استيقظ من نومه على صوت جرس الباب فتوجه ليفتحه ليجدها أمامه بعيون باهتة وملامح حزينة ونظرات اشتياق فاقت الحد. رد بصوت خافت يكاد يكون مسموعًا: _مش هتقولي ادخلي؟ ابتسم ابتسامة مقتضبة وأشار لها بالدخول، وأغلق الباب والتفت ينظر لها باشتياق هو الآخر ونظرات تملؤها العتاب. بادلته بنظرات راجية تطلب السماح. رد بهدوء: _جاية ليه؟ أجابته وهي تحاول كتم غصة بكائها: _عشان وحشتني، هو أنا موحشتكش؟ رفع وجهه ليقابل مقلتيها
الحزينتين وردد باشتياق: _وحشتيني طبعًا. ابتسمت بحزن واقتربت منه تسأله بحيرة: _اومال مش بتسأل عليا ليه؟ حاول الهروب من نظراتها التي تفضح اشتياقه لها وردد بحزن: _عشان زعلان منك يا دارين، زعلان منك أوي. اقتربت أكثر تردد برجاء: _سامحني. حرك رأسه برفض وردد: _مش قادر. بكت وأمسكت راحته بمحايلة هاتفة: _وحياتي عندك. دمعت عينه رغماً عنه، فرفعت أناملها تمسح له عبراته وابتسمت له بحزن معترفة:
_أنا غلطت كتير، بس أنت كل مرة كنت بتسامح، وعارفة إن غلطي المرة دي كبير أوي، بس مش شايف إن العقاب كان كفاية؟ أنا مش قادرة أعيش من غيرك. وقفت أمامه شبه ملتصقة به لدرجة اختلاط أنفاسهما ورددت بتوسل: _سيفو، أنت وحشتني أوي. انحنى وقبلها قبلة عميقة تجاوبت معها على الفور وابتعد لحظة ليردد: _وأنتي وحشتيني أكتر. عاد لتقبيلها وحملها وتوجه لغرفة النوم. أوقفته برجاء: _سيف، إحنا اتطلقنا، مش هينفع.
ابتسم وهو ما زال متوجهاً للغرفة وأسندها على الفراش هاتفًا ببسمة فرحة: _أنتي لسه في العدة وأنا رديتك لعصمتي، ها موافقة؟ قضمت شفتيها بداخل فمها وأومأت بالإيجاب، فاعتلاها على الفور ليبث لها اشتياقه وعشقه الذي لا ينضب أبداً. *** انتفض من نومته بفزع على صوت طرقات عالية على الباب، فنظر بجواره فلم يجدها. لينظر لحالته المنتشية من أثر حلمه الحسي الذي أوصله لحالة مقاربة للواقع.
فزفر بأنفاسه المتضايقة واتجه لفتح الباب ليجدها أمامه تنظر له بلهفة. فقوس فمه ممتعضًا من رؤيتها. فهتفت: _مش هتقولي اتفضلي؟ زم شفتيه بضيق وأدار وجهه عنها، فدَلفت للداخل وجلست أمامه على الأريكة. فسألها بحده: _إيه اللي جايبك؟ أجابته وهي تتحرك من مكانها لتجلس بجواره: _وحشتني، قلت أجي أشوفك. ضحك ساخرًا وردد بغضب: _أنتي فكراني لما سكت على أفعالك كان عشان أنا مش قادر أعمل حاجة؟ أومأت بلا ورددت بصوت هامس مثير:
_لا عشان بتحبني زي ما بحبك. رمقها بنظرة حادة وغاضبة وهدر بها: _حب؟ حب إيه اللي بتتكلمي عنه؟ هو فيه واحدة تحب واحد تأذيه بالشكل ده؟ وقف منتفضًا وأشار للباب وردد بصوت جهوري: _اتفضلي امشي من هنا، أنا مش عايز أشوفك وحاولي تبعدي عن طريقي لأني مش ضامن نفسي هقدر أمسك نفسي عن أذيتك ولا لأ؟ اقتربت منه بجرأة ورددت: _ليه كل ده؟ كل حاجة عملتها كانت من حبي فيك. اخشنّت ملامحه وجحظت عيناه وزأر بغضب:
_بطلي تتكلمي عن الحب عشان أنتي متعرفيش عنه حاجة، أنتي آذيتيني بكل شكل وأنا سكت وعديتها أكتر من مرة عشان خاطر صلة الرحم وبس، إنما تجيلي لحد هنا وتقوليلي حب ومش حب… قاطعته مقتربة منه أكثر ورددت وهي تحاول احتضانه: _أنا حبك الأول ونسرين ودارين الاتنين أخدوك مني يا سيف، وأهو ربنا محبش الظلم واتطلقت، يبقى إيه المانع إننا نبقى سوا؟ أبعد ذراعيها الملتفين حول عنقه بسخرية وصاح هادرًا:
_ابعدي عني بقولك يا هايدي، إلا متلوميش إلا نفسك في اللي هعمله معاكي، كفاية أوي اللي جرالي من تحت راسك. ضحكت بسخرية ورددت: _بقى أنت زعلان مني عشان عملتلك عمل؟ وأنت مصدق من جواك إنه مستحيل يأذيك!! ومش زعلان من اللي راحت نامت في حضن راجل تاني وهي على ذمتك؟ لم يشعر بنفسه إلا وصفعته الغاضبة تزين وجهها الذي يراه دميمًا من جرأتها وهتف صارخًا بها:
_دارين أشرف منك ومن عينتك، ومش معنى إننا اتطلقنا إني أسيبك تخوضي في عرضها بالشكل ده، امشي اطلعي بره بدل ما المرة الجاية مش هكبر حد وهتصرف معاكي بمعرفتي. حاولت التحدث ولكنّه سحبها من ذراعها وفتح باب الشقة وألقاها بالخارج وهو يصرخ بها: _اطلعي بره وإياكي أشوفك ولو حتى صدفة… بررررره. *** تعجب الجميع من الخبر وتعجب معهما الطبيب الذي ردد بعملية: _إزاي متعرفوش إن في حمل؟ ده واضح إنه في أكتر من ست أسابيع. نظرت لها
والدتها بحيرة فهتفت موضحة: _اللي حصل خلاني مأخدتش بالي من التأخير. سألتها فدوى باهتمام: _وكلام الدكتورة؟ والخطورة اللي عليكي؟ لمعت عيناها على الفور لتخوفها من أن تطلب منها الطبيبة أن تجهضه فترجتهم جميعًا: _عشان خاطري محدش يقول أي كلام من ده… ربنا بعته في الوقت ده بالذات عشان يعوضني بيه و… قاطعتها فدوى هاتفة بحزن: _وافرض سيف مش عاوزه؟ تجهمت ملامحها وازدادت تعابيرها حزنًا على حزنها وهتفت رافضة:
_لا يا ماما مش للدرجة دي!! يمكن سيف خلاص مش عايزني ولا عايز يفتكرني، إنما مستحيل يفكر إنه يخليني أجهضه. شعر الطبيب بالحرج فهتف بعد أن تنحنح: _طيب يا جماعة أنا شايف إنها الأفضل ترجع للدكتورة بتاعتها وتكشف نسا عشان يقدروا يحددوا الأفضل ليها ولصحتها، بعد إذنكم. غادر الطبيب وأوصلته ليلى للباب وجلست والدتها بجوارها تردد بتفسير: _افرضي الدكتورة قالت في خطورة هتعملي إيه؟ رمقتها بنظرة جادة هتفت بتأكيد: _برضه هخليه.
سألتها مجددًا: _وافرضي سيف مسك في حكاية إنه في خطورة وصمم تنزليه؟ بكت ورددت بحزن: _هيبقا عايز ينزله خوف عليا يا ماما، وأنا مستحيل أنزله فاهمين؟ نظرت لوجوههن جميعًا ورددت بغضب: _الموضوع ده محدش يعرف عنه حاجة… ولا حتى بابا وجمال. انعقد حاجبا ليلى وهتفت بحيرة: _يعني إيه؟ هدرت بغضب: _يعني زي ما سمعتوا. ثم نظرت لنيللي ورددت بتحذير قوي: _لو سعد عرف هيقول لسيف ولو ده حصل تنسيني ومتعرفنيش تاني. ترجتها بمهادنة:
_مش يمكن لما يعرف قلبه يحن… قاطعتها صارخة بها: _لو هيرجع عشان اللي في بطني، فـ أنا مش عايزاه… أرجوكم احترموا رغبتي ولو مرة واحدة. وسط بكائها وانهيارها بهذا الشكل لم يجدن بداً سوى الرضوخ لرجائها وإخفاء الأمر لأجل غير مسمى. *** مر شهر آخر وحال سيف ليس بأفضل حال، فترك لحيته حتى وبخه عليها المأمور هاتفا: _يا سيف أنت عارف إنه مينفعش تبقى بلحية. اعترض بجسده وردود أفعاله ولكنّه أومأ باحترام هاتفا: _حاضر يا فندم هحلقها.
عاد للمنزل كعادته يرتاح قليلاً ويأخذ حمامه وينام، ولكن تلك المرة وجد أخته تقف أمام باب منزله القديم الذي يقيم فيه منذ الطلاق. فابتسم لها وردد: _ماما اللي بعتاكي؟ أومأت بصمت فسحبها داخل أحضانه وردد معتذرًا: _معلش أنا مقصر في حقك، بس كل ما أروح لماما بضايق من كلامها. رددت وهي تدلف معه للداخل وتجلس بجواره تربت عليه: _بتضايقك عشان عايزة ترجع مراتك؟ زفر بحنق وردد: _يا سارة بلاش أنتي كمان تتكلمي معايا في الموضوع ده.
زمت شفتيها واقتربت منه أكثر تنظر لعينه بتفحص ورددت تسأله: _طيب ممكن أسألك سؤال وتجاوبني عليه من غير تهرب ولا لف ودوران؟ أومأ موافقًا باستسلام من تدخلهم بحياته وهو يردد بتذمر: _اتفضلي يا ستي، كنتوا رافضين جوازي منها ودلوقتي رافضين انفصالي عنها وكأنكم بتدخلوا في حياتي لمجرد إنكم تعارضوني!! رددت بضيق من أسلوبه الحاد:
_لا طبعًا مش كده، بس كلنا اتأكدنا إنها بتحبك بغض النظر عن تصرفاتها الغلط اللي أنت تقدر تقومها زي ربنا ما قال. تنهد بحزن فهتفت تسأله: _أنت لسه بتحبها؟ أدار وجهه عنها وزفر باختناق، فابتسمت وأمسكت هاتفه تضيء شاشته التي تزينها صورتها بالخلفية ورددت: _لسه بتحبها يا سيف بدليل ده. ردد بغضب: _أيوه بحبها، بس مش معنى ده إني أبقى ماليش قيمة عندها. هدأته وقالت بحب: _غلطت من حبها فيك، متستحقش إنك تسامحها؟ أجاب وهو يقتل غصة بكائه:
_أسامحها على أي غلط إلا إنها تقلل مني وتلغيني من حياتها، وتتعامل كإني مش راجل قادر أحميها. سألته بمكر: _أنت شاكك فيها ولا متأكد إنها مستحيل… لم تكمل حيث قاطعه:
_أكيد مش شاكك فيها، ولا الطلاق كان بسبب الموضوع بتاع شهاب أكتر من إحساسي بالعجز جنبها لما ترمي نفسها هي في الخطر عشاني، ربنا قال للراجل اللي بيموت وهو بيحافظ على عرضه شهيد، لكن مجابش سيرة الست اللي بتضحي بنفسها عشان جوزها لأن هي اللي عرضي مش العكس، أنا اللي المفروض أحميها مش العكس. نزلت دمعة غادرة على وجنته فمسحها على الفور وردد: _هي مكانش عندها ثقة إني أقدر أكون الراجل اللي يحميها وده واجعني أوي.
ربتت على كتفه وسألته: _طيب شهرين عقاب مش كفاية؟ ولا ناوي تستمر لأمتى؟ ضحك بحزن وردد: _أنتي مفكراني بعاقبها؟ أنا بعاقب نفسي بسوء اختياري يا سارة. ابتسمت بحزن وعادت تسأله: _طيب يعني خلاص الحكاية خلصت بينكم؟ أومأ بحزن هاتفا: _للأسف، مش هقدر أنسى اللي حصل، كده أحسن للكل. نظرت بمقلتيه بتركيز وسألته: _حتى لو عرفت إنها حامل؟ رمقها بنظرة مدهوشة بادلته إياها بنظرة مبتسمة وهي تحرك رأسها بالإيجاب هاتفه:
_أيوه يا سيف، دارين حامل. انتفض بغضب يسألها: _إزاي؟ عرفتي منين؟ ردت عليه ببسمة: _كنت عند الدكتورة بتاعتي بتابع معاها عشان أنت عارف إن من يوم الحادثة وأنا مش عارفة أحمل تاني، وشوفتها هناك وحاولت طبعًا تخبي عليا وقالت لي إن مامتها اللي بتكشف بس على مين؟ أغلقت عين غامزة بها وهتفت: _سألت عنها الدكتورة وقالت لي إنها حامل في الشهر الثالث. تعجب وتساءل بداخل نفسه لماذا خبأت عليهم حملها فسأل سارة بحيرة:
_طيب متعرفيش صحتها عاملة إيه؟ الدكتورة كانت قايلة… قاطعته ضاحكة بانهيار وهتفت بمشاكسة: _متخافش، الجنين تمام وزي الفل. هدر بغضب: _أنا مالي ومال الجنين المهم هي. عادت لضحكاتها العالية وهتفت تطمئنه: _صحتها كويسة برده متخافش. تنهد براحة وتضرع لله مناجياً ربه: _ربنا يكملها على خير يا رب. ظلت تنظر له بمكر ودهاء فصاح بها: _إيه؟ ضحكت وهتفت تسأله: _لسه عند رأيك؟ أجاب بتوتر: _أه، الحمل مش هيغير حاجة. ابتسمت وهتفت تتلاعب معه:
_فعلاً، بس هيزود شهور العدة شوية. رمقها بنظرة متفهمة لما تعنيه فزفر أنفاسه بالضيق وحرك رأسه باستسلام على أفعالها الطفولية من وجهة نظره. *** بحزن بائن دلفت منزل والديها وهي تبكي وفدوى تحاول تهدئتها: _يا بنتي خلاص اللي حصل حصل، وأصلاً ما أنتي قلتي لها إني أنا اللي بكشف. جلست تبكي وتنتحب وتردد بحزن: _هتقوله، وهيفضل ورا الموضوع لحد ما يعرف إني حامل. زفرت والدتها زفيراً قوياً وسألتها: _وفيه إيه؟ ما مسيره هيعرف.
نظرت لها بحزن وهتفت مفسرة: _لو رجع دلوقتي هيرجع عشان الحمل يا ماما، أنا بعد الأيام إن شهور العدة تقرب تخلص يمكن يكون بيعاقبني وناوي يرجعني بعدها، مش عايزاه يرجعني بس عشان الحمل. أشاحت فدوى بيدها معترضة واتجهت للمطبخ وهي تهتف: _حتى لو… مش أحسن من الوضع اللي أنتي فيه ده؟
تضايقت من تلميحها وشعرت بالخزي، فحتى عائلتها لم تؤازرها منذ طلاقها ولم يتدخل أحد للصلح بينهما، وكأنهم معترفين بخطأها والأكثر من ذلك موافقين على طلاقها. فدَلفت غرفتها لتكمل نحيبها وبكاءها الذي لم ينقطع منذ شهرين. لم يمر الكثير من الوقت حتى استمعت فدوى لطرقات على الباب ففتحت لتجدهما سارة وسيف، فرحبّت بهما بسعادة بعد أن فهمت أن أمنيتها قد تحققت وأدخلتهما الصالون تهتف بمرح: _أهلاً وسهلاً، إيه النور ده؟ ابتسمت سارة لفهمها
سبب سعادة فدوى ورددت: _ده نورك يا طنط، اومال فين دارين؟ أجابتها بتعجل: _هناديها أهو على طول. دَلفت بفرحة لا تسعها وهللت: _يا دارين، سيف بره. انخلع قلبها لحظة سماعها باسمه يتردد أمامها من جديد، ووقفت ترتدي على عجالة، وبالرغم من حزنها لعودته بسبب خبر حملها فقط، إلا أنها من داخلها شعرت بالفرحة تغمر كيانها فقط لمجرد وجوده بمحيطها. دَلفت بهدوء مرددة تحية لبقة، لقاها هو بإيماءة طفيفة، لتهرع سارة باحتضانها وتوبيخها بمرح:
_كده برضه تخبي علينا، أنا زعلانة منك. لم تعقب وظلت نظراتها ترتكز عليه وحده لتزيل نار اشتياقها له، أما هو فظل مطرقًا رأسه خوفًا من أن يتهور ويسحبها داخل أحضانه لشوقه لها وافتقاده عبيرها. جلست تتنحنح وتردد: _إزيك؟ رفع بصره بعد أن اشتدت ملامح الغضب عليها وهتف بجمود: _الحمد لله. رأت سارة أن من الأفضل أن تترك لهما مجالاً بالرغم من تصميم سيف أن تأتي معه، فرددت بادعاء: _معلش يا ديدو محتاجة التويلت ضروري.
ابتسمت وأشارت لها بالدخول، ولكنها دَلفت للمطبخ تقف برفقة فدوى هاتفه بتضرع: _ربنا يهديلهم الحال يا طنط. رفعت فدوى كفيها للسماء متضرعة: _آمين يا رب. أما عنهما فظلا صامتين حتى شعرت بالضيق من سكوته، فسعلت سعلة صغيرة لتحثه على الحديث، ولكنّه ظل صامتاً، فرددت بحرج: _تشرب إيه؟ أدار وجهه رافضاً: _مش عايز حاجة. تضايقت من جموده فسألته بضيق: _اومال جاي ليه؟ رمقها بنظرة غاضبة وهو يصر على أسنانه وردد:
_جاي أطمن عليكي أنتي واللي في بطنك. ضحكت بسخرية ورددت: _عليا!! وكنت فين شهرين بحالهم؟ أنت جيت لما عرفت بالحمل وبس يا سيف متضحكش عليا ولا على نفسك. رفع صوته قليلاً: _وكنتي منتظرة إيه بعد اللي عملتيه؟ ده لحد اللحظة اللي احنا فيها وأنتي لسه لاغياني من حياتك. صاحت هي الأخرى بحدة: _وأنت فين من حياتي أصلاً؟ أجابها بعد أن وقف محتدًا: _أنا فهمتك إن شهور العدة زيها زي الجواز، مينفعش تخرجي وتدخلي على مزاجك من غير ما أعرف.
قاطعته صارخة: _ومين قالك إني بخرج وأدخل، أنا منزلتش من البيت غير مرتين عشان الدكتورة. اقترب منها وهدر بها: _وبرضه مخبية حملك، اللي هو أنا ماليش وجود لا في حياتك كراجل ولا كأب للي في بطنك! بكت ورددت بحرقة: _مقلتلكش عشان متقوليش نزليه، أو ترجع بس عشانه زي دلوقتي. رد عليها بقسوة:
_ومين قالك إني هرجع، أنا عايز يبقى ليا دور في حياة ابني مش أكتر وليا دور في حياتك لحد ما عدتك تخلص احتراما ليا، وعلى الأقل الاحترام اللي معرفتيش تديهولي وأنا جوزك اديهولي في آخر شهور بينا. ارتمت على المقعد واضعة وجهها داخل راحتيها تبكي بقهر ورددت بنحيب: _أنت بعد غياب شهرين لسه جاي تكمل عليا!! ماشي يا سيف شوف أنت عايز إيه وأنا هعمله. رد عليها بقوة: _تحترمي وجودي في حياتك لحد ما تولدي لأن عدتك كده هتبقى لحد الولادة.
أومأت بصمت وهو يكمل: _وأكون حاضر مع ابني أو بنتي في كل كبيرة وصغيرة من حياته، متحرمنيش من حقي في ده، نتعامل مع بعض بتحضر وتسمحيلي أبقى موجود. ضحكت باكية وأومأت من جديد معقبة: _حاضر يا سيف، هعمل لك احترام أكتر من الأول لحد العدة ما تخلص، وحاضر هخليك تكون حاضر أي حاجة تخص ابنك أو بنتك. صمتت قليلاً وأطنبّت: _بس ده لما ييجي للدنيا، ولحد ما أولد مش عايزة أشوفك تاني. هشم فكه وصر على أسنانه من طريقتها وردد بغضب: _نعم!!
بتقولي إيه؟ أجابته بحزن: _غبت عني شهرين مسألتش فيهم عني ولا كنت تعرف أخباري، ورجعت عشان الحمل، يبقى خلينا زي ما إحنا ولما أولد أبقى أشوفه براحتك، لكن وجعي لما شوفتك وجرحتني بالشكل ده أكتر بكتير من وجع بعدك عني. مسحت وجهها بيدها وأكملت: _وعشان الزعل وحش عليا والواضح إننا كل ما نشوف بعض هنزعل أكتر يبقى الأفضل ما أشوفكش لحد ما أولد عشان الحمل يكمل على خير، لأني عايزة البيبي ده يمكن أكتر منك.
دلف هشام وجمال بعد انتهاء دوامهما بالعمل ليتفاجئا بوجود سيف ودارين تحتد عليه صارخة بقهر: _تمام؟ ولا لسه عايز تحرق دمي أكتر من كده؟ اقترب هشام يتساءل بحيرة: _سيف!! إيه الحكاية؟ تبعهما فدوى وسارة ليستمعا لسيف مردداً: _أبداً، بس الواضح إنه مفيش فايدة. هللت بحرقة: _آه مفيش فايدة، دارين الوحشة رد السجون بتاعة المشاكل الغبية واللي كل تصرفاتها غلط متنفعكش يا سيف باشا وربنا رحمك إنك بعدت عنها. اقتربت سارة تمسك
ذراع أخيها هاتفه بمهادنة: _استحملها شوية يا سيف، أنت عارف هرمونات الحمل بتتعب أعصاب الواحدة. نظرا كل من هشام وجمال بعضهما البعض ورددا بنفس واحد متعجب: _حمل!! ضحك ساخراً وردد: _لا مش معقول!! مخبياه عليكم أنتم كمان، ما شاء الله تفوقتي على نفسك المرة دي يا دارين. بكت بانهيار وصرخت عالياً: _كفاية بقى، كفاية مش مستحملة حد، سيبني يا سيف، إيه اللي جابك؟ امشي وسيبني.
لملم مفاتيحه وهاتفه من على المنضدة واستعد للمغادرة فامسكه جمال مردداً: _اهدى وخلينا نقعد ونتكلم بالعقل. أنزل ذراعه الممسكة به وردد: _معاها مفيش لا عقل ولا كلام بيجيب نتيجة. استعد ليغادر فصرخت به: _إياك تيجي هنا تاني. احتّدت تعابيره وهشم أسنانه والتفت لها هاتفاً يغضب: _عارفة أنا أقدر أعمل فيكي إيه على اللي بتعمليه ده؟ سحبته سارة لتحاول إيقافه ولكنّه كان كسلاح ملقم وجاهز للانطلاق، فأبعدها عنه وردد بغضب:
_أقدر أخليكي تعيشي في بيتي لحد ما تولدي لأن ده حقي وشرع ربنا، وأقدر أحبسك وأمنع عنك الزيارات لحد ما تتعلمي الأدب، وأقدر كمان أحرمك من كل حاجة بتحبيها لحد ما تتوسليني إني أسامحك، وبعد كل ده برضه مش هسامحك يا دارين. ردت عليه بشجاعة زائفة: _متقدرش تعمل أي حاجة من دي لأنك طلقتني. أومأ وهو مقترب منها وممسكاً برسغها وسط رفض واعتراض ذويها على ما يحدث وردد بفحيح كفحيح الأفعى:
_لا أقدر، الشرع مصرح لي بكده لحد يا تتعدلي وساعتها أرجعك لعصمتي يا تفضلي على وضعك والطلاق يبقى نهائي. أصرت على تحديه: _وافرض رفضت؟ أجابها بتصميم: _ده غير إنك ساعتها بتكوني مخالفة للشرع، أقدر أجبرك على ده بالقانون فبلاش طريقك العافية اللي أنتي ماشية بيها معايا دي لأنك مش هتكسبى. تدخل هشام متسائلاً: _يا ابني فهمنا بس ليه كل ده؟ أجابه بغضب: _بنتك حامل في الشهر التالت وأنت نفسك متعرفش، إيه رأيك فيها؟
مفيش راجل مالي عنيها وأولهم أنا يا عمي. التفت هشام بعد أن استطاع سيف إثارته وسألها بحدة: _أنتي حامل بجد؟ ومخبية علينا كل ده؟ بكت وفسرت بحزن: _خفت لما تعرفوا تقولوا لسيف و… صاح بها جمال موبخاً: _أنا مبقتش عارف ألاقي لك مالكة، ملكيش كتالوج، أغرب ست على وجه الأرض وأغبىهم، اللي ملهاش راجل بتروح تدور لها على راجل تتحامى فيه عشان يبقى ظهرها وأنتي تلت رجالة مش ماليين عينيكي.
ظل توبيخهم لها يزداد حدة وسارة وفدوى عاجزتين عن صد الأمر عنها حتى وقعت مغشياً عليها من قوة الضغط النفسي عليها. فحملها سيف وهرع بها للمشفى على الفور. *** ظل يجوب الرواق جيئة وذهاباً بتوتر، فاقترب منه هشام يسأله بحرج: _قلقان أوي كده على مين فيهم يا سيف؟ رمقه بنظرة حادة فحقا قد اكتفى منهم جميعاً، فعشقه لها قد كلفه الكثير، بالرغم من إحساسه بمدى تعلقه بها إلا أنه قد أيقن أخيراً تسرعه معها فتصرفاتها غير سوية مطلقاً.
فأجابه بغضب: _خايف على مراتي يا عمي، على دارين لأن اللي في بطنها ده أنا لسه مشفتهوش، وأنتوا عارفين ومتأكدين إني بحبها، فملوش لازمة التلميحات دي الله يخليك. هرعت منار وطلعت بعد أن أبلغتهما سارة بما حدث واحتضنت نجلها هاتفه بمؤازرة: _حبيبي يا ابني، ربنا يطمنك عليهم يا سيف. ابتلع بصمت حتى خرج الطبيب وردد بعملية:
_هي كويسة، ضغطها كان عالي شوية وواضح إنها متعرضة لضغوط جامدة، فـ ارجوا منكم تخلو بالكم عليها لحد ما تولد عشان الجنين ميتأثرش بنفسيتها. دلف سيف بلهفة فوجدها جالسة على الفراش فابتسم وأقبل عليها هاتفا بمرح: _لازم تخضيني عليكي عشان تعرفي غلاوتك عندي يعني؟ بكت وأعقبت: _وأنت لازم تجرحني لحد ما أموت أو أموت نفسي عشان تحس بيا وباللي جوايا؟ اقترب أكثر وجلس على طرف الفراش واحتضنها وأسند رأسها على كتفه هاتفا بحب:
_بحبك والله، وكنت زعلان أوي منك بس خلاص عفا الله عما سلف. أبعدته بوهن وهتفت: _لا أنت راجع عشان اللي في بطني. قبلها من ثغرها قبلة رقيقة وردد بحزم: _أبداً والله، بس كانت حجة كويسة أشوفك بيها عشان كنتي وحشاني أوي. ردت باكية: _كداااب. أخرج هاتفه وأضاء شاشته المزينة بصورتها وردد: _أبداً حتى شوفي، لسه صورتك على تليفوني بتونسني. وأخرج ورقة صغيرة مطوية من جيب سترته وفتحها لتجدها نفس الورقة التي اعترفت له
فيها بحبها منذ وقت وردد: _وكلمة بحبك يا سيف لسه زي ما هي مكانها جنب قلبي، بتفكرني بكل لحظة حلوة قضيناها سوا حتى لو كانت وسط مشاكل وصعوبات. ابتلعت بوجل وهو يقترب منها هامساً بنبرة رومانسية: _بحبك يا مولاتي، ومحبتش غيرك في حياتي. ابتسمت وهي تبكي فمسح دموعها بابهامه ورفع وجهها ينظر لعيناها المترقرتين بالعبرات وردد: _تقبلي ترجعيلي؟ ازداد نحيبها فشاكسها هاتفا: _وبعدين بقا يا بومة، هنادي على ليلى تقولهالك!
ضحكت رغماً عنها فقبلها قبلة رقيقة وابتعد لحظة مردداً: _بحبك. أجابته بغبطة من السعادة ولا زالت العبرات تتجمع بعينيها ولكنها كانت دموع الفرح: _وأنا محبتش غيرك. قبلها بعمق ساحباً إياها بقوة حتى تنحنح والدها الذي دلف لتوه برفقة الجميع واستمع له الجميع وهو يردد بتحذير: _يا ابني!! مش كده قلت ميت مرة. ضحك وردد مهللاً بصوت الساخر: _قلتلك مسيري هبوسك قدام أبوكي وأهو جه وقتها.
فانحنى يقبلها أمام الجميع وهي تدفعه بحرج وأعاد رأسه للخلف باستمتاع لمشاكسة الجميع الذين ظلوا يضحكون على تصرفه حتى قطع ضحكتهم صوته المردد: _عايز بس أستأذن دارين في حاجة وعايز موافقة الكل عليها. استمع له الجميع بتركيز فردد: _لو الحمل طلع ولد هسميه ريان، ولو طلع بنت عايز اسميها ميرا على اسم بنتي الله يرحمها. أومأت موافقة فانحنى يهمس بأذنها مردداً: _وفي طلب كمان بس هقوله بيني وبينك.
تحرجت منه لظنها أنه يتجاوز بالحديث والملاطفة كعادته ولكنّه فاجأها بقوله: _مش اللي في بالك يا مولاتي. تحرج جمال وردد للجميع: _طيب تعالوا خليهم يتصافوا على مهلهم يا جماعة. خرج الجميع فنظرت له باهتمام وهو يردد: _أنا عارف إن الخطوة دي متأخرة، بس كنت عايز نروح لاستشاري نفسي! لمعت عينها ببريق الدهشة والتعجب ففسر لها:
_أنا وأنتي يا ديدو محتاجين ده، أنا مروحتش بعد موت نسرين وميرا وأنتي برده بعد اللي حصل ومرتي بيه كنتي محتاجة توجيه عشان كده فعلاً إحنا محتاجين نروح ولو على سبيل الفضفضة مش العلاج عشان محدش يشكك في حبنا لبعض. ابتسمت وسألته بحيرة: _ليه وهو في حد مش مصدق؟ أومأ مؤكداً:
_أيوه، ناس شايفين إننا استعجلنا وناس تانية شافوا إننا مش مناسبين لبعض وغيرهم شاف إن المشاكل اللي مرينا بيها كانت كفيلة تنهي أي حب بينا بس أنا حابب أقول للناس دي حاجة مهمة. ترقبت ما هو آتٍ فردد وهو ينظر لنقطة ما بالفراغ:
_أنا حبيتك من أول نظرة وده اللي خلاني استعجلت وصارحتك بحبي من قبل ما مشاكلك تتحل، واتأكدت من حبي ليكي أكتر مرة في مواقف كتير ممكن أقعد أقولهالك كلها دلوقتي بس هبقى عايز صفحات كتير أوي عشان أسجلها فيها وأكتب عليها تاريخ حبنا. ابتسمت وأعقبت عليه:
_وأنا حبيتك من مواقفك معايا ومش هكدب وأقول حب من أول نظرة، بس البني آدم بيحب بصدق من المواقف والتصرفات مش بس الكلام الحلو ولو بتقول محتاج صفحات عشان تقول فيها إزاي حبتني أكتر وأكتر، فأنا محتاجة كتاب كبير أحكي فيه شهامتك ورجولتك وحنيتك معايا يا سيف. انحنى وقبلها بعمق هاتفا بغمزة عينه: _وقلنا هنسميها إيه رواية حبنا يا مولاتي؟ ابتسمت وهي تطبع قبلة على وجنته هاتفه: _سجينتي الحسناء…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!