الفصل 8 | من 33 فصل

رواية شبح حياتي الفصل الثامن 8 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
21
كلمة
4,144
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

استدار بدر ونظر إليها بغضب كاد أن يحرقها في مكانها، فابتلعت لعابها بتوتر شديد. وللمرة الأولى، رأته بهذا الاستهجان، وازداد ارتباكها عندما صرخ بتهديد مضحك: «النموس دا أنا هخليه يلدغ أمه عشان يغور من هنا.»

اندهش مازن من صمتها، لكنه أقنع نفسه بأنها تفكر في الأمر، غير مدرك أنها في صراع داخلي. من ناحية، أرادت الموافقة، ومن ناحية أخرى، تريد تحطيم فك ذلك الأرعن بجانبها. ولكنها كانت لا تريد أن تظهر مختلة عقليًا أمام ذلك الرجل الأنيق الذي قال لها بسرعة يحثها على اتخاذ القرار: «قولتي إيه، موافقة؟!

قلبت حياة عينيها عن بدر متجاهلة شعلة الغضب الملتهبة في عينيه، ثم أومأت برأسها لمازن بهدوء وقلب مطمئن لأنها لن تذهب بمفردها بعد تأخرها، قائلة بامتنان صادق: «أكيد موافقة.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي على ذوقك معايا.» ياسرعان ما ارتفع جانب شفتيها باستياء ساخر لم يلاحظه أحد إلا بدر عندما سمعته يزمجر بحنق: «أنا خلاص جبت آخري.. مانتيش راكبة معاه يا حياة على جثتي.» بينما اتسعت ابتسامة مازن، وأومأ برأسه لها، قائلاً بلطف:

«استنيني هنا لحظة واحدة.. هجيب عربيتي من الجراج وراجع.» تمتمت حياة بنبرة ناعمة دون أن تنظر في عينيه لأن فكرها كان منشغلًا بشيء آخر: «اتفضل.» عندما غاب عن عينيها، تحولت نبرة صوتها من النعومة إلى الحدة، وقالت بهمس غاضب وهي تستدير نحو بدر مرسلة له نظرات حانقة: «إيه قلة الذوق دي يا كائن إنت.. عمال زن زن على وداني وتشوشر على كلام الراجل.. ماكنتش عارفة أرد عليه وخلتني متلخبطة زي الهبلة قدامه.» حدق بدر في وجهها بعيون ضيقة،

ثم صاح باستنكار: «عايزاني أقف جنبك طبق دش ساكت ولا أعمل إيه!! وبعدين دا منحنى أصلًا، أنا عارفه كويس.» ارتفع حاجبها وهي تنظر إليه بشك، ثم سألته: «تعرفه كويس؟ والله.. وإيه مشكلته بقى؟ نظر إليها بدر في صمت لفترة طويلة، ثم تمتم بسخرية: «أبدا، لسانه حلو مع كل الستات.» ردعت حياة ضحكة صاخبة كادت أن تفلت من حلقها، لكنها ابتسمت وقالت باستفزاز: «دا عز الطلب.. مش أحسن ما يكون محامي وكشري.. ما بيعرفش يضحك حتى في الصور.»

لاحت شبه ابتسامة على فمه رغمًا عنه، وهو يغمغم: «كأنك بتلقحي عليا بالكلام!!؟ هزت حياة كتفيها بلا مبالاة، وهي تنظر في الاتجاه الآخر، وقالت ساخرة: «الحدق يفهم بقى.» عادت عيناها بسرعة إلى عينيه، وبداخلها نظرة مترجية، وأردفت بإستماتة: «أنا ما صدقت حد يساعدني، ما أضيعش الفرصة من إيدي.» هز بدر رأسه رافضًا لسبب غامض، وعادت ملامحه جامدة مجددًا، قائلاً بإصرار: «بصي، أنا قولت كلمة.. على جثتي لو ركبتي معاه يا حياة.»

رفعت حياة يديها بشكل عفوي ولوحت براحتها بعدم تصديق، ثم هدرت باستنكار: «لا لا، واضح إن عندك لبس في مخك.. إنت مجرد شبح واحد ميت طلعلي.. مش ولي أمري وأنا حرة في تصرفاتي، فاهم؟! «آنسة حياة.» عندما وصل صوت مازن إلى مسمعها، صمتت على مضض، وأبعدت عينيها عن بدر، ثم هرولت مسرعة من أمامه نحو سيارة مازن، بينما كان بدر محدقًا فيها بعدم رضا. *** في غرفة مكتب واسعة مع أثاث أنيق.

حياة جالسة أمام مكتب مديرة المدرسة، التي بدورها نظرت إليها بنظرة شاملة. شعرت حياة بتوتر داخلي كبير وقلق، خاصة في وجود ذلك بدر، المقتضب وجهه بقوة، من أسلوب مازن اللطيف معها ومجاملته الرقيقة لها كلما سنحت له الفرصة. أولت حياة اهتمامها الكامل للمرأة التي يبدو أنها في أواخر الأربعينيات من عمرها، عندما قالت متسائلة بعد إغلاق ملف حياة الورقي: «كنتي بتشتغلي في مدرسة إسكندرية قبل ما تيجي هنا يا حياة؟

حاولت حياة تجاوز هذا التوتر بأخذ نفس عميق يجلب السلام لقلبها، ثم ردت بابتسامة مهذبة: «بالظبط حضرتك.. أنا آداب إنجليزي وكان نفسي أشتغل في شركة سياحة.. لكن لسه مجتش فرصة شغل مناسبة.» سألتها المديرة بهدوء: «وإنتي ليه عايزة تعلمي أطفال الحضانة؟ الأفضل إنك تكوني مدرسة ابتدائي!! ابتسمت حياة برقة، وأجابت بلباقة:

«أنا بحب الأطفال الصغيرين جدًا. ولما اتخرجت من سنتين تقريبًا.. اشتغلت في مدرسة في إسكندرية بعلم الأطفال الصغيرة مش إنجليزي وبس.. طريقة النطق الصحيحة والرسم وأنشطة تربوية تساعد في تأسيسهم قبل المرحلة الابتدائية.» انفرجت شفتي المديرة بابتسامة، وقالت بإعجاب: «حلو جدًا، يعني هتملي وقت الأطفال بأنشطة مفيدة.» عاد إلى حياة الشعور بالحماس، وهزت رأسها قائلة بثقة: «إن شاء الله هعمل كدا.»

دخل مازن في الحديث بخفة ظل، بعد أن كان صامتًا يتابع الحوار بنظرة مليئة بالإنجذاب نحو حياة: «على خير الله.. نقول مبروك يا أستاذة ميرفت على قبولها معاكي.» ابتسمت ميرفت بلطف لمازن، ثم عاودت النظر إلى حياة التي شعرت بتشنج في بطنها من القلق والترقب، وقالت بنفس الابتسامة ولكن بنبرة جادة:

«شوفي يا حياة، إنتي هتشتغلي فترة مؤقتة.. أشوف فيها مدى شطارتك مع الأطفال.. دا عشان إنتي ورقك قدامي مظبوط وحاسة بروحك الحلوة اللي هتبهج الأطفال وعشان مجية دكتور مازن لحد هنا.. بس مش هتتعيني رسمي إلا مع بداية العام الدراسي الجديد.» أومأت حياة برأسها متفاهمة، ثم سألت بأدب: «تمام، يعني أبدأ أحضر مع الأطفال من امتى؟ أجابت ميرفت بنظرة حازمة تليق بمنصبها:

«من بكرة.. بس أهم حاجة عندي تكوني هنا في معادك، ما بحبش التأخير خالص.» دمدمت حياة بابتسامة مجاملة، في حين عاد لها الشعور بالقلق مرة أخرى وهي تفكر في كيفية الالتزام، وذلك الوقوف وراءها دفع نفسه عنوة إلى حياتها البائسة: «إن شاء الله.. ميرسي جدًا.» *** أمام المدرسة بعد بضع دقائق.

خرجت حياة من البوابة الكبيرة، تبعها مازن، بينما مر بدر عبر الحائط. فهزت رأسها استنكارًا منه، حيث أصبح يزعجها بمطاردته إليها في كل مكان، وهذا ما زاد من اضطرابها رغم عنها. تنحنحت حياة بخفة، وقالت بإبتسامة خجولة: «أنا آسفة أوي عطلتك معايا يا دكتور، أكيد اتأخرت على شغلك والمرضى بيدعوا عليا.» عقد مازن حاجبيه بإعتراض، ثم هتف بود: «ما تقوليش كدا، إحنا جيران ودا واجبي.» اتسعت ابتسامتها من أناقة أسلوبه، وقالت بعذوبة:

«ميرسي أوي، إنت في منتهى الذوق.» ابتسم لها مازن بهدوء وهو يفرك رقبته، كأنه يشاور عقله في أمر ما، لكنه متردد، ثم سألها بتريث: «تحبي أوصلك البيت؟ فجأة زأر بدر بوعيد، وهو واقف بينهما وكأنه عازول: «عارفة لو وافقتي هعفرت أمه.. أنا جبت آخري منكم انتوا الاتنين.» جفلت حياة بشدة وتبخرت شجاعتها عندما تذكرت ما فعله بها في الصباح، ووجدت نفسها بسرعة تهتف الكذبة الأولى التي قفزت في عقلها، وهي تلوح بيديها بشكل عشوائي:

«لا لا، مفيش داعي أتعبك.. أنا حابة أتمشى شوية وهروح أشوف وحدة صحبتي قريبة من هنا.» ابتسم بدر برضا من ردها، بينما عبس مازن محبطًا لأنه استمتع برفقتها، لكنه قال بابتسامة قبل أن يستدير لسيارته: «زي ما يريحك، أشوفك على خير.» أطلقت حياة زفرة راحة قائلة بخفوت: «مع السلامة.» ***

انتظرت حياة عدة لحظات حتى اختفت السيارة تمامًا عن بصرها، ثم التفتت إلى بدر بغيظ، لكنها شعرت بسقوط قلبها عند قدميها عندما رأت ملامح وجهه مكفهرة جدًا، وكادت أنفاسه الغاضبة أن تمزقها من أرضها، لكنها قررت ألا تظهر أي خوف رغم أنها ترتجف كالورقة البالية في داخلها. ظلت نظراتها العسلية العنيدة ثابتة في عينيه الغاضبتين، كأنها تتحداه بتلك العيون وتستهزأ به، ثم صرخت في وجهه بهجوم: «إيه مشكلتك بالظبط؟

من الصبح مش طبيعي.. إنت معصبني بتصرفاتك وكلامك على فكرة.» ازداد السخط في عقل بدر حين رأى وميضًا من الإعجاب يتلألأ في عينيها تجاه ذلك الطبيب، وشعور غريب بالألم يندلع في قلبه حتى أنه لا يعرف لماذا يشعر بذلك الشعور. هو فقط يفهم أنه غاضب لأول مرة منذ أن قابلها، أو بالأحرى عندما تذكر شجاره مع ذلك المازن منذ فترة. استشاط غضبًا جازًّا على أسنانه بقوة، عند وصوله لهذه النقطة من التفكير، صائحًا بصرامة:

«لا والله.. الواد دا مش عايز يكون ليكي علاقة بيه، مفهوم؟! ضيقت حياة عينيها مستنكرة سلوكه الغريب، ثم قالت بخفوت: «إنت إيه!! كل شوية تهددني بالطريقة دي بأي حق؟! ثم أردفت بنبرة حانقة في محاولة منها، لتجاهل دقات قلبها التي ارتفعت من عينيه الثاقبتين في عينيها: «أنا ماخلصتش من تسلط خطيبي وأختي عليا عشان أقع في شبح عايز يقلبلي حياتي من غير وجه حق.» رفع جانب شفته العليا وسألها باستهزاء:

«أومال عايزة حد زي الدكتور المنحنى دا في حياتك؟ حدقت حياة فيه بغيظ، ثم حذرته قائلة بتذمر: «لو سمحت ماتلبخش في الكلام وما يخصكش..» ثم استأنفت كلامها بنبرة منفعلة: «وأنا مش هرتاح إلا لما أشوف طريقة أصرفك بيها من حياتي.» شعر بدر بوخز في قلبه لما قالته، لكنه رسم ابتسامة مزيفة على وجهه وقال بكبرياء: «ومين قالك إني عايز أكون معاكي حبًا فيكي!! ما تتعبيش نفسك وتدوري..» عقدت حياة حاجبيها بتهكم على كلامه المتعجرف، ثم استفسرت:

«يعني إيه؟ سحب بدر الهواء إلى رئتيه بقوة ثم تكلم ببرود: «ساعديني أفهم اللي جرالي دا سببه إيه!! في مقابل إنك قاعدة في شقتي بدل بهدلة الأوتيلات.» سكتت حياة قليلًا، تفكر في اقتراحه، ثم سألت بعناد، وذراعيها متشابكتان أمام صدرها: «وأنا إيه يجبرني أساعدك؟! أشار بدر إليها بذقنه باتجاه الطريق الرئيسي، حيث كانت تقف تحت ظل شجرة كبيرة تمنع المارة من رؤيتها، ثم قال بجدية:

«جربي تكلمي معايا قدام حد هتلاقيهم بيبصولك بإستغراب وشفقة.. عشان واقفة بتكلمي شخص مالوش وجود إلا قدام عينك إنتي بس..» وأضاف بنفس الجدية حين لاحظ عبوس ملامح حياة: «ما فيش قدامك غير اختيارين، يا إما هيخدوكي على مستشفى الأمراض العقلية إذا استمر الحال على كدا.. يا توافقي تساعديني بجد وتعرفي اللي حصلي.. ساعتها أوعدك إني هسيبك في حالك.»

كانت تستمع إلى ما كان يقوله بصمت، وهي مطرقة رأسها للأسفل محدقة في الأرض، وبدأت تقلب تلك الكلمات القاسية التي تفوه بها بدر في حيرة شديدة تطوف داخل ذهنها، وغيمة من الحزن حاوطت قلبها من شدة البؤس الذي غلفها فجأة. إذا استمر هذا الوضع لفترة طويلة، فإنها بالتأكيد ستفقد عقلها والعمل الذي سيجعلها تستقر هنا دون الحاجة إلى مساعدة أختها أيضًا. هامسة في سرها: «يعني خلاص أنا اتزنقت فيه.. أشكي لمين أنا ولا أحكي لمين!!

محدش هيصدقني.. إذا كنت أنا نفسي مش مصدقة نفسي.» كانت منغمسة في أفكارها، حتى جاءها صوته البارد الذي يتخلله الترقب عندما تأخرت في الرد عليه: «ها، قوليلي قرارك إيه؟ رفعت حياة رأسها إليه، واستقرت عيناها المملوءة بالحنق في عينيه الداكنتين اللتين لم يكن فيهما سوى بريق يتلألأ بآمال كثيرة تتعلق على كلمة واحدة منها.

تجعد حاجبيه بحزن عندما رأى ذلك اللمعان المتلألأ بالدموع في عينيها، لكنه أغمض عينيه براحة تغلغلت بعمق في داخله على الرغم من نطقها بتلك الأحرف القليلة بتردد كبير: «هساعدك.» *** بعد مرور فترة وجيزة. وصلت حياة إلى مدخل المبنى وواضحة علامات الإرهاق على وجهها الشاحب، على عكس ما خرجت منه في الصباح، بسبب التفكير المستمر في ذلك القرار الذي اتخذته للتو، وتساءلت في قرارة نفسها!!

هل يمكن أن تكون قد تسرعت عندما وافقت على ذلك الجنون الذي طغى على حياتها فجأة؟ ليس هناك أي منطق فيما يحدث؟ في حين أن بدر التزم الصمت التام مثلها، وسار خلفها بهدوء. حركت قدمها لتصعد الدرجة الأولى من الدرج، لكنها أمسكت بدرابزين الدرج بيدها اليسرى، ورفعت يدها الأخرى على جبينها، وهي تئن بصوت ضعيف عندما هاجمها شعور بدوار قوي على حين غرة.

حاولت جاهدة المقاومة لكنها لم تستطع تحمل ذلك، فلم يستغرق الأمر بضع ثوان حتى فقدت وعيها بالكامل بعد أن سمعت صوت نداء وصل إلى أذنيها من بعيد. ***

تركض بنشاط في المجمع السكني الذي تعيش فيه كالمعتاد يوميًا قبل الذهاب إلى العمل للحفاظ على وزنها المثالي، مرتدية بدلة رياضية بيج مع خطوط متباينة الألوان واسعة، حيث كانت السترة مصممة بفتحة أمامية بسحاب وكان البنطال من نفس الألوان، ذو خصر مرن، وفيه جيبان كبيران في الأمام وجيبان صغيران في الخلف يتناسبان مع جسدها، ويبرز جمال قوامها الرشيق.

وصلت إلى منزلها ثم دخلت بخطوات خفيفة كالفراشة، تتساقط بعض قطرات العرق من جبينها، التي بدأت تجففها بمنشفة صغيرة أحضرتها الخادمة عندما قابلتها عند الباب. تفاجأت عندما وجدته في غرفة الجلوس الفخمة، جالسًا بشكل مريح على الأريكة، باسطًا يديه على ذراعي الأريكة وفارجا رجليه باتساع، فتساءلت بدهشة: «كريم!! إنت بتعمل إيه هنا؟! حدق كريم بسخرية في ملامح وجهها المصدومة من رؤيته، وأجاب بابتسامة مستفزة: «هكون بعمل إيه!!

قاعد مستنيكي يا أميرة هانم.» شعرت أميرة بتصلب في جسدها من نبرة صوته، التي جعلتها ترتبك رغم إرادتها، لكنها حاولت التظاهر باللامبالاة وتحدثت باستفسار: «اشمعنى.. وليه بدري أوي كدا..؟ أردفت بقلق، وخطت نحوه خطوتين بعيون واسعة بترقب: «في جديد حصل؟! أدار كريم عينيه بغيظ من قلة اهتمامها لأمره وكل ما يجول في خاطرها فقط الاطمئنان على نفسها، ثم ابتسم بتهكم على أنانيتها التي لن تتغير، قائلاً ببرود:

«قولتيلي هشوفك في النادي واختفيتي ومردتيش عليا من ساعتها.. قولت أجي أشوفك أنا.» تنهدت أميرة بارتياح، ثم قالت بكذبة بدت في حركة عينيها الزائغة في كل مكان ما عدا عينيه الحادتين: «عادي انشغلت شوية وماقدرتش أروح النادي مع ماما.» أنهت جملتها تزامنا مع وقوف كريم بإستقامة أمامها بكل أناقته، متألقًا في قميصه الزيتوني، تاركًا أزراره الأولى مفتوحة وبنطاله الأسود الذي وضع كفيه في جيوبه، واقترب منها بينما يتمتم: «هحاول أقتنع.»

زفرت أميرة الهواء بإستياء، ثم أشاحت نظرها المشتت عنهُ وقالت بنزق: «كريم.. لو فيه مفيد قوله ولا إنت جاي تكركب معدتي على الصبح وخلاص!!

لم يعجبه هروب عينيها منه، دائرًا وجَّهها بإبهامه واضعًا إياه تحت ذقنها، حينها التقت عيناها الجميلتان مباشرة في عينيه الثاقبة لسبر أغوارها بضع ثوان قبل أن تنخفض عيناه إلى شفتيها الشهية، ولمعت فيهم شعلة الرغبة، وانحنى قليلاً في اتجاهها تلقائيًا، يتحسسهم بطرف إبهامه شاعراً بنعومتهم المهلكة لأعصابه، وتساءل في همس مثير: «مالك بقيتي عصبية أوي كدا؟ ابتلعت أميرة لعابها بتوتر وهي ترفع يدها وتبعد يده عن وجهها، ثم استدارت

خلفها بحذر وهي تقول بتذمر: «يووه، تعالي نتكلم في مكتب بدر.» أنهت كلامها تزامنا مع تحرك قدميها إلى اليسار، بينما كريم يمسح وجهه بضيق، ثم مشى خلفها بخطوات واسعة. انتظرت أميرة حتى ولج إلى المكتب، وأغلقت الباب خلفه، قبل أن يستدير نحوها صائحًا بتساؤل دون وعي منه: «إنتي لسه مضايقة من اللي حصل بينا؟! تجهمت ملامح وجهها الجميل، وصرت على أسنانها غضبًا، ثم همست بتحذير:

«لو سمحت وطي صوتك، ماما في البيت.. والأحسن إننا مانفتحش الموضوع دا خالص وننساه.» تبدلت تعابير وجه كريم إلى صرامة بعد أن كان ينظر إليها بتساؤل، وتحدث بلهجة هادئة ولكنها لا تخلو من بعض الحدة: «ننساه ليه؟ أنا قولتلك إني عايز أتجاوزك.. واللي عملته دا كنت بعبرلك بيه عن حبي اللي لو كنتي حسيتي بيه من الأول ما كناش وصلنا للي عملنا دا!! حملقت فيه أميرة بصدمة لبضع ثوان، حتى استطاعت استيعاب ما قاله، ثم تمتمت بحدة ناعمة:

«إنت اتجننت يا كريم جواز إيه؟ أنا لسه على ذمة بدر.. واللي إنت عملته دا أنا مش هسامحك عليه، أنا بنت خالتك وبس، فاهم كلامي؟! يرفع كريم حاجبًا بعدم تصديق مما تفوهت به أمامه، ثم سأل باستنكار: «والله إيه البراءة اللي بتتكلمي بيها دي؟ كأنك ما اشتركتيش في اللي عملناه سوا في بدر جوزك!!

تساءل بسخرية لاذعة يشوبها حزن مصطنع في نهاية جملته قبل أن يتحرك نحوها قاطعًا الخطوتين التي تفصل بينهما، وقبض على عضدها بعنف ساحبًا إياها تجاهه حتى اصطدمت أجسادهم ببعضها البعض، مردفًا بهمس خطير كفحيح الأفاعي في أذنها: «هي كلمة تحفظيها زي اسمك.. إنتي بتاعتي يا أميرة وخلاص. بدر مات.. وأول ما هتظهر جثته ونتأكد إن مفيش خطر علينا هنتجوز.»

تجمدت أوصالها للحظات دون أي رد فعل منها، وتخدّر ذراعها في أسر قبضته، ثم سرعان ما انتبهت لما قاله، وأنه قريبًا جدًا منها، فدفعته بيدها وابتعدت عنه مسافة لا بأس بها، قائلة بغضب: «أوعي إيدك.. بلاش جنانك دا اللي هيودينا في داهية يا كريم!! تنهد كريم بعمق، وأغلق عينيه بقوة لبعض الوقت حتى يتمكن من السيطرة على نفسه المبعثرة من قربها المهلك من جسده ومشاعره.

فتح عينيه ببطء، ثم تصنع الإمبالاة، متسائلاً، وعيناه تراقب بابتسامة ما آلت إليه تعبيرات وجهها المتورد من التوتر والغضب: «ماشي، عملتي إيه مع البت اللي قاعدة في شقة بدر؟!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...