بعد أن فرغت حيلى تمددت على الرصيف. نمت حتى انزاح الليل وصدح صوت الباعة في الصباح الباكر منادين على بضاعتهم، مع أن الشوارع كانت لا تزال خالية. انهضت جسدي واتكأت على جدار منزل قديم. بسطت نظري للأمام عبر الأزقة متخيلًا في أي لحظة أن تظهر تقى. هكذا نحلم نحن الأطفال ونقتنع أن آمالنا من الممكن أن تتحقق بكل بساطة. لم تظهر تقى، حتى بعد أن أشرقت شمس أول يوم دونها. كانت الساعة تشير العاشرة صباحًا.
أمواج البشر متلاطمة في الشارع، موظفين، طلبة، عائلات، أطفال بمثل عمري، الكل لديه شيء يفعله. تبدد أملي في عودة تقى. كنت أعرف أنها عندما تتخذ قرار وتركب رأسها لا تتراجع أبدًا. شعرت أن صدري شق نصفين ولم أقو على الذهاب للشقة، رؤية الأماكن دونها ستقتلني أكثر. مررت على العمارة، منحت صاحب البيت إيجار شهرين وشهر مقدم. طلبت منه إذا رأى تقى تصعد الشقة أن يهاتفني. واضطررت لأن أسمع وقاحته. رحلت مثل والدتها.
كنت أتوقع عودتها لذلك دفعت للإيجار، لكنني قررت عدم رؤية والدي مرة أخرى. كنت أعرف أنه السبب في رحيل تقى ولم أتمكن من الصفح والغفران. كانت الأيام الأولى قاسية جدًا، كل ليلة كانت بطول شهر. حاولت السيدة أروى وزوجها مساعدتي. اتصلوا بالمستشفيات، أقسام الشرطة، قدموا بلاغ، لكن تقى اختفت ولم تظهر أبدًا. تركت تيار الحياة يقودني نحو مصيري، لم أكن مهتمًا لما سيحدث لي. محوت إرادتي، كنت مثل قش الشارع تدفعه الرياح بلا وجهة.
تلك الفترة التي كنت فاقدًا فيها للهوية أعادت السيدة أروى تشكيلي. تعلمت كل ما أرادتني تعلمه، المخاطبة، التصرف، اللغة، النشاط الرياضي. كنت تحت تصرفها وكانت تعرف ما ترغب به بالضبط. جعلتني نسخة من شخص محفور في ذهنها، شخص تعرف هي فقط ماهيته. تعلمت العزف على البيانو، الرقص، التحدث بالإنجليزية والفرنسية، قراءة الأدب، درست بعض العلوم المتفرقة. لا أنكر أن الوضع كان صعبًا في البداية.
بمرور الوقت بت أحب تلك الأشياء التي تغذي ذهني المشتت. عندما نتحدث عن كتاب، رواية، نبتة، كاتب، الموضة، العطور، الطبخ، الأرضيات والأثاث الأوروبي. كل ذلك مع الذهاب للجيم كل يوم تقريبًا رفقتها لأنها كانت حريصة على الاعتناء بقوامها. كنا نتدرب في نفس الصالة الفخمة حتى يتعرق كلانا. نركض بعدها نصف ساعة. كما أنها مع حرصها على تهذيبي لم تنسَ أناقتي. أستطيع أن أقول إنها كانت مهتمة بكل تفصيلة في حياتي.
كان زوجها خلال تلك الأعوام مسرورًا من انشغالها معي. لم يبدِ تذمره ولا مرة. كان يشجعني ويدفعني على مرافقتها والاعتناء بها. لم أعرف الأسباب التي دفعت كليهما للأعتناء بي، لم يكن مهمًا أصلًا. والإنسان ابن العادة، سرعان مع أتقنت طريقتهم. مع مرور الأعوام عندما كنت في عمر الثامنة عشر استخرجت رخصة قيادة. من بعدها كنت أقود سيارة السيدة أروى في كل مكان. وراحت تدريجيًا تعرضني لبعض صديقاتها، متفاخرة بما أحدثته من تغير.
كنت أرافقها في حفلات السهر التي تدعى إليها عندما لا يكون زوجها حاضرًا. كنت الحارس الشخصي، الحارس الأمين الذي يعرف أسرارها، خباياها. في على قدر ما كانت السيدة أروى غريبة أطوار كانت لها علاقات مزعجة. واحدة منها علاقتها بدكتور العيون الذي كان يعالج تقى وعرض دفع كلفة عينها البديلة. عرفت ذلك لاحقًا بعد أن تبدل مظهري ولم يعرفني الدكتور نفسه. لكنها كانت سريعة الملل ولا تظل في علاقة أكثر من شهرين أو ثلاثة.
كما أنها بعد أن أعادت تشكيلي استغنت عن الكثير منهم. لا أقول إن علاقاتها كانت شريرة أو غير محتشمة، لكنك لا تعرف أبدًا ما تفكر فيه أروى. وكانت ترسلني أحيانًا لإخراج إحداهن من ورطة وقعت بها من أجل كلمة شكر تحظى بها في جلسة نسائيها. وحتى من أجل مرافقة إحدى صديقاتها إلى مكان معين. لم أخزلها ولا مرة. إلا أنني لم أختلط مع ولا واحدة منهم. حتى عندما كانوا يجتمعون كعصابة كنت أجلس بعيدًا عنهم.
فأنا لا أهوى ثرثرة النساء التي لا طائل من ورائها غير الصداع. كانت أروى جميلة جدًا وأنيقة. إلا أنها لسبب ما فاقدة للثقة بعض الشيء. وكانت أحايين كثيرة تطلب رأيي في ملبسها أو عطرها، قصة شعرها ولون حذائها. كنت ضليعًا بتلك الأشياء وكانت اختياراتي موفقة دومًا. النساء بعد سن الثلاثين يتغيرن جدًا وتتبدل اهتماماتهم إلى درجة مفزعة. كانت هذه حياتي في الفترة الأولى. وكانت أروى حريصة على قطع أي علاقة لي مع أي أنثى قبل بدايتها.
وكان زوجها الذي لا ينجب حريصًا على سعادتها مقدرًا تمامًا قرارها الاستمرار معه رغم حلم الأمومة. أستطيع أن أقول كان بينهما تواطؤ غريب من نوعه. تعرف ترقص؟ لما طال صمتي قالت، شكلك ما تعرفش. كانت هذه الحفلة أواخر ديسمبر عام 2004 وكنت وقتها واقف جوار باب صالة الرقص أدخن لفافة تبغ. تابعت أروى مع رفيقاته. ليه متعرفش ترقص؟ عادي مفيش سبب يخليني أحب الرقص. أنا هعلمك متقلقش. أنت معاها؟ بس دي كبيرة عليك، قالت وهي تشير تجاه أروى.
قلت أنا أخدمها، حارسها الشخصي. ابتسمت، غريبة عمرها قريب من عمري. لم أكن مهتمًا حتى لكزتني في يدي وقالت اتفرج عليه. دَلفت لحلقة الرقص وراحت تهز عودها وأطرافها تتمايل. اقتربت مني أروى، سألتني كانت عايزة إيه منك؟ عادي، كانت بتسألني تعرف ترقص ولا لأ. وأنت قلت إيه؟ قلت معرفش أرقص. عايز ترقص معاها؟ إذا كانت رغبتك سأفعلها. حدقت أروى بالفتاة التي ترقص بفرح وشدتني للخارج. سنغادر الآن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!