مثل طائر جريح تائه في الطرقات المظلمة، ليجدها هي المأوى لكل جراحه. تسعى لإنقاذ روحه الضالة بإستماتة، إنها بمثابة بزوغ فجر جديد لحياته، أضاءت سماءه بنورها بعد ظلمة طويلة. في الصباح الباكر، داخل غرفة المستشفى. مستلقٍ على سرير وحيد محاطًا بالمعدات الطبية، والصمت سائد من حوله.
حرك جفنيه، محاولاً فتحهما ببطء، لينجح بعد عدة محاولات، تزامنًا مع دخول الممرضة التي توجهت مباشرة لفتح النافذة حتى يتمكن ضوء الشمس الساطع من التسلل إلى الغرفة. أغمض عينيه بانزعاج، وهو يقطب حاجبيه، ثم حاول فتحهما مرة أخرى بتريث، محاولاً أن يعتاد على الضوء ليرى ملامح المكان، لكن عقله كان فارغًا ومشوشًا لمدة دقيقة، ثم بدأ يستفيق بينما اقتربت منه الممرضة لتفقد علاماته الحيوية كالمعتاد.
وقعت عيناها عليه وهو ينظر إليها بهدوء، رفرفت رموشها عدة مرات متتالية في حالة صدمة، وعلى الفور تحولت إلى ضحكة لتقول بسرعة: "أستاذ بدر.. حضرتك فاتح عينيك بجد ولا أنا عشان مطبقة من امبارح بقى بيتهيألي حاجات؟ ظهر شبح ابتسامة على فمه، ولكن سرعان ما تلاشت عندما شعر ببعض الألم، محاولًا إخراج صوته المتهدج بتقطع، بسبب جفاف حلقه: "عايز.. أشرب." ابتسمت ريم بسعادة، وهي تمد يدها لقياس نبضه قائلة بلطف:
"حاضر حاضر.. بس لحظة واحدة هنادي للدكتور وراجعة على طول." في منزل بدر. رن جرس الهاتف في جميع أنحاء الغرفة بلا توقف. تململت حياة تحت الغطاء بانزعاج، في محاولة فاشلة لتجاهل الصوت والاستمتاع بنوم هادئ، لكن إصرار المتصل لم يساعدها على ذلك. رفعت رأسها عن الوسادة، وعيناها ما زالتا مغلقتين في نعاس، ثم مدت يدها بشكل عشوائي إلى الطاولة، والتقطت الهاتف تحدق فيه بنصف عينين مفتوحتين لترى اسم المتصل، ودون تردد أجابت،
وهى تعتدل على السرير: "الو.. حصل حاجة يا شذى؟ تثاءبت وهي تفرك محجر عينها بإصبعها قائلة بإبتسامة: "ماشي.. صباح الخير الأول يا ستي." حياة وهى تمطى جسدها بتكاسل، محاولة التخلص من آثار النوم، لكن حركتها توقفت فجأة بينما تستمع للطرف الآخر، ثم تمتمت بعدم فهم: "بدر ماله!! عيدي اللي قولتي تاني؟ اتسعت عيناها من الصدمة، ورددت بإنشداه: "فاق!!! اختلطت بداخلها مشاعر كثيرة تبكي وتضحك في نفس الوقت من أثر المفاجأة، ثم تنفست
بعمق وقالت بتردد طفيف: "ماشي.. هلبس على طول وجاية." هبت من السرير وبدأت تجوب الأرض ذهابًا وإيابًا حافية القدمين من التوتر البالغ الذي طغى على كيانها، ولتهدئة روعها شرعت التحدث إلى نفسها: "هعمل إيه.. لما أشوفه هقوله إيه؟ طيب هو هيقولي إيه؟ ياربي دماغي سخنة كدا ليه؟ اهدى يا حياة.. اهدى بدر فاق وهتشوفيه وهيشوفك."
ركضت بسرعة لتلتقط ملابسها بعناية فائقة، ثم ذهبت إلى الحمام، يترقص قلبها بفرح وشوق لرؤيته، ولكن اهدأ أيها القلب، لا تطير مثل طائرة ورقية عندما تراه عليك أن تتريث. بعد فترة من الزمن. سارت حياة بخطوات هادئة في المستشفى، عكس نبضها المضطرب، داخل الردهة الطويلة المؤدية إلى غرفته. "حياة.. صباح الفل يا حبيبتي." أستدارت برأسها نحو الصوت ورأت شذى تأتي إليها مبتسمة ببشاشة، لتبادلها إياها قائلة برقة: "صباح النور."
اتسعت ابتسامة شذى، لتقول بمرح مع غمزة بعينها: "إيه الحلاوة دي كلها.. من أولها كدا!! طب خفي شوية ده الراجل لسه في النقاهة." تلاشت ابتسامتها تدريجياً، بينما تفرك بكفها على بنطالها، لتقول بإرتباك: "حلاوة إيه!! أنا رجلي مش شيلاني وقلقانة قوي." رفعت شذى حاجبيها بدهشة من توتر الأخرى، وقالت بنبرة هادئة وهي تربت على ذراعها: "من إيه بس!! اهدى كدا.. مالك متوترة ليه؟ أخذت حياة نفسا عميقا، ثم زفرته بثقل، لتقول بإرتجافة:
"امبارح كانت أكتر ليلة مرعبة مرت عليا في حياتي يا شذي.. كنت هموت من الخوف عليه وفجأة أقوم من النوم على الخبر ده.. أعصابي بقت مهلبية على الآخر." أومأت شذى برأسها متفهمة قبل أن تسأل: "هو فاق امتى؟ اتكأت حياة على الحائط ورائها، وعيناها مثبتتان على باب الغرفة التي ما زال يحرسها الجندي، وهى تتذكر مكالمتها للممرضة واستفسرت عن حالته، ثم ردت بابتسامة:
"ريم بتقول الصبح دخلت عليه لاقته فاتح عينيه.. في الأول ماكنش مركز وبعدين وحدة وحدة صحصح." تنهدت شذى بارتياح وعلى شفتيها ابتسامة جميلة تقولها بحرج: "يلا الحمدلله على سلامته.. ما عرفتش أجي إلا دلوقتي.. كلمتك وأنا في البيت عشان بدي الدوا لبابا بنفسي الصبح واللي قالي الخبر جاسر في التليفون." أشارت حياة بأهدابها في تفهم دون أن تعقب، لأنها رأت جاسر يأتي إليهم من الجانب الآخر، ليقول بابتسامة جذابة: "صباحو يا حياة."
اتسعت ابتسامته، وهو ينظر إلى شذى مردفًا: "صباح الخير على الحلو المنور." تمتمت شذى بخجل محبب لقلبه: "صباح العسل يا حبيبي." وزعت حياة نظراتها بينهما، وقالت بضحكة محرجة وهي تفرك أنفها برفق: "نحن هنا راعوا مشاعري شوية." اكتفى جاسر برسم ابتسامة مرحة دون تعقيب، فأردفت حياة متسائلة: "ها يا جاسر طمني إيه أخباره دلوقتي؟ وضع يده في جيب بنطاله وأجاب بهدوء:
"الحمدلله الدكتور عمل له شوية فحوصات وقال كله تمام.. بس عايزينه يفضل فترة في المستشفى عشان يطمن أكتر." سألته شذى بابتسامة، وهي تراقب عيون حياة التي لم تفارق باب الغرفة: "مش هتخليها تدخل تشوفه؟ لوى شفتيه ساخرا ليقول باستياء: "أنا نفسي مش عارف أشوفه عشان وكيل النيابة معه جوه من نص ساعة رغم إني المحامي بتاعه وأخوه." التفتت إليه حياة بنظرة مندهشة سرعان ما تحولت إلى غيظ قائلة بعبوس طفولي: "يعني هشوفه امتى يعني!!
وكزتها شذى على ذراعها برفق، وهمست بضحكة مرحة: "خبي الشوق ده شوية كدا المتر يشوف نفسه عليكي." ضحكت حياة رغماً عنها على مزحة شذى، وسرعان ما تلاشت الابتسامات من وجوههم عندما تحدث جاسر بعفوية: "أحسن حاجة عملتيها إنك روحتي تستريحي شوفتي راجعة وشك مورد وزي القمر إزاي." حدقت فيه شذى شرزاً، ودمدمت بعبوس لطيف مؤنبة إياه، وهى تتحرك بسرعة للوقوف بجانبه، ثم لكمته في صدره بخفة: "أنا جنبك على فكرة."
كتمت حياة ضحكاتها من نظرة جاسر المتوترة لغضب خطيبته التي أثار غيرتها رغم أنه لم يقصد ما اعتقدته، فحاول اختيار كلمات أنسب قائلاً: "قصدي يعني.. كانت مصلحة ليها لو شافها بمنظرها المتبهدل بتاع امبارح.. أنا متأكد إنه هيرجع لغيبوبته تاني." اتسعت عينا حياة ذهولاً، وعلى الفور اتخذت خطوة لتتشاجر معه، وهى تنبس بتهديد مضحكًا: "واضح كدا إنك عايز تاخد لك سرير جنب أخوك وتقعد في الجبس ست شهور."
وقفت شذى حائل بينهما ترفع يديها في الهواء، وهى بالكاد تمنع ضحكاتها بصعوبة، قائلة بتوسل وبنظرات مترجية: "لا في عرضك أنا فرحي بعد كام شهر وماعنديش استعداد أتزف في المستشفى." فور أن أنهت كلامها، رنَّت أصوات ضحكاتهم مرحًا. سكتوا جميعًا عندما سمعوا صوت معاذ الذي خرج لتوه من غرفة بدر: "صباح الخير." أضاف دون أن ينتظر منهم أن يقولوا تحية الصباح:
"وكيل النيابة أخد إفادته بس قال محتاج يقعد معاه تاني لما يركز شوية أكتر.. عشان لسه عقله مشوش من آثار الغيبوبة." ابتسم جاسر بامتنان وتحدث بجدية: "متشكرين جدا يا معاذ باشا على تعبك معانا." ظهرت ابتسامة صغيرة على جانب فمه، وأجاب ببحة صوته المميزة: "ولا يهمك ده شغلي." تأبطت شذى ذراع جاسر، ومنحته نظرة ذات مغزى قبل أن تقول برقة: "عن إذنكم إحنا هنروح نطمن على بدر." فرك معاذ جبهته بإرهاق وصمت ينتظرها حتى تتكلم، ليسمع
صوتها الخافت بعد ثوان: "شكلك تعبان يا معاذ.. شكرا على وقفتك معاهم." سحب نفسا عميقا وملأ رئتيه، ليبدأ في التحدث بصوت ثابت مثل نظراته المحدقة في عينيها، وداخلهما تروي الكثير من المشاعر: "أنا عملت كدا عشانك إنتِ ومش عايز حاجة غير إنك تبقي مبسوطة ومرتاحة يا حياة." ساد الصمت لحظات قليلة قبل أن يشعر باليأس من عدم ردها على كلماته، ليقول ببرود: "على فكرة أنا راجع إسكندرية النهاردة في حاجات هناك لازم أخلصها."
أطرقت رأسها للحظة قبل أن تنظر إليه، وقالت بابتسامة لطيفة وهي تمد يدها لتصافحه: "تمام.. خد بالك على نفسك وتوصل بالسلامة." نظر إليها معاذ مليًا قبل أن يصافحها، قائلاً بهدوء نسبي: "تسلمي.. سلام." داخل غرفة بدر: "حمدلله على سلامتك يا متر." ابتسم بدر لها بلطف، وهمس بصوت أجش: "الله يسلمك يا شذى." وجه بصره إلى شقيقه الواقف بجانب شذى، ليكمل كلامه بسؤال: "امتى هخرج من هنا يا جاسر؟
تغضنت ملامح جاسر بدهشة وهو يرى الضجر مرتسم على وجهه، ليقول بغرابة: "تخرج فين يا بدر!! أنت لسه فايق من غيبوبة بقالك فيها أسابيع يا راجل." تأفف بدر في سأم، غير مبالٍ بتاتًا بمشاكسة جاسر له في نهاية كلامه: "اتخنقت من المستشفى والتحقيقات ما شوفتش غير ظباط وعساكر من وقت ما فتحت عيني." هز جاسر رأسه نفيًا، وكرر كلماته بإصرار وجدية: "الدكتور قال إن لازملك كام يوم تحت الملاحظة عشان نطمن على حالتك بعد كدا أبقى أخرج براحتك."
استنشق بدر الهواء بقوة، وأغمض عينيه في استسلام، ثم رفع يده نحو ذقنه يمسدها بعفوية، ليعيد فتح جفنيه قائلاً بنوع من الحيرة: "هي ذقني مالها خفيفة كدا وأنا بقالي أسابيع نايم.. إيه كانت ما بتطولش ولا إيه؟ "لا دي ح... انقطعت كلمات شذى عندما سمعوا قرع على الباب، فهتف جاسر للسماح للطارق بالدخول، طلت حياة من خلف الباب برأسها في تردد قبل أن تدخل بجسدها كله، حيث كانت واقفة بالخارج لبضع دقائق بعد مغادرة معاذ.
تحاول جمع شجاعتها، حيث تشعر أن الثواني قد تباطأت كأنها ساعات بسبب اضطرابها وحماسها في نفس الوقت. تقدمت إلى الداخل وهي ترتدي ثيابًا ثقيلة نوعًا ما بسبب الطقس البارد، لكنها أنيقة جدًا ومتناسقة، على رأسها هناك قبعة صوفية تحميها من البرد، وتحمل في يديها باقة كبيرة رائعة من الورود، لتقول بنبرة هادئة ومرتبكة مثل دقات قلبها التي تنبض بعنف في صدرها بسبب لقائها الأول به بعد أن استعاد وعيه الكامل: "سلامو عليكو!!
رد الجميع بصوت هادئ: "وعليكم السلام." ألقى بدر نظرة فاحصة عليها، عندما نظرت إليه وقالت بابتسامة رقيقة، وهي تتخذ عدة خطوات بسيطة حتى جاءت أمامه وقدمت له الورد: "حمدلله على سلامتك." استقام على السرير أكثر، قائلاً بابتسامة وهو يمد يديه ليأخذها منها دون أن ينظر إليها: "الله يسلمك متشكر على الورد.. عايز أشرب ممكن تنوليني الميه دي؟
أومأت حياة بالموافقة، تدير ظهرها إليه وصبت إليه بعض الماء من الزجاجة على الطاولة وهي تبتلع لعابها بتوجس من أسلوبه الغامض والجاف نوعًا ما، حيث أنها لا تستطيع قراءة تعابير وجهه الجامدة. قال جاسر بدهشة وهو يرفع حاجبه الأيمن: "إنت مخلص تلت إزازة مية لحد دلوقتي يا بدر!!
ابتسم بدر بصمت، وتناول الكوب منها، ليقطب حاجبيه بدهشة حينما لاحظ ارتعاش يدها الممدودة تجاهه، ليحدجها بنظرة غريبة، بينما بدأت حياة تشعر بالتوتر من تلك النظرات الثاقبة. سرعان ما تحول شعورها إلى صدمة، وتراجعت قليلاً عندما قال بصوت عميق: "ياريت تنادي لي الدكتور عشان أكلم معاه يا آنسة من فضلك." نظر جاسر وشذى إلى بعضهما البعض بدهشة، ثم وزع الأول نظراته بين بدر وحياة، التي تجمدت في مكانها حرفيًا، ممَ جعله
يقترب منهما ليسأل بتوجس: "بدر.. هو إنت مش عارفها؟ اتسعت عينا بدر مصدومًا من كلام شقيقه، ليقول في إشارة إلى نفسه: "هو أنا أعرفها؟! صُدمت حياة وبهتت بشرتها بشدة، وكأن دلو مليء بالثلج قد سكب على رأسها بسبب ما سمعته للتو، وتمنت لو لم تأت قط. كيف فاتها هذا الأمر، منذ أن نظرت في عينيه الباردتين وهي قلقة، حتى تعابير وجهه وصوته، يؤكدان من أنه يراها لأول مرة، ولا يتذكر من تكون أو بالأحرى لا يبدو أنه يعرفها البتة.
تمكنت بمعجزة قبل أن يتطور الأمر، وتصبح في وضع لا تحسد عليه أن تتظاهر بالضحك في مرح، لتقول بكذب: "لا يا أستاذ جاسر.. المتر هيعرفني إزاي وهو كان في غيبوبة كذا أسبوع..؟ أستطردت الحديث بإبتسامة زائفة: "أنا كنت ممرضة بتاعت حضرتك ولما عرفت إنك قمت بالسلامة جيت أطمن عليك وهرجع على شغلي عن إذنكم." جعد حاجبيه بضعة لحظات وهو يحدق إليها، ثم هز رأسه بإيماءة خفيفة، مبتسمًا بفهم وهو يرفع الكوب إلى شفتيه، وهو يرتشف قليلاً منه.
أطرقت رأسها هربًا من عينيه الغامضتين، مبتسمة ابتسامة لا تخلو من الحزن، ثم أطلقت الريح لساقيها، واندفعت خارج الغرفة، تحت أعين الجميع، شاكرة الله أن قلبها لم يفضحها بسبب خفقاته العنيفة أمامه، ليتحدث جاسر فور مغادرتها: "هروح أنادي الدكتور يا بدر ريح إنت شوية." ركض جاسر وشذى خلف حياة التي كانت على وشك دخول المصعد، لكن صوته أوقفها وهو ينادي عليها متسائلاً بتعجب: "إنتي ليه قولتي كدا؟ ورايحة على فين؟
خلينا نروح نكلم مع الدكتور ممكن يكون في مضاعفات بسبب الغيبوبة." تجمعت العبرات في مقل عينيها، وتبخرت آخر ذرة من المقاومة الواهية التي لم تكن موجودة، محاولة ابتلاع تلك الغصة الحارقة في حلقها، ثم قالت بخفوت: "لا هو فعلا ما يعرفنيش ولا قابلني من سنين طويلة يا جاسر." أغرورقت الدموع عينيها أمام نظراتهما المذهولة للغاية، ليهتف جاسر بغرابة: "أنا مش فاهم أي حاجة..؟
تنهدت حياة بقوة، وأغمضت عينيها لبضع ثوان لتجمع رباطة جأشها، وفتحتها، تهمس بحزن وقلب يئن من الألم: "هفهمك كل حاجة بس قبل ما أقول ارجوك ما تجيبلوش سيرتي خالص." بعد مرور أسبوع. تساءلت حياة كيف مروا تلك الأيام عليها دون رؤيته، لكنها كانت تصبر نفسها وهي تطمئن على حالته وتطور صحته عبر جاسر وشذى التي أقامت في منزلها بشكل مؤقت، حيث رفضت الذهاب إلى شقة بدر منذ آخر مرة رأته فيها.
أيضًا، خلال هذا الأسبوع، عادت إلى المدرسة بعد أن أوضحت بإيجاز لمديرة المدرسة أسباب غيابها، وبدأت في الحضور بانتظام، وتسعى جاهدة للتعود على غيابه في حياتها، لكن ما لا تستطيع السيطرة عليه هو ذلك الحنين إليه والتفكير الدائم فيه. لم تنكر إحساسها بفرح كبير لعودة بدر إلى الحياة من جديد، لكنه بالمقابل سلب قلبها منها مدى الدهر. مر يوم آخر على نفس المنوال.
دخلت حياة منزل شذى بالمفتاح الذي أعطتها إياه، لتتفاجأ بأن جاسر كان ينتظرها في غرفة المعيشة لتقول بابتسامة جميلة: "إزيك يا جاسر!! قال جاسر، وهو باسم الثغر: "أنا الحمدلله.. إنتي عاملة إيه؟ ردت حياة بإيجاز، وهي تجلس على مقعد منفرد: "ماشي حالي." وضع جاسر فنجان القهوة على المنضدة، مائلًا إلى الأمام قليلاً، وشبك أصابعه معًا، ثم بابتسامة واثقة تحدث: "أنا قولت أجي أقولك على الخبر ده بنفسي." هزت حياة رأسها، تحثه على الإكمال،
فأردف بذات الابتسامة: "كرم اتقبض عليه." اتسعت عيناها بذهول، وهي تكرر سؤالاً خلفه: "اتقبض عليه.. إزاي؟! شرع في الحديث مباشرة، بصوت هادئ ومتوازن: "في بلاغ اتقدم من مجهول عن مكانه في الإسماعيلية.. التحريات أثبتت إن المكان بتاع وحدة متجوزها عرفي وهي اللي بلغت عنه وهربت بعد ما سرقت الفلوس اللي كانت معاه." حدقت حياة فيه باهتمام وسألته بريبة: "وهو جاب الفلوس دي منين؟ أخبرها بما حدث قائلاً بابتسامة ساخرة:
"اعترف في التحقيقات قال إن أميرة هي اللي وزته على فك فرامل العربية وادته مبلغ كبير وقتها.. لما اتصلت بيه وسألته عن مكان بدر تقريبًا بعد مكالمته معها وساعتها بدر كان في العمارة بتاعتها." احتدم غيظه في نهاية حديثه، رغم خفوت صوته، حرصًا منه لكي لا يلفت انتباهه والد شذى النائم في الغرفة المجاورة، لتكمل شذى الكلام بصوت حزين ناعم، أثناء جلوسها على الكنبة:
"ربنا كبير بيسلط ناس على ناس.. شوفوا اللي اسمه كرم ده بسبب طمعه وقع في وحدة جشعة.. لما راح استخبى عندها وساب مراته وبناته.. طمعت في الفلوس اللي معاه سرقته وبلغت عنه و طفشت.. يستاهل." جعدت حياة حاجبيها، وأطلقت زفيرًا حارًا، لتقول بدهشة ممزوجة بالعتاب: "ليه يعمل كدا في بدر؟ وأهله خير بدر عليهم كتير!! فرك زوايا عينيه بأصابعه، ليجيب عليها بجدية: "زي ما قالت شذي الطمع بيغير النفوس يا حياة واميرة زغللت عينه بالفلوس."
سألت حياة بترقب وقلب ينبض بسرعة: "وهو كريم ما فيش أي خبر عنه؟ هز جاسر رأسه نفيًا قبل أن يرد باقتضاب: "لحد دلوقتي لا." هتفت حياة بصوت مذهول لا يخلو من الحزن: "وبدر عرف كل ده؟ نظر إليها جاسر مليًا، وقال بنبرة غامضة: "طبعًا وكمان هيخرج من المستشفى بعد يومين." أومأت حياة إليه بفهم، وقالت بخجل وهي تفرك رقبتها بخفة: "تمام يا جاسر.. بعد إذنك أنا هبقى أروح شقة بدر بكرة عشان ألم حاجتي اللي عنده قبل ما يخرج."
قطب جاسر جبينه متسائلاً باهتمام: "لسه مصممة على كلامك ومش عايزة تقابليه برده؟ حدقت حياة به، ثم تومضت عيناها بحزن لتجيب بضيق: "لا يا جاسر مش هقدر أواجهه.. هقوله إيه أصلًا!! ولو سمحت خليك عند وعدك ليا وما تقولش أي حاجة." هزّ جاسر رأسه متفهّمًا ووقف يهندم قميصه قائلاً بهدوء: "اللي تشوفيه يا حياة.. أنا ماشي بقي سلام." ابتسمت حياة وقالت بصوت خفيض، بينما نهضت شذى خلف جاسر تمشي معه نحو باب المنزل: "مع السلامة."
في سيارة جاسر. ضغط على بعض الأزرار ليضع الهاتف على أذنه، ومرت بضع ثوان، حتى جاء صوتها الناعم إليه بمرح: "أيوه يا جسو." ارتفع حاجبه الأيسر غيظًا، ثم رد بتوبيخ مزيف: "اظبطي يا بت هو أنا في بوقي مصاصة." همست شذى بصدمة: "يخربيت فقرك ده أنا بدلعك." قال جاسر ضاحكًا، وهو يخلل أصابع يده اليمنى بخصلات شعر: "الله أموت أنا في لسانك الطويل." اختتم كلماته مهمهمًا بعشق، بينما توسعت ابتسامتها بحب وهي تتجول في غرفتها،
ثم سألته على الفور بجدية: "مش وقته.. فين بدر؟ زفر جاسر بحنق ثم تحدث متنهدًا، وهو ينظر من النافذة المفتوحة بجانبه: "لسه طالع قدامي على السلالم حسيت إني ندل شويتين سيبته يطلع خمس أدوار على رجليه لوحده." ضحكت شذى ساخرة قبل أن تنبس بتهكم: "صراحة هي ندالة منك فعلاً." زمّ جاسر شفتيه قائلاً في استياء: "هروقك لما أشوفك يا شذي." غمغمت شذى بدلع، ثم تابعت حديثها بحماس:
"حبيب قلبي.. خلينا في المهم حياة لسه مكلماني وناوية تبات في الشقة." اتسعت ابتسامته، ومضت عيناه بمكر قائلاً بنبرة واثقة: "تمام أوي يبقى زمانهم اتقابلوا وبكدا خطتنا تبقى نجحت." ابتلعت لعابها بتوتر، ثم برزت شفتيها للخارج، قائلةً بسخط: "دي خطة شريرة أنا معرفش إزاي طوعتك عليها كدبت عشرين كدبة في يومين." زفر جاسر بعمق، شاردًا في نقطة ما، ثم نطق بتفكير: "معلش بقى لأجل الورد ينسقي العليق." ضحكت شذى على كلماته، ثم هتفت مازحة:
"يا حكمك يا متر.. أنا خايفة أخوك يفتكرها حرامية ويعمل فيها حاجة؟ شاركها الضحك ثم أجاب ساخراً، وهو ينظر إلى ساعته: "أنا واقف مستني أهو حد منهم ينزل أو يقع من البلكونة بس الهدوء سيد العمارة." جلست على حافة السرير، تقضم أظافرها في التفكير، ثم نبست بخوف: "أنا مش مطمنة أطلع أشوفهم يا جاسر." هتف جاسر بتذمر بعد أن انتقل له شعور القلق والأفكار السيئة: "طيب اقفلي إنتي قلقتيني هطلع أشوف وأكلمك سلام." في الأعلى عند حياة.
أنهت عملها في بضع دقائق، وأمسكت بكوب العصير في يدها اليمنى، وصحن به بعض السندويشات سريعة التحضير في اليد الأخرى، مغادرة المطبخ وخلفها يموء القط بلا توقف، ويحوم تحت قدميها. جعدت حاجبيها بتساؤل، وهتفت بصوت عالٍ متذمر، وعيناها تتجهان نحو الأسفل: "والمصحف هتاكل معايا يا طفس.. اهدي شوية هتوقع الكوباية من إيدي ي...
بترت باقي كلامها بصدمة يشوبها ذعر، وعيناها مثبتتان على حذاء أسود، وهناك صرخة ماتت في مهدها عندما ارتفع رأسها تدريجيًا نحو الذي يرتدي بنطال أسود وكنزة زرقاء داكنة، وعيناه البنيتان الغامقتان مليئتان بالأسئلة، يقف شامخًا أمامها، على بعد متر واحد فقط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!