئ.
صدمت "زينة" مما فعلته! كيف عبرت من جوارها راكضة بهذه السرعة كي تنقذه، تقدمت سريعًا منها تجذبها إليها قائلة بانفعال:
- أنتي إزاي تنزلي من فوق. بتدخلي ليه أنتي مجنونه.
انهارت في البكاء تنظر إليها وجسدها يرتعش صارخة بقوة عليها توضح لها ما علمتها إياه:
- أنتي اللي علمتيني كده لما يكون حد هيتأذي بسبب حاجه معملهاش وأنا عارفه أنه برئ لازم أنقذه وده مكنش هيتأذي كان هيموت.
أخفض جبل سلاحه وخرج صوته بشك يسألها:
- وأنتي تعرفي منين أنه برئ.
استدارت تنظر إليه، ابتلعت ريقها وهي تخاف من نظرة عينيه المخيفة نحوها ولكنها قالت بتوتر:
- عاصم معملش في فرح كده. فرح كدابة.
صرخ بها بعنف وقوة يتقدم منها بهمجية:
- عرفتي منين.
ارتعشت تتابعه برهبة قاتلة فاقتربت منها "زينة" تجذبها جوارها تحميها من بطشه ولكن "إسراء" تحدثت قائلة بصدق:
- فرح متجوزة جلال.
صدمة أتت من السماء ووقعت على الجميع وكان أولهم "جلال" المستمع إليها الذي أراد أن تبتلعه الأرض ولا يخرج منها مرة أخرى وقارب على أن يبلل ملابسه من كثرة خوفه من "جبل" والقادم منه، صدم "عاصم" وشعر بالغباء وهو يستمع إلى حديثها ولا يدري أهي لتحميه تلقي بهذه التهمة على "جلال" لما فعله بها سابقًا!؟
اتسعت أعين "جبل" الغير مصدقة لما تقوله يتابعها بشراسة ينبهها أن لا تكذب لأنها إن فعلت ستكون نهايتها الحتمية ولكنها أكملت معترفة:
- فرح متجوزة جلال عرفي وكانت بتقابله ورا القصر وآخر مرة كانت امبارح لما اتفقوا أنه يطلقها ويقطع الورقتين وتتبلى على عاصم علشان يتجوزها.
شعرت "زينة" بالخوف الشديد عليها، لا تطمئن لنظرات "جبل" نحوها وذلك الذي تتهمه "جلال" فصرخت بقوة:
- أنتي جبتي الكلام ده منين.
أبصرت شقيقتها توضح لها ما حدث ثم اتجهت بعينيها إلى "جبل" تكمل بضعف:
- أنا شوفتهم وسمعتهم امبارح بالليل وبعدين خرجت مع عاصم بس خوفت أقوله وكنت هاجي أقولك أنتي.
تبقي صامتًا ينظر إليها بحيرة ولا يستطيع لأول مرة بحياته معرفه وتحديد من الخائن أمام أنظاره فاستردت تبعد حيرته عنه تقترح:
- لو مش مصدقني تقدر تشوف تسجيلات الكاميرات هنا في القصر ما فيه كاميرات هتلاقي فرح وجلال اتقابلوا امبارح مرتين وتقدر كمان تدور قبل كده هتلاقيهم بيتقابلوا.
لتكمل بخفوت وضعف شديد:
- حتى جلال هو اللي عمل فيا كده.
جذبتها شقيقتها من ذراعها تصب تركيزها عليها بذهول تسألها:
- عمل فيكي ايه.
حركت أهدابها توترًا وخوفًا منها، ترددت في الحديث وخرج صوتها ضعيف خافت خجلة مما فعلته وأخفته عنها:
- اخدني ورا القصر وخوفني وحاول يقرب مني ولما حاولت أصوت رفع عليا مطوة.
صرخت زينة بانفعال شديد ولم تستطع السيطرة على نفسها بعد هذه الكلمات تحرك جسدها بقوة بين يديها بعنف:
- إزاي متقوليش ليا الكلام ده. أنتي اتجننتي بجد.
رفعت بصرها إليها تواجهها قائلة تذكر دور "عاصم" فيما حدث وأنه تصرف بنبل وشجاعة ولم يتركه يقترب منها:
- عاصم هو اللي عرف ولما عرف هو اللي عمل فيه كده وخد حقي منه وضربه بالنار.
ما كادت "زينة" إلا تتحدث ولكن "جلال" سبقها صارخًا بقوة يقترب منهم أكثر ليظهر لـ "جبل" أنه ليس خائف:
- البت دي كدابة. كدابة محصلش.
أكمل بعنف ينظر إليها بشر:
- كل الكلام ده محصلش.
أبعدت عينيها عنه تتخفى في شقيقتها تقترب منها تحتمي بها وبالأعلى كانت تقف "فرح" تستمع إلى آخر ما حدث وبدر من الغبية "إسراء" تنعي حظها خائفة مما سيفعله بها شقيقها عندما يتأكد من حديثها. لقد تنقلب السحر على الساحر ووقع أسير لخطط ومكائد كان يريد أن يلتف بها غيره ولكنه هو الوحيد الذي ابتلع كل ما فعله وإلى الآن لم ينل جزاءه.
ابتلعت ريقها بصعوبة وارتجاف جسدها لا يساعدها على الوقوف لتتابع ما يحدث في الأسفل بينهم بل أعاقها وشعرت أن قدميها لا تحملها فانهارت جالسة على الأرضية في الشرفة منتظره موتها الحتمي على يد شقيقها.
أبتعد "جبل" يتقدم من البوابة الخارجية يفتحها صارخًا بحراسه ليتقدموا إلى الداخل فامتثلوا لأوامره. أشار إلى "زينة" تدلف إلى الداخل ومن معها بقسوة:
- ادخلوا جوا.
بينما وهم يهمون بالولوج إلى الداخل استمعوا إلى صوته الحاد يخرج بقسوة وغلظة:
- فتشوا عاصم وجلال. خدوا منهم أي سلاح واربطوهم وخدوهم على الجبل.
فورا كانوا يتحركون ليفعلون ما أمر به على الرغم من استغرابهم التام مما يحدث ولكن بالفعل حدث في دقائق بسيطة ما طلبه ليتركون ساحة القصر الخارجية ويرحل بحراسه إلى الجبل تاركًا بعضهم القليل هنا ليكونوا في حراسة أهل القصر.
أخذت "زينة" شقيقتها لتصعد بها إلى الأعلى خوفًا عليها من أي أحد بالقصر وبالأخص "فرح" تاركه "تمارا" في حالة ذهول بعدما رأت كل ما حدث وعقلها لا يستجيب لأي شيء مما استمعت إليه تصعد هي الآخرى خلف زوجة عمها التي صعدت الدرج ذاهبة إلى ابنتها لتفهم منها ما الذي حدث بالضبط.
فعلت ذلك وبعد الاستماع إلى ما تفوهت به وكان مما ألقته على "جبل" بالضبط انهالت عليها هي الأخرى بالضربات القاتلة تلتحف بخصلات شعرها على يدها تضربها بقدمها بقوة غير عابئة بأي ألم أو صراخ يخرج من جوفها لا ترى إلا وهي تدنس سمعتهم وشرفهم تلك الحقيرة والتي إلى الآن لا يعلمون أهي صادقة أو لا.
حاولت تمارا كثيرا أن تبعدها لتنجح في النهاية بعدما تعبت "وجيدة" من كثرة ضربها صارخة بها بقوة:
- لو اللي قالته أخت زينة صح وعاصم معملش فيكي حاجه وكله بمزاجك مش هخلي جبل يقتلك. أنا اللي هقتلك.
ثم تركتها وذهبت من الغرفة لتصرخ الأخرى بفزع وخوف نادمة على ما فعلته سيؤدي بحياتها إلى الجحيم، ليتها ظلت صامتة ولم تفعل هذا الهراء الذي تسرعت بفعله كما جعلت "جلال" يقترب لتلك الفتاة فإن ضغط عليه "جبل" قليلا سيعترف بكل شيء ويتركها تتعذب وحدها وتكن كتبت نهايتها بيدها.
استندت بظهرها إلى الحائط تعود إلى ليلة أمس متذكرة ما فعلته بعدما انتهت من الحديث مع "جلال" وبعدما جلست كثيرًا ناظرة إلى "عاصم" متذكرة ما فعله بها وطرأت على رأسها فكرة شيطانية لو نفذتها إما أن تنتقم منه أشد انتقام أو يكن لها رغمًا عن أنفه وأنف الجميع.
صعدت إلى الأعلى قليلًا ثم هبطت إلى الأسفل مرة أخرى متوجهة إلى خلف القصر ثانيةً بعدما حدثت "جلال" أن يعود لها لتتحدث معه في أمر هام للغاية.
أتى لها فجذبته سريعًا متصنعه الخوف متوترة قائلة بارتعاب:
- مصيبة.
تلبك من نظراتها مقتربًا هو منها متسائلًا بنفعال:
- مصيبة ايه الله يخربيتك.
بللت شفتيها تتابعه متصنعة التوتر الشديد والخوف منه ومما ستقوله لتنتهي في نهاية الأمر قائلة بتبرم:
- أنا حامل.
اتسعت عيناه عليها ولم يأخذ وقت في التفكير في كلماتها البسيطة بل صاح مستنكرًا بعنف:
- نعم يا روح أمك.
أقسمت له تؤكد حديثها ترسم الارتعاب الشديد على ملامحها ثم حولت حديثها إلى نبرة أخرى ذات مغزى:
- والله العظيم. لسه عارفه دلوقتي حالًا بعد ما طلعت عملت اختبار وطلعت حامل هنعمل ايه في المصيبة دي.
ردد باحتجاج يمسك بذراعها بعنف ضاغطًا عليه بقبضة يده يخرج غضبه وعنفه بها:
- نعمل ايه؟ دا أنتي وقعة أهلك سودا، أنتي مش قولتي واخده بالك يا بت أنتي.
بررت وملامح وجهها مجعدة تدل على أثر الصدمة ورفضها:
- أنا هعرف منين ده اللي حصل. هنتصرف إزاي.
دفعها للخلف بقوة قائلًا بضجر بعدما أدرك حجم المصيبة الأخرى التي وقعت على رأسه منها ألا يكفي سابقتها:
- الله يخربيتك على بيت معرفتك السودا.
أردفت بقوة تنظر إليه بحدة ثم اتجهت وحديثها إلى محطة أخرى ترمي بفعلتها عليه لتصل إلى ما تريده منه:
- مش وقته يا جلال لازم نلاقي حل وإلا الموضوع لو أتعرف أنا وأنت هنروح في داهية جبل مش هيسمي علينا.
عاد إلى السور يستند بظهره عليه قائلا بجدية:
- حل ايه يا بت؟ أخوكي مش هيوافق عليا ولو قولتلك تنزليه الموضوع هيتعرف كله دا أنتي أخت جبل العامري.
وضع رأسه بين يده الاثنين ينحني بجذعه للأسفل يخرج صوته بخفوت وضعف:
- روحت في شربة مايه يا جلال.
جذبت يده وجعلته يقف مستقيمًا في مواجهتها لتصيح بوجهه بعصبية متخلية عن حزنها الزائف وخوفها الكاذب:
- ركز معايا دلوقتي لو فكرنا هنلاقي حل.
أشار لها بيده ساخرًا من حديثها معتقدًا أنها انتهت إلى هنا إلا إذا تخلص من هذا الشيء ومنها هي الأخرى وهذا شبه مستحيل:
- حل ايه يا أم حل أنتي غبية يا بت. مين هيشيل الليلة السودا دي من على دماغي.
عادت للخلف تنظر إليه بجدية، اعتدلت في وقفتها ثم ألقت عليه كلمات ذات مغزى:
- في حد يشيلها. ووقتها هو اللي هيموت.
اعتدل هو الآخر وتعمق في النظر إلى وجهها يتبادلون النظرات سويًا ثم هتف فجأة بحماس ولهفة:
- عاصم! يا بت الايه.
أمسك بيدها ونظر داخل عينيها مباشرة، ذئب شرس أراد الدمار لكل سكان الغابة إلا هو، خطط في لحظات وبلمح البصر كان يتفوه بصرامة وحزم:
- طب اسمعي بقى الكلمتين اللي هتقوليهم. هتقولي إن عاصم مرة كان معاكي بره أخدك البيت بتاعه وعمل كده غصب عنك وهددك متتكلميش وأنتي كنتي خايفة تتكلمي وتقولي بس لما عرفتي إنك حامل اتكلمتي.
تابع ينظر إليها بجشع وكره شديد يكنه لـ "عاصم" وأتت الفرصة تحت قدمه من قِبلها هي لكي يؤذيه وإن حدث لها هي الأخرى شيء سيكون مبتعدًا عنهم ولن يبقى سواه هنا، مضحيًا بابنه وكل شيء:
- بعدها عاصم هنقرا عليه الفاتحة والطريق يتفتح قدامي لو أنا اتقدمت لجبل ده لو مطلبش مني هو هيوافق أكيد علشان أشيل الليلة دي.
أردفت بتوتر وصوت متعلثم:
- طب لو حصل حاجه تانية ولا غصب عاصم يتجوزني.
أشار لها بيده يؤكد بجدية شديدة وثقة مما سيفعله "جبل" به إن علم بهذا الشيء:
- أخوكي مش هيعمل كده هيقتله وقتها.
كانت هي تفكر في شيء آخر فلن توافقه قائلة بصوت جاد:
- بس بردو لازم ناخد احتياطفهم.
قصدها وجعلها تنال ما تريد فهو من الأساس كان يريد أن يبتعد عنها بأي طريقة ولكنه كان يعلم أنها مجنونة إن فعل ما لا تريده يمكنها أن تغرق المركب بمن عليها وهي من ضمنهم:
- خلاص أنتي طالق والورقتين اللي معايا هروح أقطعهم وكأن شيئًا لم يكن.
أومأت إليه برأسها قائلة بايجاب:
- ماشي.
ربت على كتفها بيده اليمنى بهدوء وقال بهدوء:
- جمدي قلبك وبكرة بالليل قوليله.
أومأت برأسها إليه مرة أخرى فأشار إليها بالرحيل قائلًا ساخرًا بينه وبين نفسه:
- الله معك.
ذهبت وتركته بعدما تالت ما أرادت ولم تكن تدري أنها بهذا تكتب نهايتها أو بداية عذابها. وبالأحرى ستكون بداية. ولكنه هو سعد للغاية أنه تخلص منها بهذه الطريقة السريعة وهي من طلبت ذلك وبنفس الوقت ستؤدي بحياة "عاصم" إلى التهلكة. يستحق ما سيناله.
وصل إلى الجبل مع حراسه والذي جعلهم يدفعون بـ "جلال" مكبل في غرفة التعذيب واغلقوا عليه الباب وطلب منهم أن يتركوا "عاصم" في غرفة أخرى بعيدة عنه. وقف حائرًا لا يدري من حديثه صحيح، هل صديق عمره برئ وشقيقته تلقي عليه بتهمة لم يفعلها! ولكن لما ستفعل ذلك؟ هل "جلال" هو الذي فعل معها هذا وكان بإرادة كاملة منها مثلما قالت شقيقة زوجته. إن كان هذا سيكون منطقيًا أن تلقي التهمة على "عاصم" وتقول أنه فعل هذا بها كرهًا وقهرًا لتنفد بنفسها هي وذلك الحقير.
سيعود إلى القصر ليتابع الكاميرات كما قالت "إسراء" وسيعرف من خلالها هل "عاصم" من فعلها أو "جلال" بموافقتها.
أخرج هاتفه من جيبه بعدما اهتز به مرات وراء بعضها ليفتحه ينظر إلى الرسائل المبعوثه إليه ليجد فيديو من بينهم كان به الصدمة الأخرى الآتية من "عاصم". فيديو عبارة عن لحظات به "عاصم" يقف مع "طاهر" يتسايرون في الحديث. هل "عاصم" الخائن! هل هو من يسرب معلوماته عنه.
ضغط على الهاتف بقبضة يده بقوة ودلف إليه بجسد مهتاج متصلب ليقف أمامه بعنف والآخر مكبل ملقى على الأرضية.
قال بقسوة وغلظة:
- بتخوني يا عاصم. بتخوني أنا وليه وعلشان مين طاهر؟
رفع "عاصم" وجهه إليه مستنكرًا ما قاله مكررًا حديثه باستغراب غير مدرك ما الذي يتحدث عنه ثم صاح به بقوة وعنف:
- أنا. أنا أخونك، بقولك ايه كفاية بقى أنت عايز ايه من الآخر عايز تخلص مني. أعملها وخلصنا.
صاح "جبل" بصوت جهوري صارخ ينم عن قهره الشديد مما تعرض إليه على يد صديق عمره ومن وقف في ظهره مساندًا إياه كل تلك السنوات وعندما تأتي الضربة لا تكون إلا منه:
- أنا هندمك يا عاصم قبل ما أعملها. أنت أكتر واحد عارف مين هو جبل وعارف إن الخاين مالوش ديه عندي بس أنت ليك عارف ليه. علشان هخليك تتمنى الموت ومش هتطوله.
اغتاظ من حديثه فنفى ما قاله بضيق شديد ولم يكن خائف على نفسه مما سيلاقيه على يده:
- بطل كدب وخداع لنفسك. مرة اغتصـ ـبت أختك ومرة خونتك مع طاهر، أنت مش لاقي حد يلبسها غيري يا جبل.
أكد أنه لا يخاف مما يريد فعله به مرحبًا بما هو قادم منه ناظرًا إليه بعتاب وخذلان لا نهاية له يكمل حديثه يشعره بالندم:
- بس ماشي أنا موافق ألبس اللي ألبسه منك يا صاحبي. ولما تعذبني ولا تموتني هتندم لما تعرف إنك ظلمتني.
استرسل في الحديث أكثر ناظرًا إليه بقوة بعدما محى نظرة العتاب والحزم من عيناه يؤكد بثقة إن ثبتت براءته سيذهب من هنا دون رجعة:
- لو عرفت دلوقتي وطلبت مني السماح أنا هسيبلك الجزيرة كلها تشبع بيها وبأختك وأسرارك. مش أنا اللي أعمل كده وأنت عارف كويس أنا عاصم اللي ياما فديتك بعمري وجسمي يشهد.
رفع "جبل" الهاتف أمام وجهه بعدما فتح الفيديو عليه وهو مع "طاهر" ينظر إليه متهكمًا:
- وده ايه. كنت بتعمل مع طاهر ايه.
تعمق في النظر إلى الفيديو فتذكر ذلك اليوم عندما خرج من الجزيرة وقابله ثم وقف معه يتحدث في أشياء ليس لها أساس أو معنى ولكن الآن فهم لما فعل ذلك:
- قابلني وأنا بره الجزيرة ياخي ووقف معايا كمان بس كان بيهرتل زي ما بيعمل. طاهر مبيعرفش يعمل حاجه ولا عنده أحداث يرميها علينا كل اللي بيعمله كلام مابيتبلعش.
أكمل متسائلًا بسخرية:
- وادينا لسه مسلمين سلاح ليه مبلغتوش.
أشار إليه برأسه بمنتهى الثقة رافعًا رأسه للأعلى بشموخ على الرغم من أنه جالس على الأرضية مكبل:
- روح شوف مين خاين في رجالتك غيري يا جبل عاصم والخيانة ميجوش مع بعض.
وضع "جبل" الهاتف في جيب بنطاله ينظر إليه بهدوء بعدما أخذ نفس عميق للغاية يبتعد ناظرًا في الفراغ يفكر في حديثه، نعم إنه أفداه بعمره أكثر من مرة ووقف أمام المدفع كثيرًا لأجله ووقف في ظهره يسانده لسنوات كثيرة ولم يخون يومًا ولم ينشب بينهم عراك. هل هناك من يريد أن يخرب علاقتهم! أنه طاهر ولكن هل طاهر سيجعل شقيقته تفعل ذلك بنفس الوقت؟ مؤكد لأعاد يبصره من جديد وقال بخشونة تخفي بين طياتها الكثير من القسوة والشراسة التي تنتظره:
- أنا لسه باقي على اللي بينا يا عاصم بس الله وكيل لو كدبت عليا ما هرحمك.
سأله مثبتًا عينيه عليه منتظر منه إجابة أخيرة:
- عملت كده في فرح ولا لأ. سربت معلومات لطاهر ولا لأ.
تخللت نبرته الحزن وهو يجيبه بخفوت ونظرة مقهورة على ما حدث بينهم:
- بعد ما الشك دخل بينا أنا اللي مبقتش باقي على اللي بينا يا جبل. أختك أنا ملمستش منها شعرة ولا حتى لمستها بنظرة. وطاهر عمري ما بيعتك ليه ولا خونتك عنده ولا عند غيره.
أكمل بقوة غير خائفًا بل يشجعه على فعل ذلك ليندم الباقي من عمره ثم يكمل بغرور مدركًا قدر نفسه عند جبل:
- ومع ذلك أنا عايزك مترحمنيش علشان تعيش عمرك كله عارف إنك ظلمتني ونشوف أنت هتجيب حد غيري يشيلك منين يا ابن العامري.
ليصمت قليلًا ثم يكمل بنبرة حادة ذات مغزى:
- ويحمي أسرارك اللي مافيش مخلوق يعرفها غيري.
ينظر إليه جبل مطولاً ولم يفهم بعد ما الذي يحدث ثم أبتعد عنه خارجًا يذهب إلى القصر تاركه وحده ليصل إلى أي شيء يبرأه أمامه.
بينما ترك "عاصم" الذي اعتلى صدره الضيق الشديد والحزن الذي أبكاه صمتًا وألمًا وهو يرى صديق عمره وشقيقه الوحيد يكذبه ويعطي فرصة للشك يدلف بينهم أكثر مما هو. نعم ربما عليه تصديق شقيقته وهو لا ولكن كيف له أن يصدق أن "عاصم" خائن.
ألم قلبه لا يتوقف وحزن عيناه الدامعة لا تشفق عليه أو ترحمه بل كل شعور سيء يزداد داخله كلما فكر فيما حدث. هو من كان يجلب البشر إلى هنا لينال كل منهما عقابه، الآن يجلس زليلًا تحت رحمة حراس كان هو كبيرهم، كم من شخص أتى به إلى هنا كان برئ مثله ولم يستمع إليه ونال عقابًا لم يكن يليق به ولم يكن يناسبه. الكثير؟
فكر قليلًا، لما لا يكون "جلال" هو الخائن بعد أن أكدت إسراء أنه هو الذي تزوج من "فرح"، وهو الذي ارهبها خلف القصر في محاولة منه لإيصال شيء معين وفي نفس الوقت كان علم "طاهر" بوجود "إسراء" وحبه لها! لما لا يكون هو الجاسوس الموجود بينهم داخل القصر.
في وسط عتمة الليل، ذلك الدجى الذي يحيط به من كل جانب حتى في شعوره تسلل النور إلى قلبه وهو يتذكرها. بكائها، ارتجافها، ونظرتها الخائفة، وتعلق عينيها به وهو يذهب معهم، هي فقط من صدقته ووقفت جواره، ساندته وأخرجت الجرأة المكبوتة داخلها لأجله. هي فقط دون الجميع وهي أقل شخص من بينهم على علم به.
تلك القطة الضعيفة التي تريد كل يوم من يحنو عليها، تنظر إلى الغرباء والأقارب بلين ورقة، تتحدث بخفوت ونعومة، لأول مرة على الإطلاق تقف أمام الجميع تصيح بهم تذكب كل ما تحدثوا به، فقط لأجله. حبه الوحيد الذي لن يفرط به مهما حدث إن خرج من هنا سالمًا، وإن ذهب غدرًا وظلمًا يتمنى أن يلقاها في الجنة وهو يعلم أن رحمة ربه واسعة يطمع في أن يكون معها بها ليعيش ما لم يستطع عيشه هنا بين أحضان قلبها الرقيق. آه يا "عاصم" أليس لك الحق في أخذ ما قدمته! آه على قلبك القاسي دومًا، وعلى حبك الغريب الذي لم تناله يومًا.
وقفت "إسراء" أمام شقيقتها بملامح باهتة حزينة تبكي بغزارة جاعلة بريق عينيها الأزرق تشوبه الخيوط الحمراء من كثرة البكاء.
نهضت "زينة" بعنف تصيح بضراوة:
- أنا عايزة أفهم حالًا كل حاجه بطلي بقى.
طمست على وجهها ووقفت محاولة الثبات وقلبها يحترق على جمر مشتعل خائفة عليه وكل تركيزها وتفكيرها معه هو، أردفت بنبرة مهزوزة:
- اللي حصل. أنا وعاصم في بينا كلام عادي والله العظيم يا زينة بس أنا اعتبرته صاحبي وهو كمان وده عادي أنتي عارفها.
استنكرت حديثها تشير إليها بعصبية:
- عادي ايه؟ هو أنتي فاكرة نفسك فين إحنا هنا في جزيرة العامري مكان مش بتاعنا كل اللي فيه ناس.
قطعت جملتها التي كانت ستتفوه بها بكل شيء خاص بعملهم على الجزيرة والجميع يعلم وأكملت تحسها على المواصلة:
- كملي.
تنفست شاهقة شاعرة بالمرارة بسببه وبسبب كثرة بكائها تقص عليها ما بدر من "جلال" معها:
- كنت تحت مرة بتمشى جلال اخدني ورا القصر غصب عني ورفع عليا مطوة وحاول يقرب مني بطريقة وحشه وبعدين سابني.
صرخت بانفعال وعصبية تتقدم منها تجذبها من ذراعها شاعرة أن رأسها ستنفجر:
- وإزاي أنا معرفش. افرضي حصلك حاجه.
أكملت موضحة تزداد في البكاء فلا شيء بها يتحمل أن تصرخ عليها بل هشاشة قلبها الضعيف تتحول إلى فتات بسبب خوفها عليه:
- عاصم عرف. بس والله معرفش هو عرف منين ولما سألني قولتله راح هو أخد حقي وخلى جلال لما يشوفني يبص بعيد.
تنفست مرة أخرى زافره الهواء من رئتيها تنهمر الدمعات من عينيها بغزارة قائلة بخفوت وصدق:
- وامبارح أنا بجد سمعتهم والله وهما بيتفقوا وهي متجوزاه.
تركتها "زينة" وثبتت نظرتها عليها بجدية شديدة ثم سألتها دون سابق إنذار تبعث إليها في نظرتها ألا تكذب:
- ايه اللي بينك وبين عاصم ومتقوليش صحاب.
نظرت إلى الأرضية تتمسك يدها ببعضها البعض تضغط عليهم بقوة ثم رفعت عينيها عليها وتفوهت قائلة بخجل وخفوت:
- أنا بحبه وهو بيحبني.
أصاب جسد زينة رجفة غريبة من نوعها وهي تنظر إليها باستغراب شديد وصدمة خالصة هبطت على رأسها من السماء. شقيقتها البريئة الخجولة، صاحبة الصوت الرقيق والنظرة الناعمة، الفتاة التي لا تفقه شيء في الحياة تستند عليها في أي ممر تدلف إليه تنتظرها أن تأخذ بيدها أحبت قابض الأرواح!
رواية سجينة جبل العامري الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندا حسن
"لا أخفي عليك سرًا عزيزي، قد تألمت كثيرًا في قربك، آن قلبي بغضًا وقهرًا ولكن الألم أضعاف في فراقك"
اخفضت "إسراء" وجهها إلى الأرضية بخجل شديد، لا تستطيع النظر إلى وجه شقيقتها بعدما قالت أنها تحبه وهو يبادلها نفس الشعور، وكل هذا دون علمها. لم تعطي لها الفرصة حتى في تقديم النصحية. خجلت من نفسها عندما اعترفت لها وبقيت نادمة، شاعرة بالضيق الشديد بسبب نظرات شقيقتها نحوها. ولكن الأخرى كانت في عالم آخر، تفكر في شقيقتها التي عشقت ذلك المتجبر، القاسي أيضًا مثل زوجها، ذلك القـ ـاتل، المجرم الذي يعمل في أبشع الأشياء.
سألتها "زينة" باستغراب، ولم تبتلع حديثها، بل وقف على باب عقلها ولم تقوى على استيعابه، لتتفوه قائلة:
- بتحبي مين أنتي؟ اتجننتي!
رفعت وجهها إليها ببطء وهدوء، ودمعات عينيها تغلفها برقة وتوتر، لتجيبها قائلة بخوف:
- بحب عاصم وهو كمان والله.
صرخت "زينة" بعنف وهي تسير في الغرفة بهمجية، وجسدها ينتفض بانفعال:
- أنتي تعرفي ايه عنه أصلًا؟ تعرفي ايه عن أهله ولا شغله ولا حياته؟
وقفت إسراء محاولة الثبات، أجابتها قائلة برفق ما تعرفه عنه:
- مالوش أهل، وليه بيت على الجزيرة وشغال مع جبل.
وقفت أمامها وسألتها بضراوة، ناظرة إلى عينيها مباشرة بحدة:
- شغال ايه مع جبل!
حركت كتفيها، تتابعها وهي حقًا لا تدري. هي تفوهت بكل ما تعرفه عنه، لتقول بخفوت:
- معرفش.
خرجت نظرات شقيقتها نحوها بحدة وجمود، تسألها تُشير إلى نفسها قائلة بقسوة:
- تحبي أقولك أنا شغال ايه؟
أكملت موضحة بعنف وقسوة شديدة ألقتها عليها مع خروج تلك الكلمات من فمها:
- شغال تاجر سـ ـلاح.
اعتدلت في وقتها تنظر إليها باستغراب تسألها:
- ايه اللي بتقوليه ده يا زينة؟
أشارت إليها بيدها بمنتهى البساطة والسهولة، قائلة بجدية تامة:
- اللي سمعتيه. البني آدم اللي أنتي بتحبيه بيشتغل مع جبل في السـ ـلاح.
لم تستوعب ما تقوله، نظرت إليها بقوة تتابع ما يصدر عنها، تفكر بعقلها: أيعقل أن يكون كما قالت؟ لا، من المستحيل أن يكون هذا عاصم، إنه أنقى من ذلك ولم يظهر عليه يومًا، ومؤكد لن يخدعها بعد أن أعترف بحبه لها وبادلته ذات الشعور.
رفعت رأسها إليها وباغتتها بسؤال لم يخطر على بال "زينة" أنها ستسأله:
- ولما هو كده أنتي ليه وافقتي على جبل؟
راوغت في الحديث، لا تستطيع أن تفصح عن كل شيء وتتحدث معها فيما حدث سابقًا، وإن وجدوهم هنا تحت التهديد منذ البداية، فقالت كاذبة:
- مكنتش أعرف.. مكنتش أعرف حاجة.
اقتربت منها تتمسك بيدها، راجية إياها بنظرات عينيها المتلهفة وملامحها التي بهتت أكثر، قائلة برجاء:
- يعني ايه الكلام ده؟ لأ مستحيل عاصم يكون كده. أنتي أكيد متلخبطة، أو ممكن بتقولي كده علشان خايفة عليا.
أومأت إليها بثبات، معقبة على حديثها بصدق:
- أنا فعلًا خايفة عليكي، لكن دي الحقيقة. ولو ربنا نجده من اللي هو فيه، ابقي اسأليه. مظنش أنه هيكدب.
ابتعدت عنها غير مصدقة أنه يصدر منه ذلك. كيف له بهذه السهولة أن يكون كما تقول شقيقتها؟ كيف خدعها؟ مؤكد لن تكون مع شخص مثله، ولكن... إنها تحبه.
- لأ لأ.. ده أكيد كلام غلط.
صرخت بها "زينة" عندما وجدتها تأبى قبول الحقيقة:
- الكلام مش غلط. الجزيرة دي مش بتاعتنا ولا لينا فيها حاجة.
جلست على الفراش غير قادرة على أن تقف أمامها، خارت قواها بعد كل ما حدث ليأتي في النهاية هذا الخبر المُشين عنه.
- إزاي إحنا عايشين فيها؟
ابتعدت زينة قائلة بحزم وهي تُشير إليها بقوة:
- أنتي هتسافري.. لازم تسافري. مستحيل اخليكي تتمادي مع الحيوان ده.
هبت واقفة سريعًا تتقدم منها قائلة بلهفة ورجاء، تبكي بضعف:
- لأ.. لأ يا زينة مش عايزة أمشي علشان خاطري.
أمسكت شقيقتها يدها بقوة، تنظر إليها بصرامة، وخرجت الكلمات منها حادة للغاية:
- وأنا مش هضيع مستقبلك وحياتك مع واحد زي ده، وأكبر منك بكتير ويختلف عنك كتير. أنتي لسه قدامك حياة.. تقدري تختاري فيها شريك مناسب.
أكملت بنبرة ضارية محاولة إقناعها بما تقول:
- تتجوزي دكتور، مهندس، محاسب، ظابط، صيدلي.. حاجة مشرفة، مهنة بجد، مش مهنة بيقتل فيها الناس.
بكت مرة أخرى وهي تنظر إليها تحاول أن تستعطفها لترق ناحيتها، تطلب منها البقاء معها:
- علشان خاطري مش عايزة أمشي يا زينة.. علشان خاطري خليني معاكي على الأقل شوية بس.
تركتها وأومأت إليها، تحرك رأسها بالإيجاب، قائلة بفتور:
- أنا هشوف أنا هعرف أعمل ايه.
ابتعدت عنها تاركة إياها وحدها، ولكن قبل أن ترحل استدارت تنظر إليها بحب وحنان، توضح ما تريده وما سيكون إلا سعادة وحياة أفضل لشقيقتها:
- أنا مش بحجر عليكي يا إسراء. أنا خايفة عليكي وبقرر عنك علشان عارفه أنك مش هتعرفي تاخدي القرار الصح. ممكن حبك ليه يخليكي تتنازلي عن حاجات كتير، بس كده غلط. أنتي تستاهلي أحسن منه بكتير. عاصم قاتل زيه زي جبل.
ابتسمت إليها بحنان قائلة بحب:
- أنا بحاول أشوف الصح، إذا كان بجد كده أو لأ. لو اتأكدت إني غلط أنا بنفسي هعملك اللي عايزاه، غير كده لأ.
تركتها وذهبت إلى الخارج، وعقلها يتخبط بها في كل مداراته ومساراته. ألم تكتفي من زوجها كي تخرج شقيقتها بقصة أخرى أسوأ مما تقابله؟
جلست "إسراء" على الفراش تبكي بضعف وقلة حيلة. في البداية كانت تبكي لأجل أنه غُدر به واتهم بجريمة لم يفعلها، ووقف متهم في قفص "جبل العامري"، وإلى الآن لا تعلم عنه شيء. ولكن إن لم تثبت براءته عند "جبل"، تعلم أنه سيكون هالك لا محال. أما الآن... هي من غدر بها ولم يكن من أحد سواه. تقدمت تاركة ضعفها وخوفها خلف ظهرها، ألقت البراءة الخاصة بها ورقتها المعهودة عرض الحائط وخرجت تصرخ على الجميع لأجله دون خوف، معرضة نفسها للخطر لتفديه بروحها. وفي المقابل هو يخدعها! يغدر بها؟ لم يذكر يومًا ما مضمون عمله لأجل ذلك؟
لم يتحدث أبدًا لأجل أن تبقى معه، يخدعها. ولكنه غبي للغاية، أيعتقد أنها إذا بقيت معه وأحبته حد النخاع ثم أدركت ما يقوم به وتأكدت منه ستبقى معه؟ ستكمل نفس الدرب وتسكله معه؟ هذا من رابع المستحيلات، لن تفعل ذلك، لن تكن أحد المشاركين في قتل البشر. أليس الساكت عن الحق شيطان أخرس؟ هل ستكون على علم بقتل الناس وتبقى صامته دون حتى أن تبلغ عنه ليأخذ جزاءه؟
يا الله.. كل هذا حدث في ليلة واحدة، ليلة أحبت وشعرت بها بالشك ناحيته والخوف منه، الرهيبة من الاقتراب، ثم لحظة واحدة تحولت وكانت فراشة طائرة على كل وردة زرعت في الجزيرة تغرد بحبها له واعترافه لها بالعشق المتبادل. لم تحظى بالفرح لكثير بما حدث، بل مرة أخرى تلجلج قلبها بالخوف، ولكن هذه المرة كانت عليه وليس منه. شعرت بالحزن والفزع، وأدركت حينما فرت العبرات هاربة من عينيها لأجله أنها تعشقه حقًا ولا تريد غيره، فضربت كل ما بها أرضًا وتقدمت مدافعة عنه في أرض المحكمة. ولكن هل شفع كل هذا؟
❈-❈-❈
عاد "جبل" إلى القصر ورأسه ملئ بالأفكار السوداوية، لا يستطيع التحكم بها أو الإمساك بطرف فكرة واحدة منهم، ينظر إليها يتمعن بها كي يستطيع فهم ما يحدث حوله.
أول شيء فكر بفعله عندما ولج إلى القصر التوجه إلى تسجيلات الكاميرا، التي ضربت رأسه بحائط صنع من الحديد وليس الحجر، ليقترب رأسه على الانفجار بعدما تأكد من أن حديث شقيقته كاذب.
كيف! عاد إلى الأيام السابقة يتابع ما كان يحدث في الليل، في خفاء القصر والجميع لا يدرون. هل كان مغفل إلى هذه الدرجة؟
هل كان هذا الشخص الغبي الذي يلعبون من خلف ظهره بشرفه وعرضه وهو يأمن ببساطة! من شقيقته؟ لما فعلت كل هذا؟ لما؟ وذلك الحقير "جلال" الذي لم يفعل ذلك بأحد إلا صديق عمره!
وهو الذي ختم فرمان إعدام الصداقة بينهما دون حتى النظر بما كتب به؟ يا له من أحمق غريب يستحق الإعدام بدلًا منه. لقد صدق ما قيل في لحظات ووقف أمامه يلعنه، يلقي عليه تهمه حقًا كما قال، لا تناسبه، إنه "عاصم"!
توجه إلى الداخل وكأن بركان يفور خلفه، يتسابق في الوصول إليها قبل أن تبتلعه الحمم النارية التي تتشابه مع عينيه، تندلع النيران منها بطريقة لا تبشر بالخير أبدًا على ما هو قادم، وبالأخص على شقيقته تلك الخبيثة التي قتلت صداقته مع رفيق عمره. ولكنه لن يسمح لها بالتمادي أكثر، إنه "جبل العامري". من يحكم، يعدم ويعدل، من يقتل ويحيي. ألن يستطيع السيطرة عليها؟ هذا من المستحيل.
فتح باب الغرفة على مصراعيه، دارت عيناه في الغرفة بقسوة وشر لتقع عليها، تجلس على الفراش مكومه حول نفسها. رفعت وجهها إليه منتظرة موتها الحتمي على يده، ترتعش بضراوة خائفة للغاية.
تقدم للداخل ببطء، تاركًا باب الغرفة مفتوح، ينظر إليها بتمعن شديد، وخرج صوته الخافت الذي أشبه الفحيح بعدما أقترب ليبقى أمام الفراش:
- قولتيلي أن عاصم اللي عمل كده؟ ها.
استند بقدمه اليمنى على الفراش، يقترب منها، ثم في لمح البصر وبعد نظرة هادئة لم تكن توحي إلا بهدوء ما قبل العاصفة، قبض على خصلات شعرها لتميل على الفراش وهو يجذبها صارخًا:
- عاصم يا بنت الكلب.. عــاصــم.
اشتدت يده على خصلاتها وهو يقوم بلفها عليه لتسمح له الفرصة بالتحكم بها أكثر، يكرر حديثه صائحًا:
- عاصم غصبك.
ارتعشت بين يده أكثر، هوى قلبها جوارها بعدما رأت مظهره وأقترابه المهيب منها، لتقول ببكاء حاد محاولة تخفيف الحكم عنها:
- ارحمني يا جبل والله جلال اللي قالي أعمل كده.
صفعها بكف يده الغليظ وهي نائمة أمامه تحت رحمته مكبلة بيده المتمسكة بخصلاتها، قائلًا متهكمًا بغضب:
- يعني أنتي معرضتيش نفسك على عاصم ورفضك يا وسخة.
لم يأخذ منها ردًا، يستمع فقط إلى بكائها الحاد الذي يخرج من أعماقها، فصاح بعنف:
- ردي يا بت.
أومأت برأسها، ترفع يدها إلى يده تتمسك بها بعدما شعرت بخصلاتها تخرج معه، تشعرها بألم حاد. أجابته بخوف شديد:
- حصل.. بس أنا كنت صغيرة والله مكنتش فاهمه حاجة، وهو قالي إني لسه صغيرة وأنا سمعت كلامه وسكت.
رفع وجهها إليه ينظر داخل عينيها متسائلًا:
- الصغيرة دي كان عندها كام سنة؟
أجابته بضعف وخفوت:
- تلاته وعشرين.
دفع برأسها على الفراش بضراوة وقسوة، مغتاظًا منها ومما فعلت تلك الحقيرة، صارخًا:
- صغيرة يا بنت الكلب.. صغيرة من أنهي اتجاه.
اشتد بكائها، خرجت عبراتها بغزارة وجسدها بالكامل يرتجف كل لحظة والأخرى، تنظر إليه بضعف وقلة حيلة تطالبه بالرحمة:
- والله مكنتش عارفه حاجة ارحمني أنا أختك.
رفع وجهها ثانيةً إليه يصفعها بغلظة وخشونة، يوزع عليها نظراته الكارهة قائلًا باستنكار:
- أختي الوسخة اللي باعت شرفها وشرف جزيرة العامري كلها. أنا أختي تبقى وسخة ويجيلها يوم تتحاسب زي ما بحاسب غيرها.
كانت على علم أنه عادل رحيم مع الجميع، فترجته بضعف وبكاء:
- اعتبرني زيهم وغلطت، أنت بتبقى رحيم معاهم.
جذبها من خصلاتها لتعتدل جالسة على الفراش، ثم دفع برأسها إلى ظهر الفراش الخشبي يصيح دون رحمة:
- رحيم مين دا أنا هطلع قلبك من مكانه وأهرسه تحت رجلي.
خرج صوتها الصارخ متألمًا، تدري أن هذا لا شيء من القادم:
- علشان خاطري يا جبل خلاص.
نظر إليها بقوة ليجعلها تعتدل أمامه، ومازالت بين يديه، قائلًا بصرامة:
- قولي اللي حصل من الأول.. اتكلمي.
تمسكت بيدها الاثنين بيده التي تقبض على رأسها، وأردفت تبكي بغزارة، يخرج صوتها متعلثم:
- والله هقولك كل حاجة من غير كدب بس ارحمني.
خرج صوته بخشونة:
- اتكلمي.
حاولت استماع شتات نفسها وهي تنظر إلى والدتها التي أتت إلى الغرفة بعد استماع صياحها، وخلفها "زينة" خوفًا منه أن يقتلها.
أردفت بصوت ضعيف متوتر:
- أنا كنت بحب عاصم والله بحبه.. بس هو مكنش باصصلي. ولما روحتله قالي إني أخت صاحبه وإني لسه صغيرة. أنا زعلت أوي والله وحسيت إني قليلة.
صمتت ولم تعد تكمل ما بدأته، فدفعها بقوة بيده قائلًا بشراسة:
- كملي.
نظرت إلى الأرضية، يعلو بكائها خوفًا من تكملة ما بقيٰ، ولكنها على كل حال أكملت موضحة:
- كان جلال سامعنا بعدها قالي أنه بيحبني، بس مقاليش أنه سمعنا. أنا فضلت معاه لحد من سنة اتجوزنا عرفي.
لطمها بقوة على وجهها يفاجأها، لترتمي في الخلف بعدما ترك خصلاتها، فتقدم على الفراش يمسك بها مرة أخرى ليلطمها ثانية على وجنتيها الأخرى، يقول بذهول مما فعلته:
- عرفي من سنة.. وأنا فين وأمك فين.. ملبساني العمه أنا جبل العامري حتة عيلة زيك تقرطسني كده.
خرجت صرخاتها المكتومة بسبب يده التي كانت تلطمها كلما صرخت، تحدث لاهثًا:
- كنتوا بتتقابلوا فين؟
وضعت يدها الاثنين على وجهها تحميه من بطشه بعد أن تجيبه:
- في بيته.
تغاضى عن فعلتها وأعطى لها الأمان وهو يكمل حديثه بجدية وحدة:
- كنتي بتخرجي إزاي؟
اخفضت يدها من على وجهها عندما وجدته لم يفعل لها شيء، وقالت بخفوت:
- كنت بمشي الحرس اللي معايا.
لم يطول الأمان الذي قدمه لها، حيث أنه دفع برأسها في ظهر الفراش مرة أخرى، لتخرج صرخاتها مع حديثه:
- كملي.
انتحبت بكثرة ولم تعد ترى من كثرة البكاء وكثرة ضرباته لها، يؤلمها رأسها بقوة مرة من صفعاته، وأخرى من ضرباته لها في الفراش، وأخرى من جذبه لها من خصلاتها بعنف دون رحمة. خرج صوتها متقطع أثر البكاء الحاد:
- بس والله بعدين أنا كنت متغاظه من عاصم علشان مقرب من أخت زينة ومش باصص عليا أبدًا ومحسسني إني أقل منها، فبعدين جلال قالي أعمل كده علشان هو يلبسها وتجوزهولي.
نظر إليها باستغراب وتركها عائدًا للخلف، يسألها بخشونة وغلظة:
- أجوزهولك إزاي وأنتي متجوزة جلال؟
قالت بصوت خافت لا تريد أن يصل إليه:
- ماهو طلقني وقطع الورقتين.
قارب على النيل منها بعدما فارت عروقه أكثر مما كانت عليه، يشعر لو أنه رجل مجرد من ملابسه متعري أمام أهل قرية شامتون به. غضبه أعمى عيناه وأراد أن يقتلها في الحال بعد أن تخطت كل مراحل الأدب أو حتى الاحترام لشقيقها، ليس لأجل نفسها.
وقفت أمامه "زينة" في لمح البصر تتمسك بذراعيه الاثنين، تتحدث بنبرة مرتجفة خوفًا منه، ولكن لن تستطيع أن تقف هكذا وهو يقوم بضربها بهذه الطريقة الوحشية:
- جبل كفاية علشان خاطري، دي حامل. كلمها بهدوء.
دفعها للخلف ناظرًا إليها بقسوة ضارية وقاتلة، مجردًا أمامها من هيبته واحترامه بعد فعلة شقيقته، وهو الذي كان أمامها كبير الجميع. من يخطأ يُحاسب، ومن يُحاسب لا يخطأ.
صرخ بوجهها بغضب جامح:
- قولتلَك متدخليش.. سمعتي؟
أومأت برأسها وعادت للخلف خطوة، فتقدم هو من شقيقته يهبط لمستوى جلوسها على الفراش، سألها ناظرًا إليها بشر، يخرج صوته كالفحيح:
- أنتي حامل ولا لأ يا بت؟
نظرت إليه بخوف شديد، الكلمة وقفت على أعتاب فمها، ولكنها لا تستطيع أن تخرجها. فإن قالت الحقيقة ستكون نهايتها. ولكن على أي حال أجابته:
- لأ.
انهال عليها بالضربات الموجعة، ولم يشفق عليها أو يرق قلبه ناحيتها. أنها هي من فعلت كل ذلك، حتى أنها اتهمت نفسها بشيء بشع. قالت أنها حامل وهي ليست كذلك. كانت هي المتسببة في مقتل صديقه على يده بدون أي ذنب ارتكبه.
- كمان يا بت الكلب، كنتي عايزة تلبسي الراجل مصيبة مش بتاعته. لولا أخت زينة سمعتكم، كان زماني قاتلك.
صرخت بعنف وهي تتلوى بين يده:
- ارحمني يا جبل.
قابلها هو الآخر بصراخ حاد مقهور على ما بدر منه وما حدث بينهم لأجل تلك الحقيرة التي باعت كل شيء فقط لأجل نفسها:
- هو أنتي تعرفي يعني ايه رحمة؟ أنا لسه هوريكي.
بقيت والدتها تقف تنظر عليها، يرتسم الجمود على ملامحها، تتابع ما يفعله ولدها. وإن لم يكن يفعل ذلك لكانت فعلته هي. ابنتها وضعت رأسهم في قاع الأرض، يدهس عليها البشر هنا، وإن خرج الخبر لن تكون سيدة الجزيرة ولن يكن ابنها كبيرهم بعد اليوم.
بينما "زينة" كانت خائفة، تريد القرب منها ومساعدتها، ولكنها تخاف من بطشه عليها في هذه الحالة، لا تضمن هدوءه من ناحيتها أو أي أحد تابع لها. تنظر إليه بخوف شديد، تشعر وكأن العالم قاسي إلى حد ما، وهو قساوته بحجم العالم.
أبتعد عنها بعدما نزفت من أنفها وفمها وجسدها هامد على الفراش، يخرج منها أنين خافت لم تعد تقوى على الصراخ. لينظر جواره على الكومود، يرى هاتفها، مد يده ليأخذه بجيب بنطاله، ثم أردف لوالدته بقسوة:
- متخرجش من الأوضة ومحدش يجبلها أكل غير لما أنا أقول.
أبتعد بنظرة إليها مرة أخرى ليقول بشراسة:
- كان زمانك مرمية في الجبل مش هنا دلوقتي زيك زي غيرك. بس أنا لو عملت كده والخبر اتعرف هبقى عيل وسط أهل الجزيرة. لكن أنا كفيل بيكي.
يبصق بعنف على وجهها وذهب خارجًا من الغرفة بغضب وانفعال حاد. جسده يشتعل بالنيران المتأهبة داخله بكثرة، وكل شعوره لا ينم إلا عن الألم والحزن، الغضب والعصبية وما شابه. ما حدث لم يكن هين أبدًا عليه ولن يكن.
لأول مرة يشعر أنه صغير. طوال حياته كان هو الكبير، ذلك الشخص الذي لا يخطأ ولا يعود بحديث، الكبير على الجميع صاحب الكلمة المسموعة والحكم المجاب تنفيذه دون الرجوع لأحد. اليوم كُسر ظهره وشعر بالعجز الشديد وهو يقف وحده أمام معالم الفضيحة والاتهامات الموجهة نحو شقيقته، منها وإليها.
لأول مرة يقف هكذا مسلوب الإرادة، لا يستطيع وصف شعوره أو تحديده، ولكن الشيء الوحيد المتأكد منه أنه كُسر على يد شقيقته التي باعت عرضها وشرفها بأرخص الأثمان، عرض "جبل العامري" وجزيرة العامري بأكملها. المتأكد منه أنه يشعر بالغضب تجاه نفسه لأنه كان المغفل وسط كل هذا ولم يدري أن شقيقته تعرف رجل، وليس هكذا فقط بل متزوجة منه.
المتأكد منه أيضًا أنه لا يستحق لقب الصداقة، يأخذه من شخص مثل "عاصم" الذي أفداه كثيرًا ووقف جواره أكثر. اليوم هو باع كل هذا كما فعلت شقيقته مع عائلتها وأشترى الفتنة بينهم والعداوة وكذبه على الرغم من أنه صادق.
شعور بالعجز الشديد يجتاح كيانه بعدما فضح أمام نفسه ورأى أنه يخدع ببساطة من قبل شقيقته وذلك الحقير جلال. شعر بالحزن على نفسه لأنه ابتلع الطعم ولم يستطع كشفه سابقًا، وهو الذي يعلم كل شيء صغير وكبير يدور على الجزيرة. هل عجز عن معرفة ما يدور داخل قصره؟
بقي جالسًا على الفراش ينظر على الأرضية ليجدها أتت إلى الغرفة خلفه وأغلقت الباب. تقدمت تجلس جواره، لم يكن يستطيع أن يرفع رأسه لها فقد ضاعت هيبته وكرامته أمامها، وما كان يهددها بفعله في شقيقتها قامت بفعله شقيقته. يا للسخرية!
خرج صوتها بهدوء، متقدمة بيدها إلى فخذه تضعها عليه:
- أنت كويس؟
مال برأسه على صدرها، لا يدري لما وكيف فعلها، ولكنه ربما يحتاج إلى ذلك، يحتاج إلى من يحنو عليه، ويقابل قسوته باللين، وكرهه بالحب. لن يجد أحد غيرها يميل بكسرته عليه، ألا يحبها؟ وأعترف بهذا إلى نفسه! ليس هناك غيرها تقابل كسرته وقسوته برحابة صدر حتى لو لم تحبه.
خرج صوته خافت بعدما صرخ كثيرًا يفرغ بركان غضبه في الخارج، هنا بدأ كطفل صغير تائه بين أروقة الحزن والمعاناة:
- حاسس إني مكسور.. مغلوب على أمري.
وضع يده الاثنين حول خصرها، يضم نفسه إليها بالقوة، يكمل مغمضًا عيناه مسترسلًا في الحديث بهدوء:
- فرح غلطت غلط كبير أوي، تستاهل عليه القتل، بس أنا مقدرش اقتلها. تبقى أختي وزي بنتي.
كان حديثه عفوي للغاية، وكأن هناك من يسحبه منه، يؤثر عليه حزنه وضعفه وكسرها ظهره بعد فعلة شقيقته، يقول بأسى:
- حاسس إني عريان قدام الناس، جبل العامري الكبير اللي كان بيحاسب على الغلط وقع هو فيها.
خفضت وجهها للأسفل تنظر إليه، فلم ترى إلا خصلات شعره الظاهرة إليها، ورأسه موضوعة على صدرها، يقرب نفسه إليها، مستغربة تمامًا، مدهوشة بفعلته وحديثه الذي يلقيه عليها لأول مرة بضعف وانهيار، وكأن "جبل العامري" قد وقع بأرضه.
حركت يدها بتردد، ولكن لم تجد شيء تفعله إلا ذلك، تحيطه بذراعيها لتقدم إليه الدعم في لحظة سقوطه، فحتى لو كان غريبًا عنها لفعلت ذلك. قالت بجدية:
- أنت مالكش ذنب في اللي حصل.. وبعدين كل الناس بتغلط وهي اتعاقبت بما فيه الكفاية.
ضغط على عيناه بضراوة، يوبخ نفسه لأنه لم يقوى على النيل منها بالطريقة المناسبة، بل كان رحيمًا للغاية معها بعد فعلتها الدنيئة، قال بصوت خافت تملئه القسوة ثم الضعف:
- اللي خدته مني مش عقاب.. هي تستاهل أكتر من كده بكتير، بس أنا اللي مش قادر.
شعرت بالقسوة المكبوتة داخله، وتذكرت ما ارتوت على يده، فقالت مجفلة:
- متقساش أكتر من كده.
شدد من احتضانها وهو يضغط بيده على خصرها دون الشعور بها، مما جعلها تتألم، يقول بغلظة:
- هي اللي قسيت لما عملت فينا كده.
تنهد بعمق، مازال لا يدري كيف يتحدث معها بهذه الأريحية والبساطة، مازال مغيبًا عن الواقع، سقط القناع الذي كان يضعه على وجهه طيلة الوقت، قائلًا أنه ذئب لا يخشى أحد، الآن هو طفل. لا تراه إلا طفل صغير أضل الطريق، يريد العودة إلى رفيق دربه ولا يستطيع.
خرج صوته بنبرة حزينة متوترة، يلوم نفسه على ما فعله، يندم على كل ما بدر منه:
- أنا مش عارف هقف قدام عاصم إزاي.. أنتي مش فاهمه علاقتنا دي ايه.. عاصم يبقى أخويا، وقف في ضهري في كل حاجة، قليلين كلام آه بس اللي في قلوبنا لبعض معروف.
ضغط مرة أخرى عليها متألمًا مما فعله، يعلن أن نتيجته لن تروق له مهما حدث:
- خليتني أشك فيه وأنا متأكد أنه بريء. دخلت الشك بينا، وهو عزيز الكرامة مش هيوافق يفضل معايا تاني بعد اللي عملته فيه قدام الكل.
تجعدت ملامح وجهها ألمًا بسبب كثرة ضغطه على خصرها بقوة وقسوة، حاولت أن تحتويه وتحتوي الموقف وهي تقربه منها، تفعل دورها كزوجة على أكمل وجه حتى وإن كانت العلاقة بينهم غير ذلك.
قالت بجدية تنظر إليه باستغراب:
- أتكلم معاه بهدوء، ماهو مش معقول بردو كنت هتصدق صاحبك وأختك.
لتتألم أكثر بعد حديثها، فهو كان على دراية تامة أنه ليس شخصًا كاذبًا، عقب على حديثها بقوة:
- صاحبي مش بيكدب يا زينة، وأنا كنت عارف كده.
أومأت برأسها وحاولت بكلمات أخرى تخفف عنه:
- أكيد مش هيهون عليه اللي بينكم يا جبل.
باغتها بحديثه الذي اخترق قلبها، يهتف بيقين متهكمًا على ما قالته:
- أنتي نفسك هيجي يوم ويهون عليكي كل شيء. تفتكري هو لأ؟
والله لا تدري لما خفق قلبها بهذه الطريقة عندما أتى الحديث ناحية الرحيل وتركه، لا تدري لما ارتجفت فجأة وشعرت أنها تريد البقاء لأجل ذلك الطفل الذي ألقى نفسه داخل أحضانها، تشعر بأن عليها إخراج القسوة المزروعة به عنوة من داخله.
حاولت التبرير قائلة:
- قولتلك إني...
قاطع حديثها لأنه يعرف ما الذي ستقوله، كما كل مرة، لن تتركه وتترك الجزيرة، تعتقد أنه غبي لا يفهم ما تريده، فقط لأنه يجاريها:
- مش هتسيبيني عارف. بس أنتي موجودة لغرض تاني غير جبل العامري. أنا مش صغير يا زينة، بس مع ذلك أنا مبسوط أننا بنتعامل أحسن من الأول.
ربتت بيدها على ذراعه قائلة محاولة الهرب من محاصرته:
- هون على نفسك دلوقتي وخلي موضوعنا بعدين.
زفر بهدوء يجيبها بنبرة حانية لم تسمعها من قبل أبدًا، تخرج من بين شفتيه:
- موضوعنا دلوقتي وبعدين وفي كل وقت.
حاولت الفرار مرة أخرى من الحديث عنهم، يبدو أنه الآن في حالة لن تتكرر عليهم مرة أخرى:
- هتعمل ايه طيب مع عاصم؟
ألمه قلبه وهو يقول بحزن طاغٍ:
- مش هعرف أقف في وشه.
اعتدل في جلسته، يعود للخلف على الفراش يتمدد عليه، ناظرًا إليها، ثم أشار بيده قائلًا:
- تعالي.
اقتربت منه على الفراش تجلس جواره ممددة القدمين، فابتعد عن الوسادة ورفع رأسه على فخذها، يريد الشعور بأن هناك ملجأ له، مكان كلما وقع احتواه، مكان يكن الأمان عند الدمار، يكن الحب عندما يجتاحه الكره والقسوة. يريد مأوى بين أحضانها ولا يريد غيره في تلك اللحظات.
أمسك بيدها يرفعها إلى رأسه، لتبتسم بهدوء وهي تحرك أصابع يدها بين خصلاته متغللة في فروة رأسه، تشعر بأنه كسر حقًا بسبب شقيقته، هدم جبل العامري، وقع بعنف وأثر خلف اهتزاز الجزيرة بأكملها. تشعر بحزنه وألمه على ما حدث لصداقته الوحيدة. لأول مرة يتحدث بهذه الطريقة، يلقي نفسه بين يديها ويترك لها الحرية في التفكير والتعبير. منذ متى وهو هكذا؟ كل هذا أثر صدمته.
والله لم تراه إلا طفل صغير، خطأه أعمى عيناه عن الدنيا وما فيها. وبين تلك اللحظات لم يتركها تفكيرها مقررة المكوث هنا أكثر وقت ممكن لكي تخرج ذلك الطفل وتقتل "جبل العامري" قاتل البشر.
لماذا؟ لا تدري، ولكن القلب والعقل يريدون هذا، وهي لن تكون العائق، لن تكون إلا "زينة مختار" الذي وعدته بالبقاء إلى أن تأتي عليه بما تريد من شعور وغيره.
وهو كان هناك ألم كبير يجتاح قلبه، يفتت كل ركن به بالدق عليه وكأن الطبول تقرع داخله.
تلك الحرب الضارية ستبدأ وتنشب بين قلبين، إحداهما اعترف بما به والآخر مازال لا يدري ما يصيبه.
❈-❈-❈
"في الصباح"
ذهب إلى الجبل وهو خجل من نفسه ومن صديقه، لا يدري كيف سيرفع وجهه إليه وينظر داخل عيناه، وهل إذا اعتذر عما فعله سيقبل "عاصم" الاعتذار. ذهب وحده دون حراسه، فليس هناك حراسه من الأساس، أنهم عادوا في الأمس جميعًا.
ولج إلى الداخل ليجد الغرفة المتواجد بها "جلال" بابها مفتوح، وهو قد أغلق بالأمس. دلف إلى الداخل ليرى الغرفة فارغة ليس بها أحد، والأحبال الذي كان مربوطًا بها ملقاه على الأرضية وجوارها سكين حاد كان هنا بين الأدوات. استطاع أن يقطع الحبل ويفكر أن يقتل نفسه وهرب من الجبل لأنه على علم بكل ما به. وخرج من الجزيرة مؤكد لأنه من أكثر الأشخاص دراية بمداخلها ومخارجها.
بسبب الحالة الذي كان بها في الأمس لم يفكر أن كان هناك أحد سيهرب أو لا. كل ما فكر به هو شقيقته و"عاصم" وهو آخر، وما حدث بينهم من إلقاء تهم من كاذب إلى صادق. لا أحد يلومه، فهو إلى الآن لم يستطع جمع شتات نفسه.
أبتعد عن الغرفة ليذهب إلى "عاصم"، ولكن يبدو أن هناك من يراقبه في الجزيرة أيضًا من بعد "جلال" كي يرسل إليه عبر الهاتف ما يريد "طاهر" في الوقت المناسب.
أخرج هاتفه من جيبه ليجد هذه المرة الرسالة آتية من "طاهر"، محتواها صورة تجمعه مع "جلال" بعد هروبه ورسالة مرفقة لها تنص على "مش عاصم بس اللي خاين".
أغلق الهاتف وبقي واقفًا قليلًا. ما فكر به طوال الليل كان صحيح. أنه "جلال" ذلك الخائن الذي كان مزروعًا بينهم يرسل المعلومات إلى "طاهر" ويغدر به غدرًا لا مثيل له.
خرجت ضحكة ساخرة من بين شفتيه، يحرك رأسه يمينًا ويسارًا، وهو الذي كان يعتقد أن لا تفوته كبيرة أو صغيرة، أتضح أن الخائن الذي كان بينهم كان من داخل القصر، وهو الذي غدر به وبشقيقته وأوقعه بصديقه.
تحرك متجها إلى "عاصم"، دلف عليه، رفع نظره إليه ليجده جالسًا على الأرضية كما تركه، فقط يستند بظهره إلى الحائط. لم يقوى على النظر إلى عيناه. دلف إلى الداخل وانحنى بجذعه إلى الأسفل ليبقى في مستواه تحت نظرات الآخر المستغربة مما يفعله، ليجده يقوم بفك أسره من تلك الأحبال المكبلة إياه.
خرج صوته ينظر إليه قائلًا:
- يا ترى هموت دلوقتي ولا ظهرت براءتي؟
رفع رأسه إليه ببطء، ووقفت عيناه تقابله مباشرة، لم يقوى على الحديث، فقط الأعين تتحدث بالندم الشديد والحزم البالغ لما صدر منه، يرسل إليه عبارات الندم والقهر، والآخر يبادله الخذلان والعتاب.
خرج صوت جبل مبحوحًا:
- أنا ماليش غيرك يا عاصم.
تهكم الآخر يخرج صوته بسخرية شديدة، ينظر إليه بقوة:
- يبقى عرفت إني معملتش حاجة.
أومأ برأسه إليه وأبتعد بعينه مرة أخرى، لا يمتلك الجرأة التي تجعله يتحدث أمام عيناه بتلك السهولة:
- عرفت كل حاجة.. جلال هو اللي عمل كده في فرح وهو الخاين.. وهرب.
انتفض بدن "عاصم" وهو ينظر إليه بصدمة يسأله بقوة واستنكار:
- هرب!؟
استدار بوجهه إليه، يرفع يده على كتفه، يربت عليه قائلًا بندم شديد وأمل في أن يسامحه ويغفر له ما حدث:
- عاصم.. أنا مش عارف أقول ايه، قرفان من نفسي علشان شكيت فيك، بس دي أختي. ندمان على اللي عملته، بس أنت أخويا أكيد هتسامحني.
شعر بأنه نادم حقًا، فقال بجدية وخشونة:
- هسامحك يا جبل، لكن مش هكمل معاك.
وقف على قدميه ينظر إليه بعتاب، ثم قال بحزن:
- مسموح ليا أمشي أكيد، بعد ما عرفت كل حاجة.
تحرك من أمامه يبتعد ليذهب تاركًا إياه وحده، كما قال له في الأمس. بعد النيل منه والدعس على كرامته وتدنيس الصداقة بينهم، لن يبقى معه ولن يكن صديقه مرة أخرى، فهو عزيز. عزيز للغاية.
اخترق صوت "جبل" أذنه الذي وصل إليه بحزن واحتياج شديد:
- عاصم أنا محتاجلك.
وقف في مكانه ثابتًا واستدار ينظر إليه بعمق وقوة، تلقي الأسهم بأنفسها على كل منهما. إحدى الأسهم نادمة حزينة راجية السماح والعفو، والأخرى مستنكرة، لا يهون عليها كل ما بينهم، ولكنها تتقابل بالعتاب الممزوج بالحزن.
لحظات يتبادلون فيها النظرات، تعود على ذاكرة كل واحدًا منهما لحظات طفولتهما سويًا وشبابهما معًا، عملهم وإطلاق النيران على الجميع وهما في ظهر بعضهم البعض، لا يترك أحدهم الآخر. لا يجوز أن ينتهي كل هذا بهذه السهولة. لا يجوز أن يفوز "جلال" بما فعله، ولا يفوز الشك بإبعادهما عن بعضهما، ليبقى كل منهم ظهره منحنيًا وحده.
اقتربوا الاثنين من بعضهم البعض ليتقابلون في عناق حاد، خرج من أجساد قوية ذو عضلات قاسية شرسة، كل منهم سحق الآخر لا يود تركه. وادمعت عيني "جبل" وهو يقول نادمًا:
- سامحني يا صاحبي.
استشعر الآخر ما به، فبادله تلك الدمعات التي لا تخرج إلا من رجال أقوياء تعبر عن قهرهم، ليقول بحب:
- انسى.
لحظات مرت بينهما، ليفرغ كل منهما ما بقلبه ولا يحمل ذرة بغض ناحية الآخر. يعودون مرة أخرى إلى العهد السابق وما قبله. يعودون إلى عهد "جبل العامري" والقوة عائدة معهم من جديد.
"جبل" هو ذلك الثبات والرسوخ، ويأوي إليه البشر للحماية ويعتصم به الخائف، لا يتزحزح إلا في لحظات الانهيار كما حدث معهما. أما "عاصم" كان الحصن لـ "جبل" والملجأ الذي يحتمي به من أي ضرر.
❈-❈-❈
"بعد مرور فترة"
تحسنت الأوضاع قليلًا. منذ أن هرب "جلال" من الجزيرة بعد أن تم اكتشاف خيانته، وهناك حراسة مشددة على القصر والجزيرة بأكملها. لا يتم تسليم أو استلام أي شحنات، وتوقف العمل تمامًا بأمر من "جبل" بعد أن فكر قليلًا فيما حدث وما سيحدث في الأيام القادمة إن لم يأخذ الحذر هذه المرة.
عاد "عاصم" إليه مرة أخرى وحاول أن يمحي أثر ما حدث بينهم، ولكن الأثر لا يمحى أبدًا حتى وإن تناسى وإن غفر.
بعد أن أقر "جبل" بما في قلبه وتحركت شفتيه بعفوية شديدة مع "زينة"، قائلًا كل ما يعتري صدره، وجد نفسه أنه مجرد من كل شيء أمامها. لم يعلم أحد من أهل الجزيرة بما حدث ولم يخرج الخبر. لم يقع "جبل العامري" ولم يهتز، ولكنه تعرى أمام زوجته بطريقة أحرقت قلبه وندم أشد الندم لأنه لم يستطع إمساك جوفه عن الحديث. بقى أمامها مجردًا من كل شيء. محى قسوته في الحديث وكبريائه، تركه وحيدًا. العنف والشراسة المتواجدين داخله دائمًا لم تراهم في هذا اليوم.
لم يخرج منه إلا الضعف والحزن، صوته الخافت وهدوءه العاصف، لم يخرج منه سوى شعوره بالقهر والخذلان من شقيقته وحزنه على ما فعله بصديقه. تجرد أمامها من كل صفة قاسية عرفتها به يومًا وأصبح لا يمتلك إلا الرحمة والمغفرة، الهدوء والضعف ليمحي من أمامها "جبل العامري" الذي عرفته.
حتى أنها أصبحت تتعامل معه بهدوء ولين، تبتسم إليه بين حديثها الهادئ معه، وكأن ما قاله عنها أثر بها. يشعر أنها تود التكملة معه حقًا، ولكن لن تحبه وهو بهذه الحالة، لن تحبه وهو ذلك التاجر رجل العصابات. يمكن أن تظل هنا، ولكن لن تبادله شغفه نحوها ولن تجعله يقترب منها إلى الحد الذي يريده.
هناك حل واحد لا يعلم إن كان سيندم عليه بعدما يفعله أو لا، ولكنه وعد نفسه إن وقع بحبها لن يحرم قلبه منها ولن يخاطر بها، ستكون له رغمًا عن الجميع، ولكن بموافقة منها. وهي لن توافق عليه إلا إذا اعترف لها بكل شيء. كل شيء يجعلها تحبه وتبغاه بعد أن تناست شقيقه الذي لم تكن ستنساه أبدًا إن لم تعرف أنه كان قـ ـاتل ومجرم شريك بكل شيء قبله. وبعده.
بينما هي حقًا كما وصفها، رأته مجردًا من كل شيء فشعرت أنه إنسان غير الذي تعرفه، وعليها أن تجعله هو الآخر أن يعترف بذلك، يقف أمام نفسه يعترف قائلًا: أنا "جبل العامري" ذو القلب الرحيم والنظرة الرقيقة لا المخيفة. أنا "جبل العامري" المحب لا القاتل، أنا القاضي العادل لا الجاني المجرم. أنا "جبل العامري".
لا تدري كيف اقتربت منه إلى هذا الحد في تلك الفترة الصغيرة، ولكن حقًا وهذا شيء وجب الاعتراف به، أنها يومًا عن يوم تقترب منه، تتعمق بالنظر إليه ليس كالسابق، بل نظرات أخرى غريبة كليًا عليها وعلى ما تشعر به تجاهها.
صارحت نفسها فجأة أنها بدأت تميل إليه، لا تدري كيف، ولكنها حقًا بدأت في التقرب منه والحديث معه بطريقة أفضل من السابق بكثير والنظر إليه بلين وهدوء، وهو يبادلها ذلك من بعد آخر جلسة حدثت بينهم. ترى من الممكن أن تستكمل مسيرتها معه هنا إلى الأبد؟ كانت إجابتها على نفسها أن ذلك لمن المستحيل. لن تبقى معه ومكتوبة على اسمه إلا عندما تتأكد من أنه بريء من كل التهم المنسوبة إليه. غير ذلك لا تستطيع أن تكون شريكته في كل حرام يفعله.
جعلت شقيقتها تقطع علاقتها مع "عاصم" من أحبته وتمنت القرب منه بمنتهى البراءة. منذ أن عاد إلى القصر وامتعت عينيها بالنظر إليه من بعيد وهي راضية تمامًا، ولكن تنفيذًا لأوامر شقيقتها قامت بوضع رقم هاتفه في قائمة الحظر وعندما تقابلهم الصدفة لا تصغي إليه. ابتعدت عنه كل البعد بعدما علمت بمجال عمله من شقيقتها. كانت تريد فقط أن تواجهه وتستمع إلى الحقيقة منه، ولكن حديث شقيقتها أتى عليها بصرامة وحزم غير قابل للنقاش، ففعلت.
وهو كان يحاول كلما رآها تنظر من الأعلى أن يتحدث معها، يشير إلى أذنه دليلًا على أنه حتى يريد مهاتفتها، ولكنها لا تعيره اهتمامًا. لا يفهم ما الذي حدث لها جعلها تتحول من ناحيته بهذه الطريقة. لم يجد إلا سببًا واحدًا، وهو أن تكون علمت شقيقتها بما بينهم من بعد ذلك اليوم، وهي من قامت بمنعها عنه. ولكنه لن يمل ولن يكل، لن يتركها إلا عندما يتحدث معها ويصل إلى نقطة ترضيه ويعود بها إلى آخر ممر كانوا به سويًا بين ورود الغرام وجدران الخجل.
لم يكن أحد في تلك المدة يدلف إلى فرح أبدًا إلا العاملة "ذكية" كما أمر "جبل" مرة واحدة في اليوم بالطعام. ولكن "زينة" ضربت حديثه عرض الحائط وكانت تدلف إليها يوميًا مرة أخرى بعد العاملة تأخذ إليها الطعام وتجلس معها قليلًا، وهي من قامت بجلب الأدوية المناسبة لحالتها المذرية في ذلك الوقت، فقد كان جسدها بالكامل ملئ بالكدمات وحالتها يُثرى لها.
زينة فقط من بقيت جوارها، عالجتها وتأتي إليها بالطعام لأنها تعلم مؤكد ستتضور جوعًا، فمن يستطيع أن يأكل مرة واحدة في اليوم بكمية قليلة للغاية لا تناسب طفل؟ فعلت هذا أيضًا من قلبها دليلًا على أصلها الطيب وتعاملها المحب المعطي إليهم جميعًا، حتى وإن قابلتها منهم القسوة والحقد.
❈-❈-❈
دقت تمارا على باب مكتب "جبل"، كانت تعلم أنه بالداخل. انتظرت كثيرًا إلى أن استقرت الأوضاع واتت الفرصة المناسبة لها.
أذن لها بالدخول، فولجت إلى الغرفة تدفع الباب خلفها. سارت إلى أن جلست على المقعد أمامه تحت أنظاره الثاقبة عليها.
خرج صوته حاد ينظر إليها بقوة:
- نعمت.
توترت قليلًا، تمسكت يدها ببعضهم البعض، نظرت إلى الأرضية ثم إليه قائلة بخفوت:
- جبل.. أنا عايزة أتكلم معاك.
أشار إليها بيده يعود إلى الخلف يستند بظهره إلى ظهر المقعد، قائلًا بجمود:
- اتكلمي.
تنفست بعمق وهي تنظر إليه، لا تدري من أين تبدأ حديثها معه، تتابع عيناه الثاقبة فوقها التي توحي أيضًا بالبرود، وكأنه ليس مهتمًا بها. أردفت تسائلة بندم وحنين:
- ممكن تقولي ايه اللي غيرك كده؟ جبل أنا تمارا حبيبتك.. معقول نسيت كل اللي كان بينا، نسيت حبك؟
أومأ إليها برأسه ليستند بيده على ذراع المقعد، يضع إصبعيه السبابة والابهام أسفل ذقنه، وأردف ببرود:
- آه.. نسيته.
حركت رأسها نافية تقول بجدية وحرقة:
- لأ يا جبل أنا مش مصدقة. أنا عارفه أنت اتجوزت زينة إزاي وليه، متحاولش تبينلي إنك بتحبها.
ابتسم بهدوء وهو يجيبها صدقًا قائلًا بشغف ولمعة غريبة ظهرت بعينيه على أثر نطقه بتلك الكلمات:
- أنا فعلًا بحبها.
وضعت يدها على المكتب تتابعه بعينان حزينة للغاية، تحرك أهدابها بكثرة تحاول منع الدموع من النزوح عن مقلتيها، فهي خسرت كل شيء عندما تركته بأنانية:
- ده كدب.. أنا عارفه إنك بتحبني بس زعلان من اللي عملته لما سيبتك ومشيت.
اعتدل على المقعد يتقدم للأمام يستند بيده الاثنين على المكتب، نظر إليها بقوة وجدية وتحدث بفتور غير مبالٍ بمشاعرها:
- للأسف يا تمارا جه الوقت اللي أشكرك فيه علشان مشيتي. صحيح سببتيلي وجع وحسيت بالوحدة من بعدك، بس لولا اللي عملتيه ده كان زماني دلوقتي متجوزك وزينة مش معايا.
ابتسم إليها رافعًا يده إليها يقول مبتسمًا:
- يعني أنا بقولك شكرًا علشان بسببك أنا اتجوزت زينة وبقت مراتي.
تحولت نظراته وتلك الابتسامة إلى الجمود والحدة، وهو يقول بقسوة وغلظة أحرقته:
- محتاوليش معايا يا تمارا، أنا بحب مراتي.. بحبها أوي فوق ما تتخيلي.
- جبل..
نطقت اسمه محاولة التحدث بلين ورقة، ولكنه قاطعها مبتسمًا يقول بشغف وفي ذات الوقت مهينًا إياها، معبرًا عن أن حبه لها لم يكن له قيمة:
- واكتشفت معاها أن الحب اللي كان بيني وبينك ده ميجيش جنب حبي ليها حاجة.
تعمقت بالنظر إلى عيناه، غاصت داخلهما ولم تجد لها عنده أي تعبير أو رسالة. لم تجد ذكرى واحدة أو لحظة مرت بينهما تشفع لها. يبدو أنه أحبها حقًا، متمسك بها حد الموت. كيف حدث هذا؟ كيف جعلت "جبل العامري" يتحول بهذه الطريقة ويعشق غيرها؟ ما السحر الذي جعلته يرتشفه من يدها؟ ما الذي قدمت له أكثر منها كي يتحدث عنها بهذه الطريقة دون خجل؟
أنه لم يعبر عن حبه لها يومًا إلا عندما تطلب ذلك منه، ولم يهتف بكلمات الحب لحظةً، ولم يقف أمام أحد يقول إنه يعشقها. كيف يا "زينة" فعلتِ به ذلك؟
كان الباب لم يغلق إلى آخره، دفعته "زينة" ودلفت إلى الداخل وعلى وجهها ابتسامة عريضة بعدما استمعت إلى كلمات جبل عنها واستشعرت صدقه بها، ليس مجرد تمثيل. وعندما استمعت إليه دق قلبها بعنف وقوة لا تدري لما! ولكن يبدو أن ما حدثت نفسها به صحيح.
سارت إلى الداخل ولم تزحزح عينيها من على غريمتها إلى أن وقفت "جواره" تضع يدها على ظهره مقتربة منه، فرفع بصره إليها بابتسامة باتت معهودة بينهم. بعدما رفع رايته إليها وحدد مصيره معها.
أمسك بيدها الأخرى يرفعها إلى فمه مقبلًا إياها، فنظرت إليه ثم عادت إلى ابنة عمه تنظر إليها بشماته، ترسل إليها من خلال أعينها أنها لا مكان لها هنا. هي صاحبة المكان ومن فيه!
احترقت الأرض من أسفل تمارا. لم تجد شيئًا تفعله إلا أن تقف على قدميها وتتقدم ذاهبة إلى الخارج دون حديث، دون حتى أن تحدث نفسها. حقًا الصدمة كبيرة والتفكير في الأمر مرهق للغاية.
لم تقوى زينة على الحديثة وسؤاله عما هتف به إليها، بقيت صامتة، وهو الآخر لم يريد أن يسبق الأحداث ويفتح معها حوارًا لا يعلم أين يذهب منهما. بات الوقت قريبًا للغاية لكي يتحدث.
❈-❈-❈
"في المساء"
جلس "جبل" على الفراش بعد أن قرر أخيرًا ولن يعود عما يريد فعله مهما كانت العواقب.
كان ينتظرها أن تأتي من الأسفل، يجلس يفكر فيما سيفعله وكيف يبدأ معها ومن أين. الأمر يطول شرحه والحديث به، يطول فهمه واستيعابه، ولكن لأجل حبه وقلبه، لأجل أن تبقى معه ويعيش ما لم يستطع الشعور به سابقًا، سيفعل أي شيء.
فُتح باب الغرفة، لتطل عليه منه، أبصرته باستغراب، فرفع بصره إليها، أشار إليها بالجلوس جواره قبل حتى أن تدلف.
أغلقت الباب ودلفت لتفعل كما طلب منها.
جلست بجواره على الفراش تنظر إليه، فباغتها بحديثه دون مقدمات ونظرته نحوها قوية متمعنة، تحدث بجدية:
- كنتي عايزة تسمعي مني كل حاجة صح؟
أومأت برأسها إليه سريعًا دون التفكير بالأمر، فتنهد بعمق وهو يراها تعتدل تتوجه بنظرها عليه تصب تركيزها معه.
قال بصوت خافت:
- أنا عايز اعترفلك بحاجة.
سألته باستغراب:
- ايه؟
مرة أخرى تنهد بصوت مسموع، الحديث ثقيل على قلبه ولا يستطيع إخراجه بتلك السهولة، أمسك بيدها محاولًا أن يأخذ الدعم منها إليه ليتذكر أنه يريدها، ولكن ما يشتهيه المرء لا يحدث دائمًا. ما كاد إلا أن يتحدث معها مخرجًا مكنون قلبه إلا أنه استمع إلى أصوات طلقات نارية تهب عليهم من كل مكان.
انتفض من مكانه بعدما اخترق زجاج الغرفة رصاصة ليهبط على الأرضية متهشمًا، وقع قلبها بين قدميها تطلق صرخة مدوية بعدما اخترق الرصاص الغرفة، هوى قلبه هو الآخر معها خوفًا عليهم، فجذبها إلى الأرضية يجعلها تهبط يخفي جسدها خلف الفراش صارخًا:
- خليكي هنا.
جذب سلاحه بيده وسار منخفضًا بجذعه يذهب ناحية الشرفة مخرجًا رأسه من خلف الحائط دون الخروج ليرى حالة من الهرج والمرج خارج القصر وحراسه تحاول السيطرة عليها، مستمعًا إلى صراخ "عاصم" من بينهم.
علم أنها حالة هجوم شديدة قد تمكنوا من دخول الجزيرة بعدما أخبرهم ذلك الحقير عن كل خباياها. إلى الأمس لم يستطع أحد بتاريخ حياته وفعلها.
عاد مرة أخرى إليها يهبط بجسده، فوجد العبرات تهبط من عينيها ترتجف بخوف ورهبة، قتلها الخوف على ابنتها وشقيقتها، ولكنها ارتعبت أن تتحرك دون إذنه يحدث لها شيء وتضيع شقيقتها مع ابنتها.
رأى عبراتها تهبط وكأنها نيران تلجمه، حاول استجماع نفسه قائلًا بقوة:
- اهدي متخافيش.
عقبت ببكاء حاد:
- إسراء ووعد.
أجابها محاولًا أن يطمئنها:
- متخافيش هوديكم مكان أمان.
فتح الخزانة الخاصة به وهو منخفضًا للأسفل، فتح خزنته الموجودة داخلها ليخرج منها سلاح آخر وحقيبة صغيرة وضع بها بعض النقود، ثم أغلقها ثانية.
جذبها من يدها بقوة صارخًا بها أن تسير معه ليخرج بها من الغرفة منحنين إلى الأسفل كي لا تطولهم الطلقات، ووجد والدته في الأعلى تأخذ "فرح" و "تمارا" وسألته بخوف وقلق:
- هاخد وعد وزينة معانا؟
لم يقف بل أجابها يُسير سريعًا شاعرًا أن الموت يلاحقهم:
- روحوا انتوا. أنا هتصرف معاهم.
أردف بصوت عالي وهو يدفع زينة للأمام:
- هاتي إسراء ووعد بسرعة.
قد فعلت سريعًا على الرغم من أن قدميها لا تحملها بسبب الذعر الذي انتابها، حملت ابنتها على ذراعها وهي تبكي بقوة خائفة متشبثة بها وإسراء الخائفة بضراوة.
سارت خلفه إلى أن هبط ليتجه بهم إلى خلف درج القصر، رفع السجادة الموضوعة على الأرضية وقام بالتقدم إلى الدرج من الخلف ليضغط على شيء به، ففتح باب خشبي من الأرضية!
نظرت إليه بذهول واستغراب وفهمت أنه سيخفيهم هنا، وجدته يهبط إلى الداخل عبر درج آخر خشبي، نزل عليه وظهر إليها بعدما أشعل ضوء هاتفه، ألقى بما كان معه في الأسفل ورفع يده الاثنين إليها قائلًا بعجلة وتوتر:
- هاتي وعد.
قدمتها إليه، فهبط بها إلى الأسفل ليتركها ويعود يأخذ "إسراء" ممسكًا بيدها يساعدها في الهبوط وأخيرًا "زينة"، جذب الباب خلفه بعد أن وقف معهم في الأسفل. نظر إلى "زينة" بعينين مشتاقة راهبة فقدانهم، عاجز عن أن يجعلها معه وملكه، يرى النهاية قريبة للغاية منه، ففعل ما أملاه عليه قلبه كي لا تحمل ذرة بغض له بقلبها.
سألها مضيقًا عينه عليها:
- معاكي موبايلك؟
وضعت يدها على جيب بنطالها واومات له بالإيجاب.
ابتلع ريقه وخرج صوته بتوتر ناظرًا إليها بعمق، يرفع من على الأرضية الحقيبة التي كانت معه، يقدمها إليها:
- الشنطة دي فيها جوازات السفر بتاعتكم، وفيها فلوس.
ابتلع غصة مشتعلة وقفت بجوفه، شعر بها وهو يأبى خروج الكلمات المفارقة لها منه:
- موبايلك معاكي.. لو طلع الصبح عليكم وأنا مرجعتش اخدك.. يبقى أنا مش موجود يا زينة.
شهقت بعنف واضعة يدها الاثنين على فمها تنظر إليه، يخرج شلال بكاء من عينيها، شاعرة بنفس تلك الغصة التي داهمته، لا تريد الفراق بهذه الطريقة. لا تريد الابتعاد عنه فما قاروا عليه سويًا ليس هينا أبدًا.
ضغط على شفتيه قائلًا بجمود لا يود التأثر بما يصدر عنها:
- اسمعيني كويس.
أشار بضوء الهاتف خلفهم قائلًا بجدية:
- في باب وراكم أهو افتحيه، هتمشي في ممر طويل هيطلعك على الغابة. تفضلي ماشية على طول على نفس الطريقة لحد ما تطلعي بره الجزيرة، اركبي من هناك وانزلي مصر وبعدها سافري على طول.
انخفض بجذعه إلى الأرضية يرتفع إليها بالسلاح بيده، ثم أمسك بيدها التي كانت مازالت موضوعة على شفتيها، يضعه به:
- لو قابلك حاجة في الغابة اتصرفي.
أمسكت بيده بقوة وبكت بقهر شديد، يخرج صوتها مبحوحًا متعلثم:
- متسبنيش.
أقترب منها جاذبًا إياها بضراوة في عناق حاد هشمه به ضلوعها، ولم ترفض ولم تعترض، بل قابلته تجذبه إليها شاعرة بالأمان داخل جسده، تبكي وتنتحب بقهر يداهمها الإحساس بالخوف الذعر بشراسة، تئن بألم داخل أحضان صدره، تأبى فراقه، يحتل الأسى كيانها فقط من فكرة عدم وجوده.
همس بجانب أذنها بضعف وشغف، ضاغطًا على عيناه بقوة:
- أنا بحبك.. سامحيني على اللي عملته.
تسمرت في أرضها وارتخت يدها من حوله، غير قادرة على استيعاب ما يحدث، ولكنه لم يكن معه الوقت الكافي لكل ذلك، بل أبتعد عنها متقدمًا من "وعد" يحتضنها قائلًا:
- هتوحشيني.
لم يعطي الفرصة لأحد كي يجيب عليه، بل أتجه ليأخذ سلاحه، ثم تركهم يصعد مرة أخرى على الدرج، يلقي عليها نظرة أخيرة محبة شغوفه، حنونة مليئة بالندم على كل شيء عبر من جواره معها ولم يستمتع به، ذاهبًا ليقابل مصيره الحتمي الذي لم يستطع الهروب منه اليوم.
أغلق الباب الخشبي بعدما اختفى عنهم، ليظهر الضوء من جوانبه، ولكنه اختفى أيضًا عندما أعاد السجادة إلى موضعها، ليتركها في ديجور الألم وحدها.
❈-❈-❈
"يُتبع"
رواية سجينة جبل العامري الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندا حسن
"دعني أخبرك عن قصة رجل!"
جلست "زينة" على الأرضية المليئة بالأتربة في كل مكان، لم تقوى قدميها على حملها أكثر من ذلك وهي تقف ترفع رأسها إلى الأعلى تنظر إلى ذلك الباب الخشبي الذي خرج منه ولم يعد إليها تاركًا إياها في ظلام دامس، عتمة قلبها مع عتمة المكان من حولها بجعلها ترتعب أكثر وهي تستمع إلى صرخات أصواتهم الخشنة في الخارج مع إطلاق النيران..
تنهمر الدمعات من عينيها بغزارة دون توقف وحركاتها اللاإرادة تعبر عن ذلك القهر القابع داخلها لا يريد النزوح أبدًا وتركها ولو قليلًا..
شهقات متتالية تخرج منها وعينيها السوداء متعلقة بالباب، وتلك النظرة التي ألقاها عليها لا تفارق ذهنها مع صوته الشغوف واعترافه بالحب وأن تسامحه على ما بدر منه..
أتدري ما يحدث للوردة عندما تبدأ بالتفتح والخروج إلى عبير الدنيا، تحلق عليها الفراشات لرائحتها الفواحة ومظهرها الجميل، ثم يأتي طفل صغير دفعه هوسه بحب الورد ليقطفها من غصنها فتذهب رائحتها وتفقد جمالها، تموت بين يديه ذابلة وكأنها أبشع ما في الدنيا!
كانت هي هذه الوردة، بدأت بالتفتح، بحب الحياة معه، وبدأ الشغف أن يولج بينهم وتنعم بالراحة بين أحضانه مثلما جعلته يتمتع بها، ولكن ذلك الطفل الذي دفعه عمله عنوة ليخرب كل ما بدأ بإصلاحه، ليخرب كل ما شعر به قلبها يفرقهم ليتجه كل منهما إلى طريق آخر يسلكه وحده مدمرًا كل شعور لاذ به قلبها..
أمسكت الهاتف بين يديها مرت ساعة كاملة والطلقات لم تتوقف، أصواتهم الصارخة تضرب أذنيها بقوة فيزداد بكائها وشهقاتها تتعالى، يزداد خفقان قلبها خوفًا عليه!..
خوفًا عليه؟ توقفت الكلمات على باب عقلها فأكملت نعم إنه والد ابنتها، ذلك الذي عوضها عن حرمانها من حنان الأب، الذي جعلها تبتسم كلما رأته تركض نحوه تتعلق به ولم تشعر أنه شقيق والدها، وأيضًا هو زوجها، زوجها الذي بدأ قلبها بالخفقان له رغم كل ما فعله وما يفعله..
القهر والألم ممزوجان داخل قلبها، لا يترك أحد منهم الآخر، تشعر به يعتصر من الألم ينطبق صدرها عليه ساحقة أكثر..
استمعت إلى صوت شقيقتها الذي كان يراودها كل لحظة والأخرى، استدارت تنظر إليها وجدتها تحتضن "وعد" النائمة وتبكي بغزارة محاولة كتمان شهقاتها وألم قلبها في فراقه.. لقد فارقته دون النظر إليه والحديث معه.. لقد قست عليه كثيرًا
وقفت "زينة" على قدميها وذهبت لتجلس جوارها تحتضن إياها تشعر أنها أخطأت عندما منعتها عنه، أنه الحب، وذلك اللعين ليس عليه سلطان، لا يستمع لأحد إلا نفسه يأتي دون إنذار ويذهب دون إنذار..
احتضنتها بقوة مستشعرة كم الألم الذي يداهمها إن لم يكن أضعاف ألمها فهو اعترف لها وهي اعترفت له، ولم ينشب بينهم عراك حاد يومًا ولم يعتدي عليها بقوته، لم يقتلها بكلماته كما فعل معها.. تستطيع أن تدرك أن ألم شقيقتها أكبر منها ولكن أيضًا ألمها لا يضاهي شيء..
بكيت كل منهما في أحضان الأخرى طويلًا، القلوب تشكي همًا والأعين تزرف الدموع رعبًا واحتراقًا أثر الفراق المُميت الذي أتى على حين غرة ليدمر الأخضر واليابس..
كان في الأعلى "جبل" و "عاصم" مع الحراس يحاولون السيطرة عليهم بكل قوتهم، هؤلاء الذين ولجوا إلى الجزيرة كانوا كثيرون للغاية غدروا بالحراس القليلة الذين كانوا واقفون على مداخلها..
تبادلون طلقات النيران لوقت كبير وكل لحظة والأخرى تفرغ خزينة السلاح ليقوم بتعبئتها مرة أخرى..
حرب دامية بطلقات النيران استمعت إليها الجزيرة بأكلمها من الشمال إلى الجنوب، رأى "جلال" و "طاهر" من يقودون رجالهم نحو القصر إلى أن دلفوا إليه..
شعر بأن النهاية تقترب بعدما وقع من رجالة أكثر من خمسة ولم يبقى الكثير إلى درجة الصمود، هوى قلبه بين قدميه خوفًا على عائلته إن رحل وتركهم ولكنهم يعلمون جيدًا ما الذي سيقومون بفعله إلى أن تنتهي هذه الحرب متخفين في مكان مستحيل أن يمر به أحد سوى "عاصم"..
اهتزت روحه وهو يتذكر تلك التي وقع بحبها ولم ينل منه شيء ولم يستطع عيش النعيم جوارها يكافىء نفسه بعد سنوات العذاب، وسنوات الضياع الذي أوقع ذاته بها..
شعوره نحوها في تلك اللحظات كان قاتل، والله قاتل وهو بين الحرب التي ربما تأخذه في أي لحظة ولكن قلبه يتوق اشتياقًا لها يود أن تأخذه بأحضانها تربت على قلبه ليشعر بأن الخير قادم.. يود لو ينام على ركبتها فتضع يدها تخلل خصلات شعره لتسري القشعريرة بجسده وهو ينعم باللذة من هذا الشعور المغري..
زينة والله وأنت زينة، تمنى رافعًا رأسه للسماء أمام بوابة القصر متخفي خلف أحد الأعمدة، يغمض عينيه لا يستطيع المقاومة أكثر يشعر بأنه يرتخي والهجوم يزداد عليه، يهتف داخل نفسه متمينًا أن لا تنساه.. أن تحيي ذكراه وتردد داخلها أنها كانت بالنسبة إليه غزال..
إلى هذه الدرجة أحبها!.. بل عشقها ولم يدري بذلك ويعترف به إلى نفسه إلا بعد فوات الأوان..
وجد "جبل" الطلقات تزداد للغاية وليس رجالة الذين يقعون على الأرض جثث هامدة بل رجال "طاهر" فنظر إلى "عاصم" باستغراب ليستمع إلى أصوات أهل الجزيرة الهاتفه بشراسة وعنف يتقدمون منهم بالسلاح يأتون من الخارج فكان من السهل عليهم هم أن يهزموهم..
استمد "جبل" قوته وعاد يحمد ربه وهو يقف شامخًا يركض بينهم بقوة يطلق النيران و "عاصم" خلفه يحميه.. كالعادة بينهم
وقف كل منهما في ناحية يحاولون مجابهة الأمر بعدما أصبح أسهل من السابق بكثير
نظر "جبل" إلى يمينه ليجد "طاهر" يقف متخفي ينظر إليه شامتًا موجهًا السلاح نحو "عاصم" فدفع به للخلف صارخًا وهو يطلق النيران عليه بعشوائية..
دفع جبل "عاصم" واحتل مكانه ليتقابل مع "طاهر" ولكنه أطلق رصاصة خرجت من سلاحه لتصيب جسد "جبل" فصرخ "عاصم" بإسمه عاليًا وهو يُميل عليه يسنده رافعًا السلاح نحو "طاهر" لتنطلق من فوهة السلاح رصاصة تصيبه ليصرخ عاليًا كانت خرجت بحرقة من سلاح "عاصم" المذعور على صديقه الذي وقع بين يديه..
مر الوقت عليهم وهم على نفس الوضع، لم يغفل لهم جفن ولم ولم يتوقف انهمار العبرات منهما، مع ذلك الارتجاف الذي أصابهما ليحتل كيان كل منها والحزن يتغلغل أكثر ليعبر الروح دافعًا بها سهم الرماية الملطخ بالسُم القاتل، فتتهاوى أرضًا ميقنه أن ما بعد النهاية آتي والفراق كُتب، والاشتياق سيكون إلى الأبد..
توقف إطلاق النار منذ فترة وأصبح الصباح لتنظر إلى ساعة الهاتف، وقفت على قدميها واقتربت من الدرج تصعد عليه بتأني أنفاسها غير منتظمة تشعر بالموت القريب لها هي أيضًا..
عينيها منتفخة وأنفها أحمر للغاية وجهها باهت وملامحها مرهقة وقفت أعلى الدرج محاولة أن تستمع إلى أي أصوات بالخارج ولكن لا فائدة عادت إليها زافرة بقهر وهي تبكي وتنتحب لتساندها شقيقتها بقوة يعلو صوتها تود الصراخ
لكن "زينة" لم تترك لها العنان لفعل ذلك بل أشارت لها بالصمت خوفًا من أن يكون أحد من هؤلاء المجرمين بالأعلى يستمع إلى صوتهم..
كتمت صوتها وهي تبكي تشوب عينيها الخيوط الحمراء التي تجعل مظهرها يبدو خاضع لإذلال لا مثيل له..
استفاقت الصغيرة على صوت بكائهما فنظرت إليهما باستغراب، طمست "زينة" على وجهها لتمحي عبراتها محاولة الثبات تقف على قدميها لأجل من معها ففعلت "إسراء" المثل وهي تقف غير قادرة على الصمود أكثر ولكنها تضغط على نفسها بقوة..
توجهت نحو الباب تفتحه تتناثر الأتربة من عليه يبدو أنه مغلق منذ مدة كمثل هذه الغرفة، فُتح الباب بسهولة فنفضت يدها ببعضها وعادت للداخل ترفع الحقيبة مرتدية إياها على ظهرها تتمسك بالسلاح بيدها ثم سارت في الأمام تعود إلى الباب لتخرج منه قائلة بصوت مبحوح وعينان دامعة:
-امسكي وعد وخليكم ورايا
أومأت إليها شقيقتها التي تمسكت بيد الصغيرة بقوة وكأن هناك من يراقبهم ليأخذها من بينهم، استدارت "زينة" ترفع بصرها إلى سقف الغرفة تنظر إلى الباب الخشبي على أمل أن يُفتح ويعود إليها يجذبها مرة أخرى في عناق حاد كالذي قبله.. ولكنه يبدو كان عناق الوداع..
تحركت أمامهم تخرج من الباب وهم خلفها تشعل ضوء هاتفها تسير في الممر المظلم حتى تخرج من هنا إلى الغابة ثم إلى خارج الجزيرة..
سارت قليلًا ولم تتوقف عباراتها عن الخروج من مقلتيها ترفع السلاح بيدها تنظر إلى السرداب الذي تسير به معبأ بالأتربة وخيوط العنكبوت واقتربت فتحته لتخرج منه إلى أرض الغابة وهي تودع حياتها هنا..
تنفست الصعداء محاولة التماسك داعمة قلبها بذكرى واحدة فريدة بعقلها فلسوء حظها كالعادة لم تستطع أن تجمع الذكريات الجميلة معه..
ولكن هل هناك فرصة؟! ثبتت أقدامها في مكانها فجأة وتصلب جسدها بتشنج ولم تحرك بها إلا أهدابها بعدما استمعت إلى اسمها يخرج بذلك الصوت الخشن الذي تعرفه جيدًا
استدارت بلهفة وقلق تنظر إلى الخلف لترى شقيقتها تفعل المثل ولم يكن أمامهم سواه، كان يقف على بعد منهم يلهث بعنف وكأنه كان يركض ليلحق بهم تغرق الدماء ملابسه ولكنه يقف شامخ
تقدمت للأمام تتخطى ابنتها وشقيقتها وهي تنظر إليه بلهفة واشتياق وكأن روحها التي سلبت منها بالقوة تعود إليها من جديد
سارت ببطء إليه وعيناها معلقة نحو عيناه الخضراء الباهتة، لم تستمر على هذا البطء بل ركضت سريعًا تتقدم منه ليقوم بفتح ذراعيه لها يستقبلها داخل أحضانه ولم تتأخر عن فعل ذلك بل ألقت بكامل جسدها عليه ليغلق يده جذابًا إياها بعنف وكأنه يبعثها إلى داخله..
ألقت السلاح الذي كان بيدها على الأرضية وهي تدفن وجهها في صدره تبكي بقوة بعد أن عادت إليها روحها بعودته فالأن فقط اعترفت بصدق، كل ما سبق كان مجرد حديث منها أما الآن كامل الصدق خرج منها وشعرت أنها حقًا تود أن تكون معه، ربما هو الفرصة الضائعة من بعد حياتها مع شقيقه التي كانت مجرد خديعة بالحب.. أما هو إلى اليوم لم يكذب بشيء يخصه حتى وإن كان أبشع ما يكون
شدد بيده حولها يعزز احتضانها يضع يده خلف رأسها بين خصلات شعرها يحركها عليها والأخرى تحيطها، على الرغم من أنها مصابة بفعل تلك الطلقة التي خرجت من سلاح طاهر إلا أنه لا يشعر بألم بل يشعر بلذة قربها منه وروعة استنشاق رائحتها..
ينعم بهذه اللحظة التي لم تمر عليه سابقًا وهو يرى اللهفة ظاهرة في عينيها بوضوح، والاشتياق تلقي باسهمه عليه وهي تركض نحوه تتلهف للاقتراب منه وإشباع قلبها من نعيم وجوده جوارها وذلك الأمان الذي فقدته عندما سلمها السلاح بيدها قائلًا لها أن تعتمد على ذاتها.. إلى هذه الدرجة كان وجوده يشعرها بالدفء والأمان؟ كان هو حاميها وسارقها!..
أيعقل؟!..
عادت للخلف تنظر إليه بابتسامة واسعة ومازالت الدموع تغرق وجهها تسأله بنبرة خافتة:
-أنت كويس!
أومأ برأسه لها وهو يبادلها الابتسامة واضعًا يده على ذراعها قائلًا بحب:
-كويس.. يا حبيبتي
لا تدري أي شعور يجتاحها بعدما استمعت إلى تلك النبرة الحانية مع نظرة عينيه الغرامية عليها، استمعت إلى صوت شقيقتها التي تقدمت منهم تسأله بتوتر وقلق:
-فين عاصم؟
ابتسم إليها هي الأخرى محاولًا أن يجعلها تطمئن قائلًا بصوت هادئ:
-موجود في القصر
هبط إلى الأسفل ينحني إلى الأمام يقبل وجنة الصغيرة بعدما أقتربت منه بحب فلم يستطع حملها بسبب ضيق المكان، ابتسمت قائلة برقة وصوت هادئ:
-أنا مبسوطة أنك رجعت تاخدنا مكنتش عايزة أمشي
أجابها مبتسمًا بعد أن عانقها بحب وحنان:
-مش هسيبك تمشي
أشار إلى "زينة" بالعودة وأخذهم وعاد من جديد إلى نفس الغرفة الذي خرجوا منها ليجد "عاصم" يهبط الدرج متقدمًا منهم بعدما أعتقد أنهم رحلوا ولم يلحق بهم "جبل"..
وقف على الدرج ثابتًا ينظر إلى حبيبة قلبه، سكينة أعماق فؤاده التي غابت عنه لكثير من الوقت ولم يراها عن قرب إلا الآن، عينيها يشوبها الحزن ونظرتها نحوه باهتة مرهقة.. ملامحها متألمة خجلة ولكنها متلهفة عليه تنظر إليه بتعمق ثم ابتسمت بهدوء ورفق عندما أدركت أنه بخير ولم يصيبه شيء..
رأى "جبل" الحالة الذي كان عليها فتحدث بصوت خشن قائلًا بعد أن وقف يتبادل النظرات معها للحظات في صمت تام:
-عاصم.. أرجع يلا
أبتعد بنظره إليه غائبًا عن الواقع يومأ برأسه إليه ثم عاد إلى الأعلى ليقف يستقبل "وعد" بعدما ساعدها "جبل" في الصعود على الدرج، ثم خلفها "إسراء"، أمسك بيدها بين كفيه يساعدها للخروج بينما تلك اللمسات الخفيفة منهما تكن كلمسات النيران أو صواعق الكهرباء تسبب ارتجافه للقلب لا مثيل لها..
وقفت "زينة" وجذبت شقيقتها ناحيتها ليأتي "جبل" هو الآخر يقف ثم نظر إلى "عاصم" قائلًا بجدية:
-روح أنت يا عاصم
ذهب وتركهم كما أمره "جبل" ليخرج يتابع ما يحدث في الخارج يصلحون ما أفسده ذلك الحيوان ورجاله..
باغتته "زينة" بسؤال جاد وهي تنظر إليه بعمق قلقة أن يحدث ذلك مرة أخرى:
-إحنا دلوقتي في أمان؟
أومأ إليها برأسه دون إجابة فسألته مرة أخرى باستغراب عن عائلته:
-فين طنط وجيدة وفرح.. وفين تمارا
عقب بجدية ناظرًا إليها بود:
-متقلقيش كلهم بخير وفي اوضهم
نظرت في محيطها ولم يكن إلا الدرج والحائط فعادت ببصرها إليه لتسأله:
-هو ايه اللي حصل
إلى هذه الدرجة فضولها يأخذها خلفه حيث ما يريد!، تنهد بصوت مرتفع وقال بجدية:
-هحكيلك بعدين.. أنتي متعبتيش؟
أومأت إليه برأسها إليه فسار مُشيرًا إليها أن يذهبوا ففعلت، صعد الدرج يذهب إلى غرفتهم وذهبت هي مع شقيقتها وابنتها إلى غرفتهم لتطمئن عليهم أولًا ثم تتركهم، هبطت مرة أخرى إلى المطبخ لتأخذ بعض الشطائر إليهم فهم منذ الأمس لم يأكلوا شيئًا..
تركتهم بعد الاطمئنان عليهم ثم ذهبت إلى غرفتها، وجدته يخرج من المرحاض مرتدي بطال فقط يشجفف خصلات شعره بمنشفة فاردًا ذراعه الأيسر وهو نفس الذراع الذي كان مصاب به سابقًا ولكن هذه المرة كانت الإصابة في ذراعه من الأسفل..
عندما دفع "عاصم" وأخذ مكانه تحرك كثيرًا فخابت رصاصة "طاهر" وأتت فوق معصم يده تاركة إصابة بسيطة..
عبرت من جواره دون حديث فيبدو أن خوفها عليه واستنكارها لترك الجزيرة هما اللذان كانوا يدفعون بها إلى التقدم ناحيته وألقاء نفسها بين يديه..
دلفت سريعًا إلى المرحاض هي الأخرى لتنعم بحمام بارد يزيل عنها عناء جلستها طوال الليل على أرضية صلبة كالذي كانت في الأسفل مع تلك الأتربة والغبار الذي طبع على ملابسها ويدها..
بقيت بالداخل كثيرًا ثم خرجت بخجل وهي ترتدي رداء المرحاض بعد أن أنساها هروبها إلى الداخل أن تأخذ معها ملابسها...
نظرت بعينيها في الغرفة فلم تجد له أثر حمدت الله كثيرًا متقدمة من الخزانة تأخذ منها ملابسها عائدة مرة أخرى إلى الداخل كي ترتدي على راحتها فمن الممكن ان يأتي بأي لحظة.. ولكنه من الأساس كان يقف في الشرفة ينظر إلى الباب الذي تهشم زجاجة بسبب الرصاص الذي تناثر حولهم وينظر إلى بقاياه على الأرضية من الداخل والخارج..
ووقعت عينيه عليها وهي تخرج ببطء تبحث عنه بخجل ووجه متورد ثم أخذت ملابسها واختفت، لم تدري أنه رأى جمالها الذي لم ينجذب إليها لأجله أبدًا، ورأى رقتها التي لم يراها منها يومًا بل دومًا كانت تلك الشرسة العنيدة، رأى نظرتها البريئة والخائفة في ذات الوقت وكأنها صبية مراهقة أو زوجة في بداية زواجها خجلة من أن يكشف زوجها مفاتنها..
جلس على الفراش متنهدًا بعمق وكأن حمل ثقيل انزاح من على قلبه على الرغم من أن الخطر مازال يحاوطهم..
أتت هي الأخرى من الداخل بعد أن ارتدت ملابسها لتجلس جواره ولم تنتظر كثير بل قبل أن تجلس سألته بجدية:
-ممكن أعرف ايه اللي حصل
استدار بجسده ينظر إليها يجيب بفتور وصوت جاد:
-زي ما شوفتي يا زينة
تابعت عيناه واستغربت إجابته، أنها لم ترى شيء سوى تلك الرصاصات التي انهمرت فوقهم كالمطر وبعد ذلك لم تدري بشيء سألته مستفهمة:
-شوفت ايه فهمني.. دول مجرمين؟
أومأ برأسه إليها بالإيجاب يقول مسترسلًا في الحديث بصوت هادئ:
-ايوه، ده طاهر أكبر عدو ليا.. طول عمره بوق بس مش بيعرف يعمل معايا أي حاجه بس المرة دي عرف يعمل بسبب جلال
استمعت إلى الاسم فتوترت قليلًا تنظر إليه بقلق محاولة الهدوء والثبات تكرر باستفهام:
-إزاي؟
قال بجدية شديدة وداخله غضب مكبوت لا يستطيع إخراجه إلا عندما يمسك به بين يديه أن كان حيًا أو ميتًا:
-جلال لما هرب راحله وعرفه كل حاجه عن الجزيرة يدخل إزاي يخرج إزاي وكان السبب في أن ده يحصل لأن من المستحيل حد يقدر يدخلها ولا يعرف إزاي أصلًا ممكن يدخل
نظرت إلى الفراغ وتلك الكلمات تتردد على عقلها وبالأخص شيء واحد ارتبكت لأجله فلا تدري ما العواقب خلفه، تحدثت متسائلة:
-وهما فين بعد كل ده ما حصل
قال بإيجاز وصوته حاد:
-طاهر هرب.. وجلال مات
استنكرت صارخة تسأله بفزع فأثر الكلمة على جسدها عنيف جعله يرتجف بقلق:
-مات!
أومأ إليها برأسه دون حديث ينظر إلى الأمام وهي تتابعه بنظراتها المذكورة المستغربة للغاية فباغتته قائلة:
-هو بس!
حرك رأسه بالنفي فأكملت:
-اومال راحوا فين اللي ماتوا
بمنتهى السهولة والبساطة التي يمتلكها تحدث بهدوء وتروي وكأن لم يحدث شيء من الأساس:
-الإجراءات كلها خلصت
هبت واقفة من على الفراش تنظر إليه بغضب حاد وعنف تأجج داخلها فرفع بصره إليها ولم تصل إليه معاني نظرتها إلا بالبغض لما قاله وفعله ولكنها صاحت بقسوة متهكمة غير قابلة لحديثه:
-إجراءات دفن مصرحة من جبل بيه العامري.. انتوا إزاي عايشين كده مستحيل.. اللي ماتوا دول فين أهلهم
هتف بهدوء فهو حقًا لا يقوى على الجدال معها ولا يريد أن يرسل إليها فكرة أنه المجرم مرة أخرى فإن وجودها من الأساس معلق على هذا الخيط أما أن تبقى أو ترحل:
-زينة البوليس كان هنا وكل حاجه تمت على ايده
جلست ثانيةً تتابع باستغراب:
-إزاي
قال بجدية بسيطة لا يريد أن يطول الحديث بينهم:
-زي ما بقولك
نظرت إليه بشك وكأنها غير مصدقة ما قاله، كيف للشرطة أن تكون تابعت كل ما حدث وهو هنا مازال ومعه "عاصم" ومن المؤكد كل حراسه، كيف ذلك وهناك أشخاص لقوا مصرعهم أثر هذه الحرب الذي وقعت بينهم!.. من هو كي يفعل كل ذلك دون أن يشوبه شيء..
سخرت منه والكلمات تخرج من بين شفتيها بعنف وقوة:
-أنت كبير في البلد للدرجة دي علشان كل ده يحصل وأنت تفضل هنا في قصرك كده ولا كأن حاجه حصلت!
استشعر سخريتها فتعمق داخل عيناها يرى ما تحدث به نفسها، سهل عليه للغاية أن يتركها لحديثها وحريتها أو أن يخرسها كما كان يفعل في لمح البصر فلا تستطيع النظر إليه وسؤاله مرة أخرى ولكنه للأسف لا يريد ذلك، فقط يريد أن يكون ما تحب وما تريد وتهوى لذا قال مجيبًا عليها بجدية وصدق:
-أيوه كبير.. كبير الجزيرة والبلد كلها يا زينة، اللي حصل المرة دي مش بسببي أنا ولا ليا يد فيه علشان تبصيلي كده وترمي عليا اتهامات من تاني
سألته متحيرة في أمره وأمر ما حدث وهو مازال هنا، كيف إن كان حديثه صحيح:
-اومال عايزني أعمل ايه
أمسك بيدها برفق يتعمق داخل عيناه يقول تلك الكلمات التي يعلم أنها ستجعلها تصمت بعد أن تنهد بصوت مرتفع:
-عايزك تفهمي أن كل حاجه مشيت قانوني ومش قانوني من بتاعي لأ قانوني من بتاعك أنتي وأنا هنا علشان لازم أكون هنا
تابعت بشك أكثر ولكن في نفس الوقت تستشعر الصدق في حديثه فنظرت إلى يده التي تتمسك بيدها والأخرى جواره فسألته مشيرة إليها:
-حصلك ايه
أجابها بهدوء دون اكتراث:
-اخدت فيها رصاصة بس بسيطة ومش مأثرة عليا
سألته ثانية وهي تنظر إلى رباطها الطبي:
-مين ربطهالك
-الدكتور
قالها بإيجاز ووجدته ينظر إليها بارهاق يزفر كلما سألته عن شيء ولكن في نفس الوقت يحاول مدارة ذلك وكل هذا وهي متغاضية تمامًا عن اعترافه لها بالحب فلا تريد أن تنجرف معه دون التعمق في حقيقة ما يفعله..
وعلى ذكر ذلك التي أتى على عقلها بدلًا من أن تقول أنها ستخلد للنوم وأن يفعل ذلك هو أيضًا مثل الجميع في القصر ولكنها خيبت ظنه بنظرتها المتعمقة نحوه تقول:
-أنت كنت عايز تقولي ايه قبل ما يحصل اللي حصل ده
ضغط على يدها بين يده، من خلال عيناه أرسل إليها لهفة أتت على حين غرة، أرسل لها شغف كان خامدًا اهتاج على ذكرها لحديثه، لأول مرة يشعر بأنه شغوف ناحيتة امرأة إلى هذه الدرجة..
خرج صوته رخيم هادئ:
-كنت عايز أقولك إني بحبك.. ومحتاجلك معايا
ابتلعت لعابها محركة أهدابها بكثرة تحاول الهرب بعينيها بعيدًا عنه، قالت بعد وقت جاهدت به أن يخرج صوتها متزنًا:
-كنت هتقول حاجه تانية
أومأ برأسه يؤكد حديثها قائلًا بهدوء:
-خليها لأوانها
ساقها فضولها إلى ما الذي كان سيعترف به إليها وشعرت أنه كان خطير للغاية أم مهم أكثر من قوله أنه مغرم بها فقالت بنفاذ صبر:
-أوانها كان امبارح يا جبل.. قولي
مرة أخرى يضغط على يدها يهتف برجاء وصوت حاني:
-لأول مرة هقولك علشان خاطري... علشان خاطري متمشيش ورا فضولك وأنا هقولك كل حاجه في الوقت المناسب
تعلقت بعيناه ودق قلبها نابضًا بعنف وقوة عندما استشعرت شيء سيجعلها سعيدة تنال الفرصة الأخيرة المحبة إلى أن تعود امرأة معها رجل مثله وقالت متسائلة بلهفة:
-حاجه هتريح قلبي؟
أومأ برأسه مؤكدًا مبتسمًا بارهاق:
-هتريحه يا زينة
ابتسمت باتساع بعدما قال كلمتين فقط ولكن أثر سمعهما لا مثيل له وكأن قلبها من الأساس ارتاح ومكث في موضعه داخل قفصها الصدري مطمئن تاركًا خوفه جانبًا بعد أن لمح لها بما تريد
ابتلع غصة وقفت بجوفه ونظر إليها بعمق خائف متردد:
-لو قولتلك اللي عايزة تعرفيه هتفضلي معايا
حركت رأسها للأمام تقول بصدق وهي حقًا بكل جوارحها تود أن تنال الفرصة لتبقى معه بعد أن دق قلبها إليه:
-أنا قررت والله خلاص إني هفضل معاك.. أنا عايزة ابقى معاك بأرادتي أنت لسه مشوفتش ده فيا؟
أجابها بهدوء:
-شوفته بس بكدب نفسي علشان عارفك
اتسعت ابتسامتها وهي التي تضغط على يده تطمئن قلبه بعد أن فعل المثل معها وما كان منها إلا أن ترده إليه قائلة بحب:
-مش هسيبك
رفع يده إلى وجنتها يحركها عليها بحنان ورفق، ينظر إلى سوداوية عينيها مباشرة تغوص معه في سحر عينيه الخضراء الذي لم تدركه إلا منذ فترة قصيرة، فلم تكن عيناه إلا شيء مخيف بالنسبة إليها..
أقترب منها على الفراش يتوق للمستها أكثر من هذا فأرجع يده للخلف لتتغلغل في خصلات شعرها تجذبها نحوه بهدوء وشغف..
هبطت بعينيها للأسفل عندما وجدت وجهه أمامها مباشرة لا يفصل بينهما شيء تستنشق أنفاسه اللاهثة وتشعر بمدى رغبته نحوها..
مال عليها ليقطف قبلة رقيقة، لأول مرة، لأول مرة بينهم بذلك الرضا والحب، لأول مرة تكون قبلة شغوفه مفعمه بالحيوية الممزوجه بالغرام الذي دفعهم للإقتراب أكثر والطمع في الأعمق من هذا
فصل قبلته التي دامت لحظات طويلة وأنفاسه تتسارع بعنف ولهفة، جسده يحترق من اقترابها الذي بحيره وكأنها تريده ولا تريده، نظرتها الخجولة نحوه كأنها وردة لأول مرة تتفتح ويراها البستاني..
دفعها للخلف برفق وهدوء ليتبعها مقررًا أن بعد حرب خسر بها الكثير واستنزفت من دمائه يكافئ نفسه بلحظات أكثر رومانسية لأول مرة بينهم وهي واعية تعلم ما الذي تفعله..
يأخذها بين يديه ليشعرها أنها المرأة الأولى والأخيرة بحياته، ولتبادله وكأنه أول رجل ولج إلى حياتها وتعيش معه لأول مرة مشاعر كثيرة مختلفة تداهمها بقوة وشراسة وهي بين يديه.. وقد كان هذا صحيحًا فهي قد نسيت كل هذا عندما قررت أن تكون أم فقط ولم تهتاج هذه المشاعر مرة أخرى داخلها إلا على يده..
أنفاس لاهثة بينهما ومشاعر مفعمة بالحب والغرام مليئة بالرغبة واللذة اهتاجت بينهم متناثرة في الغرفة بعد لحظة فراق كانت فاصلة بحياتهم لتبقى هذه أولى ذكرى وأول رحلة يغوصان فيها سويًا بذلك الرضا وتلك الإرادة المميتة في التكملة للوصول إلى ذروة العشق لينال منها ما يجعله سعيد إلى الحد الكافي يبادلها ما ينسيها ما عاشته سابقًا إن كانت متذكرة..
عزيزي دعني أخبرك عن قصة رجل شرقي شامخ رأى امرأة حرة فعزم على ترويضها متخليًا عن كل مبادئه ليأتي بها دمية بين يده يحركها بين أصابعه كما يشاء، دعني أخبرك عن قصة قاتل، قتل كل مشاعره إلا حبه لها، محي كل ذكرى غرام سابقة من عقله ليحي ذكراها، عزيزي، دعني أخبرك عن قصة سارق، وعد أن يسرق قلبها إن كان بالحب أو بالقسوة ليوفي بوعده مفتخرًا فلم يكن حب أو قسوة فقد كان أعلى مراتب الحب ألا وهو الجنون..
أتى الدور على قصة امرأة بعد الاستماع إلى قصة رجل لا مثيل له، لا بالمظهر أو بالشخصية، لا بنبرة صوته الغليظة الرجولية.. والهادئة الحانية..
امرأة عاشت أهم سنوات عمرها في خديعة مُرة، حطمت فؤداها، رفضت الإقتراب ورفضت الحب والغرام، وقفت شرسة قوية، عافرت للوصول إلى المبتغى مدافعة عن كل ما يخصها لتقف أمام ذئب بشري لم تطول في مجابهتها له حيث أنها باتت بين يديه.. في يوم ليلة!..
امرأة مع كل حقيقة تقع أمامها تتغير ناحيته فتراه ليس ذئب بل بشر، ثم رجل، ثم طفل يبكي بين زوايا أحضانها متخفي من دمار قلبه الشامل، تاركًا قسوة عقله بعيدًا عنه مجردًا من أفكاره معها لترى نفسها كوالدته، يتوجب عليها أن تعود به إلى الطريق الصحيح.. فلم يكن من بعدها إلا رجل عاقل تسير معه في دروب الحب، على الرغم من ذلك كانت متأكدة أن هناك شيء لم يكتمل بعد.. خيط ناقص وحقيقة مخفية..
❈-❈-❈
أصبح الوضع أكثر هدوءا بعد فترة، وتم السيطرة على كل شيء، كثف الحراسة في كافة أنحاء الجزيرة، مداخلها ومخارجها، لم يعطي الأمان لأي شخص يخون الجميع عدا من فدوه بأرواحهم وعدا أهل الجزيرة..
كل ما تم تخريبة أثناء تلك الحرب الدامية قام بإصلاحه، إلى أن عاد الوضع طبيعي كما السابق وأفضل ولكن إلى الآن عقله مشغول بذلك "طاهر" الذي لم ينشغل به يومًا لأنه كان على علم بآخر ما يستطيع فعله إلى أن خيب ظنه بمساعدة الخائن "جلال".. الآن لا يستطيع أن يصل إلى طريقه بعدما كان يراه نكره لا يريد العثور عليه..
علم الجميع بخبر وفاة "جلال" ولم يحزن عليه أحد، وكان من المفترض أن لا يحزن أحد إلا "فرح" ولكنها لم يرف لها جفن، لم تحزن عليه ولم تتذكره من الأساس، لم تهبط من عينيها دمعة واحدة بعدما استفاقت مما فعلته بنفسها وبعائلتها على يده ذلك الحقير الخائن لم ينل إلا ما يستحقه..
شعرت أنه هو من دفعها لفعل كل ذلك وهي الغبية التي كانت متعطشة لعلاقه تقهر قلب "عاصم" بها ولم تقهر قلب أحد سواها..
وقفت "إسراء" في حديقة القصر تتحدث مع صديقتها عبر الهاتف وكانت هذه أول مرة تهبط إلى الأسفل بعد أن أذنت لها شقيقتها، أغلقت الهاتف بعد وقت وهو يقف على بعد قريب منها يتابعها بعيناي متعطشة مشتاقة إلى أبعد حد..
أحرقه صدره بتلك اللهفة الغريبة وأكلت النيران ما بقي منه شوقًا للقرب منها والنظر داخل عينيها الساحرة، وجدها تعود ذاهبة إلى القصر فركض بخطوات واسعة ليجذبها بعيدًا قليلًا يقف أمامها بنظرات ملهوفة غرامية..
خرج صوته الأجش قائلًا بحدة يتخللها الحب واشتياقه هو الذي يدفعه نحوها:
-ممكن أعرف بتتهربي مني ليه
نظرت إلى ذراعها القابض عليه بين يده بشدة فعادت بعينيها إليها متصنعة الحدة التي لا تليق بها تهتف:
-أبعد لو سمحت
ترك يدها وكرر مستغربًا مسلطًا عينيه عليها باستغراب:
-لو سمحت!
وضعت يدها الإثنين أمام صدرها ووقفت تنظر إلى البعيد فلا تستطيع الصمود أمام نظرة عينيه التي تحتويها بكل حب:
-عايز ايه يا عاصم
تحرك بجسده قليلًا ليقف أمام وجهها الذي أشاحته بعيدًا عنه قائلًا بصدق مضيقًا عينيه عليها قاطبًا جبينه:
-عايزك، قسمًا بالله ما عايز غيرك
داهمت عيناه بقوة عينيها الزرقاء، تخلل الضعف نظرتها واهتز بدنها أثر نظرته ولكنها حاولت التماسك قائلة:
-أنت مصدق اللي بتقوله
ضيق ما بين حاجبيه أكثر وعاد للخلف ينظر إليها بقوة مستغربًا حديثها الذي لم يكن هكذا في السابق بل كانت تأمن له بكل حديثه وأيضًا اعترفت بحبها له:
-هو أنتي مكدباني
أومأت برأسها قائلة بحدة:
-أيوه
أشار بيده في الهواء متسائلًا عن السبب ثم أشار إلى نفسه راجيًا إياها بلهفة وعشقه الكبير لها الذي يتخلل روحه يدفعه نحوها رغمًا عنه:
-ليه طيب.. قوليلي ايه يثبتلك صدق كلامي وهعمله فورًا
أبصرته بقوة ووقفت ثابتة فباغتته بعنف:
-قولي أنت بتشتغل ايه
قال بهدوء مجيبًا إياها:
-بشتغل مع جبل
حركت زاوية شفتيها بسخرية ناظرة إليه بتهكم وعادت السؤال مرة أخرى:
-بتشتغل مع جبل ايه
نظر إليها باستغراب وما كاد إلا يتحدث لكنها قاطعته قائلة بخيبة أمل مترقرقة الدموع في عينيها:
-بتشتغل في السـ ـلاح؟ بتـ ـقتل الناس
صعق عندما استمع إلى حديثها، وقف ينظر إليها يتابعها بحدة وغرابة، كيف علمت ذلك؟ من تفوه لها بهذا الحديث، أقترب منها يقبض على يدها متسائلًا بحدة:
-مين قالك الكلام ده
جذبت يدها منه بعنف عندما شعرت بتغيره المفاجئ نحوها وصاحت أمامه:
-مش مهم مين قالي المهم إني عرفت
رأى أن قطته أصبح لها أظافر تخربش بها ولم تجد إلا هو لتجرب عليه مخالبها، زفر حانقًا وقال:
-أنتي فاهمه غلط
سألته بجدية منتظرة حقا أن تأخذ منه إجابة تجعلها تلقي بها في وجه شقيقتها وتلقي حديثها عرض الحائط:
-طيب ايه الصح
توتر وهو ينظر بعيدًا عنها يحرك عينيه في الفراغ يردف بجدية:
-أنا.. أنا مش هقدر أقولك حاجه بس قسمًا بالله أنا بحبك
رقت ملامحها، عادت تلك الوديعة الرقيقة، اعتدلت في وقفتها وأدلت إليه باعترافها بنبرة خافتة حزينة:
-وأنا كمان بحبك يا عاصم
وجدته يبتسم وتتسع ابتسامته وقعت عليه الكلمات لتسكر بدنه ولكنها لم تجعله يدلف إلى تلك الحالة بل صاحت بجدية:
-بس مستحيل أكمل مع واحد شغلته أنه يقـ ـتل الناس
أشار إلى نفسه ينفي حديثها بضراوة:
-أنا مش بقـ ـتل حد صدقيني.. فهميني عرفتي الكلام ده منين
أجابته بهدوء:
-من زينة أختي
استرسلت في الحديث مكملة:
-قالتلي إنك أنت وجبل شغالين كده مع بعض
وقف صامتًا للحظات بعدما علم كيف أتاها ذلك الخبر، أتى تفكيره صحيح أنها لن توافق عليه ليكون شريك حياة شقيقتها ولكنه والله يقتلها ويأخذها رغمًا عن الجميع.. أبعد هذه الأفكار سريعًا عن عقله عندما وجدها تنظر إليه باستغراب تتابع ملامحه المتغيرة..
سألها بنبرة حانية:
-أنتي بتثقي فيا صح؟
أومأت برأسها قائلة:
-أيوه بثق فيك
أكمل بجدية بعدما لم يجد شيء يقوله لها كي تفهم أنه ليس ذلك الشخص البشع، حتى وإن كان يكذب ولكنه لن يتركها تذهب من بين يديه بسبب أشياء كهذه:
-طيب ممكن تديني فرصة أفهمك كل حاجه.. بس مش دلوقتي ممكن؟
نظر إليها برجاء فأومأت إليه بضعف بعد أن رق قلبها ناحيته فلا تريد أن يحترق قلبها أكثر من ذلك بعد أن اعتادت على وجوده معها في كل وقت..
ستعطيه تلك الفرصة التي يطلبها كي تعطي نفسها هي الأخرى وتعطي علاقتهم معًا، لا تريدها أن تخرب بهذه الطريقة أن كان عنده تبرير فلتنتظر لتأخذه منه ولن تتركه هو..
سألها بلهفة:
-هتكلميني؟
ردت قائلة وهي تتجه بعينيها إلى البعيد:
-هحاول
ابتسم وهو يراها تتهرب منه هاتفًا بصوت أجش رخيم:
-هستناكي تكلميني.. وحشتيني
كانت هذه البريئة حالة خاصة، فريدة من نوعها، لا تفقه شيء ولم تتصدى لمدفع سابقًا، هناك من يدير حياتها يسار نعم يمين مُجاب، رقيقة كالفراشة وديعة كالقطة، محبة كعصفور طائر يغرد بسلام.. عينيها بحر أو سماء أما تغوص أو تغوص، ملامحها تناديك إلى الأعمق تجذبك بسحر خاص بها يفتنك لتصبح عاشق ولهان.. فتهيم بها عشقًا دون أن تدري ما هي مميزاتها!..
تابعها بعيناه الحادة التي تلين لها فقط، شفتي غليطة طيلة الوقت لا يخرج منها الحديث إلا على هيئة صراخ حاد يتبدل حالها عند رؤيتها فيتحول الحديث إلى كلمات خافتة حانية تخرج بهدوء ورفق تربت على مسامعها بحنو، يقف أمامها بجسده الصلب فارع الطول الذي يكاد يبتلعها في كل مرة تقف أمامه ولكنه لا يلين ولا ينحني إلا لها كي تشعر أنه يتحول إلى ما تحب في الوقت الذي تحب لتبتادله ما تحب..
❈-❈-❈
في حديقة القصر، يجلس "جبل" على مقعد وبجواره "عاصم"، شاب فارع الطول وعريض المنكبين يبدو في الثلاثون من عمره، يقف أمامه كأنه أمام القاضي ينتظر حكمه، بجواره رجلان تخطوا سن الخمسون، فتاة صغيرة لم تتخطى الخامسة عشر عامًا جالسة بجوار سيدة كبيرة..
رفع "جبل" بصره إلى الشاب لينظر إليه بحدة قائلًا بغلظة وصوت خشن:
-أنت عارف قوانين الجزيرة.. البنت قبل ما تتم العشرين سنة ملهاش جواز، اللي عملته ده تمرد؟
رفع عيناه السوداء لينظر إليه بملامحه الحادة ليس افتعال منه بل كانت هي هكذا على طبيعتها يًشير عليها بيده قائلًا بصوت هادئ:
-يا جبل بيه هي عفيه قدامك أهي.. عندها خمستاشر سنه وأبوها وأهلها موافقين ايه المانع
وضع "جبل" يده أسفل ذقنه في تلك الحركة المعتادة له ونظر إليه بسخرية ثم سأله متهكمًا ضاربًا حديثه عرض الحائط:
-أنت عندك كام سنة
أجابه وهو يطرق رأسه إلى الأسفل خجلًا من نفسه ولكنه مازال يعارض:
-خمسة وتلاتين
أعاد سؤاله الخاص بها وهو ينظر إليه:
-وهي كام
أجابه ومازال ينظر إلى الأسفل بضجر وانزعاج:
-خمستاشر
استنكر أجابته على أسئلته فهناك فرق شاسع بينهم، عشرون عام؟ كيف هو يتخطاهم وهيبط بتفكيره إليها أو يتحكم بعنفوان جسده وضخامته وكيف هي تصعد بتفكيرها إليه وتتعامل معه:
-يعني لو كنت اتجوزت بدري كنت خلفت قدها.. مش عيب عليك لما تتجوز واحده في سن ولادك، مش فاهم أنا.. فهماك إزاي؟ وبتتعامل مع الهلف اللي قدامي ده إزاي
أشار إليها مرة أخرى يرفع رأسه إليه متأكدًا من حديثه الذي يقوله:
-يا جبل بيه ماهي قدامك أهي في أحسن حال.. اسألها
نظر إليه "جبل" بسخرية يُجيب على حديثه بسخط:
-لأ ماهو باين عليها.. بس أنا وصلني أنها كانت رافضة هي وأمها الجوازة.. دي طفلة يا بجم
لكنه أومأ إليه موافقًا على حديثه قبل أن يستمع رده ليتجه إليها يسألها وعيناه معلقة على طفلة صغيرة محرج من نفسه لأنها تخيلها زوجة!:
-قوليلي يا شاطرة.. ايه اللي حصل
كانت تخفض رأسها إلى الأرضية وهي تستمع إلى حديثهم، عندما وجه الحديث إليها رفعت رأسها تنظر إليه محاولة انتهاز الفرصة للهرب من واقع مرير تعيش به مع وحش لا يرحم وعائلة لا تغفر، طلبات لا تنتهي وألم لا يزول.. وقع كبيرهم أمامها كالمنقذ الوحيد فلن تجعله يفلت من يدها..
حاولت تجميل صورة والدها وهي تضغط على يدها تقول بتوتر وقلق خوفًا من أن يصيبه مكروه على يده:
-أبويا مكنش عارف يصرف علينا علشان إحنا كتير، أنا وأخواتي خمسه والأكبر مني صبيان، طلعني من المدرسة وجوزني علشان الحمل يخف عليه
سألها بجدية مضيقًا عينيه عليها:
-أنتي كنتي موافقة
عقبت بهدوء وهي تبتعد برأسها إلى والدها الذي كان ينظر إليها بأسى:
-لأ أنا قولت لأبويا أنا كمان هشتغل بس هو موافقش
عاد يسألها وهو يُشير إلى زوجها:
-أنتي مرتاحه مع جوزك
أجابته سريعًا بالنفي دون التفكير حتى:
-لأ
نظر إليه بحدة وعنف وقد كذب حديثه الذي كان واثق منه فأخفض الآخر رأسه يبتعد بعيناه عنه، فعاد جبل إليها مرة أخرى يسألها:
-ليه
على الرغم من أنها فتاة صغيرة لا تفقه شيء إلا أن تلك المدة التي قضتها معه جعلتها صبية كبيرة لاقت بها قدر كبير من الألم الذي اوجع قلبها وبدنها بالكامل وقابلت كثير من الأمور التي لم تستطع التعامل معها فقابلها بالضرب المبرح:
-أما بيطلب مني حاجه معرفش أعملها بيضربني، وأمه كمان بتضربني وبيخليني أعمل حاجات عفشه بس أمي قالتلي أنه علشان جوزي عادي
نظر إلى زوجها بغلظة وقسوة شديدة، طبيعي للغاية أن يكون هناك أشياء لا تفقها كيف وهي طفلة! ولما تتقابل بالضرب منه ومن والدته؟ سيذوق ما ذوقها إياه ولكن صبرًا..
نظر إلى والدها قائلًا بجدية:
-أنت علشان مش عارف تصرف عليهم جوزتها؟
كان الرجل يخرج من عيناه نظرات الحزن والألم، يقف يرتجف أمامه خوفًا مما سيفعله به لأنه كان على علم بتلك القوانين وقد كسرها ظنًا منه أن "جبل" لن يصله الخبر.. قال بخفوت وضعف:
-يا جبل بيه جواز البنات سترة
تحدث "عاصم" ينظر إليه باستهزاء بعدما استنكر حديثه ولكن في نفس الوقت شعر بخوفه وقلة حيلته:
-مش لما تبقى من البنات ياعم الحج، دي عيلة صغيرة قد بناته
ترقرقت الدموع بعيناه وهو يقول مبررًا:
-يابني بتي واعية وعارفه كل حاجه وعفيه
سأله "عاصم" بجدية مضيقًا عيناه عليه ولم يقتنع بحديثه:
-يعني أنا يا حج لما اتجوز واحدة اتجوزها قد دي
أومأ إليه الرجل برأسه بالايجاب قائلًا بصوتٍ جاد:
-اللي ترتاحله وتريده أنت
هب "جبل" واقفًا صارخًا به بعنف وقسوة يُشير إليه بيده بهمجية وقد فارت دمائه بسبب ذلك الحديث الأحمق:
-واللي هي ترتاحله ايه؟ مش موجود في حساباتك
حاول والدها التحدث وهو يُشير إليه بيده ليتحدث:
-يا جبل بيه اسمعني
نظر إليه "جبل" بجدية وصرامة وتحرك أمامه ليقف شامخًا قائلًا بفتور:
-أنا عارف إنك مش ملاحق تصرف على ولادك بسبب ابنك المريض بس أنا مقصرتش مع حد فيكم ولما حد بيقصدني مش برجعه خايب ده غير إن كل واحد فيكم بيوصله اللي هو عايزة وزيادة
أخفض الرجل رأسه إلى الأرضية خجلًا بعد حديثه الصادق، لم يقوى على الرد فصمت بضعف وقلة حيلة ليكمل جبل وهو يستدير ينظر إلى زوجها:
-انتهى الكلام، أظن قوانين جبل العامري محدش بيكسرها ولا يتعدى عليها في الجزيرة واللي بيعمل كده بيبقى عارف أنه ليه عقاب
أكمل حديثه مسترسلًا بقوة وصوت عالي حاد:
-الجزيرة ليها قوانين هنمشي عليها العمر كله.. جواز البنات قبل العشرين مش هيحصل طول منا موجود وضيف عليهم لو أكبر منها بعشر سنين ويوم مش هتتجوزه
سخر منه وهو يُشير إليه من أسفل قدميه إلى أعلى رأسه يقول بتهكم وسخط، منزعجُا مما فعله ذلك الغبي:
-بص لنفسك وأفهم.. وأنت عندك عشرين سنة كانت هي لسه بتتولد.. راجل إزاي أنت تفهمك وتوصل لتفكيرك إزاي! تحزن لحزنك وتفرح لفرحك إزاي دي آخرها تجيب ليها فشار وتشغلها فيلم كرتون
تقدم والده للأمام قليلًا خوفًا على ولده ليقول سريعًا متسائلًا بارتجاف:
-اللي تؤمر بيه يا جبل بيه
أشار إلى الشاب بجدية وقسوة يخرج صوته بنبرة صارمة لا نقاش بعدها:
-هيتم الطلاق النهاردة وتبقى تتجوز بعدين واحدة تناسبك وهي تستنى لما تتم السن أحسن ما تموت على ايدك
أكمل ناظرًا إليهم يحرك عينيه عليهما هما الاثنين تخرج الكلمات منه بتهديد واضح:
-وبعد ما تعملوا كده.. ترجعوا هنا تاني، مش هبعت معاكم حد ولا هغصبكم على حاجه أنا عارفه أنك أنت وهو هترجعوا وإلا مش هيحصل كويس
صرخ بشراسة عندما رأى كل منهما ينظر إلى الأرضية دون إجابة:
-مفهوم
أجاب الجميع في صوت واحد:
-مفهوم يا جبل بيه
أبتعد عنهم يفسح إليهم الطريق مردفًا بصوت جاد واثق:
-اللي يكسر قوانين جزيرة العامري.. لازم يتحاسب
أشار إليهم بالذهاب فتقدم أحد الحراس يصتحبهم للخارج، ذهب الرجال وخلفهم الفتاة الصغيرة المتشبثه في يد والدتها، رأت عيناه تلك الفرحة التي ظهرت فجأة على وجهها وهي تقف للرحيل، استشعر مدى حزنها وصمتها المتألم أثناء جلستها ورأى السعادة الخالصة وهي تنظر إلى زوجها نظرة غريبة لم يفهم معناها ولم تمر عليه سابقًا، ولكن يبدو أنه قام بفعل شيء رائع أسعدها إلى الحد الذي جعلها وهي راحلة تستدير تبصره بابتسامة ممتنة!..
كيف لفتاة في الخامسة عشر من عمرها لم تذهب حتى إلى سن المراهقة تكون زوجة لرجل في الخامس والثلاثون من عمره؟ كيف لأهل أن يوافقون على فعل ذلك؟ كيف يتخيل الرجل أنه سيكون سعيد مع فتاة بعمر ابنته! تفهم ما يحزنه وما يسعده؟ تفهم ما يريده وما يبغاه؟ تفهم ما يريده منها كرجل؟ أي عقل وأي دين هذا!..
كانت زينة تقف في الأعلى ككل مرة يجلس هو بين الناس هنا يحكم بالعدل بينهم، تنظر إليه بحب لا تدري متى أصاب قلبها ناحيته، تتابع حركاته بتمعن تحفظ كل ما يصدر عنه وهو حكيم محب، عاقل ينصف الضعيف ويرد للمظلوم حقه..
والله إلى الآن تحتار في تكوينه، مشتت ذهنها بين ذاك الجبل الذي ارغمها على كل شيء وهذا الجبل الذي يقف أمامها ولكن بعد أن طمئن قلبها بأنه سيعترف بما تريد أن تستمع إليه، استكانت وتركت لقلبها العنان في التحليق معه في سماء حبه إليها..
والحقيقة الصادمة أنه في الأيام المنصرمة كان حقًا مُحب، رقيق في حديثه ومشاعره، حنون في تصرفاته نحوها يغير كل حرف كُتب عنه داخل عقلها وقد كان ما أراده..
ما علمته عن زوجها الراحل ساعدها في أن تنزع تلك الأصفاد الحديدية التي أحاطت بها قلبها ليعبر عن طريق ممر اسمه الحب يدلف بكل أريحية تتقابل معه في محطة الغرام تاركة نفسها إليه.. متعمقة معه بكل جوارحها مستغربة كيف للهوى أن يجعل مشاعرها جياشة في كل لحظة تراه لها وكأنها أول مرة لها..
لكن هذه المرة كانت مختلفة للغاية، عبرت معه كل طرق المشاعر إن كانت قسوة أو لين كره أو حب، كل شعور وعكسه لاذت به بجواره فأصبح قربها منه فريد من نوعه، وكل لحظة تمر بينهما تكن غريبة كليًا عليها تشعر بها لأول مرة..
دلفت من الشرفة لتنظر إليه بعدما ولج إلى الغرفة، تقدم منها مبتسمًا ليقف أمامها محيطًا إياها بذراعيه يقربها منه قائلًا بشغف:
-وحشتيني
إلى الآن لم تعترف له أنها تحبه بل اعترفت داخلها بعد أن شعرت بما يقدمه إليها من مشاعر صادقة في الأيام المنصرمة، وقال لها أيضًا أنه ليس الرجل الذي يهتف كل لحظة والأخرى بكلمات الغرام بل هو جاد للغاية ولا يليق به هذا.. لكنه يتغير دون الشعور، ما يدفعه لفعل ذلك شيء عفوي للغاية ليخرج منه قليل من الكلمات تعبر عن واحد بالمئة مما يشعر به نحوها..
دفعته ببطء وهدوء للخلف تبتعد عنه قائلة بابتسامة تفصله عما كان يريد:
-هروح الحمام وجاية
شعر بالضجر وهو يبتعد عنها ناظرًا إليها بمكر ومشاكسة:
-اتفضلي.. كده كده جاية
ابتسمت بخجل وسارت إلى المرحاض فتقدم من الشرفة ليغلق بابها ثم عاد جالسًا في مكانها على الفراش رافعًا قدمه اليمنى على اليسرى ينزع حذائه عنه، ثم فعل المثل بالأخرى ومال للخلف يدفع بالوسادة بعيد كي ينام على ظهره متسطحًا منتظرًا إياها..
حرك رأسه على الفراش ليرى علبة دواء كانت أسفل الوسادة عندما أبعدها ظهرت أمامه، عاد جالسًا مرة أخرى متصلب الجسد يأخذ العلبة بين يديه ينظر إليها بصدمة تامة، اشتعلت النيران داخل صدره الذي أخذ يتنفس دون انتظام ونظرته على ما بين يديه قوية شرسة يخرج منها الشرار..
استمع إليها تغلق باب المرحاض فوقف مستديرًا لها ينظر إليها بحدة وغلظة، استغربت نظرته نحوها فأرسلت له علامات الاستفهام وهي تتقدم منه ليرفع أمامها ما بين يده يسألها بقسوة ونبرة خشنة:
-الحبوب دي بتعمل ايه عندك
تهكم ساخرًا يصيبها بعينيه المخيفة:
-مش حبوب منع الحمل بردو
وقفت مكانها عندما رفعه أمامها، لم تفعل شيء خاطئ ولكن نظرته نحوها وذلك الإنذار الذي دوى بأذنها جعل الرجفة تلقي بنفسها عليها لتصبح في سائر جسدها تبادلة النظرات ولكن غير خاصته تمامًا بل كانت نظرات مدهوشة خائفة، متوترة من القادم عليها منه بعدما علم بأمر ما تخفيه عنه..
❈-❈-❈
"يُتبع"
"رواية سجينة جبل العامري"
"للكاتبة ندا حسن"
أنا حاسه كده إني مدلعاكم بفصول طويلة؟😂🤭
رواية سجينة جبل العامري الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندا حسن
"دقت طبول الحرب والحب"
ابتلعت غصة تشكلت بحلقها وهي تناظر عيناه بقوة لم تستطيع أن تُجيب عليه وهو ينظر إليها فقط فاعتقدت إنها عادت معه مرةً أخرى إلى بداية الطريق بعدما وصلوا سويًا إلى نقطة المنتصف، تقدم منها عندما وجدها تقف تنظر إليه بهذه الطريقة دون أن تنبث بكلمةٍ حتى!
أقترب من موضعها ليقف أمامها رافعًا الأقراص أمام وجهها هاتفًا بقوة وينظر إليها بتمعن شديد:
-أنتي بتاخدي الحبوب دي؟
ازدرد ريقها بصعوبة تبلل شفتيها بطرف لسانها تنظر إليه بقوة ثم أردفت بإرتباك وإيماءة:
-أيوة
ضيق عينيه مُردفًا بتساؤل وهو يقترب أكثر:
-ليه؟
عادت للخلف بتوتر ترتجف بشدة من اقترابه منها بهذه الطريقة ونظرة عيناه المحدقة بها بشدة لم تفهم معناها لتقول بثباتٍ مصطنع:
-كده يا جبل.. ده قراري
نهرها بحدة غير مُصدقًا ما وقع على مسامعه من قولها التي أعطاه غير أهمية بحياتها:
-لأ مش قرارك.. أنا جوزك لو هتخلفي فـ زي ما أنتي هتبقي الأم أنا الأب ولا هو اللى هيجي جاي بالاشعار
استنكرت حديثه باشمئزاز فتحدثت بإمتعاضٍ:
-ايه الهبل اللي بتقوله ده
قطب جبينه بتساؤل وعاد يقف امامها مُشيرًا بسبابته نحو صدره ومازالت الأقراص بيديه:
-هبل؟ أنا كلامي هبل من أي إتجاه إن شاءلله
أكمل مسترسلًا بجدية:
-مش أنا إللي بشاركك اللي بيحصل ولو خلفتي طفل مني هبقى أنا أبوه؟
اجفلت بعينيها ثم نظرت إليه مُستشعرة حدته في الحديث كأنه يعنفها على فعلتها الشنيعة فتحدثت بنبرة هادئة بعض الشيء:
-مش قصدي كده
سألها مضيقًا عينيه:
-اومال قصدك إيه؟
تنهدت مبتعدة عنه بضيق وأجابت:
-جبل أنا قررت إني مش هخلف منك على الأقل لفترة معينة
جذبها من رسغها بقوة لتتلاقي الأعيُن قائلًا بإحتدام:
-القرار ده مش بتاعك لوحدك علشان تاخديه، أنا لازم أوافق عليه أو موافقش.. طالما أنتي مراتي ووافقتي إنك تفضلي معايا وبادلتيني نفس الشعور يبقى من حقي أعرف وأوافق أو أرفض
سألته بلا مُبالاة:
-وأنت هترفض ليه؟
ترك يدها يرمقها بحدة لحديثها اللاذع:
-علشان من حقي يبقالي طفل زي ما أنتي ليكي الحق إنك أم
وقفت معتدلة تناظرهُ بذهول بعد حديثه بإستنكار بما تفوه به مستطردة بطريقة هجومية:
-أنت معتبر وعد بنتي لوحدي؟
بدى كَ رجلٌ عاقل، مثقف وحكيم لأول ومرة تراه هكذا، كأنه مستكمل مسيرته الدراسية حقًا! يقف يتحدث بهدوء على الرغم من أنها اعتقدت أن هناك حرب ستنشب بينهم تتابعه فتحدث بإيجاز:
-لأ أنا مقولتش كده.. وعد بنتي أنا كمان بس حتى اللي مخلف واحد بيبقى عايز التاني، فملهاش علاقة بعتبرها ولا لأ ولما تخلفي ليا مرة هبقى عايز تاني
بترت حديثه قائلة بجدية لإنهاء هذا النقاش الحاد:
-أنا مش هخلف دلوقتي يا جبل
جذبها مرة أخرى واحتدت نبرته أكثر وهو يراها لا تدعمه بقراره بتاتًا، بل تريد أن تفعل ما ترغب به دون اللجوء له:
-محتاج أفهم ليه؟. مش خلاص اتنازلتي عن خروجك من الجزيرة وطلبتي ده بنفسك وطلبتي تكملي معايا ولا هو جواز لحين إشعار آخر؟
حررت يدها من قبضته القوية بصعوبة قائلة بضجر:
-جبل أنت مش فاهمني ارجوك أفهم
زفر الهواء من رئتيه محاولًا الهدوء قليلًا قبل أن تفتك بها، يحمل العديد والعديد بطياته كي يكون على هذا الوضع الهادئ فلا يستطيع فعلها بسهولة بالأخص أنها راوغت معه في الحديث:
-فهميني
تنهدت بعمق وهدوء تبادله ما يفعله ولكنها تدرك جيدًا بإنها على حق والقرار خاص بها وحدها فقالت بتوجس:
-أنا لحد دلوقتي بردو معرفش أنت بتعمل ايه؟.. قولتلي آه هتريحني لكن لسه معرفش وأنا مش هربط نفسي بطفل منك إلا لو اطمنت فعلًا وعرفت الحقيقة فين
استنكر كلمة واحدة خرجت من شفتيها ووقعت على مسامعه لتكن كالنشاز فصاح بها:
-تربطي نفسك؟ لأ أنتي خلاص بقيتي ملكي يا زينة مش محتاجه عيل يربطك بيا
اغتاظت من بروده لتصيح بعصبية فارطة تشير بيدها نحوه:
-أنا مش ملك حد .. أنا حرة
صاح مقتربًا بهمجية حتى بات الحديث بينهم يهدئ تارةٍ ويشتعل تارةٍ أخرى:
-لأ مش حرة
عادت للخلف أكثر لتستند إلى الحائط بظهرها فاقترب هو الأخر يحاوطها بجسده يناظر وجهها وكافة ملامحها قائلا بعمق:
-أنتي مراتي.. ملكي وكل حاجه فيكي ملكي أفكارك بقى تصرفاتك كلامك جسمك شكلك.. كل حاجه ملكي ومش هتنازل عنها بسهولة... إلا لو خونتيني
دفعته كي يتزحزح قليلًا لتستطيع النظر إليه ترفع وجهها إليه باستغراب شديد تسألت:
-خونتك! ايه اللي بتقوله ده؟
أقترب مرة أخرى قائلًا بإزدراء:
-أنا مقصدش الخيانة اللي جت في دماغك.. اللي تتجوز جبل العامري متعرفش تشوف راجل تاني غيره.. بس الخيانة أنواع
صرخت حينما ضغط عليها بذلك الحديث الشرس، ترك كل شيء وتحدث في شيء آخر من المستحيل فعله!
-أنا قولتلك قبل كده أنا مش غدارة ولا بتاعت خيانة
تابعها بشك مضيقًا عينيه:
-أنتي اتعصبتي ليه.. إحنا بنتكلم
تفوهت بجدية ضارية:
-علشان كلامك وحش.. وبعدين نرجع لموضوعنا أنا مش هخلف منك غير لما أعرف عنك كل حاجة
أومأ برأسه مؤكدًا حديثها الغير لائق:
-حقك.. بس أنا مش موافق وهتوقفي الحبوب دي يا زينة.. سمعتي؟
سألته بقوة مستنكرة:
-أنا ايه يجبرني وبعدين ما أنت بتقول حقك أهو
تنهد بصوت مرتفع وهو حقًا لا يستطيع التمهُل أكثر فخرج صوته بنفاذٍ صبر:
-اللي يجبرك إني جوزك وليا حق الاختيار زيك بالظبط وأنتي اختارتي ونفذتي لوحدك وأنا جه دوري..
تنهد مرة أخرى وهو يراها تنظر إليه بعصبية وغضب لا يروق لها حديثه فتحدث بجدية ينبهها بهدوء:
-صدقيني أنا مش كده.. أنا بحاول اتغير علشانك، فبلاش أنتي يا زينة واسمعي الكلام
كرمشت ملامح وجهها وظهر الأسى عليها لتقول بقلق وانزعاج من ضغطه عليها بهذه الطريقة:
-صدقني أنت أنا مش هقدر أخاطر بالطريقة دي.. جبل أنا حياتي معاك مش مستقرة أصلًا كفاية وعد أنا حاطه أيدي على قلبي وهي معايا هنا
رد بجدية متفهم حديثها:
-أنا أقدر احميكم كويس واظن إني عملت كده
حاولت أن تستعطفه ناحيتها وهي تقول بنبرة راجية:
-علشان خاطري أسمع كلامي..
اعتدل بوقفه وقال بصوت جاد لا يحتمل النقاش وبصرامة واضحة:
-ممنوع تاخدي من الحبوب دي تاني.. جبتيها منين أصلًا
أجابته بضجر واستياء:
-من الصيدلية هيكون منين يعني
سألها مضيقًا عينيه عليها:
-معاكي غيره؟
أجابته بهدوء وصدق:
-لأ
ابتسم ساخرًا تحدث بخبث:
-كويس.. لو عرفتي تجبيه تاني هخليكي تاخدي منه
نظرت إليه بضيق شديد قائله بانزعاج:
-أنت مستفز
أجابها ضاحكًا بمكر يشاكسها:
-عارف
دفعها للخلف لتستند إلى الحائط مرة أخرى يقترب منها ينحني عليها بجسده يحاوط خصرها بيده الاثنين ضاغطًا عليه بقوة يقربها منه يقطف قبلة عنيفة حادة من شفتيها الوردية، يضغط عليها بأسنانه الحادة ينفث عن غضبه منها الذي كبته داخله وحاول أن يتحدث معها بالهدوء واللين ولكن الأمر لا يحتمل..
رفعت يدها إلى صدره تحاول دفعه إلى الخلف عندما ألمتها شفتيها بقوة لا تستطيع الإبتعاد عنه لا إلى الخلف أو الأمام يحكم قبضته عليها بضراوة لتآن بين شفتيه بألم فخفف من حدة معها يقبلها بهدوء وتروي يقلل من حدة قبضته على خصرها ينعم بتلك اللذة التي تجعل مشاعره هوجاء بطريقة لا توصف...
اشتعلت النيران داخله يود القرب منها في الحال مطالبًا بالمزيد فجذبها من خصرها ناحيته يتجه بها نحو الفراش وهو لا يستطيع أن يفصل القبلة التي جعلته لا يشعر بشيء إلا مذاقها الرائع ينل من عسلها ذو الطعم الفاخر يستنشق أنفاسها اللاهثة بحب..
دفعها على الفراش وعندما جلست فاصلًا القبلة يقترب منها دفعته هي بقوة تمسح على شفتيها لاهثة بعنف تحاول ضبط أنفاسها التي بقيت داخلها بسبب قبلته الطويلة التي أدمت شفتيها...
نظرت إليه بقوة وضجر على الرغم من أن حالها ليس أفضل منه تطلب المزيد لتنعم بأفضل شعور جواره.. أردفت بحدة غير متناسية موضوعهما الأساسي:
-جبل ده مش نقاش أنت محتاج تفهمني
جلس جوارها محاولًا دفعها للخلف يتحدث بصوت أجش ومشاعره مسيطرة عليه:
-وأنتي كمان محتاجه تفهميني يا غزال.. صدقيني أنا هقدر احميكم وأنتي عارفه كده كويس بس بتعملي حجه، وكمان متقلقيش مني أنا هريحك
أقترب أكثر منها يجذب وجهها إليه بكف العريض ناظرًا إليها برجاء وعيناه تطالب منها الخضوع إليه والموافقة دون صراخ وحدة بينهم ليهتف برفق ممزوج بعشقها:
-أنا نفسي من زمان أخلف، بس بقيت ملهوف عليه أكتر منك أنتي.. متقفيش في وش الحاجه اللي هتقربني منك أكتر
أومأت إليه برأسها بهدوء بعدما شعرت بحاجته القوة إليها وإلى قطعة منها تنظر إلى عيناه بهدوء فأرسل إليها مراسيل الغرام والهوى، أقترب أكثر عندما وجدها تومأ بالإيجاب مبتسمًا شاعرًا بالرضا التام ليدفعها على الفراش يقترب منها قائلًا بخشونة:
-زينة.. أنا بحاول ابقى حد تاني معاكي، بحاول أمسح من ذاكرتك اللي عملته فيكي.. ساعديني يا زينة أنا بحبك
أكمل بترجي لا يدري كيف وصل إليه بهذه السهولة:
-أنا آه حبيتك علشان أنتي حرة واللي خلاني عايزك إنك معارضة ومش خاضعة بس أنا أحب تبقي خاضعة ليا أنا بس.. بلاش تقفي قصادي فهماني يا غزال؟
أومأت إليه بهدوء ورفق، تذكرت أنه قال لها سابقًا أنه حقًا يحب الخاضعة ولا يحب المتسلطة الواثقة تلك القوية التي أمامه كما يقول عنها القادرة.. ولكنها أيضًا لا تحب أن ترى نفسها تلك الضعيفة بين يديه.. تريد دومًا أن تكون القوية الحرة التي لا تروض وهو يريد أن يبدلها إلى أخرى تروق له هو فقط حتى وإن كانت لن تروق إلى نفسها..
أومأت إليه إذًا وافقت، وافقت على أن تخسر ما وعدته به؟ وعدته أنها لن تروض، ليست للترويض ستظل حرة إلى الأبد وأبعد ما يكون عما يريد.. هل غيرها الهوى إلى هذه الدرجة لتتخلى عن حديثها الواثق الصارم..
هل يفعل الهوى كل ذلك مع رجل كهذا فريد من نوعه..
عبث بها وهو يحرك يده عليها بحرية تامة يقترب منها ليقطف قبلة أخرى من وردة شفتيها مستمتعًا أكثر بتلذذ مغمضًا عينيه كمثلها يتحكم هو بزمام الأمور برغبة ضارية تضرب جسده ونشوة جنون الحب تحركه نحوها لينعم بلحظات لم يمر بها بحياته يجعلها تشعر أكثر منه أنه الأول بحياتها.. وأنه الأخير
الكثير من الوقت مر وهو يغوص معها في بحر الغرام ملتهمًا كل موجة ثائرة تتحرك نحوهما يطفو فوق سطح اللذة طارة ويغوص بها إلى الرغبة المشتعلة تارة أخرى يمرر شعوره عليها بحنو ورفق يستلذ بكل ما يأخذه منها مشتهيًا الأكثر شاعرًا باهتياج ضاري كلما نال المزيد..
استمع إلى رنين هاتفه الذي تغاضى عنه لأكثر من مرة ولكنه لا يصمت فابتعد عنها بضجر وانزعاج يميل إلى الأرضية بجسده وهو نائمًا على الفراش ليلتقط بنطاله يخرج منه هاتفه ينظر إلى شاشته فوجد المتصل "عاصم"
أجاب عليه بانزعاج لحظة واحدة وأغلق الهاتف زافرًا باستياء وضيق، ترك الهاتف جانبًا ليعود ينظر إليها وجدها ابتعدت إلى آخر نقطة بالفراش تعطيه ظهرها خجلة منه فابتسم بانتشاء ويروقه كثيرًا ما تمر به معه وكأنه الأول ولأول مرة تجرب كل هذا..
جذبها ناحيته لينظر إلى وجهها المتورد وعينيها التي أغلقتها فقال بمكر وهو يضغط على خصرها أسفل الغطاء:
-هنزل خمس دقايق أشوف الناس دي.. وجايلك اوعي تنامي
لم تجب عليه وظلت صامته فأمسك بطرف الغطاء يحاول رفعه للأعلى لتشعر به ففتحت عينيها على اخرهما باتساع تجذبه منه تخفي جسدها عنه صائحة:
-أنت قليل الأدب بجد
تجرأت وسبته بعصبية وضيق، لو فعلتها في وقت سابق لكان أخفى جسدها من على الأرضية بأكملها ولكنها الآن.. حبيبته يحق لها أن تفعل ما تريد..
أومأ إليها ضاحكًا بمزاح:
-عارف
أبتعد تاركًا الفراش ليجلس على طرفه يلتقط سرواله وبنطاله يرتديهما ثم التقط القميص يرتدي إياه هو الآخر ثم الحذاء ووقف على قدميه يهندم ملابسه وخصلاته أمام المرآة وعاد يأخذ هاتفه ناظرًا إليها بخبث ومكر فبادتله النظرة بقلق وهي تتمسك بالغطاء جيدًا تشعر بالغدر قادم منه
أمسك بالأقراص الخاصة بها أيضًا لينظر إليها قليلًا ثم رفع وجهه إليها بهدوء وبراءة يقول برفق وهو يمد يده إليها بهما:
-خدي يا زينة، لو لسه مش مقتنعة بكلامي اعملي اللي يريحك
نظرت إليه باستغراب تام ولكنها رفعت يدها لتأخذ منه الأقراص فلم يعطي إليها الفرصة لتمد يدها وسبقها بيده يجذب الغطاء من عليها يلقيه بعيدًا ليستمع إلى صراخها الحاد وهي تسبه بعنف ينظر إلى جسدها الظاهر أمامه بسخاء:
-يا حيوان يا زبالة أنت بجد خبيث
ارتفعت ضحكاته لتملئ الغرفة محدثة جلجلة كبيرة وهو ينظر إليها يلتهم جسدها بعينيه الخضراء الماكرة يبتعد إلى الباب يخرج منه ولكنها جذبت الغطاء سريعًا تعود تضعه على جسدها ثم أمسكت بوسادته تلقيها عليه بعنف..
من حسن حظه كان يستدير لينظر إليها يكيدها بما فعله فوجدها تلقيها عليه ببراعة التقطها وقام بإعادتها إليها مرة أخرى بعنف لترتضم برأسها بقوة فصاحت بانزعاج أكبر:
-يا حــيــوان
تركها وخرج من الغرفة وضحكاته العالية ترتفع في أنحاء القصر الجميع يستمع إليها يشعر بسعادة لا توصف وكأنه لم يجرب طعم السعادة من قبل، يغوص بحبها وبالقرب منها لا يريد تركها، عشقها ينبض بقلبه بكثرة كل يوم يزداد عن ذي قبل وكأنها مرض لا دواء له ينتشر في أنحاء الجسد بسرعة وسهولة..
هبط إلى الأسفل تاركًا إياها تحيط نفسها بالغطاء تنظر إلى الفراغ مبتسمة بسعادة كمثله بالضبط وكأن ما حدث لها على يده كان مُقدر وكُتب لها من قبل أن تأتي إلى الجزيرة ليكون هو عوضها عن ذلك الحرمان الذي شعرت به تعوض نفسها بحضن دافئ وسند لا يميل يستند عليه الكثير والكثير.. تعوض نفسها بمن تميل عليه وتلقي بنفسها بداخله ليشعرها أنها ذلك الضعف وهو القوة التي تستمدها منه..
لحظات جنود عقلها المتربصين لها يلقون عليها أسئلة عبثية من تلك التي تهدم الفرحة والملذات، كيف تناست زوجها الراحل!؟ لا تدري حقًا والله لا تدري ولكنها إلى آخر دقيقة كانت تحبه ولا تحب غيره، أخلصت له بعد وفاته لكثير من السنوات ولكنه هو الذي غدر بها واحتل حياتها معه بما حرمه الله ولا تدري إلى الآن ما كان يقدمه إليها من مشاعر صادقة أو كاذبة ولكن لا تستطيع أن تشكك بهذا..
قلبها كيف أحب جبل أيضًا لا تدري ولكنه رجل فريد من نوعه ومختلف للغاية عن كافة الرجال الذي عرفتهم وعرضوا عليها الزواج، الغموض الذي كان عليه يجذبها نحوه والذي مازال، الغرور والعنجهية، الحكمة والعدل الذي يتحلى بهما، أيضًا الإجرام والقتل.. كل شيء به جذبها إلى أن وجدت نفسها تحبه وتعترف بذلك بسهولة.. فإن كان هذا حلال الله لما تترك ضميرها يأنبها؟ لما لا تعيش ما فقدته لكثير، فـ "يونس" رحل وهي باقية.. ستأخذ الفرصة من فك الأسد.. ستعيش شبابها وحياتها مع الرجل الذي أحبته وكأنها لأول مرة تحب وتعشق.. وكأن ما عاشته مع "يونس" لم يكن حب.. إنه مع "جبل" كامل الاختلاف..
تبسمت تعود للخلف وهي تتذكر كيف كان يعبر لها عن كونها جميلة حد اللعنة، تصيبه بالجنون وتجعله لا يريد تركها أبدًا.. يشعرها بأنوثتها التي حبستها ولم تخرجها إلا على يده.. وستطلق العنان لكل شيء بها لتعيش السعادة معه بكل جوارحها وفي أقرب فرصة ستعترف له بحبها.. ولكن ليعترف هو بما يخفيه أولًا..
❈-❈-❈
"بعد مرور بضعة أيام"
سار "جبل" إلى الخارج يتقدم من بوابة القصر ومعه شاب يبدو في مثل عمره، سلم عليه بحفاوة وهو يودعه إلى الخارج تاركًا معه أحد الحراس حتى يخرجه من الجزيرة..
عاد مرة أخرى مبتسمًا تقدم من غرفة الحرس الذي كان بها "عاصم" ليدلف إليه ينظر إليه نظرة ذات مغزى..
وقف عاصم شامخًا ثم سأله بجدية:
-الظابط مشي؟
أومأ إليه برأسه ومازالت تلك الابتسامة الغريبة على محياه، خرج صوت بخشونة:
-أيوة مشي
سأله "عاصم" مجددًا:
-كويس.. في معلومات عنده جديدة؟
ولج "جبل" ليجلس على المقعد بالداخل ورفع بصره إلى "عاصم" يستكمل حديثه:
-تعرف يا عاصم أننا من غيره ولا حاجه، أهو ده الوحيد اللي بيعرف يخلص لينا كل شغلنا
انحنى إلى الأرضية ثم عاد مرة أخرى إليه هاتفًا بمكر ونظرته خبيثة:
-وعلشان كده هو طلب مني حاجه وأنا وافقت عليها
اعتدل "عاصم" ليقف مستقيمًا ينظر إليه مستنكرًا هاتفًا باستغراب:
-حاجه؟.. حاجه ايه
أجابه ببساطة وهدوء فائق:
-جواز.. عايز يتجوز واحدة من القصر وأنا أكيد مش هلاقي أحسن من الظابط ده علشان أرفضه
أبتعد "عاصم" مبتسمًا متجهًا إلى الطاولة ليعد كوبان من الشاي لهما يقول ببساطة هو الآخر مبتسمًا:
-وترفضه ليه ياعم خير البر عاجله.. طلب مين بقى
استمع إلى صوت جبل الخبيث:
-شوف أنت
استدار ينظر إليه وهو يمسك بالأكواب مستغربًا حديثه ليقول متسائلًا هو الآخر:
-فرح؟ ولا تمارا
وضع جبل قدم فوق الأخرى وهو ينظر إليه بعمق يبعث إليه كلمات وانذارات خبيثة ليقول بنبرة ماكرة مفتعلًا صوت بفمه:
-تؤ ولا دي ولا دي
ابتسم "عاصم" ساخرًا بقوة يقول بتهكم:
-اومال مراتك
انتفض في جلسته يبعد قدمه عن الأخرى ليصرخ في وجهه بعصبية محذرًا إياه:
-ولا.. اظبط نفسك في ايه
عاد مرة أخرى يعد الشاي وهو يقول بهدوء غير مهتم بما يقوله من الأساس:
-مش أنت اللي بتقول ولا دي ولا دي.. مافيش غير مراتك
ابتسم جبل وهو يقول بسخرية خبيثة ماكرة ليعبث به:
-لأ فيه
ترك الكوب من يده ثانيةً وعاد ليقف مستقيمًا ناظرًا إليه بقوة وعمق بعد أن اخترق حديثه عقله ولم تكن تأتي على خلده من الأساس وكأنها ليست من سكان القصر..
اخترق اسمها أذنه بعد أن تفوه به "جبل" بسهولة:
-اسراء
انتفخت عروقه بشدة واهتاج جسده ليشيح بيده بعنف وعصبية بعد أن تحركت مشاعره بالغضب المميت ولم يستطع السيطرة عليها ليصرخ بصوت عال:
-بقولك ايه اظبط أنت قسمًا بالله اهدلك القصر على اللي فيه أنت بتقول ايه
عمل "جبل" على اغاظته أكثر وهو يقول بجدية ساخرًا:
-طب الله وكيل لايق عليها أكتر منك
أقترب منه يُشيح بيده في الهواء بهمجية يخرج صوته بخشونة وغلظة صائحًا:
-لايق على مين ياعم ده مرتشي
باغته "جبل" بابتسامة عريضة وهو يقول بتهكم:
-بس ظابط
صرخ "عاصم" مجددًا بعنف وقسوة:
-هو ايه اللي ظابط ظابط ياعم ده مش ظابط نفسه
تحرك في الغرفة بهمجية شديدة وملامح وجهه مشدودة بحدة وعروقه نافرة ليقول بنبرة حادة يتخللها الحزن الشديد:
-جبل الموضوع ده مش للهزار علشان تبقى فاهم
أكمل بحدة غير مصدقًا لما قاله بعد أن فكر به قليلًا:
-وبعدين هو شافها فين علشان يطلبها.. أنت كداب
ضرب "جبل" بكف يده على فخذه صائحًا مجيبًا عليه بقوة ونبرة واثقة كاتمًا ضحكاته الذي يود إخراجها:
-الله وكيل شافها مرتين وطلبها مني النهاردة وأنا مش بكدب عليك
اعتدل في جلسته يقول بجدية:
-وأنا وافقت
أعمته غيرته، لم يصبح يرى أمامه من شدة الغضب والغيرة التي دلفت إلى قلبه لتسحقه بقوة تفتت كل إنش به، تقدم منه في لمحة خاطفة ليجذبه من تلابيب ملابسه يقف أمامه صارخًا به بقسوة:
-وافقت يبقى اتجوزه أنت.. تعرف تعملها دي
ابتسم ببرود وغيظ وأردف بلا مبالاة ليجعله يستشيط غيظًا:
-تؤ هي اللي هتتجوزه
شدد من قبضته على تلابيب ملابسه ليقول أمام وجهه بعنف ونظرته نحوه كاره للغاية:
-أنت مين قالك أنها هتوافق
تبسم إليه أكثر وعاد يقول ببرود مجددًا:
-أصل مراتي ولية أمرها وهي رفضاك وموافقة على الظابط
سبه بعصبية شديدة وتأججت النيران داخل صدره خوفًا من أن يحدث ما يتفوه به، ولكنه لن يسمح بذلك مهما حدث حتى وإن هدم المعبد على من فيه:
-أبوك على أبو مراتك جبل قسمًا بالله اهد الدنيا عليكم ومش هيهمني حد
دفعه للخلف بحدة عندما توجه بحديثه إلى نقطة محظورة قائلًا بعنف وقسوة:
-احترم نفسك الأول علشان ممدش أيدي عليك
ضرب "عاصم" على الطاولة بيده وهو في حالة ثوران ليست طبيعية فغيرته أشعلت النيران لتندلع داخله بضراوة وليس هناك شيء يخمدها:
-قسمًا بالله اخطفها وأطلع من أم الجزيرة دي ومش هخلي حد فيكم يلمح طيفها وأنت عارف أنا كفيل بيها
عاد "جبل" ليجلس مرة أخرى يهتف بضجر:
-طب بس بس بلاش خيابة
ذهب ليجلس جواره، نظر إلى الفارغ أمامه في أرضية الغرفة وتحدث بعفوية بنبرة صوت هادئة تخرج من قلبه إلى مسامع الآخر:
-دي خيابة.. أنا بحبها، بحبها ايه أنا مجنون بيها أنا بحلم بيها وأنا نايم وأنا صاحي.. أنا حتى مش عارف ده حصل امتى وإزاي دي عيلة صغيرة بريئة متنفعنيش بس.. بس أنا عايزها
نظر إليه مستغربًا مما بدر منه في لحظة وهو يجلس قليل الحيلة ينظر في الفراغ يتحدث بحب ولهفة لم يراه لها سابقًا ليخرج صوته يسأله:
-للدرجة دي
هتف وهو على نفس الوضع وعقله لا يكف عن التفكير بها والخوف مما قاله "جبل".. الخوف من أن توافق هي لأجل حديث شقيقتها:
-وأكتر... وأكتر بكتير
تفوه "جبل" بجدية وهو يربت على كتفه بعدما استشعر الصدق المبالغ به في نبرته:
-صعبت عليا.. أنا هفكر في الموضوع ده
نظر إليه "عاصم بعيون" متعطشة للمساعدة، أو لنيل ما أراده، خرج صوته متلهفًا:
-يا صاحبي.. علشان خاطري ساعدني، جبل أنا أول مرة أطلب منك حاجه ومش هتنازل عنها سواء ساعدتني أو لأ
تحدث "جبل" بضجر وانزعاج:
-ما خلاص بقى اخرس.. خلينا نفكر في شغلنا أحسن
هب واقفًا بعصبية صارخًا به يسبه هو وعمله:
-يا عم ما يولع الشغل... يولع
زفر بنفاذ صبر يًشير إليه أن يجلس مرة أخرى قائلًا بجدية:
-عاصم قولتلك خلاص أقعد بقى عايزك
جلس "عاصم" على مضض يستمع إلى حديث جبل ولكنه لا يفكر به، يدلف من الناحية اليمنى ويخرج من اليسرى، يفكر بها، عقله منشغل بها هي ولا يستطيع حتى التركيز في أي شيء آخر، ما قاله له "جبل" أشعل النيران داخله بضراوة ونفرت عروقه منه من كثرة الغضب والتفكير فيما قد يحدث..
غيرته خرجت عن السيطرة وهو يفكر في ذلك الحقير الذي أراد الزواج منها، يتوعد له أن أتى هنا مرة أخرى لن يخرج إلا محمولًا على الأكتاف كي يستطيع بعد ذلك رفع بصره إلى النساء جيدًا..
لن يجعل ذلك يحدث، لن يتركها لأي شخص آخر غيره وإن طلب الأمر أن يقـ ـتل شقيقتها ويأخذها عنوة عن الجميع.. لقد وصل حبها في قلبه إلى مرحلة الجنون.. لا يريد تركها ولن يبتعد عنها لن يتركها إلا وهي زوجة له تنام بين أحضانه ينعم بها على فراشه.. وسيكون هذا في القريب العاجل..
يتحدث جبل جواره وهو يشتعل من الغيرة واللهفة لرؤيتها وتحطيم قدميها التي ساقتها إلى أن تتوجه ناحية ذلك الغريب..
يشعر وكأن قلبه وعقله قارب كل منهما على الإنفجار.. حقًا ليس هناك ذرة صبر واحدة ينعم بها في جسده بل كل ما يشعر به هو العصبية والفوران الشديد كأنه بركان قاربت فواهته على الإنفجار وإخراج كل ما بها ليدمر الأخضر واليابس..
❈-❈-❈
كانت "زينة" في غرفتهم تخرج ملابسهم من الخزانة وتعيد ترتيبهم مرة أخرى بحب أكبر وابتسامة سعيدة مرتسمة على شفتيها تأتي لتقتحم ما بها كلما تذكرت لحظاتها معه في الآونة الأخيرة..
وقع ملف أوراق من الخزانة وهي تجذب ملابسه منها ليستقر على الأرضية، نظرت إليه بعينيها وتركت الملابس جانبًا لتهبط إلى الأرضية تأخذه بين يديها تجلس على الفراش لتفتحه وفضولها يجذبها نحو ما به
لم تفهم ما محتوى الأوراق هذه ولكن هناك ورقة كان بها رسمة غريبة تحتوي على أسماء كثيرة ربما كانت استمعت عن بعضهم من هؤلاء ذو القيمة والقامة في الدولة..
تركتهم جانبًا عندما استغرقت وقتًا طويلًا تحاول فهم ما بهم ليقع بيدها صورة غريبة للغاية..
كان هو بها يقف مبتسمًا باتساع وكأنه كان ضاحكًا بقوة يكبت ضحكته، على جانبيه اثنان من رجال الشرطة مرتدين الزي الرسمي مبتسمين بسعادة مثله وأكثر
رفعت وجهها لتنظر في الفراغ أمامها وبدأت مرة أخرى مرحلة التفكير التي كانت قد تخلصت منها منذ فترة..
عبثت بها خيوط عقلها التي تفكر بها، لما هو هنا في هذه الصورة بهذا الشكل مع هؤلاء! رجال شرطة!؟ كيف هو ورجال الشرطة سويًا كيف!؟
وقفت خيوط عقلها ووقف عقلها كليًا عن التفكير فحقًا لا تدري ما الذي ممكن أن تستنتجه من هذه الصورة وما الذي سيكون صحيح تشعر أنها من الأساس تعبث بأشياء لن تأتي لها بفائدة إلا عندما هو يعترف إليها بكل شيء.. أنها ترهق نفسها فقط ككل مرة فعلت بها هذا..
دلف هو الغرفة يغلق الباب خلفه وجدتها تجلس على الفراش بجوارها ملف أوراقه والصورة بيدها بينما هي تنظر في الفراغ..
تقدم إلى الداخل ليجذب منها الصورة بعنف قائلًا بصوت حاد غاضب:
-أنتي هتعقلي امتى يا زينة
زفر حانقًا وقد أتى بأخره معها ليهتف بنفاذ صبر:
-حتى بعد كل اللي قولته ليكي لسه بتدوري ورايا
وقفت بهدوء تتابع انفعاله الزائد عن حده ثم قالت بصدق ورفق:
-أنا مدورتش وراك المرة دي أنا كنت بعدل الهدوم في الدولاب والملف ده وقف من بين هدومك
أشار إليها بالأوراق بيده ساخرًا منها:
-وقع من بين هدومي زي الشاطرة تشيليه وتحطيه مكانه مش تقعدي تفتشي زي المفتش كرومبو
وضعت يدها الاثنين أمام صدرها لتقف بجدية قائلة:
-أنت ايه اللي مزعلك كده
ابصرها بعينان حادة للغاية، اشتعل الغضب داخله ووصل إلى ذروته بسبب أفعالها فقال بقسوة:
-زينة متستهبليش.. الله وكيل أنتي عايزة تجيبي أخري معاكي
وجدته حقًا منزعج من فعلتها فحاولت بلين:
-ممكن تهدأ شوية الموضوع مش مستاهل
خرج صوته بعنف وقسوة شديدة وهو يلقي الأوراق على الفراش وأردف قائلًا:
-لأ مستاهل بعد كده متمديش ايدك على حاجه تخصني أنتي سامعة ولا لأ.. المرة الجاية مش هتكلم معاكي صدقيني لأني جبت أخري من الحركات دي
زفرت بضجر وانزعاج هي الأخرى ووقفت بثبات تقول بعصبية مقررة أن تعلم كل شيء الآن:
-ماشي يا جبل وأنا دلوقتي حالًا محتاجه أفهم كل حاجه ومش هستنى تاني علشان ممدش أيدي على حاجتك بعد كده
تنهد بعمق ينظر إليها بنفاذ صبر يحاول أن يهدأ نفسه ليتحدث بجدية:
-أنا قولتلك هتعرفي كل حاجه في الوقت المناسب
احتدم النقاش بينهم عندما احتدت نبرتها وهي تقول بعصبية:
-وأنا عارفه إن الوقت المناسب بتاعك مش جاي دلوفتي أبدًا وعايزة أعرف دلوقتي حالًا كل حاجه
نظر إليها بعنف يخترق أعينها بنظراته قائلًا بخشونة:
-هو أنتي بتأمريني
ابتلعت ما وقف بحلقها لتجيبه بهدوء وثبات:
-لأ أنا مش بأمرك أنا بطلب منك أهو
أبتعد عنها متقدمًا للمرحاض مقررًا أن يتركها تفعل ما يحلو لها وأن يفعل هو أيضًا ما يحلو له ليقول ببرود ولا مبالاة:
-أنا مش هقول غير في الوقت اللي يناسبني يا زينة مش أنتي اللي هتمشيني على مزاجك
ارتفع صوتها بضجر تسير خلفه بعصبية:
-أنا كمان تعبت من إني ماشية على مزاجك زي الحمارة ومش فاهمه حاجه
استدار ينظر إليها نظرات ذات مغزى بعد أن استمع إلى حديثها وفهم المقصد منه خطأ، أردف بسخرية:
-لأ أنتي مش بتعملي كده لمزاجي أنا.. أنتي مبسوطة معايا
استنكرت حديثه محركة رأسها بقوة تقول:
-أنت مجنون أنا مش بتكلم في كده
وضعت يدها أمام صدرها مرة أخرى ووقفت بجسد متشنج تطالب بمعرفة كل شيء الآن ليخرج صوتها مرتفعًا:
-جبل أنا عايزة أفهم كل حاجه دلوقتي
أقترب منها بهمجية وعيناه لا تنذر بالخير نحوها أبدًا، أنه يحاول كثيرًا ولكنها لا تساعده:
-وطي صوتك
هدأت نبرتها ونظرت إلى الأرضية بحزن ثم رفعت بصرها إليه بأسى يظهر على كافة ملامحها تتحدث بنبرة هادئة:
-جبل أتكلم أنا مش هستنى أكتر من كده بجد كفاية أوي
قطب جبينه عليها عندما تحولت إلى هذا الضعف المميت الذي يروقه فزفر بهدوء محاولًا أن يمد نفسه بالصبر ثم سألها:
-عايزة تعرفي ايه
سألته بجدية:
-أنت بتشتغل ايه
قال ببرود ولا مبالاة:
-أنا مهنتي محامي
صرخت بعنف وارتفع صوتها مرة أخرى بسبب سخريته منها:
-جــبــل
ابتسم مستنكرًا انزعاجها... ألا تريد أن تعرف ما الذي يعمله ولكن على أي حال غير حديثه قائلًا:
-تاجر سلاح
ابتعدت عنه تزفر بضيق:
-يــوه
سار خلفها بهدوء، تنفس الصعداء وحاول ضبط أنفاسه ضاغطًا على نفسه ليقول برفق:
-عايزة ايه يا زينة
وقفت قبالته ورفعت يدها عليه برفق ولين لتنظر إلى عيناه المتعطشة لكل شعور هادئ منها وقالت بهدوء:
-ريحني يا جبل كفاية كده.. ولا أنت لسه مش واثق فيا
رفع يده الاثنين ليمسك بذراعيها يقربها منه بهدوء وحب، تغيرت ملامح وجهه مع تغير نبرته التي أصبحت شغوفه صادقة:
-لو مش واثق فيكي مكنتش خليتك معايا.. مكنتش قولتلك إني بحبك ورميت كل حياتي في حضنك يا زينة.. صدقيني أنا عايزك وبتغير علشانك
الحديث بينهم ليس له حد، لحظة عنيف ولحظة هادئ تارة محتدم وتارة محب، حديث عشوائي ككل مرة تدلف معه بنقاش لا تأخذ منه ما تريده ولكن هذه المرة ستسير معه في كل الدوائر التي يريدها إلى أن تصل إلى نقطة البداية والنهاية معًا
قالت بنبرة راجعية متلهفة للاستماع منه لكل ما تريد:
-ودي الحاجه الوحيدة اللي أنا عايزاها منك يا جبل علشان خاطري لو بتحبني زي ما بتقول.. فهمني
انخفض بجذعه قليلًا ليقبل وجنتها اليمنى قبلة سريعة محبة ثم قال بهدوء:
-كل حاجه في وقتها حلوة
صرخت بعنف وانزعاج شديد واحتل كيانها الغضب بسبب هذه المراوغة والسخرية وكل شيء إلا الجدية:
-جبل كـفـايـة
صرخ يبادلها هو الآخر تاركًا إياها مبتعدًا عنها ليخرج الحديث من داخل أعماقه وكل ما به مشتعلًا:
-عايزه ايه؟ أيوه أنا مش زفت على دماغ اللي جابك أنا بشتغل مع الحكومة
وقفت مدهوشه مما استمعت إليه منه، تنظر إليه بعينين متسعة مصدومة للغاية، لم يأتي على خلدها ولو مرة واحدة أن يكون هكذا حقًا!..
استنكرت بذهول ولم يرف لها جفن تنظر إليه فقط بصدمة:
-ايـه
مسح على وجهه بغضب لأنه تحدث بهذه السرعة وافشى ذلك السر الذي أخفاه لسنوات، سنوات كثيرة مضت ولم يعرف أحد ما يعمله من خلف الجميع في لمح البصر هو تحدث لها؟!.. أنها نقطة ضعف كبيرة للغاية في حياته
أمسك بجسدها بين يديه يحركها بعنف وقسوة قائلًا غاضبًا من نفسه:
-ايه.. مش ده اللي عايزة تعرفيه... مش هو ده
أكمل بقسوة أكبر وملامح وجهه عابثة للغاية:
-أنا مش عايز اسمع صوتك فاهمه.. مش عايز الموضوع ده يتفتح تاني
لم يدلف عقلها أي من كلماته فقد كل ما يشغل تفكيرها كيف!..:
-يعني ايه أنا لازم أفهم
صرخ بوجهها بعنف وعروق جسده ظاهره تضغط قبضة يداه على ذراعيها بقسوة:
-لأ متفهميش أنتي عرفتي اللي عايزة تعرفيه يبقى تخرسي يا زينة وكأنك معرفتيش حاجه أبدًا فاهمه
وجدها صامته لم تجيب عليه شعر بالغباء الشديد لأجل ما فعله، حرك عيناه على وجهها المصدوم مازالت تريد الحديث ولكنه لن يعطي إليها الفرصة هاتفًا بخشونة:
-زينة مافيش مخلوق من أهلي يعرف اللي قولته ليكي ده.. الله وكيل لو حد عرف ما هسمي عليكي وهنسى أي حاجه بينا فاهمه
حرك كتفيها بعنف صارخًا:
-ردي عليا يا زينة
أومأت إليه برأسها وهي تنظر إليه وتتابع ما يفعله، إلى هذه الدرجة الأمر خطير؟ قالت بتوتر:
-فاهمه
تابع عيناها برجاء خوفًا أن تتحدث مع أي أحد ولكنه تحدث بضجر وانزعاج:
-المهم إنك ارتاحتي وعرفتي.. أنا مش تاجر سلاح ولا نيلة أنا بشتغل مع الحكومة وفي تفاصيل كتير خلتني أعمل كده لكن أنا مش هقدر أتكلم دلوقتي ماشي يا زينة
أومأت برأسها مرة أخرى فتركها وأبتعد عنها يفكر في غبائه وتسرعه، كيف كان يريد الحديث معها والاعتراف لها بكل شيء وهو نادم الآن بشدة لأجل فقط أنه غضب وأفصح عن شيء واحد من الحقيقة الكاملة!..
كيف كان سيفعل!.
بينما هي جلست على الفراش على الرغم من أنها مصدومة للغاية، خائفة حد اللعنة ولكن السعادة تتخلل قلبها بضراوة، الفرحة الشديدة تخترق جسدها دون استأذان لترتسم الابتسامة على شفتيها دون إرادة منها..
أنه ليس ذلك القـ ـاتل.. ليس هو!.. ليس "جبل العامري" المتحكم في الجميع القاتل الجاني.. أنه العادل الحكيم المحب.. أنه هو الذي ساندته الجزيرة بأكملها عندما قارب على السقوم..
ما هذه الفرحة التي اختلجت كيانها! ليس وقت التفكير، ليس وقت تحليل أي شيء أو الإمساك بالخيوط وربطها ببعضها البعض أنه وقت شيء واحد.. إنه وقت الاعتراف!؟
وقفت على قدميها تذهب ناحيته تراه يقف حزينًا لأنه تحدث وتدري ما الذي يفكر به ولكنها كانت على عكسه تمامًا فقالت اسمه بشغف:
-جبل
رفع بصره إليها منتظرًا حديثها لتلقي عليه قنبلة تفجرت في غرفتهم وهبطت على مسامعه بدوران عقله وتفكيره:
-أنا بحبك
اخترقها بنظره غير مصدقًا ما تفوهت به ليقترب منها ببطء وهدوء ينظر إليها بشك ولكن الابتسامة على وجهها تقول غير ذلك، خرج صوته مبحوحًا:
-ده بجد
أومأت إليه برأسها بقوة عدة مرات متتالية ليقترب منها يأخذها في عناق حاد شاعرًا انه أمتلك الدنيا حقًا ليس نادمًا أنه تحدث إليها.. ليس نادمًا أبدًا ليته تحدث منذ وقت بعيد لتعترف إليه بتلك الكلمة الوحيدة التي خطفت روحه منه وهو يستمع إليها
لا شعور يوصف ولا كلمات تعبر عما يشعر به، أخذها بين ذراعيه محكمًا ضلوعها لترتفع قدميها عن الأرضية يحملها شاعرًا بالراحه الفريدة من نوعها التي لم يشعر بها يومًا يدق قلبه بعنف معلنًا فرحته القادمة والسعادة الأبدية التي سيشعر بها جوارها..
شعر بيدها تشتد من حول عنقه تجذبه إليها بقوة تخفي وجهها به وضربات قلبيهما تتعالى بقوة وتلك الأنفاس اللاهثة تعبر عن الضجة الخرافية التي حدثت لكلامها..
اخفضها على الفراش ناظرًاا إليها بشغف، عيناه الخضراء تلتمع ناحيتها بطريقة لا توصف ونظرته اتجاهها حانية فريدة، مرر يده على وجنتها قائلًا بصوت أجش:
-أنا أول مرة قلبي يدق بالشكل ده.. واجهت الموت كتير عمري ما حسيت بقلبي كده
حرك عيناه على كافة ملامحها بحب وهيام ليقول متسائلًا بعدم تصديق:
-زينة أنتي بتحبيني بجد؟
وضعت يدها الاثنين حول وجهه متبسمة قائلة بسعادة وصوت شغوف ملئ بالحيوية:
-والله العظيم بحبك
اخفض وجهه لحظة ليعود إليها مرة أخرى يسألها بخوف وتردد:
-سامحتيني على اللي عملته فيكي
حركت عيناها على وجهه الخائف ونظرته الراجية نحوها، استشعرت خوفه من أجابتها فتحدثت بهدوء:
-أنا سامحتك.. لكن منستش
تلهف يقول سريعًا بشغف وعشق:
-وعد من جبل العامري أنا هنسيكي كل اللي حصل، مش هخليكي تفتكري غير حبي ليكي وكل لحظة حلوة عشتها معاكي
ابتسمت باتساع لتحرك يدها على ملامحه قائلة بمرح:
-ما أنت بتعرف تقول كلام حلو أهو
ابتسم هو الآخر يبادلها وقلبه يخفق بجنون:
-الله وكيل عمري ما عرفت أقول كلام حلو غير ليكي.. بحاول علشانك
أومأت إليه برأسها قائلة بحنان:
-عارفة.. ومبسوطة
دفعها للخلف مقتربًا منها محطمًا كل أسوار التردد، نازعًا كل أسهم الخوف من قلبيهما، تقدم يزيح تلك الحواجز الذي وقفت بينهما فاليوم القلعة تحت أمره، تحت سطوة وحبه وعشقه.. الآن المملكة له وحده هو الملك وهي ملكته، ملكه الوحيد روحه ومبتغاه.. هي تلك الحرب التي خسر بها الجميع وفاز بها وحدها وكان مكتفيًا بها، يجمع غنائم الحب والعشق، ينال من الفرحة واللهفة ما يكفيه على مر السنين يخبئ بقلبه الشغف والحنين ليبقى لها وحدها.. يهيء لها قلبه ومشاعره ليليقوا بها وبحبها..
الآن ينال بمذاق حبها بالرضا التام، يأخذه ليذوب معه وهو بالقرب منها إلى أعمق حد فلا يوجد بعده أعمق من ذلك، ينال من العسل الصافي معها بالعشق والشغف، يناله بجنون متبادل لأول مرة.. جنون متبادل يطفو في الأفق ممزوجًا بآنات العشق والغرام.. يحلق عاليًا بلذة غريبة ورغبة متبادلة مشتعلة ببدن كليهما..
بعد مرور أكثر من ثلاث ساعات وقف جبل أمام المرآة بعد أن اغتسل وارتدى ملابسه يمشط خصلات شعره، نظر إليها من خلال المرأة وهي تخرج من المرحاض مرتدية ملابسها خجلًا منه..
ابتسم باتساع وأبتعد عن المرآة يتوجه ناحيتها يمسك بيده خصلات شعرها المُبتلة، قال بهدوء وشغف:
-تعرفي إن النهاردة أحسن يوم في حياتي.. وأحسن وقت قضيته في حضنك
ابتسمت بخجل تنظر إلى الأرضية ثم إليه قائلة بخفوت:
-أنا كمان أحسن وقت قضيته معاك النهاردة
تركها يتقدم ليأخذ هاتفه قائلًا:
-غزال.. والله غزال
قال بجدية وهو يعود إليها يأخذ قبلة سريعة من شفتيها:
-نامي أنتي أنا هتأخر بره
أومأت إليه برأسها بهدوء فذهب وتركها مغلقًا الباب من خلفه..
جلست على الفراش بهدوء تفكر في لحظات السعادة التي قضتها بصحبته، وأيضًا تفكر في لحظات القهر التي واجهتها على يده أول مرة دلفت بها هذه الغرفة وجلست على هذا الفراش.. ولكن القلب وما يريد ليس بيدها.. ليس بيدها أن تحبه وتبغى قربه منها بهذه الطريقة.. ولكنها قد حدثت نفسها سابقًا إن كان رجل يعمل بشيء غير قانوني ستدفن ذلك الحب وتقتله بيدها.. وإن كان رجل صالح ستعترف له وتعوض نفسها عن كل شقاء مرت به وتنعم بالأمان والاستقرار داخل أحضان رجل أحبته يكن لها الحماية والسند.. وهذا ما حدث لا عتاب عليها ولا حتى على قلبها إنها كما شاهدت قسوته وعنفه شاهدت لينه وضعفه..فلا عتاب حقًا
تمددت على الفراش تغمض عينيها براحة لا تنعم بها دائمًا فاستغلتها تشعر بها بسعادة خالصة..
بعد دقائق فتح باب الغرفة ببطء وهدوء لتظهر "تمارا" من خلفه بنظرات قوية حادة يملؤها الشر والحقد الدفين..
تدفعها غيرتها إلى الداخل تغلق الباب خلفها بهدوء تنظر إلى زينة النائمة على الفراش تعطي إليها ظهرها، تقدمت منها بكره وبغض لا نهاية له..
لتتوجه واقفة أمامها تنظر إليها بشر وكراهية تود التخلص منها بأسرع وقت لتعود إلى حياتها الطبيعية التي سلبتها منها..
وقفت أمام الفراش لتبتسم بخبث تأتي من خلف ظهرها بسكين حاد ترفعه بيدها إلى الأعلى ثم تفوهت بعنف وكره:
-الله يرحمك يا زينة
فتحت الأخرى عينيها باتساع عندما استمعت إلى همسات أحد جوارها فلم تكن دلفت بالنوم لتنصدم بالواقفة أمامها بملامح كارهه تبغضها ترتفع بالسكين بيدها لتهوى عليها بها..
ألا يجوز أن يفرح المرء ولو قليلًا!؟
❈-❈-❈
"يُتبع"
"رواية سجينة جبل العامري"
"للكاتبة ندا حسن"
حبايبنا اللي كانوا فاكرين جبل هيموت زينة علشان الحبوب.. اومال هنصدق إنه حبها إزاي بس وبيحاول يتغير علشانها😂
رواية سجينة جبل العامري الفصل العشرون 20 - بقلم ندا حسن
دلف "جبل" إلى غرفة الطعام حاملًا "وعد" على ذراعه، تحتضن عنقه بيدها الاثنتين. تسير جواره "زينة" مُبتسمة إلى ابنتها بحب وسعادة.
تبادلته الصغيرة فرحة بما قدمه إليها والدها من ألعاب أتى بها خصيصًا لأجلها هي فقط.
عندما دلفت الصغيرة إلى الغرفة، وقعت عيناها على جدتها، فحاولت أن تهبط من على ذراعه. انخفض إلى الأرضية ففعل، يتركها لتذهب ركضًا إلى جدتها تصرخ بسعادة وفرحة طفولية بحتة:
"تيته تيته شوفتي بابا جابلي ايه"
ابتسمت باستغراب واتسعت عيناها مفتعلة الصدمة، تُجيبها بحماس:
"لأ مشوفتش وريني جابلك ايه من ورايا"
فتحت ذراعيها إلى آخرهما تتحدث بسعادة والحماس يملأ نبرتها الطفولية:
"جابلي عروسه قد كده هتنام معايا على السرير، وجابلي لعبة مطبخ كبيرة أوي أكبر من اللي كانت عندي قبل ما نيجي هنا وحاجات تانية كتير"
سألتها مصطنعة الاستغراب وعدم التصديق:
"بجد كل ده"
أكدت وهي تؤما برأسها ثم قالت بحزن ويأس وهدأت نبرتها:
"أيوه.. بس هو مش فاضي ممكن أنتي تلعبي معايا بعد ما نفطر علشان إسراء مش بتلعب معايا وماما مع بابا على طول"
أشارت إلى "فرح" ابنتها بيدها وهي تقترح عليها مُبتسمة:
"طب ايه رأيك أنا وعمتو فرح نلعب معاكي"
نظرت "وعد" إلى "فرح" ثم عادت بعينيها إلى جدتها مرة أخرى لتسائلها برفق:
"عمتو فرح هتوافق؟"
أومأت إليها بالايجاب تُشير إليها بيدها قائلة بجدية:
"آه حتى اسأليها"
اليوم هو الأول لوجود "فرح" في الأسفل بينهم من جديد، بعد أن ألحت زينة كثيرًا على جبل أن يتركها لتعود للجلوس معهم. فقد نحف جسدها كثيرًا وظهر على وجهها ذلك الحزن الشديد الذي دلفت به وحالة الاكتئاب التي مرت بها ولا تستطيع الصمود أمامها.
أبعد "جبل" عيناه من على صغيرته إلى شقيقته "فرح" التي طعنته بظهره وكسرت قوته وأضاعت هيبته أمام الجميع. ولكنها في النهاية تبقى شقيقته. إن كان يريد أن ينهي كل ما فعلته من بداية الأمر إلى نهايته، فكان عليه قتلها ليمحي كل شيء. ولكن.. هي شقيقته، لن يستطيع فعلها مهما حدث. مع ذلك عقابه لها كان مستمرًا إلى أن أتت زوجته تلح عليه كثيرًا أن يتركها تخرج فقط من غرفتها لتشاركهم الجلسة، حتى لا تسوء حالتها أكثر. فهي قد فهمت وأدركت جيدًا ذلك الخطأ الذي وقعت به.
أقتربت منها تقول بهدوء وبراءة:
"هتلعبي معايا أنا وتيته"
أومأت برأسها وهي تقترب منها تنخفض إلى الأسفل تقبلها بنحو ورفق لأول مرة تستعمله معها:
"هعب معاكي طول الوقت"
أقتربت منها تحتضنها ببراءة شديدة والفرحة ترتسم على ملامحها، وكأنها تلمس أحد نجوم السماء بيديها الطفولية الصغيرة بعد أن أتى لها والدها بالألعاب ووجدت من يقوم بمبادلتها اللعب.
"طيب يلا ناكل علشان نلعب بسرعة"
كان "جبل" قد جلس منذ أن ولج إلى الغرفة يتابعها بعينين محبة شغوفة. ينظر إلى براءتها وطفولتها الحيوية الجميلة ونبرة صوتها الرقيقة المستغرب منها تمامًا. من أين أتت بها؟ والدتها ليست هكذا أبدًا.
ابتسم وهو يتابعها لتتقدم تقف جواره. فجلست "زينة" وأخذت "تمارا" مقعدها بجوار "فرح" و "وجيدة" بمحاذاة زوجته.
تحدثت "وجيدة" وهي تنظر إلى "زينة" تقول بصوت حاد ماكر:
"عملتي ايه في جبل يا زينة"
استدارت برأسها إليها بعد أن نظرت إليه هو باستغراب تسألها مُستنكرة:
"عملت ايه يا طنط؟ ولا حاجه"
رفضت والدته حديثها وهي تؤكد قائلة بصرامة:
"لأ عملتي"
تدخل "جبل" يبصر والدته بقوة قائلًا:
"عملت ايه يما.. مافيش حاجه"
استنكرت بخبث ومكر مفتعلة صوت بفمها تهتف مُبتسمة:
"أنت مش شايف وشك منور إزاي؟ ولا البدر المنور والضحكة مش بتفارقك"
وضع يده على يد "زينة" فوق الطاولة يضغط عليها قائلًا بهدوء وجدية موضحًا دون أن يفقد هيبته:
"عملت كل حاجه حلوة شبهها"
ابتسمت بسعادة غامرة تنظر إليه بشغف، تبادله ما يأتي إليها من نظراته بأسهم عيناه الخضراء. لتتسع ابتسامة والدته أكثر تنظر إليهم بحب قائلة بسعادة ثم أكملت حديثها بمغزى واضح:
"واضح يا حبيبي ما شاء الله جيت على ايد زينة ربنا يخليها لينا هي ووعد وتجبلنا ولي العهد"
أومأ إليها وهو يُشدد بيده على يدها وعقب واثقًا:
"قريب، قريب أوي إن شاء الله"
تحدثت "تمارا" بغبظ بعد أن انتفخت عروقها من كثرة الغضب والغيرة التي داهتمها وهي تستمع إلى حديثهم:
"مش هنفطر ولا ايه"
أبعدت "زينة" وجهها إليها ببرود تام ولا مبالاة مبتسمة بخبث يخرج صوتها بتشفي:
"ما تفطري يا حبيبتي هو حد منعك"
بادلتها بنظرات حارقة تنهشها الغيرة والحقد ناحيتها.
تسائلت "وجيدة" بجدية:
"أختك فين يا زينة"
أجابتها بهدوء:
"نايمة يا طنط لما تقوم تبقى تاكل"
أومأت إليها ثم شرعوا في تناول الطعام، ولكن "زينة" نظرت إلى ابنتها قائلة بهدوء:
"تعالي كلي يا وعد"
أومأت إليها برأسها بهدوء ورفق وتقدمت ذاهبه إلى الناحية الأخرى متقدمة بين "فرح" و "تمارا" تجذب كوب الماء من على الطاولة لترتشف منه على الرغم من أن هناك آخر قريب ولكنها لم تراه.
جذبته بيدها بهدوء ولكنها اهتزت وهي ترفعه ليقع من بين يديها منسكبًا على جسد "تمارا" يبلل ملابسها.
هبت واقفة بعصبية شديدة ووجها يتحول إلى اللون الأحمر لتصرخ بها بعنف:
"أنتي غبية يا بنتي ما قدامك الطفح هناك أهي"
تكونت العبرات بعين "وعد" وهي تبتعد للخلف خوفًا من ثورتها عليها لتقول بضعف:
"مقصدتش أنا آسفة"
صرخت بغضب أكبر تخرج كل ما كنه قلبها من غل وحقد تجاهها هي ووالدتها:
"آسفة ايه وزفت ايه على دماغك"
وقفت "زينة" هي الأخرى قبالتها بعصبية شديدة فلم تتحمل أن تعامل طفلتها بهذه الطريقة القاسية لأجل خطأ لم تقصده طفلة مثلها. خرج صوتها حاد بقوة وقسوة تنظر إليها بعصبية شديدة:
"أنتي اتجننتي بتتكلمي كده إزاي مع البنت قالتلك آسفة متقصدش"
رفعت "تمارا" وجهها إليها بغضب قائلة بضيق واستهجان تهينها:
"ما لازم تبقى متخلفة ما أنتي أمه"
رفعت سبابتها بوجهها تناظر عيناها بقوة وتحدي وأردفت بتهديد واضح:
"الزمي حدك معايا يا بت أنتي.. أنتي متعرفنيش لسه"
ما كادت إلا أن تتحدث بعنف تسبها إلا أن "جبل" بتر الكلمات في فمها قبل خروجها ناظرًا إليها بعنف وقسوة يصيح بهميجة:
"اعتذري لوعد ولزينة"
أبعدت نظراتها منها إليه، تنظر إليه بقوة غير واعية لما يقول. أيريد منها هي الاعتذار؟ رفضت حديثه قائلة بغضب:
"اعتذر لمين يا جبل أنا مش هعتذر لحد البنت قليلة الأدب زي أمها اللي واقفة تهددني قدامك"
وقف هو الآخر ببرود شديد استطاع رسمه على وجه وجسده ولكنه ينظر إليها بحدة وامتعاض:
"الزمي حدك زي ما قالتلك زينة البنت اللي بتتكلمي عنها دي تبقى بنتي وأمها تبقى مراتي وعلشان منكترش كلام قدامك حل من الاتنين أما إنك تعتذري أو إنك تطلعي تلمي حاجتك ونوصلك بره الجزيرة"
نهش الغل داخلها، تربع على عرش قلبها بينما هي تستمع إلى كلماته وتدرك جيدًا مدى الاستغناء عنها الذي وصل إليه. فهو الآن يطردها مقابل اعتذار.
"أنت بتطردني علشانها يا جبل"
أعفته زينة عن الرد قائلة بشماته وقوة الأنثى داخلها خرجت بشراسة:
"أنتي مستنية يرد عليكي يقولك ايه؟ آه بيطردك علشان مراته وبنته"
رفعت يدها بوجهها وفتحت فمها لتصرخ بها تسبها:
"أنتي"
قاطعتها بعنف وشراسة قبل أن تخطئ مرة أخرى بحقها، تناظر عيناها بقوته وليس قوتها. يخرج صوتها بنبرة واثقة قوية استمدتها منه بسبب أفعاله السابقة معها لتتحدث بأريحية والشماته تتخلل قوتها:
"خليكي فاهمه إني هنا مرات جبل العامري، صاحبة القصر وصاحبة الكلمة هنا بعد جبل وطنط فبلاش تنسي نفسك يا تمارا.. اللي ليكي أنتي رمتيه وأنا أخدته بلاش بقى الشويتين دول علشان قرفوني بصراحة"
أقتربت من جبل بطريقة حميمية أمامهم تضع يدها حول عنقه تنظر إليها بمكر واستطردت:
"آه.. وبلاش بردو كل شوية ترمي نفسك عليه مش هيبصلك علشان هو رماكي"
تحدثت "وجيدة" بعد صمت دام طويلًا ولكنها للحق كانت سعيدة للغاية برد "زينة" واهتياج "جبل" عليها ووقوفهم هكذا أمامها:
"اعتذري يا تمارا أنتي هتكسري كلام جبل"
نظرت إليهم بحقد دفين، الشر اخترق نظراتها نحو الجميع. لم تستطع حتى التعبير عنه إلا من خلال اهتياجها ونظرتها القاتلة. لو كانت النظرات تصيب باسهمها لكانت أصابتهم ليقعوا أسفل أقدامها ولكن هذا من حسن حظهم.
وقفت لحظات هكذا والنيران تنهش داخلها تشتعل أكثر وأكثر مخلفة في الداخل خراب لا مثيل له تاركة كل شيء رماد حتى قلبها. تنفست بهدوء وهي تحول نظرتها إلى أخرى اعتيادية هادئة في لمح البصر وكأن شيء لم يحدث لتقوم بفعل ما أراد منها بهدوء:
"أنا آسفة يا وعد هانم.."
نظرت إلى "زينة" لحظة واحدة فقط ثم خرجت كلماتها مشتعلة بالنيران المصاحبة للغيرة الشديدة التي تقتل أن لزم الأمر إلى ذلك:
"أنا آسفة يا زينة هانم"
ضيقت عينيها عليها وهي تقف تجواره بكل هذه السهولة والبساطة أمام الجميع وهي لم تستطع فعلها يوم على الرغم من أنهم كانوا على علم بحبهم الكبير الذي تبخر كأنه ماء اشتد غليانه وأخذ وقت أكبر بكثير من وقته المعتاد.
ولكن، هل يقبل المرء بالأمر الواقع أمامه؟ أن يفقد كل ما كان ملكه في يوم وليلة. إن كان هو من تركه ليتقبل الأمر ولكن إن كان أراده وسلب منه فلن يتقبل الأمر إلى الممات. سيفعل أي شيء، أي شيء يجعله يعود بأملاكه أو خسارتها كلها بما فيهم مالكها!؟
خرجت من الغرفة بخطوات واسعة وعقلها بدأ في التفكير المفرط كيف سينفذ تلك الخطة التي سيقتل بها الأملاك والمالك؟ ليحرم على الجميع السعادة إن كانت آتية من غيرها!
***
دلتفت إلى "فرح" في نفس اليوم ليلاً بعد أن أعمت الغيرة عينيها عن كل شيء ولم تعد ترى غير "زينة" التي تربعت على العرش مكانها مستمتعة للغاية بازلالها.
جلست على الفراش بعد أن ولجت إلى الغرفة مغلقة الباب وقالت دون سابق إنذار بجدية تامة:
"بقولك ايه أنتي معايا في أي حاجه مش كده"
اعتدلت "فرح" في جلستها حيث أنها كانت ممدة على الفراش تنظر إليها باستغراب وسألتها مضيقة عينيها عليها:
"حاجه ايه بالظبط يا تمارا"
تحدثت بخبث معتقدة أنها تستطيع الوصول إلى ما تريد من خلال هذه النقطة:
"هو أنتي مش عايزة إسراء تمشي من هنا علشان يخلالك الجو مع عاصم بتاعك"
لوت "فرح" شفتيها باستهجان وأكملت ما بدأته ابنة عمها تقول بسخرية:
"وأنتي عايزة زينة تمشي علشان يخلالك الجو مع جبل صح؟"
أومأت إليها الأخرى بقوة تؤكد حديثها:
"صح"
ابتسمت بتهكم ساخرة على ما بقي برأسها بعد أن رأت كل ما يحدث بينهم بعينيها ولكنها للأسف لا تريد تقبل الوضع. تنفست بعمق ونظرت إليها بقوة وأردفت بجدية شديدة تلقي عليها الحقيقة التي تهرب منها:
"طب اسمعي بقى الخلاصة.. جبل مش هيبصلك تاني خلاص زينة دخلت قلبه مش دماغه بس وعاصم مش هيبصلي تاني ده لو كان في أولاني أصلًا خصوصًا بعد اللي عرفه عنيا"
اعترضت على حديثها قائلة:
"بلاش كثر كلام واسمعي مني خلينا نعمل حاجه ولما يبقوا يغورو من هنا نبقى نشوف هنعمل ايه"
عادت "فرح" للخلف بضيق وامتعاض تنظر إلى البعيد قائلة بحزن:
"أنا مش هعمل حاجه يا تمارا خلاص.. عاصم بيحب إسراء وعمره ما هيبصلي لو سمحتي بلاش تفتحي معايا الموضوع ده أنا ما صدقت بدأت أنساه"
تابعتها بغل واضح ناحيتها هي الأخرى ولكنها حاولت مداراته وتحدثت بأنانية:
"طيب يا ستي متعمليش أنتي حاجه لسي عاصم وانسيه براحتك بس ساعديني اتخلص من زينة دي وتغور في داهية"
عادت إلى الأمام مرة أخرى تخترقها بنظرتها صائحة:
"ولا حتى هعمل حاجه لزينة عارفه ليه؟"
زفرت الأخرى بضيق شديد وهي تنظر إليها بكره قائلة بتبرم:
"ليه بقى إن شاء الله أنتي هتبقيها عليا"
أومأت إليها بتأكيد واثقة من حديثها تردف متذكرة ما فعلته معها:
"آه هبقيها عليكي علشان زينة هي الوحيدة اللي أخدت بالها مني وهي الوحيدة اللي خافت عليا وكانت بتدخلي في كل وقت بعد اللي حصل"
استطردت تكمل بنبرة حادة تنظر إليها بقوة تخترقها بحديثها الحاد ليصل إليها المعنى:
"جبل منع عني الأكل مرة واحدة بس في اليوم هي كانت بتجبلي من وراه وهي اللي جابتلي أدوية علشان أخف بعد ما كنت بموت من اللي عمله فيا"
أكملت تضيق عينيها عليها:
"حتى لما نزلت النهاردة.. كانت هي السبب لما اتحايلت على جبل يخرجني بسبب حالتي"
وجدتها تنظر إليها بسخرية وتهكم لا تعير حديثها أي اهتمام فأكملت تحدثها عن الذي فعلته "زينة" ثم أكملت بقسوة تنظر إليها بتقليل وخيبة أمل:
"على الرغم من أن علاقتي بيها كانت زفت وعمر ما كان في بينا كلام عادي حتى.. بس هي الوحيدة اللي وقفت معايا وحسيت أن قلبها عليا وبتعمل ده من غير مقابل.. عملت اللي كان المفروض أنتي تعمليه"
صاحت بوجهها بقوة تُهينها دون رحمة:
"اعمل ايه يابت أنتي عبيطة.. دا جبل كان دبحني حرج علينا كلنا هو أنا حمل علقة من اللي اخدتيها"
ابتلعت تلك الإهانة منها وأكملت بحديث ذو مغزى:
"ماهو حرج عليها بردو.. بس هي مطلعتش واطية مع أن لو مكانتش عملت كده مكنتش هزعل لأنه متوقع لكن خالفت توقعي.."
زفرت بضيق ثانيةً وهي تتابعها بغضب قائلة بنبرة ممتعضة متسائلة:
"من غير تلقيح كتير أنتي معايا ولا لأ"
عادت للخلف وتابعتها بهدوء لتجيبها برفق زائف:
"أكيد لأ مش معاكي في حاجه"
نظرت إليها بغضب ثم وقفت لتذهب تاركه إياها قائلة بغيظ:
"ماشي"
خرجت من الغرفة ودفعت الباب خلفها تذهب إلى الخارج بغيظ وعصبية شديدة. جسدها اشتعل أكثر بسبب تلك الغبية ابنة عمها التي وقفت ضدها ولم تساندها فيما تريد. مرت على غرفتهم، جذبها صوتهم العالي الذي يخرج إليها فتقدمت من باب الغرفة تنظر حولها كي ترى إن كان هناك أحد يراها أو لا. اطمئن قلبها وهي تعود برأسها إلى الباب لتستمع إلى أصواتهم العالية. حديثها عن ماذا يعمل وحديثه عن أنها لا تهدأ أبدًا. تفهمت بعض الكلمات وغيرها لم تفهمه. صوتهم يعلو تارة وينخفض تارة ولم تتوصل إلى أصل الحوار بينهم ولكنها استمعت إلى أشياء ثمينة للغاية! لتعود إلى الخلف مُبتسمة مقررة ما الذي ستفعله.. اليوم وليس غد وإن لم يحدث هناك البديل.
***
رفعت "تمارا" يدها بالسكين بغل وحقد و "زينة" مصوبة عينيها نحوها مازالت الصدمة تلجم جسدها بالسكوت فقط تنظر إليها بخوف شديد.
هوت "تمارا" بيدها عليها بقوة شديدة تحركها غيرتها نحوها لتأخذ حياتها وتسترد بها ما ملكته هي. ولكن "زينة" استفاقت في آخر لحظة لترفع يدها تقبض على يد "تمارا" الحاملة للسكين الذي أصبح قريب للغاية من صدرها تحاول بقوتها أن تبعدها عنها ترفع يدها للأعلى متمسكة بالحياة وسعادتها التي حصلت عليها مؤخرًا.
ولكن "تمارا" عزمت أمرها على إنهاء كل هذا اليوم لتستمر في دفع السكين بها إلى أن وقف على بعد هفوة واحده من قلبها. تنظر إليها "زينة" برهبة شديدة والخوف يبعثر كيانها ليرتفع صوتها بالصراخ فجأة يعم أرجاء الغرفة.
صرخت بعنف ممسكة بيدها بقوة واستماتة:
"ابعدي عني يا مجنونة"
أردفت تُجيبها مبتسمة بسخرية وكراهية:
"مش هسيبك غير وأنتي غرقانة في دمك"
تركت إحدى يدها الممسكة بالسكين ترفعها على وجه "زينة" تلطمها بعنف لتصرخ بقوة. صعدت على الفراش قابعة فوقها تخترقها بنظرات الشر الكريهة والحقد الدفين بقلبها تجاهها.
خارت قوى "زينة" وهي تشعر بيدها تنزلق لتمسك بطرف السكين بيد والأخرى تقبض على يدها بها تحاول رفعها للأعلى. قطرات الدم أصبحت تهبط من يدها بغزارة وقوة فارتفع صوتها أكثر صارخة بعنف تستنجد بزوجها:
"جــبــل... الحقني يا جــبــل"
عقبت على ذلك الصراخ بتهكم:
"مشي.. محدش هيلحقك ولا حد هيسمعك القصر كبير أوي والكل نايم"
أكملت بجنون هستيري:
"مش هسيبك يا زينة غير وأنتي ميتة النهاردة"
حاولت مرة أخرى بعدما أدركت أنه بالفعل رحل إلى الخارج:
"يا طــنــط.. يا فـــرح"
تعالت صرخاتها أكثر والسكين تنغرز بيدها بقوة أكبر لتدلف إلى الأعمق والدماء تهبط على صدرها بينما السكين تقترب من موضع قلبها ولم يبقى سوى القليل للفراق. رفعت وجهها إليها غير قادرة على ردعها عما تفعله أو مجابهتها بالقوة بل كان جسدها يرتعش من هول الموقف ويدها لم تستطع أن تساعدها لم يبقى أمامها سوى الصراخ بصوت أعلى لعلى وعسى يستمع إليها أحد.
بينما كان هذا الصراع دائر أما النجاة أو الموت، كان "جبل" مازال في الأسفل مع "عاصم" يسير في الحديقة بعيدًا عن القصر يتحدثون سويًا. سار إلى أن وقف أمام البوابة الخارجية لينظر إليه قائلًا بجدية:
"هروح أنا أشوف الموضوع ده وأنت خليك هنا"
أومأ إليه ليفتح له الحارس بوابة القصر يهم بالخروج ولكن صوتها الصارخ المستنجد بإسمه بقوة وشراسة اخترق أذنه يجلجل قلبه في صدره. استدار ينظر إلى الأعلى لشرفة غرفتهم وقلبه يدق بعنف ولهفة خوفًا عليها يستمع إلى صراخها مرة أخرى وأخرى فلم يستطع الانتظار أكثر ليؤكد ظنه بل ركضت قدميه دون إرادة منه للداخل.
ركض خلفه "عاصم" خوفًا من أن يكون هناك أحد دلف إلى القصر ولكن هذا من المستحيل بعد كل هذه التشديدات وإلا سيكون هكذا وجودهم مثل عدمه.
صعد "جبل" الدرج ركضًا يلهث بقوة وعنف، ضربات قلبه تتعالى ووتيرة أنفاسه متضاربة للغاية. جسده متشنج مهتاج بقوة ولم يكن معه سلاح لمواكبة الأمر بسهولة ولكن "عاصم" كان خلفه فصرخ به:
"طلع سلاحك"
امتثال لأوامره يركض خلفه في الرواق ناحية غرفته واستمع إلى صوت "إسراء" الصارخ بخوف:
"زينة مالها"
ركضت خلفهم بلهفة وخلفها والدته و "فرح" التي استنتج عقلها ما يحدث.
اقتحم الغرفة بهمجية شديدة مُعتقد أن هناك غريب يفعل لها شيء شنيع بعد كل هذا الصراخ الذي أودى بقلبه إلى التهلكة. نقطة ضعف خلقت بقلبه ليكن أضعف ما يكون.
تقدم سريعًا إلى الداخل يرفع "تمارا" من على الفراش بقسوة وغلظة لتأخذ السكين بيدها يمر على يد "زينة" أعنف فخرجت من بين شفتيها صرخة حادة متألمة للغاية.
ألقى بها على الأرضية بعنف وقسوة فرفعت نظرها إليه بكره شديد يخرج الشر من عينيها تجاهه أكثر من "زينة" نفسها.
وضع "عاصم" سلاحه في موضعه متقدمًا من "تمارا" بعد أن انشغل "جبل" بزوجته ليأخذ منها السكين عنوة عنها تحت صمت تام.
احتضنها "جبل" بقوة يربت على ظهرها يردد عبارات هادئة كي تهدأ وتطمئن إنه معها هنا ولن يتركها. ترتعش أسفل يداه يشعر بها وبحالتها المزرية على الرغم من أنها امرأة قوية للغاية.
أبتعد ينظر إليها بهدوء ودلفت "إسراء" إليها لتجلس جوارها تبكي بقهر خائفة للغاية يخرج صوتها متعلثم:
"أنتي كويسه"
أومأت برأسها بعد أن جلست على الفراش يساعدها جبل ممسكًا بيدها التي تنزف. وقف سريعًا متقدمًا من المقعد في الغرفة الذي كان عليه قميصه القطني ليجلبه واضعًا إياه على يدها يكتم الدماء الخارجة منها بغزارة ناظرًا إليها بضعف وقلة حيلة شعر بها تجاهها بعدما فعلت بها هكذا وهو بعيد عنها لم يستطع حمايتها.
اقتربت والدته وشقيقته بخوف حقيقي ولهفة شديدة عليها. صرخت "وجيدة" بعنف بوجه "تمارا" وهي تتقدم منها تجذبها من خصلات شعرها:
"أنا يا بت مش حذرتك.. ورحمة أهلك ما هسيبك تفلتي بعملتك السودة دي"
نظراتها تحولت إلى القسوة الشديدة والعنف الخالص وهي تشتد بيدها على خصلاتها غير عابئة بأي شيء لا من هي ولا أين هي. لقد حذرتها سابقًا ولكنها لم تمتثل لما قالته لها عليها تحمل النتيجة التي ستكون مروعة للغاية.
دفعت رأسها للخلف بعنف لترتطم بالحائط تأن بألم فابتعدت عنها وتركتها متقدمة من زوجة ابنها بلهفة وتغيرت ملامحها من القسوة إلى اللين تنظر إليها بهدوء:
"أنتي كويسه يا زينة"
أومأت إليها مُجيبة بخفوت:
"كويسه يا طنط"
رفعت "إسراء" وجهها الباكي لتنظر إلى "عاصم" الذي كان يقف يعطيهم جانبه عينيه على "تمارا". أخفض رأسه سريعًا عندما أدرك أن "زينة" مرتدية قميص نوم عاري الصدر وقدميها ظاهرتان منه فقد خلعت المئزر بعدما هبط "جبل" إلى الأسفل وتركها.
كل هذا الوقت و "جبل" ينظر إليها بخوف حقيقي، ذعر عندما استمع إلى صوتها الصارخ الذي يستنجد به شعر وكأن قلبه على نيران أو جمر مشتعل يتلوى من شدة الألم.
ينظر إليها الآن يحمد ربه أنه أتى بالوقت المناسب. لو كان تأخر قليلًا لا يستطيع تحديد ما الذي كان حدث بها على يد ابنة عمه أكثر من هذا.
عودة قلبه ينبض بالحب والشغف، شعوره بالعشق واللهفة جعل هناك نقطة ضعف كبيرة للغاية متحكمة به إلى أبعد حد.
شعوره الآن بالعجز وهو ينظر إلى تلك العبرات التي هبطت من عينيها لا يوصف. منذ أن أتت إلى الجزيرة وهو كل يوم بحال وحكمه كل يوم بحال، ليس هناك أحد في القصر أو في الجزيرة بأكملها بقي على حاله.
ما الذي بها يجعلها تعيد ترتيب كل شخص منهم. لحظات لا يجب بها التفكير ولكنه للأسف الشديد لم يستطع منع عقله عن ذلك وهو يتابعها بعينيه الخضراء.
تنهد بعمق محاولًا استعادة نفسه، وقف على قدميه ينظر إلى "تمارا" والآن أدرك أن "عاصم" بقيٰ واقفًا ولكنه لا ينظر إليهم. عاد إلى "زينة" مرة أخرى جاذبًا المئزر من على طرف الفراش يجعلها ترتديه بيده تحت نظرات الجميع إلا "عاصم".
ترك كل شيء، تركها وهو يعلم أنها الآن بحاجه إليه لتستمد منه الشعور بالأمان والقوة، ولكن الآن لن يصدر عنه إلا القسوة والغلظة المميته.
أقترب من "تمارا" ليقف أمامها وهي جالسة على الأرضية تتابع قلق الجميع عليها. انخفض قليلًا ليقبض على ذراعها يقف معتدلًا جاذبًا إياها معه لتقف أمامه مباشرة.
تابعها بعينيان حادة للغاية، كريهة مشمئزة منها والأسوأ الشر الذي يخرج لها. في لحظة واحدة كانت يده تصفع وجنتيها بعنف وقسوة ليقوم بالقبض على ذراعيها الاثنين بشراسة قائلًا بصوت خافت يهبط على أذنها كالفحيح:
"عايزة تقتليها؟"
لم يلقى منها ردًا فابتسم وهو ينظر نحوها تلك النظرة الثاقبة. ومرة أخرى تركها ليعود يصفعها من جديد، مرة وخلفها الأخرى يلطم وجنتيها الاثنين بقوة وعنف إلى أن نزفت شفتيها وأنفها.
حاولت دفعه للخلف وهي تصرخ بجنون:
"أيوة هقتلها، مش هسيبها يا جبل هقتلها وهندمك"
أكملت تنظر إليه بحقد:
"بقى أنا تسيبني علشان مرات أخوك.. يعني يوم ما تقرب منها تفتكر إن أخوك عملها قبلك"
هبط على وجنتيها بالصفعات المميتة بعدما أحرقت قلبه بتلك الكلمات الشرسة التي هبطت على قلبه دون هوادة تحطمه إلى أشلاء مبعثرة على الأرضية تشعل نيران غيرته عليها من شقيقه الراحل.
أقترب "عاصم" منه سريعًا عندما وجده لم يستطع التحكم بنفسه يجذبه للخلف بعيد عنها صائحًا به بصوت عالي:
"كفاية يا جبل"
دفعه جبل بعنف يود الفتك بها تلك الحقيرة التي تلعب بالنيران على أوتار قلبه ليصرخ هو الآخر:
"هقتلها بنت الكلب.. هقتلها"
لم يتركه بل أحكم قبضته عليه وهو يدفعه للخلف بعنف أكثر حتى لا يفعل بها شيء يندم عليه فاستمع إلى صوت والدته تقول بقسوة:
"عاصم.. خديها احبسها في أي داهية دلوقتي"
تابعت تنظر إلى جبل:
"وأنت يا جبل شوف مراتك الأول وسيبها ليها فوقه"
دفعه "عاصم" وتقدم يجذبها بقوة من ذراعها يأخذها إلى الخارج تاركًا إياهم.
إلى الآن لم يصدر عن "زينة" أي ردة فعل فنظر إليها بعمق محاولًا الهدوء. أخذ نفسٍ عميق وزفره بحدة متوجهًا إليها يجلس أمامها على الفراش موجهًا حديثه إلى "إسراء":
"انزلي ورا عاصم خليه يكلم الدكتور"
أومأت إليه برأسها ووقفت سريعًا تركض خلف "عاصم" لتلحق به. تقدم إلى الأمام أكثر يمسك بيدها التي نزفت كثيرًا. رفع بصره إليها بهدوء:
"حبيبتي.. أنتي كويسه"
تابعته بعينيها السوداء تحاول أن تتدارك الأمر وتستوعب أنه مر وكأنه كابوس بشع. حركت رأسها إليه بالإيجاب فاقترب يأخذ رأسها إلى صدره يريحها يربت على خصلاتها بهدوء قائلًا بحنو:
"متخافيش.. أنا معاكي"
كانت تريد أن تنعم داخل أحضانه حقًا بالراحة والاطمئنان. شعرت أنها في لحظة واحدة ستكون مع الأموات تاركة كل شيء خلفها على الرغم من أنها تمسكت بالحياة بقوة وشراسة تحاول مجابهة قتلها ولكن الأخرى كانت الأقوى وهي تعتليها مستغله خوفها وارتعاش جسدها ويدها التي جرحت وأعاقت صمودها. كانت لحظات فارقة وستتوجه إلى الاستسلام ولكن للقدر رأي آخر.
اعتقدت أنه رحل بعدما تركها وهبط إلى الأسفل، كُتب أنه لا يرحل ويبقى بالقصر لوقت أطول حتى يكن هو المنقذ لها، ذلك الدرع الحامي، الأمن المحب.
الآن تشعر بالضعف الشديد والخوف الذي فتك بقلبها ولكن بينما هي تضع رأسها على صدره وكأن العالم أجمع بين يديها في موضع ذلك القميص القابض على جرحها.
رسم الهدوء على ملامحه وداخله نيران لا تهدأ، كانت مشتعلة بسبب فعلتها ولكنها سكبت عليها البنزين لتشتعل أكثر تحرق كل ما به وهي تذكر شقيقه وعلاقتها به، تذكر أنها كانت له قبله، كانت تفعل معه كل ما تقدمه إليه الآن. من حب وغيره.
حرك رأسه يمينًا ويسارًا وهو قابض عليها بين يده محاولًا طرد تلك الأفكار المسمومة من عقله فهي ألقتها عليه بمغزى واضح وصريح للغاية، لن يجعلها تفعل ما أرادت بهذه السهولة.
بقي جوارها كثيرًا ولم يتحرك يبعث إليها كلماته الهادئة التي تنافي داخله، يرسل إليها بعيناه نظرات حنونة محبه يحاول أن يجعلها لا تخاف وهو جوارها وقد فعل عندما خرجت من حالتها تتحدث معه عن تلك الغبية الحقيرة التي كانت تريد قتلها.
بقيٰ إلى أن أتى الطبيب الذي تولى أمر يدها ورحل ومعه الجميع إلى الخارج. نظر إلى قميصها المتسخ بدماء يدها وقال بهدوء:
"قومي اساعدك تغيري هدومك"
اعترضت بخجل:
"مش لازم"
زفر بامتعاض من خجلها الزائد الذي ربما سيزعجه قريبًا:
"زينة.. أنا مش غريب عنك أنا جوزك وحصل بينا حاجات كتير تخليني متتكسفيش مني.."
أومأت برأسها إليه فذهب هو إلى الخزانة يخرج إليها قميص غيره بالمئزر الخاص به غير الذي ترتديه، توجه إليها بثبات ورزانة، جلس أمامها يساعدها في تبديل ملابسها ينظر إلى جسدها باشتهاء على الرغم من أنه كان غارق معها منذ قليل. حاول ضبط أنفاسه التي تسارعت وهي ينظر إليها وقد شعرت به فاخفضت وجهها عنه بخجل تجذب من يده القميص سريعًا تقوم بارتدائه وهي تبعد أنظارها عنه.
أقترب منها محاوطًا جسدها بيده الاثنين يضغط على خصرها بأصابعه قائلًا بنبرة متألمة ضعيفة:
"متعرفيش حصلي ايه لما سمعت صوتك.."
أبعد إحدى يداه ومازالت الأخرى على خصرها يرفعها إلى وجهها يحركها على وجنتها برفق وحنان يقترب منها يتحدث أمام شفتيها بشغف:
"حسيت أن قلبي طلع من مكانه ومعرفتش أفكر للحظة ايه اللي بيحصل مدرتش بنفسي حتى غير ورجلي جيباني عندك"
أكمل محاولًا بهدوء أن يوصف لها إلى أي مدى أصبح عشقها يسري به ولكنه لا يستطيع:
"زينة، متتصوريش أنا بحبك قد ايه ولا بحبك إزاي.. مش عارف اعبرلك عن اللي جوايا ولا حتى أعبر بيه لنفسي بس أنتي حاجه كبيرة أوي عندي.."
استنشق أنفاسها اللاهثة بفعل اقترابه منها إلى هذا الحد، يتحدث أمام شفتيها مباشرة لا يفصل بينهم شيء ليكمل:
"نقطة ضعفي اللي عمرها ما كانت موجودة بالشكل ده"
رفعت يدها المعافاة إلى وجنته تبادله بحب تنظر إليه بشغف أكبر منه بكثير تتحدث برفق ولين أمام وجهه:
"متفكرش إنك لوحدك اللي كده.. جبل أنا كمان حبيتك.. حبيتك أوي مش عارفه إزاي وامتى"
اخفضت بصرها إلى الفراش تبتعد بعينيها عنه تقول بجدية وحزن:
"عارفه إن كلام تمارا أثر فيك عن علاقتي بيونس، هي عندها حق"
رفعت بصرها ثانيةً تنظر إلى داخل خضار عيناه تحرك يدها بحميمية عليه قائلة بعشق خالص:
"بس اللي متعرفهوش إني والله العظيم بعيش معاك مشاعر كأنها أول مرة"
أكملت تحرك عينيها على ملامحه بشغف ورغبة:
"أنا أيوه كنت بحب يونس أوي، لو مكنتش بحبه وبيهمني نفسي أكتر منه ومن بنته كنت اتجوزت غيره من زمان.. بس فجأة اكتشفت أنه ضحك عليا، حبي ليه بدأ يقل لحد ما حسيت إني مش بحبه بالعكس بقيت كاره اللي كان بينا بسبب كدبه وغدره بيا"
وجدته ينظر إليها برضاء تام، يبعثر نظراته على كافة ملامحها يستشعر صدقها فأكملت بثقة:
"فجأة حبه ده بقى ليك أنت أضعاف، متسألنيش امتى وازاي بقى أضعاف، أنا كنت بكرهك أوي يا جبل، كنت عايزة اقتلك وحاولت أعملها إزاي اتغيرت كده معرفش بس يمكن علشان حسيت أنك غير اللي بتظهره ليا، أنك شخص تاني رحيم وعادل، وحسيت بحبك.. يمكن حبيتك أضعاف يونس علشان مريت معاك بحاجات كتير غيره.."
زفرت ثم اسطردت بعقلانية:
"الحياة معاه كانت تقليدية، معاك مريت بالجنون، الشغف، المغامرة والمجابهة، الكره والحب، الضعف والقوة وكل حاجه وعكسها.."
حركت إصبع يدها على شفتيه باغراء:
"صدقني أنا بحبك زيك بالظبط وأكتر يا حبيبي.. قوتي دلوقتي باخدها منك أنت.. طول عمري القوية بس والله جوايا ضعف كان نفسي استقوى بحد والحد ده هو أنت يا جبل"
لم يجد أي كلمات يعبر بها، إلى هذه الدرجة الدنيا راضية عنه؟ إلى هذه الدرجة أيامه القادمة ستكون سعادة خالصة تبعث إليه إنذار بلحظات السعادة التي سيدوب بها عشقًا.
انقض على شفتيها يقبلها قبلات دامية قاتلة، يبعث بها كل شعور مختلف داخله يطمئن قلبه وعقله راضيًا تمامًا عما قالته عن شقيقه، كلمات بسيطة للغاية جعلت رجولته راضية عنها متناسيًا تلك الغيرة الواهية. أيغير من متوفي!؟
التهم شفتيها وما بها يقبلها بعنف وشراسة قابضًا على رأسها من الخلف يقربها منه يحرك يده عليها بحرية تامة، قابلته بالحب موافقة بالقوة على كل ما يصدر عنه تبادله حدته وقوته بعاصفتها الهوجاء التي قد تناست وجودها منذ فترة كبيرة. لحظات والأخرى وهو يستمر في ذلك لتشعر بآلام تآن بين شفتيه فهدأ قليلًا يغير طريقه يأخذها في درب عشق آخر قبلات رقيقة هادئة وزعها على وجهها بالكامل يهبط إلى عنقها.
توقف يرفع رأسه إليها لاهثًا بعنف والرغبة تحترق داخله:
"أنا بحبك أوي يا زينة.. بحبك"
ابتسمت بسعادة محاولة التحدث بثبات بعد ارتفاع وتيرة أنفاسها الذي سلبها منها قائلة بعشق متبادل:
"أنا بموت فيك يا جبل"
دعنا ننصهر بين النجوم والكواكب نعبر عن ملحمة الحب خاصتنا، دعنا نحدث العالم عن عشقنا المستحيل وبغضنا الذي كان قريب، ألا تريد أن تجعل العالم يرى القوة التي تتحلى بها والسطوة التي تتميز بها! ألا تريد أن يرى العالم قلبك القاسي وضعفه المميت، يبدو أنك تخاف من ظهور نقطة ضعفك فتصبح مطمع للجميع بعد أن كنت القوة الخالية من أي مشاعر.
كان نجم معتم فأصبح ضوء مشتغل بين الظلام.
تمتع بقلب قاسي قوي ليتحول إلى الضعف المراد.
رأى الكره تميُز والبغض تعالي فأصبح هاوي غرام.
الآن يآن من لوعة نيران الاشتياق شاعرًا أنه سيلقى مصرعه بسبب الفراق.
***
أخرج "جبل" "تمارا" من الجزيرة بأكملها بعدما ترجته "زينة" ألا يؤذيها قد امتثل لطلبها وجعل حراسه يطردونها منها شر طرده، لم يعيرها أدنى اهتمام وهي تخرج تهدد الجميع بأنها ستفعل ما لا يحمد عقباه.
تهدده بأنها ستدمر حياته وستجعله بيده يقتلها ويلقيها هي الأخرى خارج الجزيرة كما فعل معها. لم يعطي أحد لحديثها أهمية وهي تذهب صارخة عليهم.
تنفست والدته الصعداء بعد رحيلها فهي من البداية لم تكن مرحبة بها أبدًا، والآن لا يجوز أن تخرب كل شيء بعد أن استقر وأصبح ابنها يريد زوجته بكل جوارحه وهي تبادله ذلك.
حزنت "فرح" على ما حدث لها ولكنها لن تستطيع التدخل لأنها هي من فعلت بنفسها هكذا، أخطأت كما أخطأت هي الآخرى سابقًا.
كل شخص منهم بدأ بالتفكير في حياته ونفسه تاركًا ما حدث خلف ظهره.
بدأت "فرح" في التأقلم على حياتها الآن تاركة "عاصم" تحاول أبعاده عن تفكيرها على الرغم من أنها مازالت تحبه وتريده ولكنه لن ينظر إليها، هي على علم تام بأنه يعشق شقيقة "زينة" وهي الأخرى تبادلة. حاولت الصمود وتركه وشأنه والنظر إلى حياتها بعد أن دمرتها ربنا هناك ما يمكن إنقاذه.
تتفادى النظر إلى شقيقة "زينة" والجلوس معها في مكان واحد، مازالت تشعر بالغيرة ناحيتها وتراها حصلت على شيء كان من حقها هي ولكن.. لا شيء يتغير هو من اختار وليست هي من سلبته عنوة الآن فهمت ذلك.
وجيدة ليس هناك شيء يسعدها أكثر من وجود حفيدتها ووالدتها التي أصبحت زوجة محبه لابنها وفي انتظار الحفيظ الآخر له. أهناك سعادة أكثر من هذه!
بينما "جبل" شعر أن الحياة تفتح ذراعيها له لتستقبله بحبها وعشقها، لتجعله يتذوق حلاوتها يتناسى تلك المرارة التي تجرعها لكثير من السنوات.
وهي كانت مثله، رأت العوض به بعد أن كان البغيض على قلبها مُنتهك حريتها، بعد أن كان رجل يريد فقط ترويض امرأة الآن تروضه كما تحب ويروضها كما يحب. الآن رفعت شعائر الحب.
وقفت "إسراء" أمام "عاصم" الغاضب بقوة ينظر إليها بغضب يهتاج عليها صارخًا:
"وأنتي بتخرجي ليه أصلًا وهو موجود"
عادت للخلف خطوة وهي تراه يكاد يبتلعها ينخفض بجسده عليها بسبب ذلك الطول وملامح وجهه حادة ناحيتها فقالت بجدية:
"في ايه يا عاصم أنا خرجت وخلاص هو أنا محبوسه"
أومأ برأسه بحدة مؤكدًا حديثها يخرج صوته بغلظة:
"آه ياستي محبوسه.. آه محبوسه"
رفعت يدها تُشيح بها قائلة بصوت حاد ترفض حديثه:
"لأ على فكرة مش محبوسه"
وقف معتدلًا ناظرًا إليها باستغراب يحرك عيناه على ملامحها الجامدة وتفوه بعصبية:
"هو أنتي يوم ما يطلعلك لسان يطلع عليا ما تتظبطي"
"على فكرة أنا ليا لسان من زمان أوي أهو شوف"
أنهت حديثها الحاد وهي تخرج له لسانها بطريقة طفولية بريئة للغاية تناسى هو غضبه وغيرته العمياء وقف ينظر إليها ضاحكًا بصوت مرتفع وأردف قائلًا بعبث:
"أنتي مجنونة ولا ايه"
وضعت يدها الاثنين أمام صدرها ووقفت معتدلة قائلة بجدية:
"أنت بتضحك على ايه دلوقتي مش متعصب كمل عصبيتك"
عاد هو الآخر إلى الحدة ومحى تلك الابتسامة سريعًا وكأنها لم تكن يسألها بقوة:
"آه صح.. قولتيلي طلعتي ليه بقى"
حركت كتفيها بلا مبالاة وهدوء مردفة:
"عادي أنا كنت طالعة اتمشى"
ضيق عيناه عليها بتركيز ورفع إصبعيه مُتسائلًا بخبث ومكر:
"مرتين؟"
أومأت برأسها تكيده أكثر غير مبالية بغضبه:
"آه عادي صدفة يعني"
اقترب منها خطوة ضاغطًا على شفتيه بقوة شديدة بأسنانه الحادة:
"قسمًا بالله ههينك"
فكت يدها من بعضهما لتصيح بهمجية غير معتادة عليها بعدما تمادى في الحديث:
"تهين مين أنت اتتجننت"
قطب جبينه قائلا بحدة:
"اتكلمي عدل وأنا مش هتجنن"
زفر بحنق وهو يبتعد بوجهه عنها ثم عاد مرة أخرى ليسألها ساخرًا:
"عرفتي أنه طلبك للجواز"
استنكرت قائلة:
"ايه الهبل ده"
قال بقسوة وغلظة وعادت الغيرة تنهش قلبه من جديد:
"عرفتي بقى أنا ليه اتجننت"
بررت موقفها بجدية تامة ثم لانت في حديثها تقول بدلال وخفوت:
"أنا مكنتش أعرف على فكرة وكمان والله كنت خارجة عادي يعني وبعدين أنا بحب واحد أصلًا حتى لو مليون حد طلبوني للجواز"
ابتسم بهدوء وترك غضبه وتلك الغيرة الغبية جانبًا ليهبط برأسه إليها مرة أخرى قائلًا بابتسامة متسعة:
"واحد مين طيب"
رفعت وجهها إلى الأعلى تعاكس ما فعله لحظة وتفوهت بسخرية وتهكم:
"واحد طويل أوي علشان يتكلم معايا بينزل لتحت"
أشار إلى نفسه بيده مضيقًا عينيه عليها:
"أنتي بتتريقي عليا"
قالت بتعالي وهي تبتعد للخلف تنظر إليه باشمئزاز مصطنع:
"هو مين جاب سيرتك أصلًا"
أقترب في خطوة واحدة منها قاطعًا المسافة التي ابتعدتها قابضًا على يدها يصيح بغل وعنفوان:
"نعم يا روح أمك"
اتسعت عينيها عليه وهي تجذب يدها بحدة وأردفت بانزعاج حقيقي:
"أنت على فكرة بدأت تتمادى معايا في الكلام عيب كده"
نظر إليها، رأى لمعة تلك العيون الغريبة، وتلك الرائحة التي تنبعث منها بالعشق الخالص فلم يجد نفسه إلا يردد بعفوية وشغف:
"إسراء.. أنا عايز اتجوزك"
نظرت إليه بقوة شديدة وعيون متسعة عليه كأنه قال كلمات مخلة مصدومة للغاية فتركته وذهبت راكضة مبتعده عنه ذاهبه إلى القصر والفرحة تغرق جسدها تغدقها بالحب والجنون به.
ابتسم ضاحكًا مغمغمًا:
"يا بنت المجنونة"
عاد هو الآخر يبتعد وتركها تتخفى من نظراته، ينتظر الفرصة المناسبة لخوض المعركة وبدأ الحرب من أجلها، ينتظر بحب أن تكون ملكه، تاركًا لوعة الاشتياق تفتك بقلبه، تاركًا لهفة قربها منه تتغنج أمام عيناه وكأنها تقول له لن تنالها بسهولة. ولكنه يُجيب صبرًا.
***
وقف في الشرفة ليلًا يبتسم بهدوء وحده، تداعب نسمات الهواء الباردة صدره، يفكر في كل ما حدث وما مر عليه في الفترة الأخيرة كالذي قبلها. أصبحت حياته عبارة عن نعيم على الأرض بوجودها مع ذلك الاستقرار الذي حدث في الآونة الأخيرة بعدما أبتعد كل حاقد من بينهم تارك الجزيرة أو العالم كله.
دلف إلى الداخل يجلس على الفراش أمسك بهاتفه الذي أتى إليه رسالة من رقم "طاهر" الذي إلى الآن لا يعرف طريقه ولكن لن يستسلم وسيأتي به وإن عاد إلى بطن والدته.
لا يحب أبدًا النظر إلى رسائله أو معرفة محتواها دائمًا تكون أشياء تعكر صفوه، فتح الرسالة على مضض ينظر إليها بجدية تحولت فجأة إلى دقات متعالية في القلب وأنفاس متلاحقة وكأنه يركض في سباق لن يفوز به أبدًا.
"خلي بالك من المدام، يمكن تكون مكان جلال"
رفع بصره عن الشاشة ينظر أمامه في الفراغ. مستحيل، لا يعقل أن تكون هكذا لن تخونه أنها ليست خائنة أنها تحبه إلى حد لا يوجد مثله.
ليس من طبعها الغدر لا، لن يجعله يشكك بها وبحبها له، لن يجعله يشكك بأي شيء يأتي منها، أنه أحبها ولا يستطيع الإبتعاد عنها فقد أصبحت ملاذه الوحيد تلك التي تعري أمامها من كل شيء. أصبح عاري الجسد والفكر، أصبح عاري بقلبه سواء أن كان قسوة أو ضعف.
ستكون هذه الضربة الأكثر ألمًا وبغضًا، ستكون هذه النهاية ولن يكن بعدها بداية. سيكون هنا سقوط "جبل العامري".
فارت الدماء بعروقه وهو يفكر بهذا الحديث يأبى أن يصدق أنها هكذا، يشعر بالحيرة وبراكين الغدر مشتعلة داخله. لا ليس هي.
نظر إلى جواره وجد هاتفها على الكومود. أمسك به بين يده المرتعشة لأول مرة. لأول مرة يشعر بالارتجاف في سائر جسده وقلبه بالأخص.
فتح هاتفه هو الآخر مع هاتفها وبدأ بنقل إحدى عشر رقمًا، منذ أن كتب على الهاتف خمسة أرقام وظهر وكأنه أتم الجميع ليتأكد من ظنونه الخبيثة التي نهشت عقله، أعاده أكثر من خمسة مرات. ينظر إليه ويقرأه ويُعيد كتابته مرة أخرى.
كان هذا رقم طاهر المسجل بهاتفها "طريقي".
كيف طاهر طريقها؟ ضغط على زر الاتصال ووضعه على أذنه ليأتيه الرد سريعًا منه:
"بقالي فترة مستني مكالمتك ومش عايز أنا أتكلم.. ها عندك أخبار تانية عن حضرة الأستاذ مصاحب الحكومة"
أغلق الهاتف وأخفض يده ينظر إلى الفراغ المميت حوله، سكين حاد ملطخ بالحب الكاذب احتال على عقله ليتمسك بها اعتقادًا أنه سيقطع بها ثمار الغرام فغدرت به وتوجهت نحو قلبه تطعنه بمنتهى البساطة يتخلل الغدر نظرتها نحوه، مستهزئة به إلى أبعد حد.
خنجر آخر ملطخ بكلمات معسولة من كثرة حدته وروعته إلتف عليه ليطعنه في منتصف ظهره ضاحكًا بصوت عالي للغاية يستمع إليه كل من على الجزيرة، نيلها وجبلها وسكانها وكل نملة ساكنه بها، ينظرون إليه بسخرية مميتة.
هبط بعيناه إلى الأسفل، لقد طعنته بسكين تالم، لقد أخذت قلبه من مكانه ووضعته أسفل قدميها، أتمنها على أكبر سر بحياتها فغدرت به وأعطته إلى أكبر أعدائه.
لا يهمه أنه الآن أمام الدولة رجل غير مسؤول أضاع شقاء سنوات لرجال كثيرة شرفاء، أضاع سهر ليالٍ وعمل شاق فقط لأنه رجل غبي هواه الحب ولعب به أقذر لعبة.
هبطت دمعة من عيناه على الأرضية مباشرة وهو منحني على نفسه بهذه الطريقة، خذلان للمرة الثانية ولكنه الأقوى والأكثر عنف وقسوة.
انحنى "جبل العامري" وبكت عيناه على امرأة خائنة، لم يبكي على ابنة عمه، والله أنها كانت رحيمة عنها، رحلت دون أن تسبب له أذى بينما هذه كانت تنام بأحضانه تلقي عليه بكلماتها الغرامية كل ليلة وهي تعاون أكبر أعدائه. تعطي إليه أكثر المعلومات خطورة منه على الدولة.
ألهذا السبب كانت دائمًا فضولية! ألهذا السبب أتت إلى هنا؟
استمع إلى باب المرحاض يغلق وشعر بها خلفه في الناحية الأخرى من الفراش. استعاد نفسه في لمح البصر ووقف على قدميه يستدير ينظر إليها بقوة وغلظة. قسوة بعيناه لم تراها أبدًا حتى عندما أتت إلى الجزيرة.
رفع الهاتف أمام عينيها بعدما قام بفتحه وقال بسخرية شديدة ونبرته تخرج كفحيح الأفعى وهو يقترب منها:
"طريقي!"
وقف أمامها ينظر إلى عيناها السوداء يخفي عتابه لها وخذلانه منها لا يظهر إليها إلا القسوة والعنفوان القابع داخله تجاهها.
ابتلعت غصة مريرة وقفت بجوفها وتابعته بنظرات خائفة أدركت حينها لما رأت تلك القسوة بعيناه. حاولت التحدث وهي ترتعش بقوة ولكنه قاطعها قبل أن تردف بكلمة واحدة صارخًا بقوة اهتزت لها أرجاء الغرفة:
"طــريــقــك"
قبض على خصلات شعرها بشراسة وغلظة، لا يحركه نحوها إلا الطعنة التي أخذها منها في منتصف قلبه وظهره، لا يحركه نحوها إلا الحب الذي لم يشعر به إلا تجاهها، لا يحركه إلا الخذلان الذي ناله منها. والغدر الذي ألقته عليه وكأنه قنبلة موقوتة.
تأججت عروقه بالتهاب النيران بها وهو يصرخ بقوة دافعًا بها على الفراش بشراسة:
"طـريـقـك لـجـنـهـ"
هنا انفتحت أبواب الجحيم في حياة "جبل العامري"، لتدلف به العاصفة التي أتت إليه من أبعد البلاد لتُكَون معه قصة حب غير معهودة، ولكن الغدر كان سبيلها للهرب منه، فلا طريق عودة أو نجاة سوى المرور بالجحيم الماثل أمامها.