الفصل 10 | من 33 فصل

رواية شبح حياتي الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
19
كلمة
4,424
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

ضحكاته كالصغار، أكاد أذوب ولهاً بهاتين الحفرتين على جانبي خديه، ومستعدة أنفق عمري كاملاً تقديساً لهذا الثغر المبتسم. بعد وقت قصير، كانت حياة بشعرها الرطب الذي تفوح منه رائحة الشامبو المنعشة برائحة المانجو المفضل لديها. جالسة على الأريكة الفسيحة مع وعاء كبير من الفشار في حضنها، تأكله بشراهة أثناء مشاهدتها فيلماً بتركيز وشغف يتألق داخل مقل عينيها.

دفعت القط بمرفقها بعيداً بلطف حتى لا يدخل برأسه في الطبق، قائلة بتوسل وعيناها مثبتتان على الشاشة الكبيرة في منتصف الصالة: "بس بقي يا ميجو الله يرضي عليك، مش عارفة أركز، ده أحلى مشهد في الفيلم." هتفت حياة بحنق ونظرت إليه بعيون ضيقة عندما اقترب مرة أخرى بإلحاح أكبر، فتمتمت بغيظ بعد أن وضعت بعض حبات الفشار أمامه ليأكل ويرضي فضوله: "ده انت رخــم زي صاحبك.. خدههم وحل عني بقي شوية." لفظ بدر سهواً، دون مقدمات:

"ماله صاحبه بقي؟ سمعت صوته الهامس الذي داعب مشاعر عميقة بداخلها لدرجة أنه من اندماجها الكبير في الفيلم الذي كانت تشاهده، اعتقدت أنها تتخيله، لذلك غمغمت دون وعي: "غمازاته.. تجنن." ومض وهج في عيني بدر مقرباً وجهه من جانب وجهها لتداعب أنفه رائحة شعرها الرائعة والغريبة لكنها راقت له كثيراً، وإرتسمت ابتسامة جانبية على زاوية فمه، وهو يهمس بسؤال: "مين ده؟

عضت شفتيها انشداه ظهر في عينيها، التي فتحتها على مصراعيها بذهول مما قالته للتو، ثم تمالكت نفسها بسرعة، مبررة بنبرة بريئة مشوبة بالتوتر وهى تشير إلى الأمام بإصبعها: "ها.. أحم.. ده.. ده البطل.. قصدي على بطل الفيلم." كز بدر على أسنانه سخطاً من أسلوب المراوغة الذي من الواضح أنها جيدة فيه، لكنه متيقناً أنها كانت تقصده خاصة بعد الارتباك الواضح الذي طرأ عليها.

صمت على مضض، بينما يجلس بجانبها على الأريكة، بعد أن كان يقف خلف الأريكة. قوست حياة شفتيها بحزن، ثم سرعان ما هتفت بابتسامة حالمة: "خسارة الفيلم خلص.. بس عارف دا تحفة بموت فيه وكل ما بيجي بتفرج عليه." ظلت تعبيرات وجه بدر المتجهمة كما هي مركزاً للأمام من شدة عبوسه، احتجاجاً على إجابتها السابقة، لكنه غمغم على مضض: "فعلاً!!

وضعت حياة الطبق على المنضدة، ثم سردت بحماس شديد دون أدنى اهتمام إلى تعابير وجهه المكفهرة، بعد أن استدارت على الأريكة وهي تثني إحدى رجليها تحتها حتى واجهت بدر بشكل كامل:

"أيوه دا فيلم خيالي ورومانسي أوي.. بيحكي إن بنت جميلة عايشة في عالم سحري كان نفسها تعيش حب حقيقي مع أمير وفعلًا لقت الأمير ده.. لكن الساحرة الشريرة مرات أبوه بعدتها عنه.. بس ما كانتش عارفة إن ده لمصلحة البنت عشان لما راحت لعالم الواقع اللي نفتها فيه قابلت حبها الحقيقي وفضلت معاه.. عارف البطل كان محامي زيك." بدر، على الرغم منه، ابتسمت ملامحه وهو ينظر إليها ويقول بنبرة ذات مغزى: "والبطلة صوتها حلو زيك؟

ابتسمت له حتى ظهرت أسنانها، ثم غمزت بشقاوة قبل أن تقول بصوت منذهل: "ده انت متابع الفيلم ومركز من بدري بقي!! جال بصره عليها في شرود، ثم ردد مخاطباً نفسه: "هو أنا مركز غير معاكي." وأضاف بدر، بعد أن أفاق من أفكاره، محاولاً تجاهل هذا الشعور الذي يطغى عليه معها بالسخرية منها: "شفت عينك هتبظ لبرا لما كانوا بيرقصوا مع بعض.. من حسدك ليهم الساحرة دي هاجمت زي القضي عليهم." حدقت حياة به في عبوس، منحرجة من كلماته، ثم نظرت إلى

الشاشة وتمتمت في استياء: "يا دمك." صدح صوت ضحكه الرجولي العالي في المكان قائلاً بعبث: "عسل وشربات." سرعان ما أومأ برأسه قائلاً بجدية بعد أن تقلصت ضحكته: "بس خلينا في المهم دلوقتي." تمتمت حياة بفضول، وقد تأهبت حواسها لما سيقوله: "إيه..! استطرد بدر قوله بنفس اللهجة الجادة: "عايزك تفتحي المكتب يمكن نلاقي حاجة تفيدنا." نظرت إليه بدهشة، وقالت بعدم فهم: "نفتحه إزاي! وهو مقفول بالمفتاح.."

أضافت بسرعة دون إعطائه فرصة للرد، حيث وضعت إصبعها السبابة أمام وجهه بعد أن تربت على ياقة البيجامة خاصتها بغطرسة مزيفة: "أوعى تكون عايزني أطفشه بطفاشة!! ما أقدرش أعمل كده بريستيجي ما يسمحلي." رغم أنفه وجد فمه يتلوى بابتسامة من مزاحها، ثم صاح ساخراً: "إنتي أساساً شكلك محترفة في تطفيش الأبواب يا أم لسانين.. بس مش هنحتاج لمهارتك دلوقتي، المفتاح ورا الكتاب التالت على الرف التاني في المكتبة اللي جنب باب المكتب."

أشاحت حياة ببصرها عنه إلى الخلف حيث يشير بيده، ثم نظرت إليه بعيون مذهولة، تهتف بعدم تصديق: "نعم يا عمر.. انت كنت عارف مكانه وساكت ده كله!! عينيه بضجر وهو يقول بتذمر: "أنا بدر مش عمر، وما جتش فرصة أقولك.. الأول كنتي لما بتشوفيني بتصرخي في وشي كأنك شايفة شبح."

أنهى بدر جملته، مستهزئاً بها وهي تنظر إلى زاوية فمه، الذي ارتفع بابتسامة لعوب، كأنه يغيظها ليتشدق صدغيها باستنكار، وهي تضع قبضتيها تحت فكها بعد أن أتكئت بمرفقيها على حافة الأريكة. *** بعد مرور نصف ساعة. تجلس حياة متربعة على الأريكة وتضع جهاز الحاسوب المحمول في حجرها، وبجانبها قعد بدر الذي كان يحدق في الشاشة معها، وهي تبحث بين الملفات بتركيز. تنهد بدر بعمق قبل أن يزمجر بخيبة أمل: "قولتلك إن اللاب ما فيهوش حاجة مهمة."

ضمت حياة شفتاها بغضب تأجج في قلبها، عندما شاهدت بعض صور بدر مع زوجته على الحاسوب، بدا وكأنهما عشاق في شهر العسل وسعيدان للغاية. لا تدري تحديداً؟ هل هذا شعور فطري بالغيرة المحمودة من جمال هذه المرأة الفاتنة أم من الغيرة على الجالس بجانبها؟ هل فقدت عقلها لتغار على شبح شخص ميت؟ سرعان ما استيقظت من أفكارها الحمقاء وبّخت نفسها داخلياً على ذلك، ما علاقتها بهذه الأمور الخاصة بين الزوج وزوجته، وقالت بنبرة هادئة

بعد استنشاق الهواء بقوة: "ماهو ده الحاجة الوحيدة اللي لاقينها في المكتب.. أصلاً أول ما فتح معايا من غير باسورد عرفت إن اللي عليه حاجات عادية بس من باب الفضول قولت أشوفه يمكن نستنفع منه بحاجة." هز بدر رأسه لها مؤكداً، وقال بجزم: "معاكي حق.. أميرة ما كانتش هتسيبه لو عليه حاجة تستاهل." شعرت حياة باليأس في نبرة صوته الخافتة، لذا هتفت بتشجيع مبهج:

"خلينا ننظر لنص الكوباية المليان، ادينا عرفنا حد انت افتكرته في الصور اللي على اللاب." صمت بدر ينظر إلى الأمام، ويفكر بعمق، ثم أدار رأسه تجاهها، سألاً بجدية: "إنتي قولتي إن قصة العفريتة اللي طلعت للراجل الطيب دي قتلوها عشان يستفيدوا من موتها." أومأت له حياة بالإيجاب بصمت تحثه ليواصل حديثه. قام بدر من الأريكة مستقيماً بجسده، يتحرك ذهاباً وإياباً أمام بصر حياة، ليقول في استفهام، وكأنه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ:

"أنا متأكد إني طلقت أميرة.. يبقي ليه بتقول إنها لسه مراتي؟ رفعت حياة حاجبيها مندهشة، وهي تضع الحاسوب بجانبها على الأريكة قبل أن تسأل باستفسار بنبرة مصدومة: "يعني عايز تقول إنها ممكن تبقي سبب في موتك؟! هز بدر رأسه عدة مرات بالإيجاب، ثم قال بإصرار: "حاسس إن ليها يد في اللي أنا فيه.. أصل مين مستفيد من موتي غيرها؟!

ارتجفت أوصالها من الانزعاج عندما نطق بكلماته الأخيرة، وانتابها شعور بالضيق في أعماق قلبها، لكنها قاومت بكل قوتها ذلك الشعور، ولم تستطع الجلوس ساكنة بسبب توترها، فوقفت على الفور غاضبة وكأنها لدغتها أفعى، ثم قالت بسؤال جعل سحابة الحزن تسيطر عليها أكثر: "وهي تموتك ليه أساساً؟ دي واضح إنها بتحبك.. انت ماشوفتش كنتو مبسوطين في الصور إزاي تقولش عصافير حب في شهر العسل!!

نظر في عينيها مطولاً بعد أن وقفت أمامه مباشرة، متجاهلاً لهجة السخرية في نهاية كلامها، بينما يضع كلتا يديه في جيوبه، ثم تحدث برزانة تليق به: "ما تاخديش بالظاهر يا حياة.. مش كل حاجة بتلمع معناها إنها مش هتأذي.. أكيد ورا الحكاية حكاية.. يعني أنا أكيد طلقتها عشان حاجة كبيرة ولو افتكرت السبب ده هوصل لحاجات كتير مفقودة في الحكاية."

نظرت بعيداً عنه وهي تتجه نحو النافذة المطلة على الشارع الواسع، وحل الصمت عليهم لبضع دقائق، ولم تحاول كسره، لأنها لم تعد ترغب في النقاش هذا الموضوع بعد الآن، حتى سمعت صوته الهادئ من خلفها: "حياة." ردت بضيق من شعورها بإنقباض في قلبها قبل أن تلتفت إليه بكل جسدها: "نعم! اقترب بدر منها قليلاً، ولم تكن المسافة بينهما إلا بوصات بسيطة، قائلاً بصوت أجش:

"لازم نروح في أقرب وقت لمكتب المحاماة بتاعي.. جايز نعرف آخر مرة شافوني فيها روحت فين بعديه." نظرت حياة بِحدقتيه مُضيقة عينيها، بينما كلماته تدور في ذهنها، اقتنعت أنه على صواب، ثم قالت في حيرة: "ماشي.. بس هنوصل للمكتب إزاي؟! أجاب بدر بموضوعية: "خدي عنوان مكتبي من عم حمزة، أكيد يعرفه." أومأت حياة برأسها بخفة، وشبكت ذراعيها أمام بطنها، وتحدثت بإستفهام: "طيب بس برده قولي هنعمل إيه بالظبط؟! أجاب بدر بصوت أجش،

وعيناه تلمعان بغموض: "سيبيها لوقتها." *** توقيت منتصف الليل داخل منزل أميرة. كانت أميرة تسترخي على أحد الأرائك في الردهة الفسيحة مع تشغيل التلفزيون دون إصدار صوت. نظراتها شاردة في الفراغ، حيث كانت أفكارها المتضاربة في ذهنها سافرت بها لبعيد. تسأل نفسها بحزن، كيف لها أن تسمح لأنانبتها أن تتحكم فيها حتى وصلت بها لما فعلته بالشخص الذي لم ترى منه شيئاً سوى الحب والاحترام طوال العامين اللذين عاشتهما معه.

تعترف في قرارة نفسها أنها لم تكن ضحية بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل هي التي أودت بحالها إلى ما هي عليه الآن بعد أن استغلها كريم بسبب حاجة والدتها للمال لإنقاذ سمعتهم وأقنعهما ببيع مجوهراتهم، وجعلهم يشاركون معه في شراء المستشفى الذي يعمل فيه، لكن لا أحد يعرف حتى الآن أنهم أصحاب ذلك المستشفى الحقيقيين، وهم مسؤولون بشكل أساسي عما يحدث بداخله.

تشعر أن هناك شيئاً يحبس أنفاسها، إحساس بتأنيب الضمير والشعور بالذنب ينهشها طوال الليل، مهما حاولت الهروب منه، فهو لا ينفك يطاردها ويؤرق نومها. والدتها التي تدعي أسماء نزلت لتروي عطشها، لكنها تفاجأت عندما رأت ضوء التلفزيون مشع. مشيت إلى الأمام بخفة ورأت سريعاً ذلك الجسم الرشيق الذي يحتل الأريكة، لذلك انحنت، وأمسكت بجهاز التحكم عن بعد وأطفأت التلفزيون، قائلة بغرابة: "إيه اللي مسهرك يا أميرة؟

عادت أميرة من السفر بأفكارها على صوت والدتها، ثم أجابت بهدوء، وهي لا تزال في مكانها: "مش جايلي نوم خالص يا ماما." استأنفت حديثها بنبرة خافتة، وهي تنهض على جذعها العلوي بعد أن رأت والدتها تجلس أمامها على نفس الأريكة: "حاسة إني مخنوقة مش قادرة أفضل في أوضتي أنا وبدر.. كل ما بغمض عيني بشوفه قدامي." رفعت أسماء حاجبًا واحدًا مندهشة، ثم سألتها بضحكة ساخرة: "اللي يسمعك بتقولي كده يفتكر إنك بتحبيه بحقيقي يا أميرة!!

خفضت جفنيها متجنبة النظر في بؤبؤ عين والدتها ذات النظرات الثاقبة، وبدأت في اللعب بأصابعها بارتباك، وهي تجيب بنبرة ناعمة: "مش هكذب وأقول بموت فيه.. يعني أول ما قابلته عجبني أسلوبه الهادي وشياكته وتقله في الكلام.. وزغللت عيني عربيتة الغالية.. بس بعد ما اتجوزنا لاقيت إن العيشة معاه عادية مش زي اللي كنت بحلم بيها، ده خلاني أمل بسرعة." قالت باندفاع بعد رفع رماديتها الساحرة التي ورثتها عن والدتها، لتنظر إليها:

"بس أنا حبيته." أومأت أسماء نافية برأسها، وتمتمت بقسوة: "إنتي ما حبتهوش خالص.. محدش بيحب حد ويأذيه مش يقتله." تجمعت دموعها في مقلتيها الرقيقتين اللتين تأسران القلوب رغماً عنهم، وهتفت بانفعال مهزوز بسبب أعصابها المتوترة بشدة هذه الأيام: "كنتي عايزاني أعمل إيه!! ضغط كريم عليا وعلى أعصابي وتخويفه ليا من ناحية ومشاكلك مع صالات القمار من ناحية تانية اللي لو كان شم بدر خبر بيها كان هيكشف كل حاجة لأنه مش هيسكت لو عرف."

تنهدت أسماء بعمق، وهي تنظر إلى الجانب الآخر، وبررت بلا مبالاة كما لو أنها لم تكن سببًا رئيسيًا لما وصلت إليه ابنتها: "إحنا اتورطنا وده كان الحل الوحيد والخلاصة زي ما قال كريم يا أميرة، حياته كانت قصاد حياتنا كلنا." أطأت أميرة رأسها متسائلة بخوف وقلق: "طيب فرضي حد عرف حاجة عن اللي حصل ووقع الورق اللي كان مع بدر في إيد حد تاني." حدقت أسماء في وجهها بضيق، وانتقلت لها طاقتها السلبية، لكنها حاولت الثبات،

وقالت بنبرة صاقعة البرودة: "صعب يتفهم معنى الكلام اللي في الورق ده، وخلاص هو اتدفن مطرح ما اتدفن بدر يا أميرة.. وإحنا ما عملناش حاجة بإيدينا عشان نخاف." وأضافت تحذيراً هامساً، وهي تربت بلطف على كف ابنتها:

"بس أهم حاجة إن محدش عارف إنه رمى عليكي يمين الطلاق عشان تفضلي إنتي في نظر الكل مراته حبيبته اللي كنتوا بتموتوا في بعض وبترجعوا لبعض رغم أي مشاكل بتحصل بينكم.. واهو بقاله أسبوعين لا حس ولا خبر عنه يبقي مات وخلصنا، وقريب الموضوع هيتقفل، ولو عايزانا نسافر نعيش في أي حتة بعيد عن هنا أنا ما عنديش مانع." زفرت أميرة بارتياح عندما همست والدتها تلك الكلمات التي جعلتها تطمئن قليلاً، ثم قالت بإقناع:

"معاكي حق يا ماما، ماهو أكيد لو عايش ما كانش هيستنى كل الوقت ده وهو في إيده دليل إثبات علينا." *** في اليوم التالي. عادت حياة من المدرسة بعد يوم مرهق قليلاً مع الأطفال، وبالتأكيد رافقها بدر الذي لم يسكت وظل يتحدث معها طوال فترة عملها حتى يستفزها، لعلمه أنها لن تستطيع التحدث معه بحرية أمام الجميع، ثم أخذت حماماً دافئاً لتنشيط جسدها واستعادة نشاطه وطاقته مرة أخرى.

وقفت داخل المطبخ تعد لها وجبة غداء خفيفة بينما كانت تهمهم بإحدى أغانيها المفضلة بصوت غاية في العذوبة، ثم التفتت وراءها ولم تر معها بدر كما اعتادت في الآونة الأخيرة. عقدت حياة حاجبيها بتعجب، وهي تنظر إلى القط وتسأله مازحة: "صاحبك المستفز ده راح فين يا ميجو.. طبعاً مش عارف.. إنت ريحة الأكل مجنناك وعينك راشقة في الغدا بتاعي يا طفس." سمعت نغمة هاتفها قادمة من الردهة، فأطفأت النيران عن الطعام، ثم خرجت متجهة نحوه.

نظرت حياة إلى الاسم، فأشرقت ابتسامتها تضيء محياها، وأجابت على الفور: "ألو." جاء الرد المرح من الجانب الآخر: "إزيك يا جميل!! اتسعت ابتسامة حياة بلطف من أجل تلك الودودة قائلةً بترحيب: "بخير يا مروة.. إنتي عاملة إيه؟! تنهدت مروة بخفة، ثم تساءلت باهتمام: "الحمدلله ماشي حالي.. طمنيني عليكي عرفت إنك كنتي في المستشفى امبارح؟! أجابت حياة بلا مبالاة، ثم ألقت بثقل جسدها على المقعد المنفرد خلفها:

"كانوا شوية إرهاق وبقيت أحسن دلوقتي." تكلمت مروة بود: "ألف حمدلله على سلامتك حبيبتي.. إيه بتعملي إيه كده؟! أنهت مروة جملتها بفضول، فسكتت حياة ثوان، ظلت ملامحها شاردة في الفراغ، ثم رددت بتردد بعد أن حمحمت بصوت منخفض: "الله يسلمك.. بصي أنا كنت محتارة شوية في حاجة وعايزة رأيك!! تساءلت مروة بنبرة فضولية: "يا سلام وماله قولي محتارة ليه؟

سحبت حياة كمية لا بأس بها من الهواء إلى رئتيها، وجمعت شجاعتها بما فيه الكفاية، ثم أجابت بكلمات سريعة مشوبة بالخجل: "أنا عايزة أروح أعمل شعري وأشتري شوية هدوم جديدة كده.. بس ما أعرفش الأماكن هنا كويس ومش عايزة يضحك عليا في الأسعار فيا ريت إذا ينفع تيجي معايا." اتسعت ابتسامة مروة بحماس على الجانب الآخر، ثم سرعان ما هتفت بضحكة واثقة:

"جيتي في ملعبي.. محسوبتك تموت في اللف على المولات والمحلات ودوشاهم بالأسئلة بس بغلبهم على ما بشتري حاجة." ابتهجت أساريرها، وسرعان ما سألتها بإستفهام: "تمام أوي.. طيب إنتي فاضية إمتي؟ حكّت مروة رأسها في تفكير، وأجابت على سؤالها بسؤال: "إنتي عايزة تنزلي على إمتى كده؟! عضت حياة على شفتها بحماس تمكن منها بسبب أسلوب مروة الجميل معها، وأجابتها بعفوية: "ياريت لو النهاردة عشان بكرة ورايا مشوار مهم."

ههمهمت مروة، ثم قالت بضحكة خفيفة على نبرة حماسها: "ماشي يا جميل خلاص.. هعدي عليكي كمان ساعة كده أسيب يوسف عند ماما وننزل مع بعض." غمرت الفرحة قلب حياة، حيث أنها لم تتذكر متى آخر مرة قامت فيها بالتسوق وشراء أشياء جديدة رغم أنها تحب ذلك، وهتفت بسعادة: "حبيبتي أقسم بالله ما اتحرمش منك أبداً.. اتفقنا.. سلام." *** "هتروحي فين؟ أدارت حياة رقبتها للخلف بسرعة، تطالعه بإنشداه، وهو مستلقٍ على الأريكة الكبيرة مسترخياً جداً.

كيف لم تنتبه لوجوده؟ ربما بسبب فرط حماسها، ثم أجابت على سؤاله بمرح طفولي، وهي تنهض حتى تستعد للخروج: "زي ما سمعت يا بوده، هخرج أشتري شوية حاجات جديدة." أنهت كلماتها بالتزامن مع انتصابها دون أن تنتبه لملامحه المصدومة من اللقب الجديد الذي نادته به، وكادت أن تذهب من أمامه مسرعة، لكنها توقفت متصنمة في أرضها عندما سمعته يقول: "هاجي معاك." نظرت حياة إليه بدهشة وهي تراه يستقيم مستعداً للنهوض، فرفعت يدها وأشارت إليه برفض

قاطع أثناء قولها بتبرير: "لأ.. ماينفعش تيجي يا بدر.. إنت بتكون زي الراديو الم مفتوح جنب وداني وما بعرفش أركز نهائي." توقف بدر عن الحركة على الأريكة، ورفع حاجبيه غيضاً، وقال باستنكار: "لدرجة دي!! طيب." التفتت حياة إليه بعد أن أطفأت التلفاز، وقالت بنبرة رقيقة خرجت منها بعفوية: "ما تزعلش يا بوده.. أنا هروح أشتري هدوم وأعمل شعري وهرجع على طول."

نظر بدر إليها بعيون ضيقة مغتاظاً من طريقة ملاطفتها له، وكأنه طفلاً من الأطفال الذين تتعامل معهم. صمت قليلاً كما لو أنه كان يقيمها في ذهنه، وقال متفاجئاً بشك: "تعملي إيه في شعرك؟ جحظت عيناها مستاءة لأنه لم يفهم الأمر بديهياً، ثم أشارت إلى نفسها ورددت ساخرة: "إيه هو اللي هعمل إيه!! إنت مش شايف.. إزاي هروح مكتبك بشكلي ده؟! تجمدت نظرته عليها، كما لو كانت الطيور ترفرف فوق رأسها، وتمتم بحماقة: "مش فاهم.. مالو شكلك؟!

نفخت خديها بسأم من قلة تركيزه، رغم أنها أمضت الليل كله تفكر في حل لهذه المعضلة دون أن تصل إلى شيئاً حتى أتت مكالمة مروة لها، فكانت مثل طوق النجاة الذي قررت التمسك به حتى تتجرأ على قيام ما ستفعله بقلب قوي، ثم ردت عليه بشرح بعد أن مسكت بشعرها المجعد على كتفيها بأطراف أصابعها: "أنا عرفت من عم حمزة إن مكتبك في محامين وناس كتير مستويات راقية.. عايزني إزاي أدخل عليهم المكتب بالكُدش ده ولا بالكوتشي!!

مش لطيفة خالص، هيفتكروني متسولة وهو مش هيصدق أصلاً اللي هروح أقوله ليه!!!! حدق بدر للأمام وكأنه قد أدرك لتوه صحة كلماتها المقنعة، ثم نظر إليها مرة أخرى، وقال بإندهاش: "تصدقي ما فكرتش فيها دي!! قالت حياة بابتسامة متعجرفة، وهي تضع يديها في الجيوب الخلفية من سروالها الجينز، بينما ترفع رأسها بشموخ: "أنا فكرت وعرفت هعمل إيه." حدق فيها بنظرة ساخطة، بينما كان لا يزال جالساً على الأريكة، مع رفع حاجب واحد تساءل بإمتعاض:

"وإشمعنى هتاخدي ست مروة هانم وأنا لأ." صمت لعدة لحظاتٍ قبل أن تجيبه...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...