ارتسمت معالم الارتياح على وجهها قبل أن تقول بابتسامة واهنة: الحمدلله، أنا هرجع لبدر في المستشفى، سيبنا لوحده كتير. بمجرد انتهاء كلامها، همت بالتحرك، ولكن صوت جاسر منعها عندما هتف من ورائها ليجعلها تستدير إليه برقبتها: استني، لسه في حاجة كمان حصلت من شوية. التفتت إليه بقلب ينبض بالجزع عندما انتبهت أن بدر ليس بجانبها، لتقول بتعجب: خير، في إيه؟ تابع جاسر إخبارها بصوت ثابت:
صاحب محل حلويات قدام عمارة بدر قدم تسجيلات كاميرات محله للنيابة، متصور فيها بواب العمارة وهو بيفك فرامل عربية بدر اللي كانت مركونة قدام مدخل البيت. جحظت عينيها لتهتف بتفاجئ: عم حمزة! رد طارق بالنفي، واضعًا يديه خلف ظهره منتصبًا في وقوفه، فارقًا بين قدميه قليلاً: لا، اسمه كرم ابن حمزة. اتسعت عينا حياة، تهمس في صدمة، وقلبها ازدادت نبضاته بخوف، موزعة نظراتها بينهما: معقولة هو اللي عمل كده؟ طيب مسكوه؟
زفر جاسر وسحب شعره متوسط الطول إلى الخلف، وأجاب على سؤالها: لا، أبوه قال إنه مختفي بقاله كام يوم. ساد الصمت بضع ثوان، لتتمتم حياة بعد أن ابتلعت الغصة التي تشكلت في حلقها بصعوبة: يعني في نفس التوقيت اللي عرفنا فيه مكان بدر! أدارت حياة رأسها لطارق وحاجبيها مطويان، حين استطرد بتأكيد: بالظبط، واضح إنه لما عرف خاف وهرب، بس هيروح فين؟ هنجيبه. بعد أكثر من ساعة.
صف جاسر السيارة أمام بوابة المستشفى، لتضع حياة يدها على مقبض الباب تنوي النزول، لكنها توقفت حين وصل صوته إليها، قائلاً بتأنيب أخوي محبب عندما لاحظ التعب بادياً عليها: كان المفروض تستني في شقة بدر لحد الصبح عشان ترتاحي. قطبت حاجبيها وهزت رأسها بإنكار، قبل أن تقول بابتسامة: لا، أنا تمام، إذا نعست هنام في أوضة المرافق. ابتسم جاسر لها، ثم حرك عينيه إلى ساعة يده وقال بنبرة عادية:
ماشي، هعدي على شذي أطمن عليها وأرجع أشوفكم بعد شوية. أومأت إليه بالموافقة، ونزلت من السيارة، قائلة بهدوء: ماشي.. سلام. دخلت حياة المستشفى مباشرة متجهة نحو المصعد، لكنها غيرت رأيها وذهبت إلى الكافيتريا لتحضر لها كوب قهوة لمساعدتها على التركيز قليلاً، ثم عادت إلى المصعد وهي تنوي الذهاب إلى غرفة بدر. رفعت حياة كوب القهوة على شفتيها، وارتشفت قليلاً منه بالتزامن مع ظهور بدر فجأة هامساً بجانب أذنها: حياة.
غصت حياة وهي تبتلع ما في حلقها، وخفق قلبها عندما استمعت اسمها بلهجته العميقة، لتصيح في تذمر من بين سعالها، رفعت عينيها في حرج بعد مسح فمها بظهر كفها: مش تكح، خضتني. تشكلت ابتسامة جانبية على فمه، وهو يسألها باستفزاز محركاً حاجبيه بشكل هزلي: وهي أول مرة يعني؟ انزعجت ملامحها حيث نظرت إليه بنظرة ازدراء، ثم سألته مستفسرة: رخيم.. كنت فين من ساعة ما كنا في النيابة، ماشوفتكش جنبي؟
بدأت ابتسامة خافتة تظهر ببطء على وجهه، بينما نظراته ثابتة عليها، مغمغماً بنفس النغمة العميقة: كنت موجود حواليكي بس ماردتش أكلمك وسطهم. قوست حياة ثغرها بابتسامة صغيرة على كلماته، بعد أن أسبلت جفنيها نحو الكوب، تمسكه بكلتا يديها بخجل، حتى أضاف قائلاً بنبرة ذات مغزى: على فكرة، أنا سمعت كلامك مع معاذ عني. ابتعلت حياة ريقها بصعوبة، وهي تشعر بجفاف حلقها، لتنطق بصوتها الناعم بعد أن نظرت إليه: سمعت إيه؟ أجاب
بدر بإيجاز على سؤالها: كل اللي قولتي. اشتعلت وجنتاها خجلاً، بمجرد أن أدركت أن مشاعرها أصبحت الآن كتابًا مفتوحًا له، لكن قلبها كان له رأي آخر، حيث حلق بسعادة في سماء هذا البدر، يترقص فرحًا وحبًا، بينما استأنف بدر حديثه بعد ثوانٍ بأعين متلألأة بترقب: بس عايز أعرف، لما قولتي كده كان عشان تخلي معاذ يبعد عنك؟ حملقت به بعسليتها اللامعة بحب جارف وهزت رأسها نفيًا، وقالت باندفاع: لا، أنا كنت قاصدة كلامي.
برقت عيناه بنظرة مفعمة بالأمل من جوابها الذي زعزع حصونه عشقًا، وهمس لها بصوته العميق: يعني بجد بتحبيني يا حياة؟ نظرت حياة إلى أسفل بخجل تارة، ثم رفعت أهدابها تحدق بتردد في عينيه تارة أخرى. لا تنكر إحراجها الشديد وخوفها من عدم تقبله مشاعرها، لكنها لم تعد قادرة على إخفائها في قلبها، لتهمس بصوتها الرقيق الذي يتغلغل في روحه مثل أشعة الشمس دافئة مثل شعرها، وعينيها تخترق نوافذه المظلمة، تتألق في سماء قلبه بألوان قوس قزح:
صدقني معرفش إزاي اتعلقت بيك في حياتي بالشكل ده.. مش عارفة أوصفلك الرعب اللي حاسة بيه وخوفي عليك من كل حاجة.. ولا أعرف إمتى وإزاي لقيت نفسي بحبك وعايزة أفضل جنبك! طافت عيناه على ملامحها بعشق، متناغمًا مع نغمة السحر في صوته العذب، بينما ارتسمت ابتسامة على شفتيه، تحكي قصة عاشق أخفى حبه طويلاً: وأنا دلوقتي خلاص مش عايز أعيش غير عشانك ومش خايف خلاص اللي كنت خايف منه إنك ماتكونيش بتحبيني زي ما أنا بح... ب...
لم يستطع بدر أن يكمل اعترافه بحبه لها حيث أنزل بصره نحو طيف جسده، وشعر بإحساس غريب بالألم يسيطر عليه. رفعت حياة حاجبيها مندهشة، وتلاشت ابتسامتها السعيدة بعد سماع كلماته الجميلة تدريجيًا، ودب الذعر براثينه في قلبها مما تراه أمامها، لتناديه بتردد: بدر.. مالك!
حدق بدر في عينيها المتسعة بهلع، حالما رأت الضوء المنبعث منه والذي جعل طيفه شفافًا للغاية حيث يختفي ببطء، بينما كافح بدر لإخراج صوته بشكل متقطع ضعيفًا كأنها تسمعه من بعيد على الرغم من صغر المسافة التي تفصلهما عن بعض: حياة.. في حاجة غلط.. إحساس قوي بيسحبني بعيد.. غصب عني.
تجمدت قدماها في مكانها، ولم ينكسر صمت المكان إلا بقرع قلبها بصوت عال، عقلها يحاول ترجمة ما حدث الآن لكن الصدمة جعلتها تحرك رأسها في إنكار لما توصلت إليه، لتمرر عينيها في جميع اتجاهات المصعد، لكنه بالفعل تلاشى نهائيًا وكأنه لم يكن موجودًا.
انسكب من يدها كوب القهوة من فرط فزعها، في نفس الوقت وصل المصعد إلى الطابق المراد لتترجل حياة منه، وهي تركض برعب في أروقة المستشفى مثل المجنونة، تريد الوصول إلى غرفته في أسرع وقت ممكن. اقتربت حياة من الغرفة بأنفاس متلاحقة، تزامنًا مع خروج أميرة من الغرفة بوجه مرتعد بشحوب، لتنصدم بشدة من رؤيتها.
فوجئت حياة حينما وجدتها أمامها بتلك الهيئة المريبة، ليسقط قلبها أرضًا من خوفها الشديد، وهي تجزم داخليًا أنها قتلته، لكن أميرة لم تعطها فرصة لإكمال استنتاجها المصدوم أو حتى القدرة لأن تفعل شيئًا، حيث تقدمت إليها على الفور دافعة إياها بقوة في صدرها، مما جعل وزن حياة يختل، وتقع مرتطمة بقوة بالأرض الصلبة بقسوة حتى تتمكن من الهروب منها.
قطبت حياة جبينها وهي تقضم شفتيها بألم في عظام ظهرها، لكنها حين انتبهت على أميرة تفر هاربة في الرواق، صرخت بقوة في بعض العمال الذين تجمعوا على صوتها بتعجب: الحقوا الست دي.. عملت حاجة في المريض اللي جوه.. امسكوها بسرعة. هرعوا جميعًا بإندفاع في الاتجاه الذي أشارت إليه. نهضت من الأرض ببعض الألم، وهرعت نحو غرفة بدر الذي كان مستلقيًا على السرير في صمت تام، ثم لاحظت بفزع أن الأجهزة التي يتنفس من خلالها قد أزيلت عنه.
استدارت بسرعة نحو الباب وهي تصرخ طلباً للمساعدة: يا ناس.. حد يلحقني لو سمحتوا.. بدر بيموت. جاءت إحدى الممرضات تلبيةً لنداءها، وقد صدمت من هيئة حياة الفوضوية، لتربت على كتفيها وهي تسأل بقلق، وتحرك عينيها بينها وبين السرير خلفها: إيه اللي بيحصل.. إهدي عشان أعرف أفهم منك! أشارت لها حياة على عجل، وهي تدير رأسها للخلف وتصرخ متوسلة، وتلهث لالتقاط أنفاسها: الأجهزة مفصولة عنه، نادي للدكتور بسرعة.
بمجرد أن هرعت الممرضة إلى الخارج لتلبية طلبها، عادت إلى الفراش، وانهمرت الدموع من مقل عينيها في تلك اللحظة، وهي تنظر إلى ملامحه الشاحبة، لتستسلم تمامًا لرعدة قاسية، سرت على طول جسدها جعلت المطر يتساقط بغزارة من غيوم عسليتها الداكنة.
اقتربت منه كثيرًا، وهي تحاوط وجهه بيديها وانحنت بجذعها العلوي نحوه، ودموعها الكثيفة تتساقط على لحيته مبللة إياها وتذرف دموع الحب على جسده، وهي تهذي في انهيار بكلمات متقطعة من بين شهقاتها تفيض بالرجاء، وهي تشعر أن روحها غادرت جسدها عندما اختفى مثل السراب من أمامها:
بدر.. بدر.. ماتسيبنيش دلوقتي.. أنت مش هتسيبني وتمشي بعد ما بقيت كل حاجة في حياتي.. فتح عينك أو اظهرلي تاني.. لو سمحت ماتسيبنيش.. أنا ماسيبتكش لما كنت محتاجلي.. اصحي ماتموتش.. أنا محتجالك وبحبك أوي ومش عايزة غيرك.. قوم عشان خاطري. "إيه اللي بيحصل هنا! ابعديها عنه بسرعة يا ليلى." كانت غافلة تمامًا عن من حولها ولم تسمع صوت الطبيب الذي صرخ على عجل، إلا عندما انتزعتها يدا الممرضات من على جسد بدر.
خرجت الكلمات من حلقها بصعوبة بالغة، وقالت بصوت متحشرج ونحيب وهي تتراجع في خطوات بطيئة بينما تجرها الممرضة للخلف: دكتور الحقه.. الحقيرة أميرة شالت أجهزة التنفس عنه.. أرجوك ماتسيبهوش يموت.. اعمل أي حاجة. استدعى الطبيب إحدى الممرضات بملامحه الجادة التي أثارت القلق في قلب حياة قائلاً على الفور: يارا كلمي الأمن وشوفيلي مين دخل هنا وعمل كده؟ وخرجوا الآنسة برا.
ظل جاسر يتجول في الممر ذهابًا وإيابًا بتوتر وقلق، بينما في الجهة المقابلة وقف معاذ متكئًا على الحائط خلفه، في انتظار خروج الطبيب ليخبرهم بحالة بدر. تدحرجت عيناه تجاه ذات الشعر البرتقالي الجالسة، تحدق بهدوء في الفراغ، وتتحرك شفتيها من وقت لآخر في حركة سريعة كما لو كانتا ترتجفان والدموع تتساقط منها بشكل لا إرادي. تشابكت حواجبه بغضب عندما تذكر ما حدث قبل بضع دقائق. **Flash Back**
فور وصوله إلى بداية الرواق، رآها تبكي بصوت عالٍ في يدي الممرضات، ركض إليها بقلق دون تفكير، ليركع أمامها، ويطوق وجهها بيديه، متسائلاً في فزع عما حدث لها. لم يتلقى منها سوى مزيد من النحيب الذي جعل قلبه ينفطر عليها حتى وصل إلى أذنيه كلمات الممرضة قائلة بتوضيح، مسببًا ارتسام الصدمة والألم على محياه:
"سمعناها بتصرخ وأجهزة التنفس مفكوكة عن المريض.. بس الحمد لله الأمن مسكوا الست اللي عملت كده على السلم قبل ما تلحق تهرب ومن ساعتها الدكتور معاه جواه." **Back** أغمض عينيه بقوة عندما غزت الأسئلة عقله، ألهذه الدرجة وصل معها الأمر إلى البكاء على شخص آخر غير والدها، لم يسبق له أن رآها بهذا الشحوب، وعيناها ذابلة وهيئتها مبعثرة إلا وقت وفاته فقط.
أطلق زفيرًا بحرارة بعد أن فتح عينيه، معترفًا بأن لديها مشاعر عميقة لهذا البدر لن يكون قادرًا على جعلها تنساها بسهولة كما حاول إقناع نفسه سابقًا. استفاق معاذ من بؤرة أفكاره القاتمة حالما سمع صوت باب الغرفة ينفتح، مطلاً منه الطبيب بمظهره الجاد. رفعت حياة عينيها المشوشة بالدموع إليه، ومرت بضع ثوان قبل أن تنهض بسرعة لتركض نحوه بنظرات قلقة، وهي تقف بجانب جاسر الذي سأله بترقب: بدر عايش يا دكتور.. طمنا من فضلك؟
ابتسم الطبيب ثم قال بنبرة هادئة ومتوازنة وهو ينقل عينيه بينهم: الحمد لله، اطمنوا هو كويس دلوقتي حالته مستقرة، ما فيش داعي للقلق. ازدردت لعابها وهي تمسح وجنتيها الوردية من الدموع وقالت بشفتيها المرتجفة: ممكن أدخل أشوفه لو سمحت يا دكتور؟ رمقه الطبيب بنظرة شفقة على حالها، لكنه أجاب بجدية: حاليًا الزيارة ممنوعة للصبح، وده أحسن عشانها. اغرورقت عينيها بالدموع عينيها مرة أخرى، وتمتمت برجاء حتى تستعطفه:
دقيقتين بس من فضلك والله. أومأ بالموافقة وواصل الحديث نفس اللهجة الجادة: ماشي.. بس مش أكتر من كده. فتح معاذ فمه محاولاً استنشاق أكبر قدر ممكن من الهواء لعل تهدأ النار في قلبه، وفور دخولها الغرفة نظر إلى جاسر وقال ببرود ظاهري وهو يشعل سيجارة ويستنشقها بقوة، ثم ينفث الدخان ببرود: هنزّل أجيب قهوة وأرجع.. أجيبلك معايا؟ هز جاسر رأسه رافضًا وقال بهدوء مهذب، وهو يجلس على أحد الكراسي: تسلم يا معاذ باشا.
حرك معاذ جانب فمه بابتسامة جانبية صغيرة، ثم نظر إلى الرجل الواقف أمام باب غرفة بدر وهو يأمره بجمود: تفضل هنا قدام الأوضة، ماتتحركش للصبح. أومأ الجندي برأسه مطيعًا مؤديًا التحية العسكرية، وهو يهتف باحترام: تمام سيادتك. داخل غرفة بدر.
مشيت ببطء صوب السرير، وهي تقبض بأسنانها على شفتها السفلية، مانعةً ارتجافها الواضح، ثم زفرت براحة، محدقة في ملامحه الوسيمة رغم سكونه، غير مصدقة للآن أنه لا يزال على قيد الحياة بعد كل ما حدث. أخذت تردد كلمات الشكر والتسبيح لله، ثم نظرت حولها بتمعن، ربما سيظهر فجأة كالمعتاد، لكنها سرعان ما زفرت بإحباط منذ أن اختفى شبحه، ولم يظهر له أي أثر، وهذا هو سبب إصابتها بنوبة هلع حيث اعتقدت أنه رحل إلى الأبد.
صعدت السرير لا إراديًا بحذر شديد، لتجلس بجانبه على جانبها الأيمن، تتأمل ملامحه المرتخية والوسيمة للغاية، على الرغم من شحوبها الطفيف، شعرت بنبضات قلبه تضخ تحت يدها، التي وضعتها على صدره لتتنهد بارتياح. ظلت تنظر إليه بنوع من التردد قبل أن ترفع يدها اليسرى ببطء إلى أعلى لتستريح على جبهته العريضة، وثمة ابتسامة خافتة على شفتيها، تحتوي على مزيج من الحب والحزن والشوق وهي تناجي الله عز وجل أن ينقذه.
أغمضت عينيها ومررت أصابعها على وجهه المتناسق كأنه منحوت بيد فنان، وصولاً إلى أنفه البارز بشموخ، ثم خده تتلامس مكان غمازته الذي وقعت في غرامه، حينما يبتسم لها ابتسامته الساحرة، لتنحدر أصابعها على عظام فكه لتستقر على ذقنه، وتضع راحة يدها على الخد الآخر، وهي تطبع في عقلها صورة لمعالمه التي تسكن خبايا الروح احتلالاً، وتجعل قلبها ينبض بالحياة.
تسارع قرع قلبها مثل الطبل لدرجة أنها شعرت به في حلقها، وهي تتذكر حديثه الأخير معها، والذي لم يستطع إكماله، متسائلة بشوق وعذاب لماذا المسار نحو ما تريده بطيئًا للغاية ومتعثرًا. فتحت عينيها عندما سمعت صوت طرق عدة مرات متتالية، فسارعت تنهض من بجانبه، تزامنًا مع فتح الباب لتدخل الممرضة حتى تذكرها بما قاله الطبيب منذ قليل. أومأت برأسها في انصياع، وألقت نظرة أخيرة عليه، ثم خرجت معها بهدوء. في رواق المستشفى.
بمجرد أن أغلقت الباب خلفها، استدارت نحو جاسر فرأته جالسًا يضع رأسه في يديه، ومخفضًا بصره بشرود، لتحمحم بخفة لجذب انتباهه إليها. مرت وهلة قبل أن يرفع رأسه ناظرًا إليها بعيون ضيقة، ويسألها بقلق بعد أن وقف منتصبًا واقترب منها: عاملة إيه دلوقتي؟ أجابت حياة بنبرة خافتة، وهي ترمق الجندي بنظرة خاطفة: الحمد لله بقيت أحسن.. وصلتوا لحاجة؟ أنهت كلامها بنبرة تساءل، ليجيب عليها زافرًا بغضب:
طارق رئيس المباحث كلمني وقالي إن أميرة وأمها اتحجزوا على ذمة القضية، وهيُعرضوا على النيابة الصبح، وللأسف كريم هرب قبل الشرطة ما توصلوه. خفق قلبها خوفًا انجلى على محياها بسبب ما حدث منذ قليل، بينما تقول سريعًا: يعني ممكن يحاول يأذي بدر تاني! ابتعد بؤبؤ عينيه عنها في تفكير، شابكًا ذراعيه أمام خصره، وتابع حديثه بثقة واتزان:
مش هيستفيد حاجة من محاولته.. عشان الأوراق دلوقتي في إيد الشرطة واتحولت لقضية، يعني أي حاجة هيعملها هيزود بيها قايمة جرايمه.. ده لو ماتمسكش وقتها. هزت رأسها بسرعة، مقنعةً نفسها بصحة حديثه، ليكمل بنبرة هادئة، محاولاً بث طمأنينة في نفسها المتوترة: ماتقلقيش، المستشفى متأمنة كويس برجالة الشرطة. لاحت ابتسامة على وجهها، انمحت فورًا، وهي تنطق بسؤال: وكرم لسه ماوصلوش لمكانه؟ رفع يده ومسح بها على وجهه قائلاً بتعب: لسه.
تألقت عيناها ببريق ذعر من أفكارها القاتمة، مما جعل طاقتها تنخفض شيئًا فشيئًا، بينما لاحظ جاسر شحوب وجهها قائلاً بقلق: حياة.. يلا خليني أوصلك البيت، ماينفعش تفضلي هنا. هزت رأسها رافضة، ليستطرد الكلام بحزم: ما تعمليش كده، وشك أصفر جدًا والصدمة اللي أخدتيها من شوية مش قليلة. عبست ملامح وجهها الرقيقة باستياء، ونبست مستنكرة باعتراض: لا، أنا... بتر جاسر باقي جملتها ليقول بابتسامة تشوبها الصبر يحاول ردع عنادها بألطف الطرق:
اسمعيني، روحي البيت، والصبح ارجعي، حتى عشان تغيري هدومك وتستريحي شوية.. كده كده مش هتعرفي تشوفيه لحد الصبح، يعني القعدة هنا مالهاش داعي. قوست حياة شفتيها، وتحدق فيه بعدم رضا، لترد بتذمر: ما ينفعش نسيبه تاني لوحده... ابتلعت حياة بقية اعتراضها الواهي من شدة إجهادها، حالما وصل صوته ذو بحة المميزة إلى أذنيها من خلفها: أنا هوصلك يا حياة. التفتت نحو معاذ مغمغمة باستسلام، واطمأن قلبها قليلاً من بقاء جاسر في المستشفى: طيب.
في سيارة معاذ. حدق بها خلسة، ليراها عاقدة يديها إلى صدرها في سكون، وبدا أنها غارقة في أفكارها لبعيد، حتى استفاقت على صوته حينما حاول جذب أطراف الحديث معها بنبرة لينة، بينما بصره مرتكزًا للأمام: شكلك لسه مضايقة مني عشان الكلام اللي قولنا آخر مرة.. الضغط اللي كنت فيه خلاني أتصرف كده بس أنا ماكنش قصدي أتعصب عليكي. تكلمت حياة بحدة، وهي ترمقه بنظرات جانبية فورًا أدرك معناها:
عادي يا معاذ، ده طبعك ومش هيتغير في يوم وليلة.. أنت على طول متسرع ولسانك سابق تفكيرك. زاد من قوة قبضته على عجلة القيادة، حانقًا على نفسه، كيف يمكنه أن يلومها، لقد كانت تلك المشكلة دائمًا، من الصعب عليه كبح جماح غضبه السريع، لكنه حاول ضبط نفسه بتحكم لاذع للرد في أهدأ نبرة يمتلكها: عندك حق يا حياة.. يمكن سبب عصبيتي معاكي عشان كان لسه جوايا أمل إننا هنتصالح ونرجع لبعض.. وماكنتش متقبل إن فيه حد تاني في قلبك.
ارتخت ملامحها الحادة، وهي تلتمس الندم في عبارته، ثم تنهدت قائلة بنبرة رقيقة: مش نصيبنا نكون مع بعض يا معاذ.. لو كملنا كنا هنفشل عشان ماكناش هنقدر نتفاهم مع بعض ولا كنا هنريح بعض. ابتسم معاذ ابتسامة جانبية مليئة بالمرارة، وأومأ برأسه، وتابع حديثه بضيق: جايز.. وأنا مقدر صراحتك معايا.. وأكيد مش هفرض نفسي عليكي.. لا كرامتي ولا رجولتي تسمح لي أجبرك عليا أو أخليكي تحبيني غصب عنك.
هزت رأسها بصمت حينما ألقى نظرة خاطفة عليها مزدردًا ريقه، ويجز على أسنانه بقوة، محاولاً التحكم في انفعالاته، مضيفًا نفس الطبقة الصوت الهادئ: عشان محدش بيحب حد غصب عنه يا حياة.. بس إحنا قرايب قبل كل حاجة وهفضل موجود إذا احتاجتي أي حاجة. تشكلت ابتسامة طفيفة على شفتيها، ورقص وميض ارتياح في عينيها معتقدة أنه تفهمها أخيرًا. حدقت به بينما عيناه مصوبتان نحو الطريق، ثم ردت عليه بابتسامة:
بغض النظر عن أسلوبك معايا.. بس شكراً يا معاذ على اللي عملته. أخذت نفسًا عميقًا، واستطردت كلامها: وزي ما قولت إحنا قرايب، ومينفعش يكون بينا إلا الاحترام والمودة. أجاب بهدوء متناغم مع بروده الزائف محاولاً إخفاء جمرة تلهب صدره: أكيد يا حياة. داخل زنزانة الحجز في قسم الشرطة. "مش قادرة أصدق للي حصل.. أنا اتجرجرت زي المتهمين وسط جيراني وصحابي!
أنهت أسماء كلماتها بصوت عالٍ لا شعوريًا من صدمتها المفرطة، بينما تجولت عينا أميرة حول المكان المظلم إلى حد ما في رهبة وهي ملتصقة بها، وقالت في تحذير هامس: ووطي صوتك يا ماما، أنتِ مش شايفة الأشكال الغريبة اللي مبحلقة فينا من وقت ما دخلنا هنا. هتفت أسماء بنبرة هادئة نوعًا ما، ولا تزال علامات الغضب ظاهرة على وجهها: كله من غبائك.. إزاي تسمعي كلام الحيوان كريم وتروحي برجلك المستشفى عشان تعملي عملتك السودا دي ويتقبض عليكي؟
أطرقت أميرة رأسها، لتتجنب النظرات اللاذعة التي ترسلها لها والدتها بعنف لتهمس بتبرير: كنتي عايزاني أعمل إيه وما عملتوش؟ كريم هددني بتسجيلات بينا بكلم فيها عن محاولتي الفاشلة لقتل بدر وعن الحادثة. تجمعت الدموع في مقل عينيها، وظل صدرها يرتفع وينخفض من خوفها الشديد وألمها القابع في قلبها، ثم أضافت بانفعال خفيف:
ما لقتش حل قدامي غير إني أسمع كلامه.. فضل يقولي إن زيارتي لبدر أمر طبيعي عشان أنا مراته، محدش هيشك فيا، ووصلني للمستشفى، طلعت نفذت اللي طلبوه مني.. ولما خرجت من الأوضة لقيتها في وشي، صرخت ولمت عليا عمال المستشفى، ما لحقتش أهرب منهم. تنهدت أسماء في سخط بالغ، وردت بسخرية لاذعة:
برافو عليكي، ودلوقتي مبسوطة بعملتك.. الزفت كريم هرب، المحامي اللي كلمته بيقول إن كاميرات المستشفى سجلت إنه كان واقف بعربيته قدامها لما حس بقلق جوه، خلع وما حدش عارف اختفى في أنهي مصيبة تاخده. "إنتِ يا حلوة منك ليها بقالكوا ساعة بتتودودو في ودن بعض، إيه العبارة بالظبط؟
هتفت فيها امرأة تبدو في الأربعينيات من عمرها ترتدي ثوب أسود طويل، وتحمل سيجارة بين أصابعها السمراء، لتنظر إليها أميرة بعيون جاحظة مليئة بالدموع والخوف، لكنها كافحت لجعل صوتها غير مبال: وإنتي مالك إنتي.. بليز ابعدي شوية عشان ريحتك قلبت معدتي.
رفعت المرأة حاجبًا واحدًا عندما لاحظت تعبيرًا عن الاشمئزاز على ملامحها الجميلة، وألمعت عيناها بوميض ماكر عندما لوحت أميرة أمام وجهها، لتكشف عن شيء لامع على معصمها بدا باهظ الثمن وهذا ما خطر ببالها بطمع. ابتسمت بخبث، ثم هتفت بسخرية: الله الله، باين على الحلوة إنها مدلعة.. هنا الكلام ده ما يِكُلش يا ماما منك ليها. وأضافت، بعد أن أخرجت موسًا حادًا من فمها في غمضة عين، واشتهرت بتوجيهه إلى وجوههم التي
انكمشت بخوف وبذعر بالغ: اطلعي باللي معاكي يا مزة إنتي والبسبوسة اللي جنبك دي.. أحسن ما بالمطوة دي أسلم بيها على خد كل واحدة فيكو. يمشي وحيدًا بخطوات بطيئة وحذرة، في طريق مظلم، مرتديًا معطفًا أسود طويلًا، يحاول تحديد وجهته والتعرف على المكان، لكن بين الحين والآخر يدخل ويخرج في أزقة متشابهة مغطاة بالظلام، ومليئة بالمستنقعات الصغيرة التي تنزلق مرارًا وتكرارًا قدماه فيها رغمًا عن إرادته.
طاف في الشوارع لفترة طويلة، والآمل يتسرب من قلبه رويدًا رويدًا حتى جذب انتباهه ضوء ساطع خلفه، فاستدار، مقوسًا حاجبيه بتعجب، وهو يقترب منها حيث تقف على بعد مسافة صغيرة منه. بمجرد أن وصل إليها، زينت ابتسامة حنونة ملامحها، هدأت من روعه، ليبادله البسمة، وقلبه ينبض لها مطمئنًا، وهو يقف أمامها متأملاً ابتسامتها الجميلة.
حدق الاثنان في بعضهما البعض بصمت، حتى تحولت ابتسامة بدر إلى دهشة كبيرة، عندما وجد جسدها يتحول إلى وميض مشع، سرعان ما ارتفع وحلق أمام عينيه الواسعتين مبتعدًا عنه. تحرك للأمام بخطوات سريعة أشبه بالركض، وهو يمد ذراعيه للأعلى، محاولًا الإمساك بها، لكن توارى طيفها حرفيًا، بالتزامن مع ظهور ضوء قوي للغاية، فأغلق عينيه وتقهقر للخلف، واضعًا ذراعه على وجهه من أجل حجب هذا الضوء المفاجئ. في ذات الوقت.
في مكان يسود فيه الصمت، بينما جسد بدر مسطحًا بسكون، لكن داخليًا يشعر أنه خفيف جدًا ويطير بين السحب البيضاء، بينما تتطاير خصلاته الناعمة بفعل الريح المنعشة من حوله ليغلق عينيه بغبطة، بينما عقله في مرحلة اللاوعي. حاول فتح عينيه مرة أخرى، لكنها لم تستجب له، حتى أن جسده لم يستطع تحريكه قيد أنملة، وكأنه مصاب بالشلل التام، بينما كانت مقلتاه ترتجفان من تحت جفنيه المغلقتين، ويتحركان يمينًا ويسارًا.
بعد عدة محاولات، انقشع الستار المهدب أخيرًا عن بنيته القاتمة، محدقًا في رؤية غير واضحة في السقف الأبيض، ثم رمش عدة مرات متتالية قبل أن تتجعد ملامحه من الألم عندما داهمه صداع شديد، فأغمض عينيه مجددًا وسقط في سبات عميق. "بدر."
شهقت حياة بصوت عالٍ بلا وعي، وهي تستيقظ بانتفاضة فجأة، وتسند جسدها على ظهر السرير الوثير، بينما صدرها يعلو ويهبط بسرعة أثر تنفسها بشكل غير منتظم، وعيناها تتحركان في عشوائية بعقل مشوش لا يستطيع ترجمة أي شيء.
تدحرج بصرها نحو الشيء الذي كانت تقبض بيدها عليه، لم يكن سوى قميص بدر، لتسترخي ملامحها بوعي، وهى تستجمع الأحداث الأخيرة، حيث بعد أن وصلها معاذ، صعدت إلى منزل بدر وهي تشعر بصداع يفتك برأسها، قارعًا الطبول داخل جمجمتها بعنف، لتأخذ حمامًا مريحًا لأعصابها المتشنجة، ثم دخلت غرفة نومه وهي تسحب أحد قمصانه من الخزانة.
استنشقت رائحته الرائعة وعانقته بحب كبير وشوق مع وسادته التي افتقدت رائحتها العطرة طوال فترة ابتعادها عن المنزل، ثم لا تعلم كيف انجرفت في تيار النوم العميق لأول مرة منذ عدة أيام. ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة، وهي تسترجع في ذهنها تفاصيل الحلم الجميل الذي حلمت به، وتمنت من كل قلبها أن يتحقق.
نظرت إلى ساعة الحائط لتتعجب من أن الوقت ما زال مبكرًا، وهي مستلقية على جانبها الأيمن، وابتسامة حالمة لم تترك فمها قط، وسرعان ما غفت مرة أخرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!