في اليوم التالي، مر عليها اليوم طويلاً، يزعجها شعور غريب بعدم الإلفة. لم تستطع النوم من كثرة التفكير، فأمضت اليوم كله مع أطفال أختها تلعب معهم حتى تخرس صوت عقلها، حتى لو لساعات فقط دون حزن وقلق. لكن الحنين إليه يعود يسيطر عليها مرة أخرى، ويعذبها. لم تعترف بعد حتى لنفسها بالسبب الحقيقي وراء حزنها وألمها وخوفها عليه. وكلما أرادت التواصل مع جاسر حتى تعرف أخباره، عادت لتغير رأيها بكبرياء.
رن الهاتف على المنضدة وهي جالسة مع أختها في الصالون. همت بالرد بدهشة عندما رأت اسم المتصل. "سلام عليكو!! ابتسم بتلقائية وقال بنبرة جذابة: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. عاملة ايه يا حياة؟ ردت حياة بهدوء: "الحمدلله وانت يا دكتور؟ أجاب مازن بإيجاز ثم بقي صامتاً لوهلة متردداً فيما سيقوله: "تمام." سألته حياة بتسرع حالما سيطر القلق عليها تماماً من صمته المريب لها: "هو حصل حاجة جديدة؟
أجاب مازن ناقراً على سطح المكتب الجالس أمامه في غرفته بالمستشفى: "لو قصدك بخصوص بدر.. هو اتنقل للمستشفى اللي انا موجود فيها والدكاترة هنا متابعينه مافيش مشاكل." تنفست حياة الصعداء لتتمتم بخفوت: "الحمدلله."
عبست حياة عندما قامت أختها بجذب خصلات شعرها حتى تنتبه لها. لتدير رأسها إليها بينما تحرك الأخرى يدها بإستفهام. فرفعت حياة يدها تلوح لها لتتوقف، بينما يأتيها صوته الهادئ قائلاً: "انا كنت متصل عشان اعرفك ان مدام ميرفت مديرة المدرسة روحتلها الصبح و استأذنتها في اجازة ليكي لحد ما تدبري أمورك." ابتسمت بهدوء وقالت بصوتها الرقيق: "ايوه انا نسيت خالص اكلمها. ميرسي اوي يا دكتور مازن على اهتمامك وتعبك."
قال مازن بلهجة رجولية، لاعقاً شفته السفلى بابتسامة: "ولا يهمك. ياريت تسمحيلي اكلمك كل فترة اطمن عليكي واعرف أخبارك." تحركت القزحية داخل مقل عينيها في التفكير قبل الإجابة لتقول بلا مبالاة: "إن شاء الله.. مع السلامة." تحدثت ميساء بتساؤل حالما أنهت المكالمة: "دا دكتور مازن اللي كان في المستشفى؟ أجابت بنبرة عادية وهي تضع الهاتف على الطاولة: "آه هو.. قالي إنه بلغ إدارة المدرسة إني مسافرة وعندي ظروف."
تنهدت ميساء مقوسة شفتيها للأسفل قائلة بنبرة ذات معنى: "والله كتر خيره.. دكتور محترم وشهم ووسيم حاجة تملي العين يعني." توي فم حياة لتقول بسخرية، وهي تتكئ بمرفقها على حافة الأريكة: "مش مريحاني قصيدة الشعر دي.. بتلفي وتدوري ع إيه يا سوسو؟ عضت ميساء شفتها السفلى حالما اقتربت من أختها، وقالت بابتسامة: "انا خدت بالي إنه معجب بيكي. اكيد انتي كمان لاحظتي كده." ارتفع حاجب حياة بإستنكار،
وأجابت عليها بجدية: "مش معنى انه بيتصرف بلطف وذوق يبقى معجب بيا. على فكرة ماشي.. واتفرجي على فيلم وانتي ساكتة بقى." عبست ميساء قائلة بإنزعاج: "ياباي على لسانك." *** أتى الليل الساحر ليطل القمر على بحر الإسكندرية. تثاءبت ميساء متعبة من شقاوة أطفالها المفرطة طوال اليوم، وهي تدخل الصغار غرفتهم، لتقول
بصبر وهي تصفق بيديها: "يلا يا حلو منك ليها قدامي على النوم. أظن اليوم كله سيبتكم تلعبوا مع خالتكم كفاية دلع بقى. بكرة عندكم مدرسة." نظرت الفتاة إلى شقيقها ثم نظرت إلى والدتها قائلة برجاء: "ماما سيبينا بس شوية. خالتو هتحكيلنا حكاية وهننام على طول." كما تحدث الولد الصغير ببراءته، متوسلاً لها: "أيوه يا ماما عشان خاطري شوية صغيرين." تنهدت ميساء غير مقتنعة لكنها قالت في استسلام: "ماشي بس نص ساعة وبعدين هاجي أتمم عليكم."
"متقلقيش أنا هتأكد إنهم ناموا يا سمسمة." قالت حياة وهي تدخل من خلف ميساء إلى الغرفة، فاستدارت لتقول بهدوء: "حيث كده هشطب المواعين على ما تخلصي معاهم ونقعد مع بعضينا ننام لحد ما حازم يرجع." تمتمت حياة بنبرة عادية: "أوكيه." "تفضلي يا خالتو." تحدثت الفتاة من خلف حياة بعد أن أغلقت الباب وراء أختها. "تعالي بقي يا خالتو." تحركت حياة نحو السرير الذي يرقد عليه الأطفال وتسلقت عليه لتستلقي بينهم،
لتقول وهي تهز قدميها: "جيت أهو. تعالوا هحكيلكم حكاية هتعجبكم جدا." قال كلاهما بحماس، بينما يرتميا في حضنها: "ماشي." أخذت حياة نفساً عميقاً قبل أن تقول بنبرة ناعمة: "كان يا ما كان يا سعد يا إكرام، ولا يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام." ردد الطفلان خلفها: "عليه الصلاة والسلام." بدأت حياة تروي القصة بنفس
النبرة الهادئة اللطيفة: "كان في بلد كبيرة بزمن قديم عايش فيها أمير أسمر ووسيم بس معندوش قصر كبير وخدم وحراس. كان راجل حاله متوسط لا غني ولا فقير." نظر الأطفال إليها في صمت وركزوا على كل حرف تقوله، بينما كانت تواصل النظر أمامها بشرود: "كان معجب بأميرة جميلة أوي شافها بالصدفة.. من وقتها وهو مابيفكرش غير فيها.. بس المشكلة إنها عايشة جوا قصر كبير عليه حراس كتير ومابتخرجش منه إلا بسيط خالص." نطق رامي متسائلاً: "وبعدين؟
استمر الصمت للحظات وتموجت الأفكار بعقل حياة، ثم أضافت بصوتها الحلو: "فضل يفكر ويفكر عايز يشوفها.. لحد ما في يوم من الأيام انفتح الباب الكبير للقصر وخرجت الأميرة للجنينة فلمحت شاب غريب واقف قدام عربية من عربيات أبوها. وقتها فهمت إنه سواق." انبسطت الفتاة بسؤال شغوف: "دا الأمير الأسمر؟ أطلقت حياة ضحكة خافتة وأجابتها هاتفة بمرح: "بالظبط يا جنا هو بعينه وشنبه.. هتسألوني ليه عمل نفسه سواق؟
هو يأس إنها تخرج عشان يشوفها فقرر بتهور وشجاعة يشتغل سواق عشان يقدر يكون قريب منها." استطردت الحديث وهي تمسح على شعر رامي ورأسه غارساً في بطنها: "مرت أيام وهو بيراقبها.. عرف عنها حاجات كتير من متابعته ليها.. كانت وحيدة وسط الناس الكتير اللي بتتعزم في حفلات أبوها وحزينة لأنها كانت مخطوبة لصديق باباها.. لكن هو مكنش مهتم بيها ودايماً كلامه عن مشاريعه وشغله." بسطت جانا شفتيها
بتعاطف وقالت بصوت ناعم: "وعملت إيه الأميرة الغلبانة دي؟ همست حياة وهي تزيل شعرها عن عينيها لترى ملامحها البريئة: "هربت من القصر." "اكيد راح وراها الأمير الأسمر؟ أنهت جنا حديثها بابتسامة واثقة،
لتستأنف حياة كلماتها: "أيوه هي كان نفسها تخرج للحياة لو مرة واحدة تشوف العالم والشوارع زي البني آدمين الطبيعيين.. استغلت دوشة الحفلة واتسحبت من ورا الحراس وخرجت وكان الأمير الأسمر وراها بالعربية.. بيتابعها من بعيد لبعيد عشان كان خايف عليها تتوه.. لحد ما شافها بتركب باص كبير وبعدها نزلت منه وفضلت تلف في الشوارع كتير لحد ما تعبت والمطر نزل." أغمضت حياة عينيها وهي لا تزال تسرد الأحداث، ومشاعر
كثيرة مضطربة داخل قلبها: "راح عندها وطلب منها بذوق تركب العربية عشان ماتتعبش بسبب المطر.. هي لما شافته اتفاجأت وخافت يقول لأبوها.. هو حس بخوفها وطمنها إنه مش هيقول لحد حاجة وفضل يلف بالعربية شوية وهي جنبه.. لحد ما رجعوا القصر تاني ودخلت بنفس الطريقة اللي خرجت بيها.. من وقتها بقوا يتقابلوا وبتتكلم على طول معاه وجواها حاسة إنها مرتاحة مبسوطة ومطمنة من غير ما تعرف عنه حاجات كتير بس هي لأول مرة تمشي ورا قلبها وإحساسها."
فتحت عينيها عندما حل الصمت فجأة، ولم تعد تسمع تعليقات منهم لتتمتم بدهشة: "انتوا نمتوا إمتى؟ "من بعد ما خرجت الأميرة." جاء صوت ميساء من باب الغرفة، فأدارت حياة رأسها لتتقابل عسليتها مع بنية الأخرى قائلة بابتسامة ناعسة: "محستش بيكي وانتي داخلة!! همست ميساء بصوت خافت حتى لا توقظ الأطفال وتغطيهم: "حياة، وتبتسم بخفة على لطافتهم: "كنتي في عالم تاني يا أوختشي وانتي بتحكي القصة.. بس ماقلتليش نهايتها إيه الحكاية دي!!
تحركت حياة وشقيقتها للباب، ثم أجابتها بشرود: "يا عالم هتنتهي على إيه.. صدقيني معرفش!! *** بعد مرور يومين. في أحد مستشفيات القاهرة. يقف بدر أمام النافذة الكبيرة بينما يرقد جسده بسكون على السرير في غرفة واسعة مليئة بالمعدات الطبية. صمت رهيب يخيم على الغرفة رغم دخول أشعة الشمس إليها، لكن هذا لا يؤثر على حالة بدر القاتمة.
حين أغلق جفنيه بهدوء، ظهرت صورة واضحة لعينين مهتزتين بالدموع، ونظرات الخذلان تفيض منها بقوة أثر آخر كلماته لها. فتح عينيه من جديد، ليستو الحزن عليه زافراً بضيق.
لا يستطيع أن يتجاهل أنه يعاني بدونها، وشعور بالغربة ونقص رهيب في روحه بسبب بعدها عنه. ولكن ما يمكنه فعله، كان عليه أن يفعله بعد اندفاع حياة ومواجهة أميرة بمعرفتها لطلاقه لها، وهكذا انكشف المستور. حتى لو لم يأبه أحد بما قالته حياة، فلا بد أنه أثار شكوك كريم وأميرة نحوها بقوة. وهذا ما دفعه إلى معاملتها بهذه الطريقة، بل كان يحتم عليه أن يقول لها هذه الكلمات القاسية، والتي بالطبع قد تسببت في جرح مشاعرها بشدة. ما يخفف عنه قليلاً أنه استطاع إبعادها عن الخطر، لأن الهاوية التي سقط فيها لن يسمح لنفسه بجرها معه إليها ليكون مصيرها مثله.
*** غربت الشمس، تسبح في البحر الواسع، والشفق الأحمر يسدل ستائره على الكون، معلناً قدوم البدر، متوسطاً في السماء بضوئه. تجلس على أحد الكراسي في الشرفة الواسعة المطلة على البحر من بعيد في منزل أختها، لكن بتفكيرها وقلبها مع هذا البدر الذي أخرجها من دائرة حياته. اختفى شبحه تماماً من الظهور لها بعد كلماته الأخيرة لها. الإحساس الذي تشعر به الآن، لا تعرف كيف تصفه، وكأن الهواء قد نفذ من صدرها، تاركاً روحها ممزقة عن جسدها.
سؤال واحد يدور في ذهنها، هل من الممكن أن تقع في حب طيف تراه هي فقط، ولماذا تتوهم أحياناً أنها تسمع همسه العميق في أذنها؟ إنها لا تعرف في الأساس حقيقة مشاعرها، لا تجد لها تفسيراً رغم بحثها الدائم عن إجابة منطقية أو توضيح للسعادة التي طغت على حواسها عندما علمت أنه لا يزال على قيد الحياة. كل ما كانت تريده أن لا تبتعد عنه، لكن هذه هي رغبته، فماذا تفعل؟ بالتأكيد لن تفرض نفسها عليه.
تطوف في ذهنها أسئلة عن حياتها قبل أن تقابله في تلك الظروف الغريبة، وكيف أصبحت تشعر وكأنها ضائعة بعد أن تركها ورحل؟ Flash Back رن صوت هاتفها، المرمي بإهمال على السرير بجانبها. تنظر إلى الساعة وهي تشير إلى الساعة بعد منتصف الليل لتجيب على المتصل بسخرية: "لسه فاكرني دلوقتي؟! رد الطرف الآخر بشكل غير مبال على استهزائها لكونه نعساً للغاية: "معلش كان ورايا شغل مهم." تنهدت حياة بضيق فلا يوجد جديد، دائماً تسمع نفس الرد منه،
فأجابت عليه بفتور: "تمام." سألها معاذ بهدوء: "ايه؟ كنتي محتاجة حاجة؟ ابتسمت حياة ابتسامة لا صلة لها بالمرح، وتمتمت على مضض وهي تأمل أن تنتهي المكالمة العقيمة بسرعة قبل أن تتدفق دموعها: "آه كنت ومابقتش." "مش فاهم!! ردت عليه حياة وهي تضغط على كل كلمة بشفتيها ببطء: "لو كنت رديت من خمس ساعات كان ممكن تفهم." صاح فيها وعروق رقبته بارزة ترتعش
من الغضب ونفاد الصبر: "أنا مش ناقص ألغازك يا حياة ماتكلمي على طول وبلاش الأسلوب ده معايا، لا أظبطك." توي فمها تهكماً، ثم صاحت بإستنكار بينما ترتعد داخلياً: "الأحسن تقفل وتيجي هنا تضربني قلمين أحسن يا معاذ.. إيه الطريقة الزفت اللي بتكلمني بيها دي؟! رد معاذ على الفور بانزعاج: "أعملك إيه ما أنتي مستفزة وبتكلمي بالقطارة وأنا مش فاضيلك؟
كانت شفتاها ترتعشان حيث شعرت بالدموع تتصاعد في مقل عينيها العسلية، ورفرفت رموشها الطويلة عدة مرات سريعة لتتجاوز هذا الشعور قبل أن تصيح بإنفعال محاولة إخفاء حزنها من قسوته في التعامل معها: "مافيش أي فايدة فيك. معلش لو عطلتك.. ماتشغلش نفسك بيا.. سلام." ختمت كلماتها بحزن وهي تنهي المكالمة دون انتظار سماع رد منه، ثم بدأت تبكي بمرارة على ما حدث لها منذ أن تم رفض طلبها الوظيفي في إحدى شركات السياحة.
كانت تأمل كثيراً أن يتم قبولها به، خاصة أن المدير كان مرحباً بها، ولم يكن لديه مشكلة في المقابلة الأولى معها، لكنه غير رأيه بشكل جذري دون أسباب واضحة. لذلك اتصلت بخطيبها بعد أن خرجت من الشركة بخيبة أمل.
تريد التحدث معه لعل نفسها تهدأ، رغم أنه لم يكن قريباً منها ومعاملتها معه محدودة، لكنه في النهاية خطيبها وشريك حياتها المستقبلي. لذا أرادت منه أن يشاركها حزنها، لأن لم يكن لديها أصدقاء مقربين سوى أختها التي تنشغل الآن بأطفالها الصغار. في اليوم التالي. كانت تتجول في غرفتها بعصبية تبحث عن شيء وهي تمسك شعرها، لتتحدث مع نفسها بتأفف بسبب حنقها المفرط على أبناء أختها المشاغبين: "هتكون راحت فين أم التوكة دي..؟
أردفت بغضب بعد أن لم تجدها، واستدارت إلى الجانب الآخر: "نفسي أحط حاجة وألاقيها مكانها.. حتى التوكة ماسلمتش منهم." حركت قدمها دون أن تلاحظ الشيء الذي كان ملقى على الأرض أمامها، فتعثرت فيه لتمسك بركبتها وتتأوه من الألم، وهي تنظر إلى الصندوق البلاستيكي الذي تم إلقاؤه بلا مبالاة لتركله بقدمها بغضب.
نفخت بضجر وهي تفرك الجزء الخلفي من شعرها، الذي تركته يتناثر حول وجهها، في محاولة لتذكر كيف وصل هذا الصندوق إلى غرفتها، ثم تكلمت بصوت عالٍ مليء بالاستياء: "مفيش فايدة.. أوضتي محدش يدخلها." *** خرجت حياة من غرفتها مرتدية سروالاً بنياً غامقاً وبلوزة صفراء، تاركة شعرها المجعد فضفاضاً على كتفيها بعد أن تخلت عن الأمل في العثور على مشبك شعرها.
نظرت أمامها بدهشة عندما رأت معاذ جالساً مع أختها وزوجها في غرفة الصالون، فأخرجت الهواء من فمها بهدوء وهي تعد نفسها للشجار معه، لأنها أنهت المكالمة في وجهه، بل أغلقت الهاتف تماماً لتجنب أي مشاحنة معه، لكنها واثقة في خاطرها أنه لا مفر من المواجهة. لذا سارت بهدوء نحو الصالون قائلة بنبرة هادئة: "صباح الخير." نبس حازم مازحاً: "قصدك مساء الخير يا يويو. إيه مصحيكي متأخرة كده؟!
ابتسمت حياة وقالت بمرح قبل أن تجلس على مقعد منفرد، ويبدو أن أثر الدموع التي ذرفتها البارحة ذهب من مقل عينيها: "معلش بقى التوقيت عندي ملخبط شوية يا أونكل." أضافت بنبرة مليئة بالحسرة التي لم تستطع إخفاءها من شدة الإحباط الذي شعرت به: "وهصحى أعمل إيه يعني؟! سألها معاذ بهدوء يحمل في طياته الكثير من السخرية وهو يحدق بها: "وياترى كنتي سهرانة تعملي إيه طول الليل؟ تطلعت به لبضع ثوان كما لو أنها لاحظت للتو وجوده،
وهمست بابتسامة باردة: "إزيك يا معاذ؟ تجهمت ملامح معاذ بعد أن تعمدت تجاهل سؤاله قائلاً بابتسامة ساخرة: "والله لسه فاكرة تسألي عني ولا تعبريني.. أنا قاعد مستنيكي تصحي بقالي ساعة وأونكلك ماكنش عايز حد يقلق نومك." رغم ضيقها من أسلوبه إلا أنها لم تمنع الابتسامة الجميلة على ملامحها من الظهور قائلة بصدق: "ربنا يخليه ليا أحلى أونكل حازم في بر إسكندرية والكون كله." أنهت جملتها بحماس، فقال حازم بضحكة
مرحة وهو ينهض من مكانه: "بكاشة من يومك. هقوم أصلي العصر على ما تحضري الأكل يا ميساء." امتثلت ميساء لأمره بعد أن فهمت إشارته إليها قائلة بابتسامة: "ماشي أنا جاية ورا." انتظرت ميساء خروج زوجها، وقالت لحياة بعتاب: "إحنا العصر يا حياة ولسه سعادتك صاحية دلوقتي.. أومال دوشانا هشتغل هشتغل كل شوية وإنتي بتصحي بطلوع الروح." رفعت حياة نظرها إلى وجهها بنفاذ صبر، وهي تلوح بكفها وقالت بضيق: "وإنتي إيه مضايقك يا ميساء؟
هو أنا قاعدة فوق راسك.. روحي ورا جوزك الله يرضي عليكي." حدقت بها ميساء بعيون واسعة، تمتمت بقلة حيلة: "يخربيت لسانك الطويل. هو أنا ما أقولش كلمة إلا وتردي بعشرة." تحدث معاذ بخبث، وهو يرمقها بسخرية: "اعذري عصبيتها الأيام دي يا مرات أخويا. أصل حوار الشغل ماكملش." سرعان ما التفتت إليه حياة، وأعطته نظرة ذات مغزى، بينما صاحت ميساء بدهشة: "معقولة!! ليه كده يا حياة وليه ماقولتيليش ساعتها؟ تدحرجت عينيها
نحو أختها وردت بسرعة: "محصلتش أقولك يا ميساء.. أنت عرفت إزاي يا معاذ؟ أنهت كلامها بتساؤل بينما تنهض من كرسيها وتحدق فيه بحاجب مرفوع، تنتظر إجابته بترقب، ليتمتم معاذ بعدم فهم: "عرفت إيه؟! نظرت إليه بملامح معقودة بضيق مستتر من بروده، لكنها قالت بصبر: "إنّي ماتقبلتش في الوظيفة." أردف ببرود تام بعد أن وعى على ما قاله: "معلش يا ميساء ممكن تعمليلي كوباية شاي من إيدك." تأففت ميساء بنزع، بينما تتابع الموقف بتعجب
لتمتثل لطلبه على مضض: "ماشي يا حضرة الظابط هتوزعي بمزاجي هات." تحدث معاذ بسرعة من خلفها، وقام من مكانه، متجنباً النظر إلى حياة: "معلش خليها عليكي المرة دي يا أم قلب كبير وحنين." تجعد حاجباها بإستغراب وهي تسأل بإلحاح بعد أن وقفت أمامه مباشرة: "رد عليا يا معاذ عرفت إزاي؟ وأنا ماحكتلكش أي حاجة امبارح وانت أصلاً ماسألتنيش؟! حك معاذ ذقنه بعنف فالأمر بات يزعجه، ثم نبس بضيق بسبب
كلامه المتسرع من الغضب: "أسألك ليه وأنا عارف اللي حصل!! نظرت إليه للحظة بتساؤل، لتتلاحق أنفاسها بالغضب عندما جمعت أحجية الموقف: "وإش عرفك.. لحظة لحظة أنت ورا اللي حصل ده يا معاذ؟! فتح فمه محاولاً التبرير أو النفي بأحرف مشتتة: "أنا... بترت كلماته بإنفعال، ولم تستطع التحكم في نبرة صوتها عندما قالت بحدة مبالغ فيها: "أنت إيه!! أنت السبب في إن مدير الشركة بعد ما كان موافق رجعلي ورقي وقال لي مانفعش للوظيفة."
نظر نحو الباب يتأكد من عدم ملاحظة أحد لصوتها العالي، ثم تحدث منفعلًا ولكن بنبرة خافتة: "ممكن توطي صوتك.. أيوه أنا اللي عملت كده." تجمدت من رده الصريح لتتمتم بعدم فهم: "مش فاهمة. طيب ليه تعمل كده أصلاً بأي حق؟! وجد نفسه يقول بنبرة متعالية تحمل في ثناياها الكثير من التملك: "أنا خطيبك ومش موافق على إنك تشتغلي من الأساس.. تقومي تروحي تاخدي كورسات لغة وكمبيوتر عشان تشتغلي في شركة سياحة وتسافري على كيفك."
تمكنت حياة أخيراً من الخروج من شرنقة الصدمة المظلمة لتقول بتبرير: "الوظيفة كانت وكيلة حجز في الشركة مافيهاش سفر وأنت عارف من الأول وكنت موافق على الكورسات دي." صاح بقسوة غير مكترث بمشاعرها، وعيناه تحدق في ملامحها بجمود تام: "قلت أسيبك تشغلي وقتك لحد ما نتجوز مش أكتر. ومن الآخر يا حياة أنتي ليكي مطلق الحرية إنك تعملي اللي على مزاجك بس بأسلوبي أنا وبالطريقة اللي تريحني أنا."
رمشت عينها عدة مرات وقفز التعجب على محياها، وهي بداخلها تغلي من فظاظته، لتهتف بغضب: "أنت فاكر نفسك عشان مخطوبين هتبيع وتشتري فيا براحتك.. دي مش تصرفات إنسان طبيعي." رفع إصبعه ثم زأر بحدة محذراً: "الزمي حدودك يا حياة وما تنسيش إنك بتكلمي خطيبك وهبقى جوزك بعد كام شهر." امتلأت عيناها بالقهر بعد أن نجح في إشعال فتيل غضبها بينما تعقد ذراعيها
أمام صدرها لتصيح بإنفعال: "خطيبي ده اللي بيتعامل معايا طول الوقت زي المجرمين اللي بيتعامل معاهم وكلامه كله زعيق وأوامر وأنانية وغرور ودايماً أعصابي مشدودة بسببه. ولا اللي مافيش نقاش واحد معاه إلا بالخناق والصوت العالي." انتظرت إجابته، التي تدل على ندمه بتقصيره في حقها، أو رد فعله على كلامها، لكنه ظل يحدق بها بصرامة بينما امتلأت عينيها بالحزن بعد أن خيبت أمله فيه،
لتصيح بإنذار: "لو فاكرني هسكت وأوافق على كلامك ده تبقي بتحلم.. إحنا لسه على البر وشبكتك ممكن أرجعها لك عشان الخطوبة السودة دي ماتلزمنيش لو هتفضل معايا بالطريقة دي." زادت نبرة التحدي التي تتحدث بها من غضبه تجاهها، فقبض على عضدها وسحبها بعنف دون وعي إليه، وهو يقول بنبرة مخيفة: "أنا مش على كيفك يا حياة وهتقل أدبك هديكي علقة تعدلك عقلك الملوح في راسك."
أصيبت حياة بالرعب والارتباك حينما حدجها بنظرته الغاضبة عن كثب، وعيناها تغروران بالدموع، وشفتاها متشابكتان من الألم حتى تمنع تأوهها العالي من الظهور، حين شعرت بقوة قبضته على ذراعها بغير وجه حق، بينما تحاول دفعه عنها وجذب ذراعها بعيداً عن يده المؤلمة، وعندما فقدت الأمل في ذلك، صرخت في وجهه بقهر: "إيدي.. سيبني.. أنت مين اداك الحق تمسكني كده؟!
اشتد النقاش بين العناد المرتعد والتسلط القاسي، وارتفعت الأصوات عالياً جداً، فركض حازم إلى الصالون ليصدم من الموقف قائلاً بصراخ وهو يدفعه بعيداً عنها بالقوة: "إيه اللي بتعملوه ده يا معاذ أنت أجننت ماسكها كده ليه؟! زفر معاذ بعنف، محاولاً السيطرة على نفسه، ليصرخ بحدة: "غصب عني هي اللي بتخلي الواحد يطلع عن شعوره." نظر حازم إليه باستياء، ثم ربت على ظهر حياة المرتعدة، قائلاً
بحنان: "بطلي عياط يا حياة أهدي يا بنتي في إيه قوليلي!! ارتجفت فرائصها أكثر أثر نظراته النارية إليها، وكأنه يبعث لها رسالة مبطنة بعدم التحدث، لتقول بخوف متلعثمة في الحروف، وهي تمسك في قميص حازم محاولة الاحتماء فيه: "اسأل أخو حضرتك عمل إيه؟ كان عايز يمد إيده عليا مش مكفيه اللي عمله وكان السبب في إني ماتوظفش، لا ده كمان بيتخانق معايا عشان يداري على غلطه.. عن إذنكم."
تحركت حياة راحلة من أمامهم دون أن تنطق بكلمة أخرى، أو بالأحرى نفدت طاقتها بسبب ثباتها الواهي أمام براثن هذا الليث الضاري، بينما خفضت عينيها بأسى، لتنظر إلى ذراعها الذي كان يتحول تدريجياً إلى اللون الأحمر القرمزي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!