قالت حياة بابتسامة متعجرفة، وهي تضع يديها في الجيوب الخلفية من سروالها الجينز: أنا فكرت وعرفت هعمل إيه. نظر إليها بنظرة مغتاظة، بينما كان لا يزال جالسًا على الأريكة، مع رفع حاجب واحد تساءل بإمتعاض: واشمعنا هتاخدي ست مروة هانم بقي؟ ساد الصمت لحظات قبل أن ترد عليه بتنهيدة: عشان أنا ماعنديش خبرة في الموضة والحاجات دي، ما اهتمتش بيها جامد قبل كده، وكمان الأماكن هنا معرفهاش أوي يعني.
استقام في جلسته بدر، ووضع إحدى رجليه فوق الأخرى، وسأل بهدوء، مليئًا بالفضول: وليه يعني بدأتي تهتمي بالموضة دلوقتي على غفلة كده؟ ابتلعت حياة ريقها بخفة وهي تفكر في صياغة إجابة لسؤاله، لم يكن من الممكن لها أن تخبره أنها لأول مرة أرادت أن تعتني بمظهرها بعد رؤية زوجته التي جعلتها تشعر بجانبها كأنها فتاة مراهقة تقف أمام امرأة ناضجة وجميلة جدًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
عندما وصل تفكيرها إلى هذه النقطة، شعرت ببعض الغيرة المحمودة تحرقها، هي لا تمانع في السماح لنفسها بالتفكير بهذه الطريقة في ذهنها، ربما حان الوقت لتغيير بسيط لنفسها أولاً قبل كل شيء، لكنها تستطيع ببساطة أن تنكر الإفصاح عن ذلك، حتى لا يفهم أن ذلك يمثل نقصًا في الثقة بنفسها، قائلة بسخرية لاذعة: بدر أنا أوقات بشك في نسبة ذكائك، وما أعرفش إزاي أنت محامي!! لسه قايلة من شوية عشان أقنع الراجل باللي هتهببه أقوله ليه.
ابتسم بدر ابتسامة جانبية، عندما تراها على فمه يزداد الغيظ منه والانجذاب إليه بداخلها، لتسمعه يقول ببرود: لا والله، ومالك فجأة اتنرفزتي كده ليه؟ عادي محدش منعك تهتمي بنفسك زي أي بنت، بس حاسس الموضوع ده وراه سبب تاني غير ده؟ رمقته حياة بحدة، تضم شفتيها بخط مستقيم، ثم قالت من بين أسنانها في استياء: خليك في حالك لو سمحت، وسيبني أروح ألبس.. الولية زمانها جاية في السكة.
أنهت كلماتها وهي تسير نحو غرفة النوم، لكنها فجأة نظرت خلفها برأسها فقط، ووجدته من العدم خلفها تمامًا بعد أن كان جالسًا على الأريكة، صاحت بخوف واستهزاء بعد أن التفتت إليه بكل جسدها: انت ماشي ورايا ليه زي ضلي كده! هتيجي معايا وأنا بلبس ولا إيه يا عم أنت! أدرك بمجرد أن أنهت كلامها أنه في الواقع كان سوف يلاحقها بدون وعي منه، فحمحم بحرج وهو يفرك مؤخرة رقبته، ثم هتف بسخط:
لسانك أهلك ده مابيعرفش يعدي أي حاجة بعملها، لازم يحط تاتش اللماضة بتاعته ويعلم عليا. قامت حياة بلف شفتيها للخارج بتعبير اشمئزاز جلي على محياها، وسألته بإندهاش: مالك يا بدر بقيت بيئة كده ليه؟ ابتسم بدر حتى ظهر صف أسنانه اللؤلؤية، يلعب بحاجبيه، ثم يتمتم باستفزاز: من عاشر القوم. اتسعت جفونها، وشهقت بصدمة مزيفة، ثم وجهت إصبعها إلى نفسها، وزأرت بصوت عالٍ: يانهارك فوح! أنت بتلمح عليا أنا مش كده!
ماشي لما أرجع هوريك.. حاليًا مفيش فيا حيل للخناق معاك وأنا مستعجلة. أنهت كلماتها واستدارت للجهة الأخرى لتراه أصبح أمامها في لمح البصر، لتتراجع خطوتين للخلف محدقة فيه بذعر. نفى بدر برأسه وعلى مبسمه ابتسامة ساحرة غير مبالٍ بنظراتها المستنكرة، وقال بعدم اكتراث: مفيش خروج إلا بشرط. تفتت حياة بإمتعاض، وهي تضع يديها على خصرها: نعم يا دلع. عادي! مش واخد بالك إني هعمل ده كله عشان حضرتك كمان هتتشرط عليا؟
حرك بدر كتفيه مقلدا نفس حركتها بسخرية، وقال باستخفاف: إن كان عجبك. رمقته حياة بمقت قبل أن تصيح على عجل حتى لا يضيع عليها وقت أكثر في هذه المجادلة السخيفة: إيه هو! ياريت تنجز. حدق بها بدر بنظرة تحذيرية مليئة بالتحدي، وهو يشير بأصابعه نحو شعرها قائلاً بجدية تعجبت حياة منها جدًا: أوعي تتجنني في مخك تاني وتغيري لون شعرك، كفاية بهدلة فيه. رفعت يديها وهي تضرب كفًا على كف، وظهرت علامات الاستنكار على وجهها مجددًا قائلة بحنق:
عوض عليا عوض الصابرين يارب. خنقت بدر ضحكته وهو ينظر إليها بتسلية، ثم قال مسرعًا من ورائها بعد أن تجاوزته، وتوجهت إلى الغرفة دون أن يلاحظ الابتسامة الشقية التي ظهرت على شفتيها الرقيقة: آمين يا حجة. *** سرعان ما ذهبت شمس النهار، وحل ظلام الليل ينيره نجوم السماء اللامعة مثل عيون البدر.
توقفت سيارة سوداء اللون أمام مدخل المبنى، وسرعان ما انفتح الباب الخلفي وترجلت منه حياة، ثم نزلت مروة من الباب الأمامي، ومرت عدة لحظات قبل أن ينزل مازن بخطوات هادئة، حيث كان جالسًا خلف مقود سيارته، يراقب بهدوء ابتسامة حياة السعيدة التي لم تتوقف عن الحديث مع مروة في طريق عودتهم. تساءلت مروة بإستغراب بعد أن تطلعت فيها، وهي تساعدها في أخذ عدة حقائب من داخل السيارة قبل أن تغلق الباب، وتسلمها لمازن:
مش عارفة إيه سر لبسك للطقية دي تاني يا حياة! ردت عليها حياة بضحكة لطيفة، وهي ترفع أطراف أصابعها بتلقائية، وكأنها تتأكد من أن القبعة مازالت فوق رأسها: عادي بقي لسه مش متعودة على شكلي الجديد من غيرها. احتلت تعبيرات الفضول وجه مازن، ثم تحدث بنبرة ضاحكة: ياريتك شيلتيها كان نفسي أشوف النيولوك الجديد. تطلعت مروة إلى حياة بابتسامة عريضة قبل أن تنظر إلى مازن، قائلة بإندفاع متحمس:
اسألني أنا يا مازن دا تحفة عليها بجد، خلها تنور أكتر. ارتسمت ابتسامة خجولة على ثغر حياة، وقالت بغرابة: خلاص بقي بكرة هتشوفوه، مستعجلين على إيه! أضافت بامتنان، بينما وزعت نظراتها بينهما: بجد ميرسي أوي تعبتكم جامد معايا النهارده. حدقت مروة في حياة بعدم رضا مزيف، قبل أن تقف بمحاذاتها، وهي تلف أحد ذراعيها حول ظهر حياة، تقول بمرح:
يا بنتي بطلي الحساسيات دي بجد، أنا انبسطت النهارده جدًا معاكي رغم مقاومتك الكتير.. تخيل يا مازن ساعتين بنقنعها تجرب الكعب العالي. ضحكت حياة بخفة ثم هتفت مبررة، وهي تحدق بعفوية في مازن الذي يستمتع بالحديث ولم يتجاوز دوره فيه جملتين، لكنه كان مسرورًا رغم كل شيء: طلع متعب أوي وأنا مش متعودة ألبسه، كنت حاسة كأني ماشية على الميه بيه. اقترحت عليها مروة بنبرة هادئة:
الأحسن بقي عشان تتعودي عليه تلبسيه وانتي قاعدة مع نفسك فوق، تروحي وتيجي بيه على مهلك لحد ما تاخدي عليه. أومأت حياة برأسها داعمة، وقالت بتنهيدة خافتة: ما أنا هعمل كده. قطع مازن تأمله لها عندما خطا خطوة، وعلى فمه بابتسامة جذابة قائلاً بلباقة يتخللها المرح: هاتي الشنط دي عنك، وخلّينا نطلع أنا جعان جدًا. حركت مروة رأسها بالإيجاب، وقالت مساندة لأخيها:
وأنا كمان التصبيرة اللي أكلناها في المطعم دي جوعتني بزيادة.. يلا يا يويو خلينا نطلع نتعشى كلنا سوا. أسرعت حياة ترفض على عجل، وبطريقة لطيفة فهي متعبة جدًا قائلة بإبتسامة محرجة: لا معلش مش هقدر أنا شبعانة.. ويدوب أطلع أنام عندي مدرسة بدري. *** في الطابق الخامس من المبنى.
لوحت لهم حياة بابتسامة وودعتهم بعد أن فتحت باب الشقة، وأدخلت جميع الحقائب التي اشترتها، ثم أغلقت الباب بهدوء خلفها، ولم تستطع الرؤية بسهولة بسبب الإضاءة الخافتة للمكان. فتحت مفتاح الضوء، ثم تجولت عيناها بلهفة في أرجاء المنزل بحثًا عنه، لكنها لم تجد أثرًا له في الصالة الفسيحة. رفعت حاجبيها بتساؤل، بينما هناك هاجس بداخلها أوهمها أنه اختفى كما قال سابقًا، وأنها لن تراه مرة أخرى، لكنها نفضت تلك الأفكار من عقلها،
وصاحت بقلق مليء بالأمل: بدر.. بدر.. أنت فين! شعرت أن قلبها توقف عن الخفقان لبضع ثوان عندما لم تسمع سوى صدى صوتها يهتز في المكان، ثم سرعان ما بدأ يطرق بجنون عندما قفزت إلى عقلها فكرة أنه ليس موجودًا حقًا، مما جعلها تريد أن تبكي. "هنا معاك." التفتت إلى الجانب الآخر بسرعة عندما سمعت صوته الهادئ فجأة، ورأته يحدق بها بنظرة لم تستطع تفسيرها ولم تهتم كثيرًا، فقد غمرتها سعادة غير مفهومة عند رؤيته وذلك يكفي.
استندت على الحائط خلفها بشكل عفوي، بيدها تمسك قلبها الذي ينبض ألف نبضة في الثانية، ولا تعرف سبب اندفاعاته الجنونية، هل بسبب ظهوره المفاجئ كالمعتاد منه، أم لأنها ظنت أنها خسرته، ولكن هذا ليس شعور بالخوف منه، بل هو خوف من نوع آخر. إحساس للمرة الأولى تشعر فيه بتلك القوة منذ أن قابلته، أو ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي تطلق عنان شعورها رغماً عنها بأن يسيطر عليها.
ابتلعت حياة لعابها قبل أن تهمس بصوت حاولت أن يكون طبيعيًا، لكنه خرج مرتجفًا من اضطراب قلبها رغم محاولتها السيطرة على رجفة قلبها الأحمق: إيه ده! كنت فين.. حضرتك؟ تصنع بدر البرودة مقنعًا بها ملامحه رغم بريق عينيه اللتين تقولان عكس ذلك، وصوته يقول بهدوء: كنت قاعد مستنيكي هنا.. ليه اتأخرتي أوي كده؟
شعرت بالهدوء يعود إليها مرة أخرى، فابتعدت عن الحائط وانحنت لحمل الحقائب التي ألقتها على الأرض عندما دخلت الشقة، ثم اتجهت نحو الأريكة بخطوات ثقيلة وجلست عليها براحة وقالت في حماس طفولي: أصل اشتريت حاجات كتير وعملت شعري. نظر إليها من رأسها حتى أخمص قدميها متسائلاً: عملتي فيه إيه؟ وليه لابسة الطاقية دي تاني؟ ثم مازحها ساخرًا: أوعي تكوني حلقتي شعرك على الزيرو!
التقطت القط الذي قفز إلى الأريكة بجانبها ووضعته في حجرها، وربت على رأسه برفق، ثم نظرت إليه بعبوس، وقالت بتذمر مزيف: هاها ظريف أوي.. لا عملت شوية تغييرات كده فيه. جلس بدر مقابلها على الطاولة أمام التلفزيون، وفرج ساقيه عن بعضهما البعض، وسند بمرفقيه على فخذيه، قبل أن يشابك أصابعه معًا ويسألها بلهجة غامضة: قولتي إنك رايحة مع مروة.. ليه راجعة مع مازن؟
كانت عيناه تنظر إليها بعمق عن قرب، مما جعلها تشعر بالحرارة تزحف إلى وجهها وتغطي المكان من حولها، رغم أن الجو كان جيدًا، بينما هزت كتفيها بغير مبالاة وأجابت بنبرة صادقة: عادي الوقت اتأخر وماحبناش ناخد تاكسي لوحدنا.. قامت مروة كلمت أخوها وجه وصلّنا.. إيه المشكلة في كده؟ تنهد بدر بهدوء، وتحدث مغيراً مجرى الحديث: مفيش.. يلا وريني اشتريتي إيه؟ تلألأت عيناها من الحماس، وأومأت برأسها قبل أن تقول بحمحمة:
احم بص هنتفق اتفاق رجالة. رفع حاجبًا واحدًا بدهشة وتمتم: رجالة! ضحكت حياة بخفة، وتكلمت بشقاوة: أيوه انت تقعد هنا.. وأنا هدخل أجرب الهدوم الجديدة وأخرج أوريك النيولوك الجديد وخد بالك أنا محتاجة آراء تشجيعية بلاش تحبطني. لم تعط بدر فرصة للرد، حيث نهضت برشاقة ونشاط، فجأة عاد إلى جسدها، بعد أن وضعت القط على الكنبة، ثم ركضت نحو غرفة النوم.
نهض بدر وجلس على الأريكة في نفس المكان الذي كانت تجلس فيه، واضعًا ساقه على الأخرى، ورفع يديه وشبكهما خلف رأسه وهو ينظر إلى القط الصغير ويتحدث معه وهو يغمغم: وبعدين بقى في حكاية مازن ده.. تفتكر تكون معجبة بيه؟ أعاد رأسه إلى الوراء وغمر أصابعه في شعره وهو يفكر بعمق، لم يتركها منذ اللحظة التي نزلت فيها مع مروة كان وراءها في كل خطوة تخطوها دون أن يجعلها تشعر به حولها.
أغلق عينيه بهدوء، وقفز إلى مخيلته على منظر شعرها الذي تألق وأشرق لونه كثيراً عندما قامت بتصفيفه، فأصبح منسدلاً بنعومة على كتفيها. جعلت قلبه يشتعل بنار ملتهبة تضاهي بريق شعرها الناري، وهو يشاهدها تختار الملابس مع مروة وتجربها بسرعة، رغم أنها كانت ملابس أنيقة للغاية وجميلة لكنها ملفتة إلى حد ما ولهذا جن جنونه.
شعر بنيران تتأجج في نفسه من الغيرة، وفي لحظة من التهور كان سيذهب إليها يعنفها، ويصب غضبه الذي شعر به عليها، لكنه كبح جماح نفسه بمعجزة عندما تذكر أن غضبه وجنونه ليس له ما يبرره حتى لنفسه، وليس له الحق في أن يفقد عقله هكذا معها.
إنه لا يعرف حقيقة ما يشعر به تجاهها حتى الآن، حتى لا يدري ما هو مصيره حرفياً، وانفجار ذلك البركان المحموم بجنونه قد يؤدي إلى مرضها مجددًا، ولكن على الرغم من ذلك، ظلت ألسنة اللهب محتدمة داخل قلبه، تحرقه بشدة، عندما رأى جمالها، تزايد أضعاف وسطع بشكل مذهل، كما يسطع البرق في السماء. حيث كانت في السابق ذات جمال طفولي أحبه قلبه، لكنها الآن بدت جذابة وملفتة للنظر.
تدحرج بصره نحو جسده الرياضي، الذي يدل على أنه كان يمارس الرياضة بانتظام، ولكن الآن كيف يمكنه ممارسة الرياضة؟ كيف يمكنه التحكم في نوبات غضبه؟ فهو بالتأكيد لا يستطيع ذلك، وهذا أحد الأسباب التي تجعله يتصرف بعنف ضد إرادته عندما يقترب منها أحد، لذا عليه أن يبقي باردًا وهادئًا تمامًا، لكن نظراته تكشفه بشكل لا إرادي. تمنى في خلجه لو أنها لم تحاول تغيير مظهرها، فهذا لم يكن سيئًا على الإطلاق، بل كان عفويًا، فهو يحبها كما هي.
فتح عينيه بصدمة مما وصل إليه بتفكيره، فهل قال الآن أنه يحبها؟ فجأة انفتح عقله على حقيقة جديدة لم يكن يعرفها.
والذي جعل أعصابه تثور حقاً عندما اشتبه في أنها تعتني بنفسها لذلك مازن، وما جعل الفكرة تكبر في ذهنه أكثر عندما رآه جاء لتوصيلها بعد أن أصرت مروة على ذلك، لكن ما هدأ أعصابه قليلاً هو أن حياة رفضت إظهار شعرها ولبست القبعة، ولكن بداخله يشعر أنه يتمادى كثيراً بمشاعره التي لا يستطيع السيطرة عليها تجاهها، فيكفيه ما يعانيه بالفعل، وما يغضبه أكثر هو إنه عاقل ورصين، كيف أصبح مراهقًا هكذا، يسير وراءها في كل مكان.
نظر بدر إلى السقف، مطلقاً نفساً عميقاً لعل أفكاره المتضاربة تخرج معه. قرر تجاهل هذه الأشياء عن عمد الآن، وهو عازمًا على أنه لن يجعلها تشعر بالمشاعر الحارقة التي تعتريه، والتي لا يفهمها أو يستطيع أن يفسرها. أدار رأسه نحو غرفته، ناظرًا إليها بذهول من تأخر حياة بالداخل، ثم نهض من مقعده وذهب ليراها.
اخترق الحائط برأسه مترددًا خوفًا من أنها ما زالت تغير ملابسها، لكنه أكمل دخول جسده بسهولة تامة عندما رآها نائمة على السرير، ولا تزال ترتدي نفس الملابس التي جاءت بها من الخارج، ويظهر بوضوح الإرهاق على وجهها البريء، فابتسم بخفة على لطافتها. *** في شقة مازن. خرجت مروة من غرفة والدتها، وتوجهت إلى غرفة المعيشة حيث كان يجلس مازن يفكر فيها حتى استيقظ على صوت أخته التي قالت بابتسامة ملتوية: اللي واخد عقلك يتهني بيه!
نظر إليها وهو يجعد حاجبيه، ثم ابتسم ببرود دون أن يكلف نفسه عناء الرد عليها، فردت بضحكة خافتة: براحة على نفسك مش أوي كده. وبخه مازن بملل: مش هتبطلي الرزالة بتاعتك دي. بسطت مروة يديها أمامها، وقالت بدهشة: هو أنا قولت حاجة يا بني! أنا جيت أقولك إن ماما خدت الدوا بتاعها ونامت، لاقيتك سارح في ملكوت تاني. نفى مازن برأسه بضجر، واضعاً إحدى قدميه فوق الأخرى، ونظر إلى ساعة معصمه بعبوس قبل أن يقول لها نظرة حانقة:
لا تاني ولا تالت.. جوزك جاي ياخدك امتى ويرحمنا من رغيك يا مروة؟ برزت مروة شفتيها بأسى قائلة بنبرة منذهلة: أما صحيح خيراً تعمل شراً تلقى.. دا جزائي بدل ما تشكرني إني خليتك تشوف ذات الشعر المشمشي.. تبقى عايز تكروشني كده! نظر إليها مازن بعيون ضيقة، وسألها بحذر: قصدك إيه؟ رفعت مروة حاجبيها بابتسامة مستفزة، وأجابته بنبرة أنثوية ماكرة: انت فاهم كويس.. بلاش تعمل من بنها يا مازن عينك الخضر فضحاك يا بني.
برم مازن شفتيه، وهو يميل نحوها بعد أن أنزل إحدى قدميه عن الأخرى، ورفع إصبعه قائلاً بتحذير هادئ: مروة.. الحوار ده مش هزار بلاش تعكي بالكلام ده قدامها. رفعت مروة حاجب في استنكار، وقالت بنبرة تأنيب: ليه يعني هو أنا عبيطة ولا عيلة صغيرة يا مازن؟ رماها بنظرة جانبية بعد أن أشاح وجهه عنها قائلاً بغيظ: لا انتي سوسة يا مروة.. يدوب جيت حكيتلك إني شفتها من هنا ومديتي معاها حبال الصداقة من هنا.
ضحكت مروة بصوت عالٍ، وعادت لتسترخي جسدها على الأريكة، وهي تنكر حديثه في اعتراض: لا يا حبيبي.. أنا اللي حكيتلك الأول إني روحت زورتها قبل ما تعرف إنها هنا في العمارة أصلاً ووقتها قولتلي إنك قابلتها. تحدث مازن وهو يجز على أسنانه، ليكتم غضبه: مروة أنا جيت أقولك عشان أنا حاسس إني معجب بيها.. بس انتي تفكيرك من يومها في شقتها ما تنكرش. تنهدت مروة بعمق، وأجابت بجدية:
مابنكرش يا مازن ولا حاجة ومش شايفة إن في مشكلة يعني، في الأول كنا عايزين نشتري شقتها عشان لما تتجوز تكون جنب ماما وأنا كلمت ميساء بس أختها ما وافقتش على إنها تبيع، حتى بدر لما عرف عملت أنت وهو مشكلة معرفش كان لزومها إيه وزعلتوا من بعض! نفث الهواء من صدره، ورفع راحة يده أمامها، وقطعها بإنفعال دون أن يرفع صوته:
مش أنا السبب.. هو اللي كانت عصبيته ملهاش تلاتين لازمة والله ندمت إني فتحت معاه الموضوع ولا كنت عارف أصلاً إنه قالب شقة حياة مخزن إلا لما هي حكت بنفسها. أومأت مروة برأسها تفاهمًا لأخيها، وهي تربت على فخذه، وتقول بابتسامة حنونة جعلته يبتسم لها رغمًا عن إرادته عندما خففت كلماتها عن اضطراب قلبه:
ما علينا المهم إنها موجودة هنا وعلاقتنا بيها كويسة وأنت معجب بيها.. إذا واخد الموضوع جد حاول تتقرب منها وإن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!