بلاش يبقي مخك طاقق كدا علي طول يا حياة. المسائل دي بتتحل بهدوء وعقلانية. كلماتها بنبرة هادئة، محاولة إقناع الجالسة مقابلها بملامح وجهها الأحمر من الغضب وعيناها المتورمة من بكائها. لم تستطع سماع المزيد من تلك الكلمات التي ترددها في كل مرة يحدث فيها شجار بينها وبين معاذ. فقالت بصوت متوسل يشوبه الاختناق: ميساء.. من فضلك.. أنا مضايقة ماتزوديهاش عليا.. المفروض تفهمي أنا حاسة بإيه! مش قادرة أناقش دلوقتي الله يخليكي.
اختتمت الحديث برفع يدها إلى رقبتها، لتتضح الكدمة الحمراء المزينة بذراعها الأبيض الذي يتخللها اللون الأزرق بسبب ما فعله معاذ بها. قطبت ميساء حاجبيها بحنق شديد ووعيد في داخلها اتجاهه. لكنه توسل إليها لكي تصلح الأمر بينهما، ولذلك وافقت على مضض لأنه أظهر لها ندمه الشديد على ما فعله. لتقول بصوت هادئ رغم استيائها: حياة.. أنا عارفة إن اللي حصل منه دا غلط.. بس هو بيحبك وكان خايف عليكي من الشغل دا.
تشكلت عدة تجاعيد بين حاجبيها بعدم اقتناع من حديثها. ثم هتفت في انفعال: وانتي صدقتيه مش كدا!! لا يا ميساء دا عايز يلغيني ويلغي شخصيتي من الأول.. فاكر إن الكون لازم يمشي على مزاجه.. دي مش تصرفات إنسان بيحب وعايز يبني بيت أشاطره فيه.. دي أنانية منه مش حب. أنا حاسة معاه إني بتحرك بالريموت مش على طبيعتي مش مرتاحة.. حاسة على طول إني هغلط أو لو اتكلمت هتفهم غلط.
تنهدت ميساء بأسى على حالها، لأنها تعلم في قرارة نفسها مدى صحة كلماتها. وتمتمت بإستماتة وهي تمد أصابعها لإزالة الخصل البنية التي انزلقت على وجه حياة الغالب عليه البراءة، لأنها لا تضع مستحضرات التجميل على عكس وجهها الفاتن المتورد بأنوثة: اهدي طيب.. بصي يا حياة لو سبتيه دلوقتي هيحصل حساسية بينك وبين حازم اللي انتي قاعدة في بيته. نظرت إليها حياة بأعين منفردة، بسبب كلمات أختها التي صدمتها. صفعت على فخذها بقوة،
لتقول بغضب من بين أسنانها: والله.. يعني عشان قاعدة في بيته المفروض أقبل وأستحمل أي حاجة من أخوه!!! أردفت بنبرة يغلب عليها التأنيب، وهي تشير إلى نفسها وتنظر إليها بعيون لامعة، أثر الدموع الحبيسة التي تهدد بالسقوط، بعد أن تذكرت كيف كان يدللها والدها الراحل:
وبعدين ما أنا كنت قاعدة في شقة بابا الله يرحمه.. فضلت تزني عليا عشان نبيعها وأحط الفلوس في البنك لجهازي وجيت قعدت معاكي هنا عشان ماابقاش لوحدي.. مش دا كان كلامك ليا ساعتها!! سارعت ميساء في تبرير كلامها السابق، حيث تهز يديها إنكارًا، وتعنف نفسها داخليًا لإيذائها دون قصد مشاعر أختها:
بلاش تزعلي مني والله ما أقصد كدا يا حياة.. بس عشان خاطري عديها المرة دي وماتكبريش الموضوع معه.. اعملي نفسك زعلانة منه كام يوم كدا عشان يتعلم ما يزعلكيش تاني وبعدين اتصالحوا. أغلقت حياة عينيها من الصداع الشديد في رأسها من البكاء والصياح، وكأن شخصًا جالسًا بداخلها يدق بمطرقة على جمجمتها مما تسبب لها في ألم حاد جدا. فتمتمت بإنهاك لتنهي هذه المحادثة وهي تفرك جبهتها برفق: طيب يا ميساء هفكر.
مرت هذا الموقف من معاذ على مضض، وبدون اقتناع، احتراما لزوج أختها الذي لم ترى منه سوى الخير، لكنها لم تنس ما فعله معها دون مراعاة مشاعرها.
قررت العمل كمعلمة أطفال، وجعلت زوج أختها يقف معها ويدعمها في كل ما تريده، لذلك لم يستطع معاذ الاعتراض على الرغم من جدالاته الكثيرة معها، لكنها لم تستسلم، بل أصرت على ما تريد، وأعجبت بمرافقة الأطفال وأحبتهم وتعاملت مع المهنة على أنها هواية تسعد بها، وتريحها من الشعور بالضغط النفسي أو الضيق الذي كانت تشعر به طوال الوقت.
تنفست حياة الصعداء بعد أن أفاقت من شرودها، تتذكر كيف استقرت في عملها متناسية به هذا الموقف الذي جعلها بعد ذلك لا تريد أن تشاركه أي شيء عنها، بل بدأت تتغاضى عن أسلوبه الأناني بالبرود والتجاهل. كانت تتحكم قدر الإمكان في غضبها من طريقته المتسلطة معها. تدعي سرًا أن سلوكه معها سيتغير بمرور الوقت، ولكن عندما رأته جالسًا مع تلك الفتاة بهذه الطريقة الاستفزازية، قررت أن تتركه دون أي اعتبار لأي شخص.
ما كان يجب عليها أن تتحلى بالصبر معه من البداية، وفي قرارة نفسها تثق تمامًا أن طباع البشر ليس من السهل تغييرها، وأكثر من ذلك، إن قلبها لا يريده لم ينبض باسمه، وإلا كانت غفرت له وسامحته، لكنها غير مقتنعة به بتاتًا. لماذا تخاطر بمستقبلها معه؟
هذه حياتها وهي وحدها ستتحمل نتيجة كل ما سيحدث لها، لذلك لن تتنازل عن راحة بالها مرة أخرى، وتحت أي ظرف من الظروف، ليس لديها سوى كرامتها التي جمعت شتاتها بصعوبة، وسافرت إلى القاهرة، تاركة الإسكندرية كلها حتى تجلس في منزل والدها القديم، بعيدًا عن كل ما يزعج سلام حياتها القادمة. انقطع حبل أفكارها بصوت أختها من خلفها، فأدارت رقبتها ونظرت إليها، وأومأت بابتسامة تلاشت تدريجيًا، وهي تستمع لما تقوله ميساء التي جلست بجانبها:
معاذ كلمني بعد ما لاقيتك مابترديش عليه وهو واقف تحت شباك أوضتك. أردفت ميساء بنوع من التردد: احم ومصمم تطلعي تكلميه.. روحي شوفي عايز إيه بهدوء بلاش عصبية وتتفرجوا عليكوا الناس يا يويو؟!! بقيت صامتة لحظات تفكر قبل النهوض من كرسيها بابتسامة هادئة حتى تطمئن أختها. استدارت وغادرت الشرفة، فيما تحولت الابتسامة البريئة التي زينت ثغرها إلى أخرى شيطانية، وهي تخاطب نفسها أثناء دخولها المطبخ:
انت جيتلي في وقتك.. أما طلعت على جتتك القديم والجديد مابقاش أنا حياة بنت مجدي. يقف معاذ مباشرة تحت النافذة ينظر يمينًا ويسارًا، ثم يخفض بصره بين تارة وأخرى بملل محدقًا إلى ساعة معصمه الثمينة. سحبت حياة ستارة النافذة لتفتحها، وتتمتم بنبرة مغتاظة خفيضة جدًا، وتتحدث مع ذاتها كالمعتاد مثل المجنونة: قال مصمم أطلعلك قال.. فاكر نفسك لسه خطيبي عشان تديني أوامر يا مغفل ظابط على نفسك أما أوريك.
اختتمت كلماتها الحانقة، وهي تنظر إلى أسفل ثم أفرغت بغلًا وسخطًا محتوى الوعاء الزجاجي الملء بالطحين الذي كانت تحمله في يدها على رأس معاذ الذي فوجئ بشيء يسقط عليه من فوق. سرعان ما بدأ بدفعه من على شعره بقوة في محاولة باتت بالفشل بسبب الكمية الهائلة التي غمرته من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه.
أغمض عينيه بغير استيعاب، ليسمع صوتها الفائض بالشماتة حيث كانت تغمغم بكلمات غير مفهومة، ولا تزال تصب عليه الطحين حتى أفرغت الوعاء بأكمله. نظر معاذ بإنشداه في بدلته الملطخة بالطحين، ورفع رأسه إليها قائلاً بعدم تصديق: إيه دا!!! رفعت حياة حاجبيها، وهتفت في استنكار: دقيق!! صاح معاذ بغيظ، وهو يحاول نفض الدقيق منه دون جدوى، سيكون من الصعب جدا التخلص منه: مبسوطة كدا يا بنت المجانين.. انزليلي هنا بسرعة. هزت
رأسها بسرعة وقالت برفض: لا مش نازلة. أطلق معاذ زفيرًا غاضبًا، وهددها بنفاد صبر بينما كان لا يزال ينفض شعره من الطحين: لو مانزلتيش حالا يا حياة هطلعلك أنا وأتحملي ثورة اختك علينا إحنا الاتنين بسبب بهدلة عفشها بالدقيق اللي بهدلتيني بيه دا. تمتمت حياة بصوت منخفض بينما أدارت رأسها إلى الجانب الآخر، والتوتر يحتاج أعصابها، وصفعت جبينها بخفة: يالهوي!! أنا إزاي مافكرتش في كدا؟ آه يا ابن المستغلة..
أردفت سريعاً بصوت عالٍ، ثم أغلقت النافذة وسحبت الستائر: استني عندك ماتطلعش خلاص نازلالك. سرعان ما ارتدت سترة قطنية فوق بيجامة نومها ونزلت إليه، وأغلقت الباب الأمامي للمنزل من خلفها، ثم التفت نحوه بينما كان معاذ واقفاً يحاول تنظيف نفسه، لكن الدقيق كان يعشش في ثنايا شعره الذي تحول إلى اللون الأبيض، ليزفر من الإحباط واستدار بسرعة عندما يسمع صوت حياة تهمس بإستهزاء: لسه جاي من الفرن على هنا يا اسطا..!!
همس بصوت أجش حانق، وفتح ذراعيه في دهشة مما فعلته فيه: يا مؤذية خلصتي دقيق البيت كله عليا.. عقدت حياة ذراعيها بلا مبالاة، ليقول بسخط، وهو يصفع ذراع بدلته الغالية: لزمتها إيه حركات العيال دي يا حياة.. عجبك منظري كدا يعني؟ ردت عليه بنبرة استفزازية مليئة بالشماتة: عادي تغيير حتى الأبيض لايق عليك وكان نفسي أعمل كدا من زمان وحصل. استأنفت حديثها بنفس النبرة والعبوس على محياها: انت هتفضل واقف متنح كدا!! روح من هنا.
ردد معاذ باستغراب: أروح فين وأنا كدا يا حياة!! أجابت حياة باندفاع، وما زالت تعقد ذراعيها على صدرها: على جهنم الحمرة.. عايز إيه مني يا معاذ؟ اتسعت عيناه، ورفع حاجبيه عند سماعه إجابتها القاسية، وتمتم بإقتضاب، محاولاً أن يكتم غضبه الذي لا نفع من ورائه الآن: أنا جاي أكلم معاكي. أغمضت عينيها بضحكة ساخرة، وأبعدت وجهها عنه وهي تدمدم بصوت خفيض لكنه سمعها: يارب صبرني. أردفت بعد أن نظرت إليه:
وأنا قولتلك مش عايزة أكلم يا أخي.. هو بالعافية. واصلت حديثها بنبرة هامسة حادة: وما يهمنيش هتقول إيه أصلاً.. سيبني في حالي بقى. أنهت كلماتها الغاضبة واستدارت نحو باب المنزل وهي تنوي الدخول، لكنه أدرك ذلك بحركة سريعة تسببت في سقوط بقايا الطحين المتعلقة به عن ظهره، أمسك بعضدها لمنعها من الفرار بعيدًا. اتسعت عينيها بغضب، وتحدثت من بين أسنانها بفحيح: يخربيتك. أكملت كلامها بنبرة جادة مليئة بالتحذير، مشيرة بإصبعها
إلى مكان قبضته على ذراعها: ابعد صوابعك عن دراعي قبل ما أكسرهم. رفع كفوفه مستسلمًا حتى تلين له ويمكنه الحديث معها دون انفعال، لكنها ردت تهديدًا، مشيرة إلى يديه بإصبعها، وكل ذرة في جسدها مستعدة لمهاجمته: ماتحطش إيدك عليا تاني. هز رأسه باتفاق وقال بصوت هامس: خلاص. عقدت ذراعيها أمام صدرها مرة أخرى، قائلة بنبرة متغطرسة: اتفضل من غير مطرود.
نظر إليها كما لو أنه يراها للمرة الأولى، لم يكن يعرف منذ متى أصبحت مشاغبة ومتمردة، أو أنها كانت على هذا النحو من قبل، ولكن لأنه كان مشغولًا عن معرفتها جيدًا، لم يلاحظ هذا الجانب العنيد منها، حيث لم تعد تخاف منه، بل تنظر إلى عمق عينيه بتحدٍ عارم، ليهمس بإلحاح: حياة.. خليكي جد شوية محتاج أكلم معاكي. هتفت حياة وهي تضرب بقدمها على الأرض في حالة من اليأس، من الإصرار الواضح في عينيه أنه لن يبرح مكانه
إلا إذا قال ما في جعبته: يوووه.. أنت غاوي تعاند فيا وخلاص.. مابقش بينا حاجة نحكي فيها يا معاذ. خفض جفنيه، وأدار رأسه إلى الجانب الأيمن، مبتسمًا بغموض بعد أن خطرت بباله فكرة، لكنه قال بهدوء للمرة الأخيرة: لا في يا حياة.. تعالي اركبي العربية مش هنفضل واقفين وأنا بشكلي العرة ده. ضحكت بسخرية وهي توجه رأسها نحو المنزل، ثم نظرت إليه بتهديد قائلة بتحدٍ يشوبه الشماتة: إيه يخليني أسمع كلامك؟
ماتقدرش تجبرني هنادي لأخويا حازم يقطعك حتت صغيرة.. هو مستحلفلك وانت عارف. تمتم معاذ من تحت أنفاسه: كفاية تضييع وقت. ثم انحنى بسرعة وطوق ساقيها بذراعيه، ورفع حياة على كتفه مثل الزكيبة وسار بها كأنها لا تزن شيئًا، مما جعلها تصرخ بفزع من صدمتها عندما وجدت رأسها يتأرجح على ظهره وساقيها في الهواء. همست حياة بذهول، وحركت قدميها بقوة محاولة النزول، وهي تضربه بقبضتها على ظهره: بتعمل إيه يا متخلف؟ نزلني...
هسهس معاذ وهو يمشي بثقة رافضًا الاستماع إلى اعتراضاتها: هشششش. استمرت حياة بالثرثرة دون توقف من اضطرابها الشديد مندهشة من تصرفه غير المعقول على الإطلاق: موديني على فين يا معاذ مايصحش كدا!!! نزلني نزلنننني.. قولتلك مش عايزة أكلم معاك هو بالعافية يا أخي.. ماتبطل تصرفاتك الهمجية دي.. وصل معاذ إلى سيارته وفتح الباب لينزلها برفق عن كتفه وساعدها في الصعود إلى السيارة بحذر، قائلاً بسرعة: اركبي.. يلا. كل مقاومتها ذهبت سدى،
لتغمغم بغضب: معاذ.. والله ما هفوتلك اللي بتهببه دا.. دي جريمة خطف آنسة... لم يدعها معاذ تكمل كلامها، وهمس على عجل بينما يغلق باب السيارة: دخلي رجلك وبطلي الرغي اللي ملوش تلاتة لازمة دا. *** في السيارة بقيت حياة ثابتة على صمتها، رغم محاولات معاذ بفتح حديث معها، بينما كانت تفكر مليًا في المكان الذي سيصطحبها إليه، لتخطر ببالها فكرة وحيدة يمكن أن تهرب بها من هذا المأزق وتنتقم منه في آن واحد.
قطعت حياة هذا الصمت قائلة بنبرة رقيقة ممزوجة بالاحتيال: أنا عايزة أشرب ممكن تنزل تشتريلي ميه معدنية من الكشك ده. تبادل الاثنان النظرات وسط صدمة حياة، ليتحول وجهها تدريجيًا إلى اللون الأحمر من الغضب، تزامناً مع اتساع ابتسامة معاذ الماكرة، الذي قال وهو يمد يده إليها بزجاجة ماء من المقعد الخلفي: غالي والطلب موجود. أنهى معاذ جملته بابتسامة ملتوية، تنهدت حياة قائلة بإنزعاج بعد أن أدارت عينيها للأمام:
خلاص مش عايزة.. انت رايح بيا فين روحني يا معاذ؟ أعاد الزجاجة إلى مكانها، ونظر إلى الطريق وقال بهدوء: وصلنا. نظرت حياة خارج النافذة لترى البحر أمامها، بينما نزل معاذ من السيارة ولم ينس أخذ المفاتيح بعد أن لاحظ نظرات حياة بين الحين والآخر ناحيتهم ليفهم ما تصبو إليه. تابعت تحركاته بعناية، وما زال التجهم يغطي الجزء الأكبر من ملامحها المنزعجة، بعد أن أغلق كل الفرص التي يمكن أن تتخلص منه بها.
أغمضت عينيها بإرهاق، وميض حدقتى بدر الداكنتان على شكل وميض أمامها. فتحتهما من جديد، وتنهدت بضيق، لشعورها بالنقص الذي يتزايد شيئًا فشيئًا بقلبها، دون أن تتمكن من ترجمة ذلك حتى لنفسها. قررت بعد فترة من الجلوس بمفردها في السيارة، النزول على مضض والتحدث معه كما يشاء حتى يرجعها إلى المنزل.
ترجلت من السيارة، فارتطم هواء البحر بشعرها الطويل ليتطاير حول وجهها، رفعت يدها لإبعاد خصلتيه عن عينيها، وتحركت إلى المكان الذي يقف فيه معاذ، وأبطأت خطواتها قليلاً لتبقى مسافة بينها وبينه. شعر بحركتها خلفه، فالتفت إليها بصمت بعد أن كان شاردًا في أمواج البحر الهائج التي تصطدم بالصخور، تمامًا مثل مشاعره الآن. هتفت حياة بنبرة عالية نسبيًا حتى يسمعها، وعلى شفتيها ابتسامة جانبية ساخرة:
برافو يا معاذ برافو.. عملت اللي انت عايزه كالعادة وأخذتني معاك بالعافية. واصلت بنفس السخرية اللاذعة، وهي تشبك يديها أمام خصرها: إيه الكلام اللي أخذتني زي شوال بطاطا لحد هنا عشان تقوله؟
كان معاذ يستمع إلى سخريتها بوجه مقتضب، ويضع يديه في جيوب بنطاله، وحالما صمتت، اقترب منها بخطوات واثقة حتى وقف مقابلها، وأخرج يديه شابكًا إياهم أمام خصره، وقال بنبرة هادئة وغير متوقعة لحياة، حيث اعتقدت أنه سيصرخ عليها بمجرد أن تنتهي من كلامها الوقح، لكنه خالف كل توقعاتها: حياة.. حياة حقك عليا أنا آسف.. عارف إن تصرفاتي معاكي ما كانتش ألطف حاجة. نظرت إليه بدهشة أخفتها بسرعة خلف نبرة صوتها الهادئة الساخرة:
معقولة.. معاذ باشا بيعتذر قد إيه دا شرف عظيم وتضحية كبيرة منك!! أسدل جفنيه للحظة عن عينيها المعاتبين، ثم نظر إليها وقال بلطف: من غير ما تتريقي أنا بجد آسف.. كان عندك حق لما قولتي إنّي بفكر بأنانية. نظرت إليه مليًا، مستشعرة الصدق باعتذاره، فأومأت برأسها بصمت، ثم رأته يخفض بصره إلى الأسفل واقترب منها خطوة، محاولاً معانقة يدها، لكنها وضعت راحة يدها فوق كفه، وقالت بسرعة:
خلاص مالوش لزوم الكلام ده يا معاذ.. دي كانت لحظة عصبية مني وراحت لحالها.. بس إحنا مش مناسبين لبعض يا معاذ.. صدقني.. صمتت وسحبت يدها عن يده التي بقيت مفتوحة، وهو ينظر إليها بعينين لا تتقبل هذه الكلمات منها، قائلاً بحزم وهو يخرج هاتفه من جيبه: لا يا حياة.. أنا عايزك تبصي على الصورة دي.
نظرت حياة إلى شاشة الهاتف في يده، لتتسع مقل عينيها حالما تذكرت تلك الموجودة في الصورة هي نفسها التي رأته معها جالسًا في المطعم، وظنت أنه يخونها، لكن منظرها هنا مختلف، حيث تقف خلف أعمدة حديدية ويبدو أنها مسجونة. أعاد معاذ الهاتف إلى جيب بنطاله قائلاً بنبرة هادئة:
حياة.. إنتي فهمتي الموضوع غلط لما شوفتيني مع البت دي كانت مقابلتي ليها عشان شغلي والحمد لله قدرت أقبض عليها والله ما كنت بخونك ولا فكرت أعمل كدا من يوم ما اتخطبنا. لعق شفته السفلى بنوع من الحرج مردفاً:
أنا عارف إني المفروض كنت أفهمك كل حاجة من الأول وأشرحلك وعارف إنه دا أبسط حقوقك عليا.. بس أنا دايمًا كنت فاكر إنه مش محتاج أبرر ولا أدافع عن نفسي قصاد أي حد.. بس لما شوفتك إزاي مصرة على إنك تفضلي جنب واحد ماتعرفيهوش أصلًا.. دمي غلي وحسيت بنار جوايا وقتها فهمت قد إيه بحبك وإني لازم أبطل أفكر بالطريقة دي وماحطش كبريائي حاجز بيني وبينك عشان أنا مش عايز أخسرك.
شعرت حياة بانقباض صدرها عندما سمعته، بينما لم يسجل عقلها سوى جملة واحدة من كل هذه الكلمات. زاغت عيناها بتوتر لتسمع لسانها ينطق بتسرع: بس أنا أعرفه كويس يا معاذ. حدق فيها لثانية دون أن يجيب، لقد اعترف للتو بمشاعره تجاهها وهذا كل ما تمكنت أن تقوله ردًا عليه، مستفسراً بغرابة: دا كل اللي لفت انتباهك من كلامي كله!! كان الأمر كما لو أنه تلقى منها صفعة قوية زعزعت توازنه وهزت كبرياءه، أوقد في صدره حريق خنق أنفاسه،
حالما تساءل بتوجس: إنتي بتحبيه يا حياة!! طيب إمتى حصل الحب ده!! وإزاي؟ قرع قلبها بعنف داخل ضلوعها، حيث اتسعت عيناها لكونها بطريقة ما استطاعت ترجمة طلاسم هذا النقص الملازم لها منذ اللحظة التي التفت فيها بدر مولياً ظهره لها. عفوياً، قالت بخفوت وهي توجه عينيها نحو البحر بعد أن أصابتها الصدمة: بحبه من زمان أوي.
من يقف على الشاطئ، ويقول إنه يحب البحر كاذب، فلا تصدقه إلا إذا غطس في أعماق البحر ورأى ظلامه وعيوبه وغضبه، انتظره حتى يعود إلى الشاطئ مجددًا وكرر نفس السؤال عليه، هل ما زلت تحبه؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فهذا حب حقيقي لأن نظرتنا لشخص من الخارج تكون مشوشة أحيانًا، الكل يريد أن يظهر جميلًا ورقيقًا وكريمًا في البداية، لكن عليك أيضًا أن تراه في أسوأ حالاته لتقرر ما إذا كنت لا تزال تحبه أم لا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!