قال رسول الله ﷺ: اتقوا الظلم، فالظلم ظلمات يوم القيامة. صدق رسول الله ﷺ. ظلت تلك الكلمات تتردد في مخيلتها وهي تجلس داخل سيارة الترحيلات، تهتز بها بقوة، واضعة رأسها بين راحتيها، تبكي بقهر لتتذكر الساعة الماضية بداخل أسوار الحبس. في قاعة المحكمة: # محكمة… خرج صوت حاجب المحكمة ليعم الصمت القاعة، ودخل القاضي ليردد: # تؤجل القضية للاطلاع. غرقت ببحور أفكارها وهي تُساق من قبل عسكري سيارة الترحيلات. حتى رأت طيف أبيها.
فصرخت بقهر: # بابا! اقترب منها الأب وحاول أن يتحدث معها، ولكن العسكري رفض بصرامة. فردد هشام برجاء: # معلش يا بني، اعتبرني زي أبوك. دس يده في جيب سرواله وأخرج منها بعض النقود المطوية وناولها للعسكري. فأخذها منه وردد بجدية: # بسرعة بس، عشان عربية الترحيلات. اتخذوا جانب القاعة. فاحتضنتهم دارين جميعًا وهي تبكي بألم وتهتف بأسى: # أنا كده ضعت… بابا ارجوك اعمل حاجة، أنا كده هدخل السجن؟ حاول والدها تهدئتها.
فردد والقلق ينحر قلبه: # متخافيش… أنا مش هسيبك. ردد سعد الدين المحامي بتأكيد: # أنتي كده حتترحلي على السجن مش القسم. وده أحسن من الحبسة في التخشيبة بتاعة القسم. على الأقل حتلاقي سرير وحمام بدل البهدلة على الدكة في التخشيبة. نظرت أمامها ترجوهم بعينيها عندما سحبها العسكري بقسوة. # يلا يا مسجونة. حرك والدها رأسه يطمئنها ببسمة مزيفة: # متخافيش… إحنا جايين وراكي ومش هنسيبك.
عادت من شرودها على توقف سيارة الترحيلات وصوت المزلاج الحديدي يفتح. وبدأت بالنزول برفقة أخريات أمام بوابة حديدية كبيرة للسجن الذي ستمكث به حتى صدور الحكم. لحقتها عائلتها بسياراتهم الخاصة. وظلت والدتها تشير لها من بعيد. وأخاها يهتف بصوت عالٍ: # هنجيلك في الزيارة. ليصيح والدها: # هسيبلك فلوس في الكانتين… متخافيش إحنا معاكي. *** أصوات وقع أقدام تضرب مسامعها، وفتح مزلاجات حديدية وأزيز الأبواب.
دب الرعب في قلبها وهي تقف بصف طويل به نظيراتها من المسجونات الأخريات. ليوقع عليهن الكشف الطبي بشكل مهين ومنافٍ للأخلاق. عبراتها تسيل على وجنتيها بغزارة وهي تُدفع وتُساق من قبل السجّانة. والتي تردف بصوت غليظ: # ادخلي استحمى والبس الهدوم دي. دلفت المرحاض العام المرفق بالسجن لتجد جميع النساء عاريات ويقفن أسفل المياه المنهمرة. والسجانات يقفن ليراقبنهن بتدقيق.
فشعرت بالحرج، كيف لها أن تتعرى بذلك الشكل أمامهن حتى وإن كن سيدات. ارتجفت فور أن سمعت صوت السجّانة تأمرها بغلظة: # ما تخلصي يا مسجونة… أنتي محتاجة عزومة. بكاؤها بشكل هستيري لم يشفع لها وهي تترجاها بصوت خافت: # مش هقدر أتعرى قدام كل دول… أبوس إيدك سيبيني حتى بالاندوير. ضحكت الأخيرة بسخرية تهتف: # آندر إيه يا ياختي؟! لتغلظ من صوتها أكثر وتهتف بشراسة: # اخلصي يا بت انتي بدل ما أدخلك التأديب من أول يوم.
انصاعت للأوامر رغماً عنها وخلعت ما تبقى من ملابسها حتى تستحم وترتدي الزي الخاص بالسجن. واتجهت لتستلم متعلقاتها الشخصية من أغطية وشراشف. لتتجه ناحية الزنزانة التي ستمكث بها الفترة القادمة. *** دلفت الزنزانة فسمعت هتافات عالية من المسجونات القديمات كنوع من الترحيب بالمسجونات الجديدات. فأخذن يصحن بأعلى أصواتهن. حتى تحدثت السجّانة بصوت غليظ: # اسكُتي منك لها لها… دول الوارد الجديد، مش عايزة مشاكل ولا خناق معاهم، فاهمين؟
بالطبع من المفترض توزيعهن كل واحدة حسب جريمتها. ولكن بسبب تكدس السجن فلم تهتم بذلك. فاختلطت مسجونات الجنح مع نظريتهن من الجنايات والمخدرات والدعارة. فأصبحت الزنزانة الواحدة تتنوع بين الجرائم. اقتربت من أحد الأسرة الفارغة لتتخذه لها وجلست عليه. فأسرعت إحداهن بدفعها عنه تهتف بشراسة: # أوعى… السرير ده بتاعي. نظرت لها دارين بطرف عينها ورددت بجمود في تعابير وجهها: # بس أنا مش شايفه حد عليه! هتفت السجينة بأسلوب تهكمي:
# وأنا بقى نويت آخد السرير ده ليا… عندك مانع؟ لم تجبها واتجهت لأحد الأسرة الفارغة ووضعت متعلقاتها عليه. فاقترب أخرى تلقي بمتعلقاتها على الأرض وتهتف: # السرير ده بتاعي. انحنت لتلتقط أشياءها ووقفت تنظر حولها تبحث عن فراش فارغ. ولكنها وجدت المسجونات الأخريات يفعلن المثل. ما كل المسجونات الجديدات وبدأن بالتنمر عليهن بطريقة مهينة. حتى أصبحن يتحرشن بأجسادهن بطريقة فظة.
ظلت داخل دائرة المسجونات وهن يرقصن حولها ومن معها ويغنين ويتحرشن باللفظ والفعل. حتى صدح صوت إحدى السجينات القدامى تهتف بصوت جهوري: # باااااس… منك ليها… سيبوا الوارد الجديد يا نسوان. أجابوها باحترام: # أمرك يا كبيرة. هتفت لواحظ بصوتها الشبيه بصوت الرجال: # هاتوهن هنا عندي… خليهم يعرفوا نفسهم بأدب. بدأن بدفعهن ليرتكزن أمامها. فأسألتهن: # جاية في إيه منك ليها؟ بدأت كل واحدة تخبرها بتهمتها.
حتى جاء دور دارين والتي ظلت صامتة لا تصدق نفسها. وكيف آلت بها الأمور وخيانة الحياة لها إلى هذا المآل. وهي شارده بماضيها المفترض أنه مثالي. *** بعد تخرجها من الجامعة بتقدير متميز جداً وضياع فرصتها في التعيين بالجامعة بسبب الواسطة. استطاعت أن تجد وظيفة شاغرة بأحد أكبر شركات السياحة. وأخذت تتدرج في وظيفتها بسرعة حتى أوشكت أن تصبح مديرة للحسابات في أقل من سنة. دلفت مكتب رئيس مجلس الإدارة وهي مزهوة بنفسها على إنجازها.
وهتفت بامتنان: # أنا فعلاً مش عارفة أشكر حضرتك إزاي على الفرصة دي! ابتسم لها أكرم المغربي وهو مدير الشركة والقائم بأعمال رئيس مجلس الإدارة بالنيابة عن والد زوجته المالك الأساسي للشركة. وقف من مكانه واتجه ناحيتها يهتف ببسمة منمقة: # تستاهليها يا دارين… مع صغر سنك ولكن عقلك نابغة في الحسابات وفعلاً أنتي إضافة للشركة. شعرت بالفخر من إطرائه لها وافتخرت بنفسها وإنجازها.
وقررت بداخلها أن تعطي أقصى ما عندها حتى تصل لمبتغاها. *** أفاقت من شرودها على صوتها الهادر: # أنتي يا ختي… مش سامعاني ولا مش مستوعبانى؟ نظرت لها دارين بنظرة دونية وردت بقوة: # عايزة إيه انتي؟ أجابتها لواحظ بعد أن انتفضت من مكانها بشراسة: # لااا يا روح أمك… أنتي لازم تعرفي أنا مين؟ ضحكت دارين بسخرية لاذعة وهي تهتف بقوة مصطنعة: # ومين جنابك بقى إن شاء الله؟ اقتربت منها لواحظ بخطوات حذرة وهتفت بقسوة:
# أنا هنا كبيرة الزنزانة ديه… والكل هنا تحت طوعي يا عنيا. ضحكت بسخرية وضربت كفها بالأخرى تهتف بتعجب: # حتى هنا في السجن في كبير ومدير وريس؟ لم تعيرها أي اهتمام والتفتت لتغادر. فأوقفها صوت لواحظ الغليظ: # لااا… ده أنتي شكلك كده عايزة يتعلم عليكي من أولها، وأنا معنديش مانع أهو تبقى عبرة لغيرك. التفتت لها وعادت لتتجاهلها متحركة ناحية الفراش. فاجتمعت حولها أربعة نساء يتحرشن بها. فأخذت تبعدهن وتدفعهن.
ولكن الأمر تحول فجأة لتطاول بالأيدي وأصبح شجار كبير. يحاولن بكل قوتهن أن يلقنها درساً. ولكنها كانت الأسبق والأسرع والأمهر. فانحنت لتتلافى الضربة القادمة من يمنها لتسقطها بعد أن عثرتها بقدمها. وانتصبت لتسد ضربة أخرى من يسارها. وردت عليها بلكمة عنيفة في منتصف الوجه. نزفت السجينة على إثرها من أنفها. وعادت لتضرب الثالثة بخلف رأسها عندما كبلتها الأخيرة من ظهرها بيديها الغليظتين.
فسقطت من قوة الضربة وانحنت لترتكز على يديها وترتفع بقدمها عن الأرض تضرب الرابعة لتسقط أرضاً متألمة. انتفضت عروق لواحظ وهي تجد أتباعها تسقطن مثل الذباب الواحدة تلو الأخرى. فأمسكت بعصا كانت تخبئها أسفل فراشها واتجهت بغضب ناحية دارين محاولة ضربها. ولكنها التقطتها منها بمهارة ونزلت بها على كتفها جعلتها تصرخ متألمة. لم يقف الشجار إلا عندما بدأت المسجونات بالصراخ طلباً للنجدة. فدَلفت السجانات وبدأن يفرقنهن. ورددت السجّانة
فتحية: # مش عاوزين تجيبوها لبر يا شوية حوش… وديني لأدوركم كلكم على مكتب معاون المأمور، واستلقوا وعدكم بقى منه وأنتم عارفينه… معندوش يا أمي ارحميني. قبضت باقي السجانات على لواحظ وأتباعها ومعهن دارين وسحبوهن بشراسة ومهانة. ورددت فتحية بغضب: # اتحركي منك ليها على مكتب المعاون. *** وقفت فتحية تنتظر أن يأذن لها بالدخول. وعندما دلفت رددت باحترام: # في شغب في عنبر 2 يا باشا. نظر لها متعجباً وردد بفضول:
# أوعى تقوليلي لواحظ تاني. أومأت بالموافقة. فهتف بحدة: # أكيد عملت نمرة على الوارد الجديد. ضحكت فتحية تهتف بسخرية: # والله يا باشا المرة دي النمرة اتعملت عليها والبت الجديدة خليتها هي واللي معاها ما يسووش تلاتة مليم. تعابير وجهه المصدومة مما سمعه جعلت حاجبيه ينعقدان بشدة وهو يهتف بحيرة: # مين دي؟ متدخليهمش إلا لما تجيبلي ملف البنت دي الأول. أومأت بطاعة وخرجت لتنفذ أمره بإحضار ملفها.
أما هي فظلت تستند على الحائط المهترئ لجدران السجن تنتظر أن يسمح لها المعاون بالدخول مع باقي السجينات. لتعود بذاكرتها لماضيها القريب تشعر بتصدع عالمها بسبب جريمة لم تقترفها يداها. *** ظل أكرم المغربي يتغزل بها في كل فرصة تسنح له. وهي لا تعطيه أي رد فعل. ولكن إصراره جعلها تلين قليلاً ليصبح تغزله بها أمراً طبيعياً بل وعادياً. ولكنها لا تزال غير متقبلة لأفعاله. فهتفت بعد أن شعرت بوجوب وقفة لتلك الأفعال:
# يا أكرم بيه اللي حضرتك بتعمله ده ميصحش. ابتسم لها أكرم وردد بغزل: # الله جميل يحب الجمال… ومش عيب أبداً لما الواحد يلاقي قدامه حاجة حلوة ويقول عليها الله على الجمال، وسبحان من أبدع ومن صور. حاولت إخفاء بسمتها من غزله بتلك الطريقة التي عفى عنها الزمن. فأطرقت رأسها لأسفل ليقترب منها ويرفع وجهها ناحيته يهتف بحبور: # أنا عارف إن اللي بيحصل ده مش صح… بس أعمل إيه؟ ثم أشار بإصبعه ناحية قلبه وهتف بتأثر: # مليش حكم على ده.
تحرّجت من تصريحه ورددت برفض: # حضرتك متجوز و… قاطعها بوضع إصبعه على فمها وهتف بتأكيد: # عارف… ومش محتاجك تفكريني بده. ومش هعمل زي الرجالة اللي بتلعب ببنات الناس وأقولك أنا مش سعيد مع مراتي ولا إني مبحبهاش. بالعكس، أنا بحبها وسعيد معاها جداً وفضلها وفضل أهلها عليا كبير جداً. بس… صمت ثم رفع وجهه ناحيتها يحدق بها بنظرات والهة وعاد يكمل برومانسية:
# قلبي… قلبي اتهز جامد، طول ما أنتي جنبي بحسه مش بيدق وبس، ده بيكون فيه زلزال. ضحكت على تشبيهه وهتفت بخجل: # المعادلة دي آخرتها مش كويسة، أرجوك يا أكرم بيه متضطرنيش أسيب الشغل وأنا هنا حققت إنجاز كبير أوي و… قاطعها مجدداً بحدة: # أوعى… أوعي تسيب الشغل، أنا مقدرش يعدي عليا يوم من غير ما أشوفك يا دارين. أرجوكي افهميني. تنهدت بعمق فابتسم وهو يقترب منها ويردد بصوت هادئ:
# أنا متأكد إن مشاعري ليها عندك صدى وإلا ما كنتيش شفت الحيرة اللي في عينيكي دي. رددت بحيرة: # وافرض… برضه دي معادلة ملهاش حل. أجابها ببسمته الساحرة: # هو ربنا ليه حلل مثنى وثلاث ورباع؟ رفعت كتفيها كعلامة على جهلها. فأجابها: # الراجل يقدر يحب أكتر من واحدة في نفس الوقت ولكن الست لا، وأنا بحب مراتي وفي نفس الوقت مشدود ليكي جداً… ده غير إنك عارفة إننا مخلفناش لحد دلوقتي وأنا من حقي أكون أب. امتعض وجهها وهتفت بحدة:
# يعني بتقرب مني بالشكل ده عشان الخلفه؟ ابتسم وضحك وأمسك راحتيها بيديه وربت عليهما بدفء وهتف بتفسير: # أبداً… لأن لو ده السبب كنت اتجوزت من زمان من ساعة ما عرفت إنها مبتخلفش. ولكن أنا فعلاً عايز أبني لنفسي بيت وأسرة مع إنسانة بحبها وده أبسط حقوقي. رددت بحيرة: # وجيهان هانم… حتوافق على كده؟ ربت على كتفها وهتف:
# سيبى كل حاجة لوقتها يا دارين… التسرع في المواضيع اللي زي دي مش كويس، خلينا نقرب من بعض ونشوف حنقدر نكمل مع بعض ولا لأ. ولما نوصل لمرحلة الجواز وموافقة جيهان يبقى يحلها اللي لا يغفل ولا ينام. *** عادت من شرودها على صوت الحارسة تهتف بحدة: # ادخلي منك ليها، سيف باشا مستنيكم، يلا يا أختي عشان تستلقي وعدك انتي وهي. دلفن جميعاً وسيف جالس على مقعده يضع قدم فوق الأخرى ويشعل سيجارته. ونظر لهن بازدراء.
ولكنه دُهش من شكلهن فقد تورمت جبهة واحدة ونزفت الأخرى من أنفها وكدمات بجسد الثالثة والرابعة. حتى لواحظ لم تسلم من الأذى. فرفع حاجبه وهو ينظر لوجه الملاك الذي أمامه وهي سليمة معافاة ليس بها خدش واحد. فردد بذهول: # دي اللي عملت فيكم كده؟ صرخت لواحظ باتهام: # أيوه يا باشا… دي مفترية وكسرت ضلوعنا. ارتفع صوتها أكثر باستعطاف: # أنا عايزة حقي يا باشا ده أنا حاسة إن كتفي اتخلع من مكانه. عاد ينظر لها وهي تطرق رأسها بخزي.
فهتف بقسوة: # بلاش وش البراءة ده عشان أنا فاهم أمثالك كويس. امتعض وجهها من ازدراءه الواضح لها. فرفعت وجهها ونظرت له بعينيه ورددت بقوة واستفسار: # أمثالي؟ حضرتك تقصد إيه؟ ابتسم بجانب فمه وهتف بغضب: # اللي شكلهم يقول بريء وهم قتالين قتلة. ضربت لواحظ على صدرها وهي تهتف بخوف: # قتل؟ ابتسم بمكر وعاد لمقعده وهتف بعد أن فتح ملفها أمامه يردد باستفاضة: # دارين هشام الشامي… متهمة بجريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد، مش كده يا…
صمت كنوع من السخرية. فهتفت بضيق: # المتهم بريء حتى تثبت إدانته… ولا إيه؟ وأنا مش هعمل زي الباقيين وأقول لحضرتك أنا بريئة ومظلومة، بس هقول إن الأيام بإذن ربنا حتظهر برائتي. ابتسم باستهزاء وردد وهو ينظر بعمق عينيها: # ويا ترى يا بريئة ومظلومة… قدرتي إزاي تضربي كل دول لوحدك؟ شلة لواحظ مش سهلة عشان تخرميهم بالشكل ده! تحرجت وعضت على جانب شفتها بحرج وهي تهتف بعد أن اختنق صوتها قليلاً فانخفضت نبرته:
# أنا بطلة الجمهورية في الـ Martial Arts. نظر لها بتعجب فعادت تشرح: # فنون قتال ودفاع عن النفس. ضحك عالياً وهتف بحدة: # آااه فهمت… وأنتي بقى جاية السجن هنا تستخدمي اللي اتعلمتيه ده على المساجين؟ أجابته بدفاع وغضب: # كان مطلوب مني أسكت وهم عمالين يضايقوني أنا وكل الناس الجديدة. صرخ بها: # ومين عينك حارس لهم… أنتي فاكرة إنك تقدري تبوظي نظام السجن هنا؟ ده أنا أدمنك مطرحك. عادت تجيبه بحدة لا تتناسب مطلقاً
مع كونها سجينة وهو سجانها: # قصدك نظام الكوسة والكبير ياكل الصغير والكل لازم يقول سمعاً وطاعة للي بتحموهم عشان مصالحكم تمشي. احتدمت حدقتيه بوميض غاضب واحتقنت عيناه بحمرة غاضبة وهو يطرق على سطح مكتبه براحتيه الغليظتين بحدة يصرخ بها:
# أنتي الظاهر إن العقوبة اللي مستنياها مش هماكي خالص… بس متقلقيش أبداً، ما السجن هنا تهذيب وتقويم وإصلاح وأنا هأديكي تحذير لأول وآخر مرة. لو فكرتي تستخدمي مهارتك دي على المساجين هنا أنا ححط ده في الملف بتاعك وأبقى خلي المحامي بتاعك بقى يحاول يخفف العقوبة لما يتعرف إنك قدرتي تبهدلي المساجين كده، ومظنش إن تقارير السجن حتبقى في صالحك لما المحكمة تيجي تحكم عليكي بناء عليها. زفرت أنفاسها بضيق وعصبية وصرخت بقهر: # ليه كده؟
هو يا أما أسكت على الإهانة والبهدلة؟ يا تهددوني بالشكل ده، ليه الظلم بيبقى أقوى من الحق… حسبنا الله ونعم الوكيل. صراخها وحدتها بهذا الشكل أخرجته من طور هدوئه الزائف. فصاح يستدعي السجّانة: # فتحييييه…. خديهم على العنبر بتاعهم وسيبلي الوارد الجديد عشان ياخد التشريفة بتاعته. رددها بتوعد وهو ينظر لها بتحدي. فندمت على تسرعها وشعرت بالرهبة تعود لتجتاح جسدها.
فأحنت رأسها لأسفل تستمد قوتها من الدعاء وتلاوة بعض الآيات القرآنية. سمعها سيف بعد أن خلت الغرفة ولم يتبقى سواهما. تردد بتضرع: # اللهم اجعل كيدهم في نحرهم. ردد وهو ينظر لها بتقزز واشمئزاز: # لااا وبتعرفي ربنا أوي، اسمعي بقى. دفع المقعد بقدمه ليرتد ويصطدم بالحائط مصدراً صوتاً مدوياً. ارتعدت على إثره واقترب منها يمسكها من ذراعها غارزاً أظافره بها ليؤلمها:
# شغل التلت ورقات وتعمليلي فيها خضرة الشريفة ده مش حياكل معايا… أنا مر عليا زيك كتير. رفعت وجهها تنظر له والالم بذراعها يزداد. فاستطرد حديثه غير عابئ بنظراتها الحزينة: # ولو فكرتي بس مجرد تفكير إنك تعملي شغب مرة تانية، فسنينك هنا في السجن مش حتعدي على خير. ترك ذراعها بقسوة وعاد لمكتبه واستند بذراعيه على سطحه وهتف:
# قضيتك باينة زي عين الشمس ولو معاكي محامي شاطر فاخر حاجة يقدر يعملهالك إنه يخليها قتل خطأ ودي عقوبتها معاكي لحد خمس سنين كده. أنما بقى لو وصل للمحكمة فنون القتال بتاعتك دي فده حيكون استخدام لحرفتك أو مهارتك في القتل وده ممكن يجيب لك حبس من 7 سنين لأكتر. ده لو أصلاً المحامي عرف يخليها قتل خطأ مش عمد. أما بقى لو كان عمد ويا سلام لو مع سبق الإصرار والترصد… كده أنا اضمنلك الإعدام.
دمعت عيناها فشرد لحظة بعبراتها المنسكبة من مقلتيها. وشعر بأنه تمادى. ولكنها لم تمهله حتى لحظة واحدة للندم. حيث صرخت بقهر: # ربنا على الظالم والمفترى… منك لله انت وكل اللي ظلموني، وربنا حياخدلي حقي منكم يا ظالمة. حرك رأسه معترضاً على حديثها وهتف بهدوء مصطنع عكس النيران المتقدة بداخله: # مصره تشوفي وشي التاني من أول يوم… ومالها. استدعى السجّانة وهتف مردداً بتوعد:
# خديها على التأديب ومعاكي 3 أيام… ولو متربتش زودي المدة، وخذي راحتك معاها على الآخر مبخليش عليها بكرم الضيافة. سحبتها السجّانة وهي تنظر لها بوجل. تردد بجهل: # هو إيه التأديب ده؟ أجابتها الأخيرة وهي تسحبها وتسوقها ناحية عنابر التأديب: # يعني الحبس الانفرادي… ودي عقوبة أول مرة الوارد الجديد يدخل فيها من أول يوم، ده أنتي أكيد عملتي مصيبة كبيرة أوي عشان الباشا يكدرك كده من أولها. صمتت ولم تتحدث.
حتى وصلت لزنزانة الحبس الانفرادي. فوجدتها عبارة عن غرفة ضيقة ومعتمة بها فراش أرضي ودلو مخصص لقضاء الحاجة. ناهيك عن رائحة العفن المتأصلة بجدرانها. لتلج إلى الداخل ترتمي أرضاً وهي تسأل نفسها سؤالاً واحداً: (هل هي تستحق هذا العقاب القاسي… حتى؟ *** دوى طرقات عالية أيقظت كل من بالمنزل. فهَرَع هشام ليفتح الباب فتفاجأ بقوات الشرطة تقتحم المنزل بطريقة فجة. فشعر بالذعر وهتف بتساؤل: # فيه إيه؟ وقف الضابط يردد بصوت جهوري:
# ده منزل دارين هشام الشامي. أجابته هي: # أيوه… أنا، فيه إيه؟ أجابه بقوة: # أنتي مطلوب القبض عليكي… من فضلك تعالي معانا من غير شوشرة. ردد هشام بدهشة: # حضرتك بتقول إيه يا فندم؟ بنتي عملت إيه؟ أجابه وهو يسحبها من ذراعها: # لما تروحوا القسم حتعرفوا، يلا بلاش عطلة. وهناك وقفت أمام رئيس المباحث تهتف بذهول: # أنا عايزة أفهم أنا هنا ليه؟ أجابها الأخير:
# أنتي متهمة بجريمة قتل… والأحسن إنك توكلي محامي كويس قبل ما تدلي بأقوالك. نظرت له بذهول ودهشة ورددت بعدم تصديق: # قتل؟! أنااا؟ أنا مقتلتش حد؟ أجابها رئيس المباحث: # نصيحتي ليكي تشوفي محامي كويس لأن شكلك بنت ناس ومش وش بهدلة. *** ظلت تبكي وترفض الطعام الذي يوضع أمامها. حتى شعرت بضرورة قضاء حاجتها. وهنا لم تستطع التمالك أكثر فانهارت عندما طلبت من السجّانة المسؤولة عنها أن تدلف المرحاض. فكان ردها:
# عندك جردل وميه… صرفي نفسك بيه. توسلتها ببكاء: # أرجوكي… أنا مش هعرف أعمل كده. عندما تم إهمال طلبها لساعات بدأت بالصراخ والضرب بقوة على الباب الحديدي وهي تهدر بالجميع: # حسبنا الله ونعم الوكيل… اللي بيحصل ده حرام. *** جلس هشام مع المحامي يردد بتخوف: # إيه الخطوة اللي جاية يا متر؟ أجابه سعد الدين بثقة:
# متقلقش… أنا وصيت عليها جوه السجن ومش أي حد، ده المأمور بذات نفسه يبقى جوز عمتي وأنا قلتله إنها بنت واحد صاحبي وحبيبي. ابتسم بمجاملة وامتنان وشكره. فأكمل سعد الدين: # عشان بس تعرف مين هو سعد الدين المحامي. وعلى فكرة لولا المحامي الأولاني اللي كان معاكم في تحقيقات النيابة ده كانت الحكاية اتحلت أسهل من كده بكتير. ردد هشام بغضب:
# منه لله بقى لبسنا في الحيطة هو واللي باعته، ودلوقتي انت حتدور وراه عشان موضوع العقد ده ولا إيه؟ أومأ له موافقاً. ولكنه نظر له نظرة ذات مغزى وتحدث باستفاضة: # بص زي ما أنا متأكد من براءة بنتك، ومتأكد إنه له يد في اللي حصل. فأنا شبه متأكد إن العقد ده حيكون مزور. لمعت عين هشام بالغضب والكره وردد بقسوة وعصبية: # إزااااي؟ دي تبقى مصيبة، أنت لازم تكشف الحكاية دي بأي تمن… البنت كده حتضيع. ردد الأخير بثقة:
# متقلقش… كله محسوب يا أستاذ هشام وإن شاء الله الجلسة الجاية نكون عرفنا نحط أيدينا على دليل البراءة. بس أنت قول يا رب. هتف هشام بتضرع: # ياااا رب ملناش غيرك. *** قام مأمور السجن باستدعاء سيف لمكتبه. وحياه الأخير بالتحية العسكرية وهتف باحترام: # أوامرك يا فندم. ابتسم له وأشار للمقعد الذي أمامه وردد: # اقعد يا حضرة المعاون. جلس سيف فاستطرد الأول: # عامل إيه وسيادة اللوا والدك أخباره إيه؟ أماء له يهتف:
# الحمد لله يا فندم… خير كنت عايزني في إيه؟ أجابه المأمور بفضول: # سكنت الوارد الجديد؟ أماء موافقاً فاكمل: # طيب كان في واحدة منهم متوصي عليها، فكنت عايزك بس توصي نباطشية العنبر بتاعها إنها تهتم بيها شوية وتاخد بالها منها. أماء له بطاعة. رغم أنه طوال فترة خدمته لم يحبذ ذلك النوع من الوساطة والمحسوبية في التعامل مع بعض السجينات على حساب الأخريات. ولكن الأوامر دائماً ما تأتيه من رؤسائه لهذا يضطر إلى تنفيذها.
زفر بهدوء وهتف: # اسمها إيه السجينة يا فندم عشان أبلغ النباطشية؟ أجابه المأمور: # دارين الشامي… جاية جنائي. لمعت عينه على الفور عندما استمع لاسمها. فوقف مكانه بحدة وهتف: # مين يا فندم؟ أعاد المأمور اسمها على مسامعه فهتف سيف برفض قاطع: # مستحيل طبعاً… دي لو بنت وزير الداخلية بذات نفسه أنا مش حميزها عن غيره. تعجب المأمور من رد فعله المبالغ فيها. فماذا يمكن أن تكون قد اقترفت السجينة بيومها الأول ما جعله غاضباً هكذا.
ردد المأمور بفضول يسأله: # وده ليه؟ هي عملت حاجة؟ ابتسم بسخرية وردد بتهكم: # حاجة؟ قول حاجات يا فندم، دي بهدلت المساجين وضربتهم وبجحت فيا ده غير إنها جايه في قتل مش أي تهمة، يعني من الآخر كده بت لبط وشكلي هدخلها عنبر الخطرين. تعجب المأمور وهتف بدهشة: # غريبة… ده سعد الدين موصيني عليها جامد وقايل أشعار في أدبها وأخلاقها وتربيتها. أجابه سيف بضيق:
# ما هي شكلها ملاك يا فندم، بس شكل بس… أنما بقى تفتح بوقها بيخرج منه زفت وقطران على دماغها. زفر المأمور بضيق وهتف: # طيب… بس معلش بلغ النباطشية على الأقل لو احتاجت حاجة تعملهالها. عض على شفته بغضب وردد: # يا فندم دي في التأديب. امتعض وجه المأمور وانتفض من مجلسه يردد بحدة: # التأديب؟ وإحنا من امتى بندخل الوارد الجديد التأديب؟ ومن أول يوم يا حضرة المعاون. أجابه بتأكيد:
# لما الوارد الجديد ده يا فندم يضرب شلة لواحظ كلها من غير حتى ما يعرفوا يلمسوها ولما تبقى بتلعب فنون قتالية وتستخدمها على المساجين… جلس المأمور يحرك رأسه بدهشة وردد: # أنا فعلاً مستغرب… أنت اديتها كام يوم في التأديب؟ أجابه سيف بإيجاز: # تلاتة. أماء له وردد بهدوء: # طيب يا سيف كفاية يوم واحد وأديها تحذير شفهي ولو كررتها تاني ابقي اتصرف معاها زي ما أنت عايز بس على الأقل ابقى نفذت وعدي لسعد الدين.
أماء له موافقاً واستأذن ليعود لمكتبه بعد أن حياه باحترام بالتحية العسكرية. ولكنه فور أن دلف مكتبه وجد السجّانة المسؤولة عن حراستها تقف أمام الباب تنتظره. فنظر لها نظرة بمعنى ماذا هناك. فأجابته على الفور: # المسجونة الجديدة اللي في التأديب يا باشا. زفر بحدة وردد بفراغ صبر: # هو أنا مفيش ورايا غيرها النهارده؟ مالها؟ أجابته بتخوف: # عاملة شغب يا فندم وعمالة تصرخ وتعط. نظر لها بعدم اكتراث وردد: # عادي وإيه الجديد؟
ما كل اللي بيدخل التأديب بيعملو كدا. أجابته بحرج: # أصل يا باشا هي عايزة تدخل دورة المياه والبت شكلها بت ناس ومش وش بهدلة وبصراحة كده صعبانة عليا. ضحك سيف بسخرية واقترب منها بخطوات بطيئة. فعادت بحذر للوراء ليردد هو بثقة: # تبقى قبضتك يا عطيات… تبقى قبضتك يا حضرة الشاويش المحترم. حاولت أن تنفض عنها الاتهام فرددت بلهفة: # يا باشا الحكاية مش كده… قاطعها بسبّة نابية وأكمل: # تعالي ورايا أما أشوف آخرتها معاها البت دي. ***
وصل لبوابة الزنزانة ونظر لها من النافذة الحديدية الضيقة الموجودة بالباب. فوجدها تجلس القرفصاء وتضع وجهها بين راحتيها. وصوت شهقات بكائها جعله يشفق على حالتها. فور أن سمعت صوت نحيحته انتفضت من مكانها واقتربت من النافذة الصغيرة وأسندت كفها عليها. فتلامست أناملها بخاصته فشعر على الفور بتيار كهربائي يسري بجسده. ليتعجب من حالته. ولكنه انتشل يده بسرعة من على النافذة وردد بحدة: # خير؟
ابتلعت لعابها بغصة مؤلمة وهي تهتف بتوسل محاولة أن تدوس على كرامتها والتي أهدرت بالفعل منذ اليوم الأول لدخولها هذا المكان الكريه. فرددت: # أرجوك… أنا محتاجة التويلت ضروري جداً، أرجوك. زغر بعينه وقوس فمه وهو ينظر لحالتها المشعثة وشعرها المجعد الكثيف وتوسلها اللطيف والذي جعله يبتسم. فاقترب من النافذة وهتف بمشاكسة: # عايزة إيه؟ التويلت؟ إحنا هنا معندناش تويليت، فيه دورة مياه تنفع؟ حركت رأسها بعدة حركات سريعة ومتتالية.
فردد يؤكد عليها: # وأنا موافق وهخرجك كمان من التأديب بس بشرط. هتفت بلهفة: # أي حاجة بس أمشي من هنا. ابتسم بزهو ونظر لعطيات وردد بصيغة آمرة: # وديها الحمام وهاتيها على مكتبي. أجابته عطيات باحترام: # أوامرك يا باشا. وقفت على باب المرحاض تتأفف من رائحته الكريهة. ولكنها مضطرة فهي لم تقضِ حاجتها منذ أول أمس. فرددت عطيات عندما وجدتها تقف بتردد: # أمّال يا ختي كنتي بتعملي إيه لما اتحبستي في القسم؟
ده هناك الحمام زي الزفت والتخشيبة متر في متر. أجابته بحزن: # بصراحة الظابط كان موصي عليا وكنت بدخل التويلت بتاعه. انتهت من قضاء حاجتها بصعوبة وخرجت لتستند على الحائط تبكي بقهر. فموعد المحاكمة بعد ستة أشهر من الآن. فكيف ستمكث كل هذا الوقت وهي من أول يوم لها قد عانت الأمرين بهذا الشكل. رأتها عطيات على هذه الحالة فاقتربت منها وربتت على كتفها برقة وهتفت: # بصي يا بنتي… أنتي بجد صعبانة عليا وشكلك مش وش بهدلة.
أنا هقولك نصيحة حطيها حلقة في ودنك. أول هام هي لواحظ… أوعي تقفي قصادها دي ست مفترية ومش بتسيب حقها وجوزها تاجر كبير وممشبرق الكل هنا عشان يريحوا مراته. وثاني هام يا بنتي الفلوس… الفلوس هنا هي كل حاجة. تقدري تشتري بيها راحتك يعني تدفعي عشان تدخلي الحمامات النظيفة وتدفعي عشان تاكلي أكل نضيف… فهمتيني؟ ابتسمت بخزي وهتفت:
# وأنا معيش الفلوس اللي أقدر أشتري بيها راحتي، بابا موكل محامي كبير أوي بعد ما المحامي الأولاني بوظ القضية ولبسني التهمة منه لله. صمتت لتبكي وتمسح عبراتها بظهر يدها وأكملت: # والمحامي ده بقى أتعابه كبيرة أوي… يعني من الآخر حياخد كل اللي حيلتنا وأنا مش حقدر أضغط على بابا أكتر من كده. طيبت خاطرها بحنية وهتفت:
# كله بيعدي يا بنتي… ويلا بسرعة عشان سيف باشا مستنيكي، خدي بالك سيف باشا طيب ومش من عوايده إنه يتنرفز بالشكل ده. ضحكت بسخرية ورددت وهي تتجه معها ناحية مكتبه: # أمّال لو كان شرير كان عمل إيه؟ ده حتى مرضيش يسمعني وهو أكيد عارف إن اللي اسمها لواحظ دي هي اللي بدأت بالمشاكل. زفرت باستسلام وهتفت توضح لها الأمر: # بصي يا بنتي… أنا زي أمك وفي شغلانتنا دي بنعرف نفرق كويس بين الظالم والمظلوم وأنتي باين عليكي غلبانة ومظلومة.
أنا هقولك حاجة واحدة. وقفت أمام باب المكتب تكمل معها حديثها: # اعملي لقدام عشان لو لا سمح الله قعدتك هنا طولت متبقيش ربيتِ عداوة مع الأكبر والأقوى منك… ويلا بقى أحسن سيف باشا يدورني مكتب بسببك. أماءت لها ودلفت معها المكتب. فحيّته باحترام ودارين تطرق رأسها لأسفل. فنظر لها بتفحص وأشار لعطيات بالانصراف. ففعلت وأغلقت خلفها الباب. ظلت تنظر للأرض وهو يقلب في الأوراق أمامه يتصفح ملف قضيتها بتدقيق. حتى قطع الصمت أخيراً
وردد بصوت رزين: # اقعدي. نظرت له بامتنان وجلست. فاخرج علبة سجائره وأشعل واحدة ومد يده بالعلبة يعرض عليها التدخين. ولكنها رفضت: # أنا مش بشرب. عاد العلبة أمامه وردد ببسمة سخرية: # بكرة تشربي… ما كل اللي بيدخل السجن هنا بيبقى مدخن شره. زفرت بحزن. فهتف بفضول: # أنتي إيه حكايتك بالظبط؟ منكسرة ولا مفترية، مظلومة ولا متهمة، بنت ناس ولا بنت… قاطعته بانتفاضة جسدها من على المقعد: # أرجوك… من غير إهانة. قوس فمه وهتف:
# قضيتك صعبة… الملف اللي قدامي بيقول إنك لابسة في حيطة سد. بكت في صمت. فشعر بالضيق من منظرها ولا يعلم لما يتعاطف معها. فهتف: # سعد الدين المحامي هو اللي ماسك القضية؟ أماءت له تؤكد على حديثه. فردد: # هو شاطر ولو أنتي بريئة حيعرف يظهر برائتك. دعت بتضرع وأيادي موجهة للسماء: # ياااا رب… أنت عالم إني بريئة. نظر لها بتدقيق ولا يعلم لما حدسه ينبئه ببرائتها. فهتف متسائلاً: # أنتي إيه حكايتك؟ ومظلومة فعلاً؟
أجابته والحزن يخيم عليها: # لو حكيتلك حتصدقني؟ أجابته بيقين: # أنا بعرف أقيم الناس اللي قدامي كويس. ومع إنك دخلتي داخلة غلط بس إحساسي بيقول لي إنك بريئة. أجابته بلهفة: # وأنا بريئة والله ما قتلت حد. أماء لها وردد بتأكيد: # احكيلي وأنا سامعك. بللت شفتيها بطرف لسانها وابتلعت لعابها حتى تزيل حشرجة صوتها وهتفت: # ححكيلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!