الفصل 26 | من 33 فصل

رواية شبح حياتي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
19
كلمة
5,371
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

أدار المفتاح في الباب، وفتحه بسهولة، ودخل المنزل بخطوات هادئة، وثمة مزيج مؤرق من التعب والضيق على وجهه. عقد حاجبيه تعجبًا من إضاءة أنوار الصالة والتلفزيون، وما زاد من دهشته وجود المفتاح الآخر للمنزل على المنضدة في مدخل الرواق. خلع سترته السوداء الطويلة، ورماها على أحد الكراسي.

لم يمض وقت طويل حتى ظهرت علامات الصدمة على وجهه، بمجرد أن وصل إلى أذنيه صوت أنثوي ناعم قادم من المطبخ لتأخذه قدماه صوبه، لكنه توقف عن الحركة عندما رآها تخرج منه، بينما هي تتحدث إلى قطه الصغير. "والمصحف ها تاكل معايا يا طفس.. اهمد شوية يا ميجو هتوقع الكوباية من ايدي...

بترت باقي كلامها بصدمة يشوبها ذعر، وعيناها مثبتتان على حذاء أسود، وهناك صرخة ماتت في مهدها عندما ارتفع رأسها تدريجيًا نحو الذي يرتدي بنطال أسود وكنزة زرقاء داكنة، وعيناه البنيتان الغامقتان مليئتان بالأسئلة، يقف شامخًا أمامها، على بعد متر واحد فقط.

تجمدت في مكانها بتفاجؤ، ولم تمر وهلة حتى سقط الكوب منها على الأرض بعد أن انزلق من يدها المرتعشة، لتتناثر قطراته على قدمها وساقها، بينما كان الصحن في يدها الأخرى معلقًا في الهواء. ثبتت عيناها في ذهول وعدم تصديق على بدر الذي لم تقل صدمته عنها شيئًا، لكنه بدا وكأنه محافظًا على اتزانه، أو بالأحرى توقف عقله عن العمل لوهلة من الزمن. نظر كلاهما إلى بعضهما البعض لبضع لحظات، ظهرت خلالها العديد من الأسئلة والمشاعر في أعينهما.

قفز قلبها من قفصها الصدري بفعل قوة النبض، بينما كان عقلها غير قادر على التفكير بشكل سليم. "انتي مين.. ودخلتي هنا ازاي؟ اتسعت عيناها بسبب الصدمة، وتضاعفت خفقات قلبها بينما نظراتها تبدلت من اللهفة إلى العذاب، حينما باغتها بنفس السؤال الذي طرحته من قبل في أول لقاء جمعا بينهما، لتقول لنفسها كلمات لم يسمعها هو: مجرد طيف. أفاقت على نفسها فور أن دحرجت عينيها بعيدًا عنه للأسفل باتجاه القط الذي يلعق العصير المسكوب.

رمقت الفوضى التي سببتها بسبب المفاجأة غير المتوقعة، لتتفوه بتقطع: "انا.. انا مش حرامية.. اسفة ماكنش قصدي اوقع ال... لم تكمل الجملة، لأنها هبطت على الفور إلى القط، والتقطته بخفة، ثم دخلته المطبخ مع الصحن، وأحضرت أدوات التنظيف، ثم أغلقت الباب خوفًا من مغادرته وإيذاء نفسه بسبب الزجاج المهشم تحت أنظاره المراقبة لأفعالها.

خطت خطوات بطيئة صوبه، محاولة أن تأخذ نفسًا عميقًا لتهدأ قليلاً من ضربات قلبها السريعة، ولكن كيف لها أن تتحكم في توازنها وهو يحدق بها بهذا التركيز، متخللاً أعماق روحها، وهو يقول بجدية: "ممكن تسيبي اللي في ايدك وتجاوبيني؟ هزت رأسها رافضة، دون أن تتجرأ على النظر إليه بسبب ارتباكها، وكل ما يخطر ببالها هو الهروب من المكان. لا يجب أن تضيع المزيد من الوقت، لأنها ليست مستعدة للمواجهة معه.

نظرت إلى ما كان في يدها، لتبدأ التنظيف بشكل عشوائي، لكنها ضغطت دون وعي على إحدى القطع الزجاجية المتناثرة حولها بقدمها العارية. فر أنين متألم من فمها، لكنه لا يقارن بما في قلبها. أغلقت عينيها بإحكام، فخطى بدر خطوة لتقديم المساعدة وقال محذرًا، يحاول تهدئة روعها، مبتلعًا لعابه ويجاهد التحلي بالصبر حتى يفهم، وعيناه تتبعان لمحة حزن غشت عسليتها عندما رفعتها له: "علي مهلك.. مفيش داعي...

وجهت راحة يدها نحوه لمنعه من المضي قدمًا بعد أن أنهت عملها بالفعل، وهمست بنبرة حاولت أن تبدو ثابتة، لكنها خرجت ممزقة مثل قلبها: "انا كويسة.. مفيش حاجة.. انا جارتك اللي حضرتك قلبت شقتها مخزن من غير معرفتها واضطريت اقعد هنا لحد ما تقوم من الحادثة.."

قطعت كلماتها تزامنًا مع ترك ما كانت تحمله في يدها، وهي تنوي المغادرة في أسرع وقت ممكن قبل أن تنهار بالبكاء كونه ينظر إليها بجمود مميت، لكن كان عليها أن تمر بجانبه لتتمكن من الوصول إلى غرفة النوم حتى تبدل ملابسها لأخرى نظيفة بعد أن أدركت بإحراج أنها كانت تقف أمامه مع بنطالها الجينز الباهت عليه بقع العصير، أما شعرها الأشعث فحدث ولا حرج.

سارت متخطية إياه، لتشعر بأصابعه تلتف حول معصمها، مانعًا إياها من الفرار، حيث ومضت عيناه بنظرة غريبة حالما استنشق عطرها المميز، وتحولت علامات الاستفهام داخل عقله إلى هدوء من نوع خاص، دفعه ليقول بكلمات عفوية بصوت عميق أجش: "عيب لما نكسر حاجة مش بتاعتنا.. وعيب أكبر لما تعلقي روحي بيكي وتبقي عايزة تبعدي يا مانجتي."

سرت قشعريرة بجسدها من لمسة يده، وأدارت رأسها جانبًا لمواجهته، بفم منفرج قليلاً بدهشة، من تلك الجملة التي أعاد قولها للمرة الثانية، حيث كانت هذه الجملة أول ما قاله لها مسبقًا، وهذا اللقب الأخير قد سمعته من قبل، لتهمس في عدم تصديق ونبرة متقطعة منذهلة: "يعني.. انت فاكر!! ارتفعت ابتسامة جانبية على حافة شفته، أقرب إلى الغموض، وهو يحني رأسه تجاهها، لتصبح ثمة بضع بوصات فقط بينهما، وأصابعه لا تزال

تآسر معصمها دون أن يؤلمها: "قولتلك قبل كدا مش هنساكي تاني." حدقت في بنيتاه الجذابة، بينما تتصارع مئات التحليلات في خلايا عقلها، لتهمس بسؤال خافت: "يعني لما صحيت من الغيبوبة عملت نفسك ماتعرفنيش؟ رمشت عيناه عدة مرات متتالية، مزدردًا لعابه، ثم قال بنبرة هادئة، عكس نبضه العالي في صدره من سيل

المشاعر المتأججة في قلبه: "كنت لسه فايق من ساعة لما دخلتي وقولتي إنك ممرضة.. ماكنتش مركز.. كان بقالي أسابيع جوه شرنقة يا حياة.. بس لما عيونك اللي كانت بتضحك بقت كلها دموع وخرجتي جري.. حسيت إن في حاجة بتحصلي مش فاهمها.. كأنك سرقتي حاجة من جوايا وانتي ماشية." استرسل حديثه دون انتظار ردها على ما قاله، وعيناه مثبتتان على تعابير وجهها،

بينما عيناها تتبعته بصدمة: "اسمك اتكرر كتير وهما بيحققوا معايا.. حاولت أفهم من جاسر بس ماجاوبش.. كل اللي سمعته ماكنتش مستغربُه كأني شوفته وأنا نايم.. وحدة وحدة افتكرت المجنونة اللي نورت بيتي وحياتي وروحي." ختم كلامه، قارصًا خدها بخفة، فأسبلت رموشها من الخجل والفرح الذي تغلغل في قلبها بعد كلماته الحانية المليئة بالمشاعر الجميلة، ولكن سرعان ما تحول شعورها للغضب، لتقول بسخط بعد أن عادت لتنظر إليه دافعة يده بعيدًا عنها،

وتتراجع خطوة إلى الوراء: "قال وأنا اللي خوفت أحاول أفكره لا ما تصدقنيش وتتهمني بالنصب عليك.. وأبقى أنا وبس اللي عشت في وهم صدقته وإن أي إحساس حسّيته نحيتي... صمتت عندما خطا خطوة، ووضع سبابته على شفتيها وأردف بصوته المتحشرج: "حقيقي يا حياة.. كل حاجة عيشتها وحسيت بيها معاكي حقيقية.. مجرد ماكنت بسمع اسمك قلبي ماكنش بيبطل دق.. عشانك انتي رجعت للدنيا دي تاني."

توقف للحظة، أحاط وجهها بكلتا يديه، ثم رفعه نحوه، متأملاً ملامحها بشوق وشغف، ثم استأنف حديثه: "طب انتي فاكرة آخر حاجة اتكلمنا فيها.. كان في حاجة عايز أعترفلك بيها بس ما لحقتش يا مانجتي مش كدا!! نطق بدر بكلماته الأخيرة بابتسامة جانبية جعلت وجهها يتورد خجلاً، ثم ما لبث أن حدجته بنظرات نارية وهي تصرخ فيه معنفة إياه، بينما تحرك رأسها للخلف حتى يطلق سراح وجهها القريب من وجهه بشكل خطير: "لأ مش فاكرة حاجة وأوعي ايدك دي."

أردفت بينما لكزته بقوة في صدره، ليترنح أثر ضربتها المفاجئة مع بعض الألم، لكنه سرعان ما استعاد توازنه وحدق فيها بنظرة غامضة: "ودمك مش خفيف أبدا بالعكس يلطف وتقيل وسخيف و...

شهقت بتفاجؤ مع وقف سيل من الشتائم التي أغدقته بها، حيث أعماها غضبها منه، ممَ جعلها تتفوه بما يجول في ذهنها المرتبك والخجول دون انتقاء، حالما أمسك بذراعيها، وجذبها نحوه، واحتضنها بلهفة بين ضلوعه، بقلب يرتجف من مقدار المشاعر التي تعتري صدره، محاولًا بث اشتياقه العارم لتلك اللحظة، وهو

يتمتم بنبرة مفعمة بالعشق: "بحبك بجنون يا حياة.. عارف إن ممكن تقوم حرب عشان بحضنك.. بس أنا محتاج أتأكد إن المرة دي ما بحلمش وإني عايش وضامك بين إيدي." أنهى كلماته بتنهيدة حارة خرجت من قلبه، مشتعلة بنار الحب، لتلفح جلد رقبتها الرقيقة. هدأت حركتها تمامًا بمجرد سماعها كلماته الصادقة، ولا شعوريًا رفعت يدها حول خصره وغمست رأسها أكثر في صدره لتغلق عينيها.

من دون تمهيد، تسللت الدموع تشق طريقها لتتدفق مثل الشلال على خديها، وكأن ببكائها الذي قمعته كثيرًا، تطرد آخر ما يربطها بالحزن والترقب والحيرة، لتغمغم من أعماق قلبها المتيم بهذا الرجل: "وأنا كمان بحبك أوي يا بدر." ابتسامة ترتسم خافتة، مليئة بكل الشوق في صدره لها، علت فمه حينما التقطت أذناه ما قالته، بينما ارتفع كف يده يمسد به بنعومة على خصلاتها البرتقالية.

"وأنا عايز أتوزجك النهارده مش بكرة ولو اعترضتي هدخلك القفص غصب عنك." قال بنبرة خافتة مازحًا، لتخرج من حضنه ثم أطرقت رأسها للأسفل بخجل منه، لتهتف ضاحكة وسط دموعها: "بدر.." ابتسم بلطف لابتسامتها، وهو يعانق وجهها مرة أخرى بكفيه ويمسح دموعها، هامسًا بنبرة مشبعة بالحب: "حياة بدر ملك إيديكي يا مانجتي."

تلاشت ابتسامتها واتسعت مقل عينيها بصدمة، وهي تحاول أن تفلت من ذراعيه التي ما زالت تطوقها، حالما سمعت صوتًا يقول بمرح من خلفهما بعد أن أطلق صافرة شعرية: "الله الله وأنا اللي طالع متوقع أشوف دم في كل حتة ومعارك.. بس شايف إن الحب ولع في الدرة خالص." رفع بدر رأسه، ناظرًا بضيق إلى أخيه، بالتزامن مع حياة التي أدارت رقبتها إليه، تحدق فيه بعيون ضيقة ونظرات خجولة، ليوزع بصره بينهما حينما لاذوا بالصمت، ليوجه

حديثه نحو حياة ببراءة: "ما تبصليش كدا ما فتحتش بوقي ولا قولت حاجة." أخفت حياة ضحكاتها، ووضعت يدها في كف بدر، لتقول بهدوء مفعم بالبهجة: "خلاص مش مهم أي حاجة.. المهم إنه قدامي دلوقتي وبخير." نظر إليهما جاسر بعبث غامزًا بطرف عينه، واستكمل مبتسمًا بعد أن وضع يده في جيب بنطاله وأشار بيده الأخرى نحوهما: "أيوه طبعًا أنا مش محتاج أسأل عن أي حاجة.. الإجابة باينة على وشكم."

حدق به بدر بابتسامة صفراء، وهو يرفع حاجبه الأيمن قائلاً بغيظ مكتوم: "لماح زي أخوك و بتفهم." دوّت ضحكة جاسر في المكان وهو يشاهد عيني بدر تشتعل، ليقول بسماجة بين ضحكاته: "تشكر يا متر." تنهد قبل أن يهز كتفيه وأردف بقلة حيلة: "لا مؤاخذة اضطريت أفتح بالمفتاح اللي معايا من كتر القلق اللي شحنتني بيه شذى الله يبارك لها." "مساء الخير يا جماعة."

عرجت أعينهم تجاه الواقف عند مدخل الصالة بحرج ونوع من التردد، ليهتف جاسر بصوت عالٍ مرحبًا به: "مساء النور يا دكتور." تقدم مازن خطوتين إلى الأمام وقال بابتسامة هادئة: "معلش لقيت الباب مفتوح وسمعت صوتكم فدخلت.. حمدلله على سلامتك يا بدر." ابتسم بدر له وهو يصافحه بهدوء مشيرًا إلى اليمين، قائلاً ببحة مميزة: "الله يسلمك يا مازن.. اتفضل البيت بيتك." تمتم مازن بصوت هادئ: "الله يحفظك."

جلس مازن على مقعد، وجاوره جاسر في الكرسي الآخر، مقابلهما بدر وحياة على كنبتين، يفصل بينهما زاوية صغيرة فقط. تحدث مازن بابتسامة، مستديرًا نحو حياة: "عاملة إيه يا حياة؟ على فكرة مروة لسه راجعة من السفر هي وجوزها النهارده وكانت بتسألني عليكي." أومأت إليه باسمة الثغر، قائلة بنبرة هادئة: "أنا الحمدلله.. هكلمها في أقرب وقت إن شاء الله." استأنف مازن حديثه بنبرة عملية، ناظرًا إلى بدر: "طمني عليك أخبار صحتك إيه دلوقتي يا بدر؟

رفع حاجبه، ملاحظًا أن نظرته مليئة بالإشراق تجاه حياة، لكنه أجاب بنبرة باردة وساخرة في نفس الوقت: "الحمدلله بقيت أحسن كتير." نظر إليه جاسر بقلق، وقال بامتنان، محاولًا تلطيف الأجواء وهو ينظر إلى مازن: "إحنا بنشكرك جدا يا دكتور على وقفتك معانا وقت الأزمة دي." هز رأسه نفيًا وقال بأدب: "لا شكر على واجب.. إحنا جيران." تحركت نظراته عفويًا نحو حياة التي لم تهتم بهذا الحديث بالمعنى الحرفي للكلمة، لأنها تحدق في بدر بعمق، ليقطب

مازن حاجبيه وقال بضيق: "الحمدلله إننا اطمنا عليك يا بدر ربنا يديك الصحة والعافية." حدجه بدر وعيناه تلمعان نظرة غريبة، ثم تكلم بابتسامة جانبية: "الله يخليك يا دوك وياريت تقولي مبروك كمان." تابع بدر بصوت حازم ونبرة ذات مغزى، بينما كان لا يزال يحدق به بنظراته الجادة، أما الآخر فقد استقبلها مثل السهم، محطمًا فيه شعورًا لم يكتب له نصيبًا ليكون متبادلاً: "أنا وحياة هنتخطب قريب أوي إن شاء الله."

ختم كلماته بابتسامة عذبة مليئة بالحب، موجهة إلى حياة، التي غرقت في خجلها ولم تعقب، بينما ألجمت الصدمة لسان مازن عن الرد لبعض الوقت، أما جاسر فقد جاهد لإخفاء ابتسامته المدهشة، كونه يعلم أن أخيه الرصين يفكر مليًا قبل اتخاذ القرارات، ليضع يده خلف رأسه، ويفرك رقبته بخفة. خرج صوت مازن بنبرة لبقة، محاولًا رسم ابتسامة على فمه: "ألف مبروك." رد عليه بدر بينما خفضت الأخرى بصرها بابتسامة خجولة في صمت،

وهي تقضم خدها من الداخل: "الله يبارك فيك يا دكتور عقبالك.. وشكراً على كل حاجة." اختتم حديثه بابتسامة شكر ليستأذن مازن بالمغادرة، موضحًا أن لديه عمل في عيادته الخاصة، مقررًا أنه سيطفئ بسرعة شرارة هذا الإعجاب من داخله. يقال أن كل ممنوع مرغوب فيه، قد تتوهم أن هذا هو الحب، ولكنها مجرد مشاعر الافتتان وحب الفضول لمعرفة ما يخفيه هذا الشخص في أعماقه الغامضة، وهذا بالضبط ما جعل مازن ينجذب إلى حياة. بعد نص ساعة.

خرجت حياة من الغرفة مرتدية سروالًا أبيض وكنزة من نفس اللون، وفوقها سترة من القطن السماوي، وشعرها البرتقالي يتدفق بنعومة على كتفيها. نظرت في الردهة بحثًا عنه، لتجده جالسًا ومرفقيه على الأريكة، يضع قبضته أمام فمه، يداعب لحيته، مطرقًا عيناه للأسفل.

عرفت أنه مشغول بالتفكير العميق، فتوجهت نحوه بخطوات مترددة إلى حد ما، بينما كان بدر شاردًا في بحر واسع من الأفكار، وعلى رأس القائمة ذلك المازن الذي كان عليه أن يجعله يستيقظ من أوهامه ناحية حياة، واثقًا من أنه قدم له المساعدة مسبقًا فقط من أجل الاقتراب منها، فهو لم يكن على وفاق معه منذ سنوات. "بدر!! انبسطت أساريره فور سماع اسمه من بين شفتيها الرقيقتين، فالتفت نحوها وهو يشير إليها للجلوس بجانبه.

أومأت بالموافقة أثناء جلوسها وثني ركبتها تحتها، ليقلد هو طريقة جلوسها تلقائيًا حتى يتمكن من رؤيتها بشكل مريح. ظل محملقًا بها، سارحًا بملامحها الجميلة، قبل أن يحمحم بخشونة، واضعًا يده فوق كفها الدافئ على الأريكة بينهما، قائلاً بتنهيدة عميقة: "مش عايزك تزعلي من اللي قولته قدام مازن.. بس أنا مانسيتش عزومته ليكي على الغذاء وحركاته من الأول.. فكان لازم أوقفه عند حده."

أنهى كلماته بنبرة منزعجة مشددًا على كلماته، بينما هي تنظر إليه مبللة شفتيها، لتنطق بصوت منخفض خجول من تحديقه بها مطولاً: "مين قالك إني زعلت؟ اتسعت عيناه متفاجئًا، وكاد يشعر أن قلبه سيخرج من مكانه ويعانقها بشدة، لكنه سيطر على عواطفه، مبررًا ذلك بنبرة خافتة رجولية: "يعني.. عشان قولت كدا من غير ما أعرف رأيك.. بس دلوقتي هسألك.. موافقة تتجوزيني يا حياة؟

ارتسمت ابتسامة سعيدة داخل قلبها بسبب رغبته في توطيد العلاقة معها بشكل جاد، وأيضًا بسبب احترامه واهتمامه بما تريد، لكنها حاولت التماسك ثم ردت بجدية: "بدر.. أنا وانت مشينا طريق صعب مع بعض وأنا حبيتك وانت حبيتها دي خطوة مهمة في طريقنا.. بس لسه في حاجات كتير قدامنا قبل ما نقرر نخلي الارتباط رسمي." أجابها بابتسامة، مفتونًا بكلماتها العقلانية، وتابعت عيناه

كل حركة منها بتدقيق عفوي: "عندك حق وأنا مش بستعجلك في الرد عليا.. خدي وقتك براحتك وأنا هستنى.. بس لازم تعرفي إني على قلبك مكان ما هتروحي." ضحكت حياة بمرح وقالت بصوت ناعم: "واضح إنك مش ناوي تأثر عليا أبدا يا متر." أمسك بدر بكفها ورفعه نحو فمه، ملثمًا إياه برقة، مما أدى إلى ارتجافة بسيطة بجسدها. ازدردت لعابها في ارتباك، وهي تسحب يدها إلى جانبها بخجل، ليقول بابتسامة ملتوية: "المتر عنده كلام كتير محتاج يتكلم فيه معاكي."

ردت حياة بصوت مرتجف، بعد أن خفضت رموشها، وتوردت وجنتيها خجلاً: "وأنا كمان.. بس الوقت جرى بسرعة وأنا لازم ألم حاجاتي وأروح عند شذى." رفع بدر حاجبيه باستنكار وتمتم بسخط طفيف: "ليه يعني؟ نسيت خجلها للحظة وهي ترمقه بتعجب، ثم استطردت حديثها بحرج: "بدر.. أكيد مش هنبات أنا وانت هنا.." "كمان أنت لسه خارج من المستشفى ومحتاج تستريح.. أنا بقالي أسبوع قاعدة عندها وبكرة هنروح أنا وهي نشوف شقة ليا في مكان قريب من هنا."

رد بدر ثغره قائلاً بإعتراض: "الغي الكلام دا كله مش هيحصل." حدقته حياة فاغرة فمها وتسارعت دقات قلبها، لتسأل بغرابة: "إزاي بقى؟ زفر بدر الهواء من فمه، ثم نظر بعمق في عينيها محاولاً التحدث بنبرة هادئة: "شوفي أنا مش عايز أقلقلك.. بس ماينفعش تكوني بعيد عني يا حياة خالص الفترة الجاية.. ماتنسيش كريم هربان وأنا ما أضمنش ممكن يعمل إيه؟ جعدت حاجبيها بدهشة وفتحت فمها للمجادلة، لكنها كبت اعتراضها حينما أكمل حديثه قائلاً

بحزم أعجبها: "انتي هتفضلي هنا وشقتك من بكرة هرتب نقل العفش اللي فيها مكان تاني.. واتفقت مع شركة حراسة هيكونو هنا من بكرة عشان العمارة ومعهم بتوع صيانة الأسانسير كمان." هزت حياة رأسها بعدم تصديق قرنته بنبرتها المنذهلة: "حيلك حيلك عليا انت لسه تعبان يا بدر لحقت ترتب كل دا امتي؟ ابتسم بدر بثقة، يميل نحوها قليلاً

ليقول بهمس: "أسبوع كامل في المستشفى يا مانجتي.. حاجات كتير حصلت فيه.. أما بالنسبالي هقعد في شقة جاسر في الدور اللي تحتك على طول يعني كل شوية هتلاقيني بنط عندك أطمن عليكي." حدقت في غمازاته الجميلة دون أن تعي على حالها، ثم تمتمت بإعجاب صادق: "باين عليك شعلة نشاط يا متر عيني عليك باردة." غمز لها بطرفة عينه دون تعقيب، فابتسمت له بعذوبة وبراءة،

ليواصل حديثه بجدية: "عارف إن ممكن تضايقي من الوضع الملبش دا.. بس صدقيني أنا ما يهمنيش حاجة أكتر من إني أكون مطمئن عليكي." رمقته بنظرة تفيض بالحب والامتنان، لتهمس بصوتها الرقيق: "وأنا مش مضايقة بالعكس أنا مبسوطة يا بدر." كلاهما حدق في عيون الآخر لبضع ثوان، ليهمس لها: "وأنا مبسوط بيكي." خفض بصره إلى ساعة يده وأردف: "لازم هنزل دلوقتي والصبح هعدي عليكي أوصلك المدرسة وبعديها هروح أشوف أميرة."

جفلت حياة وشعرت بقشعريرة تسري في عروقها وضربات عنيفة اجتاحت قلبها عند ذكر تلك المخلوقة، لتتمتم بتردد: "متأكد من الخطوة دي؟ أومأ بدر برأسه ناظرًا إليها بحسم، وتابع بنبرة مستاءة: "أيوه لازم أعمل كدا.. حسابات الماضي اللي بينا لازم أصفّيها.. عشان أقدر أبدأ من أول وجديد." بعد مرور يومين. داخل النيابة العامة.

دخلت أميرة وجهها شاحب وبعض الكدمات تزين خدها، لتتسع عيناها بصدمة فور أن رأت بدر جالسًا على الكرسي واضعًا قدم فوق الأخرى في هدوء. غمغم بدر ساخرًا حالما خرج المدعي العام بعد أن سمح له بالتحدث معها على انفراد: "مالك كأنك شفتي عفريت قدامك.. مش هتقوليلي حمدلله على السلامة؟

أنهى كلماته بابتسامة ساخرة جعلتها ترتعد داخليًا، وهو يستقيم شامخًا ويمشي نحوها بخطوات واثقة، واقفًا أمامها يحدق بها بنظرات مظلمة، مباغتًا إياها بصفعة قوية سقطت على خدها، مما جعل رأسها يطيح إلى الجانب الآخر. تخدرت أطرافها من الألم الحاد في فكها، والدم ينزف من أنفها، لتنظر إليه بخوف عندما قال لها بحقد: "دي آخرة أشكالك.. قسما بالله ما هرتاح غير وأنا متأكد إنك مش طالعة من هنا غير على قبرك انتي والحيوان التاني."

حدجها بنظرات نارية، فلم تستطع النظر إليه مطرقة رأسها نحو الأسفل، لتسمع صوته الهامس المليء بالكراهية والغضب بجانب أذنها: "تعرفي إنكم محظوظين.. يمكن حكم المحكمة هيبقى أرحم من العذاب اللي كنت ناوي أعمله فيكم." رفع ذقنها بخشونة حتى نظرت إليه بالقوة، محتجزًا فكها بين كفه بقسوة، متابعًا حديثه بحدة وغِل

دفين: "لو عليا أدَفنكُم صاحيين أو أولع فيكم بجاز.. بس أنا راجل قانون وأعرف آخد حقي بيه كويس أوي.. مش هضيع عمري ومستقبلي وأجرم بحق نفسي عشان شوية أو*اخ زيكم." اهتزت حدقتاها بخوف سارٍ في عروقها وهي تهمس بإضطراب: "بدر أنا عارفة إن حقك تقول وتعمل أكتر من كدا.. بس صدقني كريم هو اللي خطط لكل حاجة هو اللي أجبرني أدخل شريكة معاه." نفض فكها ويدها متراجعًا خطوتين إلى الوراء، وشعور بالاشمئزاز

منها واضح في ملامحه: "لأ انتي اللي سبتي باب الشيطان موارب ما قفلتيهوش ولا حاولتِ تنبهيني عشان آخد حذري وأحميكي منه.. واحدة واحدة قدر سمو يتسرب جواكي خلاكي تطمعي أكتر وأكتر لحد لما لقيتي نفسك في الغلط من غير ماتحسي." استمرت الدموع تنهمر في عينيها وهي تفرك يدها برفق، وتجيبه تبريرًا: "أنا معترفة إني ضعفت قدام الفلوس كان نفسي أعيش في مستوى أحسن وأنقذ أمي من الفضيحة يا بدر...

رمقها بنظرات مخيفة جعلتها تبتلع بقية حديثها، ليهتف بصوت عالٍ حاد: "عذر أقبح من ذنب.. انتي طمعتي.. استحملت منك كتير أوي طول الفترة اللي عشتها معاكي.. حتى لما رفضتي نجيب أطفال أول جوازنا رغم إن دا أبسط حقوقي احترمت رغبتك.. بس مستحيل هغفرلك خداعك واستغفالك ليا." قطبت حاجبيها للحظة، وفكرت قبل أن تصرخ في وجهه بحنق يشوبه الارتباك: "أنا اللي استغفلتك تقدر تقولي حياة دي عرفتها إمتى عليا؟

انت كمان خدعتني يا بدر واول ما جتلك الفرصة بقيت عايز تخلص مني من غير ماتسمعني." جفلت عندما قاطع استرسال كلماتها بعد أن ضاق ذرعًا، ليهدر فيها بانفعال غاضب، لذا تراجعت خطوتين إلى الوراء برعب: "أسمعك!! إيه البجاحة دي؟ ليكي عين تتكلمي بعد كل اللي جرالي منك وكنتي عايزة تقتليني مرتين.. دا غير البلاوي اللي عملتيها ووصلتك لهنا؟ قوس بدر ثغره معللاً

بفتور: "بلاش تبرري لنفسك خيانتك وخداعك.. الوفي لا يخون الخاين.. مش طبعي ولا مبدأي.. أنا عشان مقتنع باللي موجود في حياتي كنت مانع نفسي عن أي حاجة توقعني في الغلط.. من يوم ما اتجوزتك وأنا مقفل كل الأبواب ومكتفي بيكي وبتقي ربنا اللي ماتعرفهوش فيكي." لجأت إلى السلاح الوحيد الذي تملكه الآن البكاء قائلةً بيأس تستعطفه: "صدقني أحلفلك بإيه إني ندمت على اللي عملته؟

أبعد يده في الحال بنفور، وشبكهما خلف ظهره عندما لمسته، وحدق بها بصمت لبضع لحظات قبل أن يومئ برأسه، قائلاً بجمود: "يمكن دا يكون دليل على إن في حتة في ضميرك صاحية.. بس للأسف فات أوان الندم يا أميرة."

استشعرت السخرية في عمق نظراته إليها، لكنها لم تهتم وواصلت حديثها بنبرة أكثر إلحاحًا: "أرجوك سامحني يا بدر.. أنا عارفة إن دا صعب عليك.. بس انت دايما كنت طيب وبتسامحني.. أنا معرفش ليه وصلت لكدا أرجوك ساعدني وطلعني من هنا يا بدر." لوى شفتيه بابتسامة باردة لا تمت للمرح بأي صلة، وفهم خدعتها التي لجأت إليها لإثارة شفقته عليها، لكنه هز رأسه سلبًا

ثم قال بنبرة جافة: "دي كمان فات أوانها.. محدش بياخد كل حاجة من الدنيا وغلطاتك كانت فظيعة وما تتغفرش." أنهى كلامه متجاوزًا إياها، وهو يتجه نحو باب الحجرة، ثم توقف للحظة، وقال بصوت بارد: "بالمناسبة أنا طلقتك رسمي امبارح."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...