انطلق كالصاعقة دون انتظار أحد أن يتبعه، ودلف سيارته يقودها بتهور. تبعه البقية بتخوف ورهبة من شكله المخيف، حتى استطاع عماد أن يعترض سيارته وأنزله منها وردد بمهادنة: "اهدأ يا سيف، أنـت عارف أنها عندها استعداد تضحي بنفسها عشانك." زأر بغضب أهوج: "تضحي بحياتها مش بنفسها، هي رايحة تضحي بأيه يا عماد دلوقتي؟ ربت عليه يهدئه هاتفاً: "أكيد رايحة تتكلم معاه بالعقل و... صرخ يقاطعه مبعداً إياه عن طريقه:
"ابعد عربيتك يا بن آدم عشان ألحقها." وصل وائل برفقة البقية فتصدوا له جميعاً ووقفوا له بالمرصاد حتى لا يتهور. فاقترب منه وائل ماداً ساعده وردد: "هنسيبك بس بشرط." رمقه بنظرة غاضبة وصرخ به: "أنـت السبب، أنـت اللي عرفتها طريقه... لو أي حاجة حصلت أنا هحملك المسؤولية كاملة، بقولكم ابعدوا عن طريقي." اقترب طلعت وردد بصوت رزين: "ماشي يا سيف، وكلنا جايين معاك... بس هات سلاحك خليه معايا."
حاول الاعتراض ولكنـه رأى التصميم بعين والده، فأخرج سلاحه من مخدعه وناوله إياه ودلف من جديد لسيارته. ركب عماد إلى جواره وتبعه البقية لموقع الفندق. *** في نفس الوقت بدأ شهاب بتوزيع قبلاته على وجهها، ولكنها شعرت باحتراق بشرتها من لمساته فانتفض جسدها بين أحضانه وحاولت التملص منه وإبعاده عنها، ودفعه بعيداً بكل قوتها وهي تصرخ وتتضرع له برجاء: "أبوس إيدك سيبني، حرام عليك اللي بتعمله ده... ابعد عني."
لم يستمع لها وظل على حالته المنتشية وهي تصرخ وتدفعه بعيداً بكل قوتها، حتى وصل سيف ومن معه على أعتاب باب الجناح فاستمعوا من الخارج لصراخها المتوسل: "ابعد بقولك حرام عليك... سيبني سيبني." دفع سيف الباب بجسده فانكسر ليجد أمامه ذلك المشهد الذي زعزعه وأنهى تماسكـه الزائف، وهي في داخل أحضان ذلك الذئب. فعاد خطوة للوراء سامحاً لعماد ووائل بالدخول ورؤيتهما للجثة الملقاة على الأرض. فاستل وائل سلاحه ورفعه بوجه شهاب وردد:
"اقف عندك.. ارفع إيدك فوق راسك وانزل على الأرض، حالا وإلا هضرب في المليان." فعل شهاب بعد أن ترك دارين التي دخلت بحالة من الجمود. ودارت بينها وبين سيف حرب نظرات، ولكنها كانت من نوع آخر، من النوع المعاتب. فقوس فمه بحزن وخـذلان وخرج يستند بجسده على الحائط الخارجي للجناح وأخرج علبة سجائره وأشعل واحدة وتنفس دخانها بعمق واشتم عبقها ليُشبع به صدره المتقد بنيران حارقة، وظل يتنفس بحدة غير مبالٍ لما يحدث بالداخل.
على الجانب الآخر ظلت تبكي وتنتحب بشهقات عالية ومتتالية. فاقترب منها طلعت ينظر لها بحزن وردد بصوت هامس: "إيه بس اللي جابك هنا؟ لم تجب وظلت على حالتها الواهنة تريد الخروج للتحدث معه وربما تفسير موقفها، ولكن أوقفها طلعت بإمساكها من يدها وبحركة رافضة من رأسه هاتفا بتحذير: "بلاش دلوقتي يا بنتي، مش ضامن رد فعله ممكن يكون إيه؟ ظل وائل واقفاً أمام شهاب الجاثي على الأرض، فرفع الأخير بصره وردد بثقة وغرور:
"ممكن أعرف أنتم هنا ليه؟ ومش من حقكم تدخلوا الجناح بتاعي وبأي تهمة مثبتني كده؟ نظر له وائل بنظرة غل وكره وردد بصوت غاضب: "لو من ناحية التهم فهي كتير أوي يا شهاب بيه، تحب أعدهالك؟ محاولة اختطاف واغتصاب أنثى وجريمة قتل و... قاطعه وهو يردد بغضب: "اسمع يا حضرة الظابط، ولا تهمة من دي لبساني.. أنـت فاهم؟ لأن هي هنا بمزاجها والقتيل ده مش أنا اللي قتلته." صرخت به دارين بانهيار: "حرام بقى كفاية."
حاول طلعت إسكاتها عن الاقتراب منه، فحال بجسده بينها وبينه وردد: "اهدأ يا بنتي مش كده." بكت بحرقة ورددت من بين لهاثها الباكي: "قتلته بسلاح سيف." لم يعِ طلعت تماماً ما قالت، فأعادت عليه الأمر تكرره مراراً وتكراراً وكأنها رسالة مسجلة: "قتلته بسلاح سيف، قتلته بسلاح سيف." استمع سيف من الخارج لبكائها واعترافها بأخذها لسلاحه عندما سألها والده: "وإيه اللي وصل سلاح سيف ليه؟ أجابته بحرقة: "أنا...
كنت جاية أقتله عشان أريح الناس من شره، بس هو قتل الجارد بتاعه بسلاح سيف وهددني إنه هيلبسها له." سمعوا ضحكات سيف العالية والساخرة مما يستمع له وهو يحرك رأسه باستسلام من تصرفاتها الغبية. فاقترب وائل وانحنى بجوار الجثة وأمسك السلاح بقطعة من القماش حتى لا ينطبع عليها البصمات وخرج يقف أمام سيف يسأله باهتمام: "سلاحك ده يا سيف؟ أخذه منه وسط رفض وائل هاتفاً بتحذير: "يا بني البصمات." ضحك بسخرية وردد بتأكيد:
"هو سلاحي يا وائل... شفت بقى إيه اللي بيحصل لما أنـت بتشغل عقلك؟ جبت أغبى مخلوقة على وجه الأرض عشان تساعدك فبدل ما تكحلها عميتها ولبستني قضية." حاول التحدث معه وتهدئته، ولكن صوت دوى رصاصة خرجت جعلتهم جميعاً يهرعون للداخل مجدداً فوجدوا اللواء حامد وقد أطلق النار على شهاب أرداه قتيلاً. دام الصمت للحظات حتى قطعه وائل هادراً بحامد: "إيه اللي عملته ده؟ أنـت كده مفكر نفسك خرجت منها زي الشعرة من العجين؟ أجاب الأول مفسراً:
"أنتم مش كنتم عايزين إني أحلاها!! اديني حليتها، عايزين مني إيه تاني؟ صاح وائل بغضب: "أنـت كده حلتها!!! أنـت كده لبست سيف." رد سيف بحزم: "ولا لبسني ولا حاجة، السلاح بتاعي تسعة ملم وأراهنك إن سلاح الحارس زيه لأن ده السلاح المعتمد للحراسات." رفع وائل حاجبه وردد بدهشة: "يا بني سلاحك ميري يعني الطلقة ميري." ضحك سيف بسخرية وأخرج السلاح من خصره مخرجاً منه خزنته وردد:
"الخزنة دي مش ميري لأنـي كنت بدرب بيه، يعني ببساطة نبدل الخزنتين وتبقى خلصت." لم يفهمه فتساءل بصمت ليجيب عليه الأول: "يعني شهاب قاوم وضرب علينا نار جت في الحارس بتاعه واللواء حامد ضربه دفاعاً عن النفس." أومأ وائل وردد: "أيوه برضه اقتحمنا المكان وقاومنا بأي تهمة؟ ردد حامد: "التحريات اللي عندنا كلها ضده وبسيطة إننا نثبت إنه خطف دارين... لم يكمل حديثه فقاطعه سيف: "لا، أنتم تخرجوها بره الليلة دي خالص." ردد وائل:
"بس كاميرات المراقبة... وقبل أن يقاطعه سيف كانت هي تتحدث: "هو بعت واحد من رجاله يمسحها." أومأ دون النظر لها وردد بصوت حاد: "أهو سهلـها علينا، بس ده معناه إن فيه حارس تاني... عادت تقاطعه: "كان خايف ومرعوب بعد ما قتل زميله وأكيد هرب." رمقها على الفور بنظرة حادة فحاولت الاقتراب منه، ولكنه أوقفها برفع يده أمامها رافضاً اقترابها فتراجعت كما كانت. ليردد هو بحزم:
"دلوقتي ابعت هات قوة وظبط تحرياتك عشان القضية، وإحنا لازم نمشي من هنا عشان منبوظش مسرح الجريمة." أومأ الجميع بطاعة فرمقها بنظرة بمعنى هيا بنا، ولكن أوقفه والده ممسكاً بذراعه وهمس له: "سيف... تعالى عايزك." أخرج مفاتيحه من جيبه وناولها إياه وردد بصوت أجش: "استنـيني في العربية." انتظر والده أن يحدثه فردد الأول: "بس مش غريبة إن محدش من الفندق لا جه ولا حس بحاجة؟ أجاب سيف معللاً: "أكيد الدور فاضي أو هو اللي مفضيه." أومأ
بتفهم وعاد يحدثه بمهادنة: "طيب أنا عايزك تهدى وتتصرف بعقل، أنـت فاهم إنها... قاطعه برفع يده وردد باستنكار: "بابا من فضلك، أنا مش عايز كلام في الموضوع ده." *** كنتُ أظنّ أنّ الذي يحبُّني سيحبُني حتى وأنا غارقٌ في ظلامي، حتى وأنا ممتلئٌ بالندوب النفسية، حتى وأنا عاجزٌ عن حُب نفسي، سيحبُني رغمًا عن هذا، ولكن لا، فلا أحد يخاطر ويُدخِل يدهُ في جُب البئر، الظلام لنا وحدنا. –أحمد خالد توفيق. ***
انتظرته وطال انتظارها حتى رأته يقترب من السيارة ودلف بصمت وأمسك بحزام الأمان رابطاً إياه على خصره. ففعلت بالمثل ونظرت له بترقب أن يحدثها، ولكنـه مد راحته وردد بجمود: "هاتي المفتاح." ناولته إياه فوضعه بمكانه وشغل محرك السيارة منطلقاً بها وهي صامتة لا تعرف ماذا سيكون رد فعله على غلطتها وتدعو ربها أن يتفهم موقفها بالرغم من علمها بمدى خطأها. وصل لوجهته وأوقف محرك السيارة فوجدته قد أحضرها لمنزل والديها. فرددت بتلعثم:
"أنـت جايبني هنا ليه؟ تنفس عميقاً وظلت أنفاسه تعلو وتهبط مع حركة قفصه الصدري بغضب وردد بهدوء غير مناسب لحالة جسده المتحفز: "انزلي." بكت وانتحبت هاتفه بتوسل: "طيب اسمعني أنا... قاطعها بحده وصوت أجش: "قولـت لك انزلي." توسلته وترجته هاتفه: "أنا عارفة إني غلطت بس أنااا.... قاطعها بنظرة حارقة وزئير غاضب: "أنـتي طالق، وانزلي قبل ما أفقد أعصابي." شلتها الصدمة للحظة توقف فيها عقلها عن التفكير وظلت صامتة. فردد هو بضيق:
"بلغي أهلك ده لو بتعملي لهم حساب هما كمان إني جاي بالليل بالمأذون، بس أخلص المصايب اللي حطتيني فيها." أغلقت عينها وانهمرت عبراتها وهي مطرقة رأسها. فصاح مجدداً: "بقولك انزلي." فعلت على الفور لينطلق بسيارته بسرعة جنونية. ووقفت هي حائرة شاردة بذهنها توبخ نفسها على تهورها وانسياقها وراء تفكيرها الغبي الذي أوقعها لأكثر من مرة في كوارث لا حصر لها. صعدت لمنزل والديها فاستقبلتها فدوى بذعر ضاربة على صدرها
من منظرها المبعثر وهتفت: "أنا كنت متأكدة إن مجيك الصبح كده فيها إنّ، إيه اللي حصل؟ ارتمت بأحضانها باكية بانهيار ورددت: "خلاص يا ماما، خسرت كل حاجة... خسرت سيف وعمره ما هيرجعلي تاني أبداً." سحبتها بهدوء وروية لتفهم منها الأمر وأجلستها على الأريكة وجلست بجوارها هاتفه: "براحة بس وفهميني إيه اللي حصل؟ قصت عليها الأمر ففزعت فدوى مما سمعته وضربت صدرها بخضة هاتفه: "يا لهوي يا دارين، إيه اللي دخلك في مصيبة زي كده؟
أنـتي يا بنتي بتنعكشي على الهم بمنقاش! مسحت عبراتها وتحدثت بحزن: "ملوش لازمة الكلام يا ماما، اتصلي ببابا خليه ييجي هو وجمال عشان سيف جاي بالليل هو والمأذون." ربتت على كتفها تهدئها هاتفه: "متقلقيش، سيف بيحبك وأكيد هيهدى لحد بالليل... قاطعتها بصراخ باكي ونادم: "سيف طلقني خلاص يا ماما، طلقني." ***
ذهب لعمله وهو يشعر بالعالم وقد تهدمت أسواره من حوله وأصبح قاب قوسين على الانهيار فوق رأسه. دلف مكتب المأمور وجلس بإجهاد واضح فتفهم الأخير حالته فيبدو أن عماد قد أخبره بتفاصيل ما حدث ليقرر الانتظار حتى يتحدث هو أولاً. قطع صمته بتنهيدة متعبة وردد بصوت جاهد ليخرج قوياً: "عرفت إن اللواء حامد هو اللي كان بيوصل الأخبار لشهاب؟ أومأ معقباً:
"عرفت كل حاجة وبلغت وزير الداخلية بكل التفاصيل وهو مستني بس نخلص قضية القتل بتاعة شهاب والحارس بتاعه وبعدها هيتعامل معاه." رفع بصره وسأله: "اللي زيه ده لو فضل في الداخلية... قاطعه المأمور مؤكداً: "أكيد مش هيفضل، متقلقش." تنهد ببطء وأطرق رأسه لأسفل. فردد المأمور يسأله بحيرة: "أنـت ناوي على إيه؟ لم يستوعب أنه يسأله عن حياته الخاصة فأجابه بعملية:
"أنا بره الموضوع أصلاً، لو وائل بس ميتصرفش بغباء كعادته القضية هتتقفل من غير مصايب." أومأ المأمور ولم يعلق عليه لتخوفه من إثارته فهو لم يسبق أن رآه بتلك الحالة. ليردد بالأخير: "لو عايز تاخد إجازة وتروح أهو عماد على وصول يحل مكانك! ابتلع بغصة مؤلمة وأومأ بصمت وغادر متوجهاً لمنزل والديه حتى ينفذ قراره الذي اتخذه ونفذه بالفعل. ***
وصل والدها وأخوها وزوجته بعد أن أبلغتهم فدوى بما حدث فتركوا أعمالهم وأتوا بتعجل. وجلس هشام محنياً رأسه بانكسار وهتف منتحباً بحزن: "حطيتنا في موقف لا نقدر نغلطه إنه طلقك في الشارع ولا نقدر نصلح ما بينكم، أنا مش فاهم عقلك كان فين؟ لم تجب لشعورها بالوهن والانكسار. فظلت صامتة وهي تُوبَخ من والدها: "واحدة رايحة برجالها لواحد عايزها تزني معاه! وكنتي متخيلة إيه اللي هيحصل؟ أجابته وهي تحاول التماسك:
"كنت رايحة أقتله، بس هو... قاطعه هشام بحده: "رايحة تقتليه؟ هو القتل بالساهل كده؟ أنـتي فاكرة إنك لو حتى وقفتي قدامه ورفعتي المسدس في وشه كنتي هتقدري تقتلي؟ القتل ده عايز ناس تانية بدم بارد وأنـتي مكنتيش هتقدري تعمليها." أعقب عليه جمال: "وحتى لو كنتي قدرتي تقتليه! كان وضعك ووضع سيف هيكون إيه ساعتها؟ فهميني؟ انتظرها أن تجيبه ولكنها كانت غارقة بحزنها. فاستطرد:
"كنتي هتتسجني ويمكن توصل للإعدام، وسيف بمركزه ده كان هيبقا معاون السجن اللي مراته محبوسة فيه!! أنـتي متخيلة الوضع كان هيبقى عامل إزاي؟ تدخل هشام معقباً: "ده لو مكانش الحارس بتاعه قتلها قبل كل ده عشان يحمي الراجل بتاعه." ازدادت نوبة بكائها. فهتفت ليلى بحده: "يا جماعة خلاص بقى براحة عليها، هي كانت محطوطة تحت ضغط ربنا العالم بيه، وحتى لو اتصرفت غلط فده بدافع حبها ليه... قاطعها جمال بصياح:
"مفيش راجل هيقبل على نفسه المنظر اللي شافه بيها أبداً يا ليلى، حتى لو عارف إنه بيهددها وخصوصاً إنه أكتر من مرة يقولها خليكي بره الموضوع." هتفت أخيراً بعد طول صمت: "ماهو صاحبه هو اللي كلمني وقال لي إن أنا الوحيدة اللي هقدر أنقذ سيف... قاطعه بغضب: "وصاحبه ده غلطان، بس أنـتي اللي كان المفروض تكبري جوزك يا دارين وتقوليله على كل حاجة وهو يتصرف، لكن أنـتي لغيتيه." قطع حديثهم معاً رنين جرس الباب. فنظروا لبعضهم
البعض وردد جمال بحزم: "ادخلوا أنتم جوه، خليني أتكلم معاه أنا وبابا بس." فعلت سيدات المنزل ما أمرهن به وفتح الباب ليجد سيف ومعه والده والمأذون. فاعقد حاجبيه فيبدو أنه قد اتخذ قراره وليس كما ظن إنها لحظة غضب. رحب بهم وأدخلهم. ففتح المأذون دفتره على الفور وردد: "عايز البطايق لو سمحتم." نظر جمال لسيف وردد بخفوت وحرج: "أنـت أخذت قرارك خلاص؟ نظر له الآخر بغضب وهتف: "أنا طلقتها خلاص يا جمال، اللي بينا انتهى لحد كده."
أعقب عليه بحزن: "بس المفروض أنـت عارف هي ليه عملت كده؟ انتفض سيف من مكانه وردد وهو يشير بسبابته أمامه لجمال المتعجب من شكله: "غلطها مش مقبول مهما كانت الدوافع نبيلة زي ما بتقول فالطريقة غلط، وبعدين أنا مش عايز كلام في تفاصيل خلاص اللي حصل حصل ولو على حقوقها فأنا... قاطعه هشام بحده: "يا بني أنـت ليه بتصغرنا كده؟ إحنا اتكلمنا في حاجة ولا طلبنا منك حاجة؟ أجابه بتوضيح: "الحق ميزعلش حد...
هي ليها حقوق عندي وأنا هديهالها كاملة." ابتسم هشام بمرار وأومأ بصمت وردد جمال معترضاً: "معتقدتش إنها هتقبل تاخد منك حاجة يا سيف! ابتلع لعابه وبلل شفتيه وردد بوجل: "لو هتعارضني في ده كمان فساعتها مش هتعب نفسي في الجدال مع حد... من الأساس أختك معترفتش بوجودي في حياتها ولو فضلت على طريقتها حتى وإحنا في النهاية فأنا مش هجادل خلاص براحتها." ارتمى على المقعد ونظر للمأذون مردداً بإجهاد: "خلص يا شيخ الإجراءات." أنهى المأذون
كتابة الأوراق وردد بجدية: "امضي هنا يا باشا." أقبل عليه وانحنى ليوقع قسيمة الطلاق. وتحدث المأذون هاتفا: "فين الزوجة عشان توقع هي كمان؟
استدعاها لتلج للخارج وعيونها حمراء من كثرة البكاء مطرقة رأسها لأسفل. واقتربت بتمهل للمأذون وانحنت تنظر للأوراق فوجدت توقيعه أسفل قسيمة الطلاق، فاغلقت عينها بأسى وحزن ونزلت عبراتها رغماً عنها على وجنتيها. وأمسكت بالقلم ووقعت هي الأخرى. وقبل أن تغادر استمعت له يردد بجدية وهو يُخرج مفاتيحه من جيب سترته الميري: "مفتاح الشقة خليه معاكي لحد العدة ما تخلص وتنزل العفش." انتظر أن تمد يدها لأخذه ولكنها ظلت مطرقة رأسها لأسفل.
فتقدم جمال وأخذه منه وردد: "تمام يا سيف." هندم بدلته واستعد للمغادرة، ولكنـه التفت وردد بجمود: "في الشرع من الأفضل إنها تفضل في بيت الزوجية ومتخرجش منه، بس طبعاً ده لو هي عايزة تنفذ الشرع وأنا كده كده مش هفضل في الشقة هروح أقعد في شقتي القديمة." أجابه هشام بتحفز: "بس أنا مش حابب أسيب بنتي عايشة لوحدها وخصوصاً إنك عارف ظروفها الصحية، والشرع بيقول كده للزوجين مش للزوجة بس، لعل وعسى يبقى في إصلاح...
وطالما أنـت مش موجود يبقى خليها وسطنا أفضل." سحب شهيقاً بعمق وأومأ موافقاً، ولكنـه أكد عليهم: "أوكي بس يا ريت متنسوش إن لحد عدتها ما تخلص هي لسه على اسمي وعلى ذمتي يعني مش عايز تجاوزات... قاطعه هشام بغضب: "عيب كده يا بني أنـت كده بتشتمنا." رد عليه متنفساً بغضب: "لا أبداً، أنا بس بعرفكم حاجات ممكن تكون تايهة عنكم." غادر برفقة والده الذي لم يتحدث بكلمة واحدة طوال جلستهما ليهدر به فور أن دلفا للسيارة معاً:
"أنا فضلت ساكت عشان مصغركش قدامهم، بس كان عندي أمل إنك تتراجع ومتكبرش الموضوع للدرجة دي." قاد سيارته باتجاه منزل والديه وأجابه بحزن خيم على ملامحه: "خلاص يا بابا الكلام مبقاش له لازمة، كل واحد راح لحاله." نظر أمامه للطريق وأكمل: "يمكن كده أحسن ليا وليها؟ بالرغم من إننا حبينا بعض، لكن كنا تعبانين مع بعض أوي... وخلاص القصة خلصت لحد هنا."
حرك والده رأسه باستسلام وحزن على حال نجله البكر وما آلت إليه حياته من مصائب أوصلته لحاله اليأس الذي يعاصره الآن. *** بعد مرور شهر.. دلف مكتبه بابتسامة سعيدة فبادلها بابتسامة منمقة وأشار لها بالجلوس أمامه وردد: "مبروك البراءة يا نور." أجابته بامتنان: "كله بفضل ربنا ومساعدتك ليا يا سيف باشا." أومأ برأسه بحركات متتالية وردد بتأكيد:
"أنـتي بنت كويسة وظابط شاطر جداً وتستحقي الشهادة اللي الواحد شهدها في حقك، ولولا تدخل وزير الداخلية في القضية بتاعتك عشان يعوضنا اللي حصل في قضية شهاب البدراوي كان ممكن تاخدي حكم لا قدر الله." أسندت يدها أمامها على المكتب ورددت بتأكيد: "كله خير من عند ربنا يا فندم، بس فعلاً مش مصدقة اللي حصل... إزاي اللواء حامد يقدم استقالته؟ ووائل بيه يتنقل الصعيد!! تحس إن القضية دي فيها إنّ."
لم يعقب ويخبرها بملابسات القضية لسرّيتها، ولكنـه حاول تغيير الأجواء قليلاً فردد بمزاح: "يا ستي سيبك من الكلام اللي يحرق الدم وخلينا في المهم." انتبهت حواسها لحديثه فردد بتأكيد: "عماد بيخلص إجراءات الإفراج وإن شاء الله بكرة بالكتير تكوني في حضن مامـتك، و كلها كام يوم وترجعي تستلمي شغلك تاني، بس زي ما اتفقنا إنك هتتحولي لأعمال مكتبية." أومأت بابتسامة مرحة عندما استطرد:
"وعماد بيه ماشي في إجراءات نقلك عشان تشتغلي هنا في سجن النسا." اتسعت بسمتها عندما هتف: "مش قادر على بعادك يا ستي، عايزك قدامه ليل نهار هنا وفي البيت." أطرقت رأسها بخجل من تلميحه، ولكنـه لم يهتم وأكمل: "أنا طبعاً معزوم على الفرح؟ رفعت وجهها تنظر له ورددت برجاء وتوسل: "حضرتك أنا كنت عايزة طلب بس... صمتت ليحثها على المواصلة فاستطردت:
"تبقى وكيلـي، حضرتك عارف إن بابا الله يرحمه كان بيعتبرك ابنه وأنا مليش حد غيرك فلو يعني... قاطعها متحركاً من مكانه ومتجهاً لها وانحنى بالقرب منها يربت على كتفها بدعم وتأكيد هاتفا: "طبعاً، من غير ما تقولي يا نور.. ده شرف ليا." شكرته بحماس ووقفت استعداداً للمغادرة في نفس لحظة دخول عماد بمرح ومزاح مردداً: "خلصت ورق الإفراج، تعالي بقى نطلع من هنا على أقرب مأذون." ضحك سيف وردد بتحذير:
"ولد.. اتأدب وأنت بتتكلم، كل حاجة هتتعمل بالأصول مش سلق بيض هو." رفع حاجبه الأيسر بدهشة من حديثه، فاعقب الأول بتحفيز: "أنا حماك يا بغل ولا أنـت معندكش خبر؟ انعقدت حاجبيه بتوتر، ففسرت له نور الأمر: "أنا طلبت سيف باشا يبقى وكيلـي." ابتسم ووافق فوراً وهو يقترب من رفيقه يحتضنه هاتفا بمودة: "طبعاً، أخويا وحبيبي."
ربت سيف على كتفه متمنياً له دوام السعادة والفرح. ليخرجا معاً ويظل هو بمفرده جالساً على مكتبه. فامسك هاتفه وفتح معرض الصور ليتصفح صورها التي تملؤه ناظراً لها باشتياق. أغلق عينيه ليسترجع بعض ذكرياتهما السعيدة معاً وضحكاتها وطفولتها. فتنهد بأسى وحدث نفسه بحزن: "يا ترى اللي عملته كان صح ولا تسرع مني زي ما الكل بيقول؟ بس شكلها وهي في حضن الكلب ده مش عايز يروح من بالي!!
سحب شهيقاً بعمق وزفره ببطء وأمسك الأوراق التي أمامه ليلهي نفسه بالعمل حتى يستطيع أن ينسى أو بالمعنى الأدق أن يتناسى. ***
قابعة بغرفتها ممتنعة عن إظهار أي ملامح للحياة منذ ثلاثين يوماً. لم تتوقف عن البكاء بانهيار. تهرب من الواقع بالنوم ورغماً عنها تشعر دائماً بالخمول والنعاس. فتقضي معظم يومها نائمة والباقي من اليوم تقضيه ما بين رفض الطعام المقدم لها أو رفض التحدث مع أي فرد من أفراد عائلتها. إلا ليلى ونيللي اللتان لم تتركاها بمفردها منذ ذلك اليوم المشؤوم. ناهيك عن محاولات نيللي المضنية بالصلح بينهما، ولكن باءت كل محاولاتها بالفشل بسبب رفض الطرف الآخر ألا وهو سيف من التحدث بالأمر بالأساس.
دلفتا بمرح زائف للمرة التي لا تُحصى كمحاولة بائسة أخرى لإخراجها مما هي فيه. فهتفت نيللي بصياح ممازح: "قومي يا كسلانة بقى." اعتدلت في نومتها ورددت بتذمر: "اطفي النور وامشي." لتتبعها ليلى هاتفه برجاء: "انهارده عيد ميلاد جمال يا ديدو، قومي عشان نجهز البيت والزينة سوا." عادت للنوم واضعة الوسادة فوق رأسها لتمنع أذنها من الاستماع إليهما. فسحبتها نيللي رغماً عنها هاتفه بحدة طفيفة:
"بلاش غلاسة، أنـتي مردتيش تنزلي تشتري معانا حاجات عيد الميلاد، على الأقل قومي ساعدينا في تركيبها! بكت مجدداً فاحتضنتها ليلى تربت على ظهرها هاتفه بحزن: "انسي بقى يا دارين وعيشي حياتك." رفعت وجهها الباكي تنظر لها وتردد بقهر: "وهو سيف يتنسي برده يا ليلى؟ احتـدت نبرتها هاتفه: "هو اللي اختار يا دارين... قاطعتها هاتفه ببكاء: "أنا اللي غلطت وأي راجل مكانه كان هيتصرف كده، أنا مش غلطـاه بس... صمتت وبكت بحرقة لتكمل:
"بس وحشني أوي أوي، وكل ما الوقت بيعدي بيوحشني أكتر." مسحت عبراتها وتربعت على الفراش بجسدها هاتفه: "عارفة إن ساعات بشم ريحته حواليا، وأنا نايمة بحس بدفا حضنه... وحشني أوي." احتضنتها أكثر وحاولت إخراجها عما هي فيه. فرددت بحزم: "طيب قومي بقى ساعدينا عشان نخلص قبل ما أخوكي يرجع من الشغل، خلينا نعمله مفاجأة حلوة وأوعدك بالليل هنام معاكي ونعيط سوا للصبح."
ضحكت رغماً عنها من مزاحها. فضحكتا كل من نيللي وليلى ووقفن ثلاثتهن استعداداً لتجهيز زينة الحفل. ظللن يُزين المنزل حتى دلفت فدوى هاتفه بفرحة: "ما شاء الله يا بنات، البيت بقى شكله يفرح." نزلت نيللي من أعلى المقعد الذي كانت تقف عليه لتعلق الزينة ورددت بمرح: "اعمليلنا أي حاجة تتشرب يا طنط أحسن تعبنا أوي." وافقت بايماءة طفيفة مرددة: "يا سلام، بس كده؟
قبل أن تخرج استمعن لصوت ارتطام حاد. التفتن على إثره ليجدن دارين وقد سقطت أرضاً مغشياً عليها. فصرخت فدوى بذعر: "بنتي... دارين! هرعن ثلاثتهن ناحيتها لحملها ووضعها لأقرب أريكة وأرحنها عليها. وبدأت ليلى بسكب المياه على وجهها في محاولة لإفاقتها وسط نحيب فدوى. فهتفت نيللي مطمئنة: "متقلقيش يا طنط، تلاقيها بس من قلة الأكل ما أنتي عارفة إن أكلتها قليلة أوي." بكت وضربت على فخذيها بحزن:
"يا قهرتي عليكي يا بنتي، ربنا يجازي اللي كان السبب." فاقت من إغمائها تردد بخفوت: "أنا كويسة متخافوش." احتضنتها والدتها بلهفة أم حزينة على ابنتها ورددت برجاء: "عشان خاطري يا بنتي، أنا قلبي مخلوع عليكي حرام كده." اعتدلت بجسدها فحاولت نيللي منعها هاتفه: "طيب براحة." هتفت موضحة: "أنا دوخت من قلة الحركة وكتر النوم." لتعقب عليها ليلى: "وقلة الأكل يا دارين." سحبت نفساً عميقاً وطردته هاتفه بحزن: "خلاص بقى متكبروش الموضوع."
عدن لتجهيز الزينة فتنحت نيللي للجانب وهاتفت سعد الدين تخبره بحالة دارين الواهنة وترجوه المساعدة: "حاول معاه تاني يا سعد عشان خاطري، دي بتموت." أجابها بنفاذ صبر: "يا نيللي خلاص، هو مش قابل أي كلام... هروح أقول له إيه بس؟ أخرجت زفرة حانقة وهتفت ترجوه: "طيب هات دكتور وتعالى نطمن عليها، أنا مش مطمنة.. شكلها تعبان أوي ووشها دبلان." ردد بتفسير: "طبيعي طالما مش بتاكل." زفرت بضيق وهتفت بحده:
"يا سعد اعمل اللي بقولك عليه، هو كل حاجة لازم جدال؟ وافق مستسلماً لها فهو يعلمها جيداً إن ما وضعت أمراً ما برأسها فستقوم بتنفيذه مهما كلفها الأمر. *** دلف منزل والديه بعد يوم طويل وشاق وارتمى على الأريكة الموجودة بالصالة. فاقتربت منه والدته تربت عليه هاتفه بسؤال: "أحطلك آكل؟ رفض وهو يردد: "أنا محتاج أنام شوية عشان ورايا كام مشوار بالليل." جلست بجواره وربتت عليه تردد: "مش ناوي ترد مراتك؟ شعر باختناق فاعتدل بجسده ورمقه
بنظرة غاضبة وردد بحده: "هو أنا مش هخلص من الموضوع ده؟ وبعدين إيه الحكاية؟ هو مش أنـتي برده اللي كنتي معارضة الجوازة دي من الأول وقلتي إنها مش مناسبة؟ اديني اهو أخيراً اقتنعت بكلامك." حاولت محادثته بهدوء لعله يستمع لها: "يا بني ده كان قبل ما أعرفها وأعاشرها وأشوف قد إيه بتحبك! سامحها يا سيف ده المسامح كريم وأنـت برده بتحبها... قاطعه بصياح وتذمر: "يوووه... كل ما أجيلك تفضلي تكلميني في نفس الموضوع؟
أنا خلاص زهقت ولو عايزاني مجيش هنا تاني فضلي تفتحي معايا الموضوع ده! دلف طلعت على صياح ولده فردد بحده: "صوتك عالي ليه على أمك يا سيف؟ أجاب بحده: "يا بابا... قاطعه بغضب: "صوتك ميعلاش على أمك تاني مرة، ومهما كبرت متنساش نفسك." ثم التفت ينظر لمنار هاتفا بصيغة آمرة: "وأنـتي سيبيه على راحته، اللي بياكل على ضرسه بينفع نفسه... هو حر." *** دلف سعد الدين برفقة الطبيب. فنظرت دارين لها بمعاتبة ورددت: "ليه بس كده يا نيللي؟
أنا كويسة والله." أجابته بتفسير: "مش هيحصل حاجة لو اطمنا عليكي، أنـتي مش شايفة وشك عامل إزاي؟ امتثلت لرجائهم جميعاً عندما تكاتلوا عليها ودلفت غرفتها استعداداً للكشف عليها. وفور أن انتهى الطبيب من فحصها وقف مكانه وأغلق حقيبته وردد وهو يكتب الوصفة الطبية لها: "طبعاً واضح جداً إنها عندها أنيميا، عشان كده عايزكم تعملوا التحاليل دي في أسرع وقت عشان نقدر نديها العلاج المناسب والجنين اللي في بطنها ميتأثرش بضعفها ده."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!