الفصل 9 | من 33 فصل

رواية شبح حياتي الفصل التاسع 9 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
16
كلمة
4,119
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

سمعت أصواتًا غريبة من حولها، لكنها لم تفهم منهم شيئًا. ثم بعد لحظات، فتحت عينيها المتشربة بلون الشمس ببطء وحذر بسبب الضوء القوي في عينيها حتى تعتاد على أشعة الشمس الساطعة فوقها. نهضت متكئة على مرفقيها، تدير رأسها وتنظر إلى اليسار واليمين حتى تستكشف هذا المكان غير المألوف من حولها. لتجد نفسها كانت مستلقية على العشب الأخضر في أرض مستوية كبيرة، ولا يوجد فيها مخلوق آخر سواها. قالت بخفوت، بينما علامات

الاستفهام تحوم فوق رأسها: "أنا بعمل إيه هنا؟! اتسعت عيناها في دهشة عندما لم يستطع عقلها ترجمة ما تراه، ثم تمتمت ببلاهة، وهي تنهض ببطء من الأرض: "أكنّي متّ و روحت الجنة." "حياة." استدارت بسرعة عندما سمعت ذلك الصوت المحفور في ذاكرتها إلى الأبد، واتسعت مقل عينيها النرجسية في عدم تصديق، وتلعثمت من المفاجأة: "بابا!! ظهرت ابتسامة عريضة على ذلك الوجه البشوش محدقًا بها بشوق، قائلاً بنبرة مليئة بالحنان: "عاملة إيه يا حبيبتي؟

طمنيني عليكي." رمشت عينها عدة مرات، حتى أدركت أنه لا يوجد أحد أمامها إلا والدها الحبيب، وسرعان ما ملأت الدموع عينيها قبل أن ترد عليه بلهفة مقتربة منه: "أنا كويسة، إنت وحشتني أوي يا بابا." أردفت حياة بنوع من الحيرة بعد بضع ثوانٍ من الصمت: "بابا إحنا فين؟ هو أنا متّ وجيتلك الجنة؟ هز رأسه سلبًا، ثم قال بجدية: "لا يا حياة، إنتي لسه عايشة وأنا اللي جيت أقولك الحقيقة." عقدت حاجبيها بعدم استيعاب قبل أن تسأل:

"مش فاهمة قصدك إيه يا بابا؟ وضع يده على ظهرها ودفعها برفق حتى تمشي معه، متحدثًا بهدوء: "حياة.. مش فاكرة لما كنتي دايماً تسأليني أنا ليه مختلفة عن باقي الناس؟ أومأت حياة بالإيجاب دون أن تنبس ببنت شفة. أستأنف قوله بإبتسامة صغيرة: "فاكرة كنت بقولك إيه؟ دي خلقة ربنا ليكي وعمر أبداً ما ربنا خلق حاجة وحشة.. وكل حاجة دايماً ليها سبب يا حياة، حتى لو ماكناش نعرفه بس السبب دايماً موجود."

ابتسمت له حياة، وهي تخفض بصرها إلى الأرض، وهم يمشون، ثم همست بخفوت: "ونعم بالله." توقف والدها فجأة عن المشي وهو يلتفت إليها، ثم مد أطراف أصابعه برفق، ورفع وجهها لتنظر إليه، ليكرر كلماته بإصرار أكثر: "المرة دي أنا جاي أقولك نفس الكلام وأفكرك بيه.. مافيش حاجة مالهاش سبب حتى لو ما نعرفوش." حدقت به لبرهة دون أن تجيب قبل أن تشيح بنظرتها عنه بفكر مشوش بادياً على ملامحها، لكنه قطع حبل أفكارها حين هتف بجدية:

"هي دي مهمتك يا حياة، افتكري إنك جيتي الدنيا عشانه ولازم تساعديه يا بنتي.. يمكن تتعبي شوية بس مفيش مستحيل ولا صعب هيحوشك إن شاء الله. ماتيأسيش." رفعت بصرها إليه بعد خروجها من حالة ذهول التي انخرطت فيها عدة دقائق، ثم حاولت الاعتراض على ذلك قائلة بمجادلة: "بس يا بابا أنا... قطعت كلامها حالما وجدت المكان خاليًا ولا أثر لأبيها، ثم صرخت مندهشة وهي تنظر حولها: "بابا إنت روحت فين؟!

رفعت رأسها إلى السماء متنهدة بقلة حيلة، ثم بعثرت شعرها بكلتا يديها، وأحاطت بها علامات التعجب والاستفهام من جميع الجهات، ثم تمتمت في حيرة من أمرها: "ده أنا اللي محتاجة مساعدة يا حج.. باينك هتشربي المر بشاليمو يا حياة! وضعت يدها فوق عينيها حتى تحجب أشعة الشمس عنها لترى من يقف بعيدًا، يدير ظهره لها. لم تتعرف عليه في البداية، لكنها سارت في اتجاهه بفضول، لعله يتمكن من مساعدتها.

اندهشت عندما لم تعد المسافة بينهما كبيرة حيث استطاعت تحديد هويته. رغم أنها لم تفهم سبب وجوده هنا، لكنها نادته بصوت عالٍ حتى يلاحظ وجودها: "بدر.. يا بدر." واصلت الركض نحوه حتى أصبحت المسافة بينهما بسيطة للغاية، ولكن عندما التقطت أنفاسها حتى تتمكن من الكلام، فجأة، اهتزت الأرض بقوة تحت أقدامهم، مما جعل حياة تفقد توازنها وتسقط على الأرض التي تغير لونها من الأخضر إلى الأسود.

شعر بدر أن الأرض تنفصل عن بعضها وتنقسم تحت قدميه، لكنه لم يستطع الهروب وسقط في الهاوية. صرخت حياة باسمه خوفًا، وشعرت بألم يعتصر قلبها بشدة، لكنها نهضت من الأرض وهرعت نحوه بأسرع ما يمكنها. وعندما وصلت إلى حافة الأرض الممزقة، نظرت إلى الأسفل بعيون مفرجة على مصراعيها من هول ما تراه، فالمسافة كانت شاهقة ومرعبة.

لكنها تنفست الصعداء عندما رأت بدر يتشبث بكلتا يديه على حجارة كبيرة تأخره عن الوقوع في تلك الهاوية التي في جوفها نار منصهرة. جثت حياة على ركبتيها، ومدّت يدها إليه لمساعدته. تجمعت العبرات الساخنة داخل مقلتاها مهددة بالنزول، صائحة بسرعة: "بدر.. حاول تمسك في إيدي." ولكن قبل أن يمسك بيدها، ظهرت مجموعة من الهياكل العظمية تحته، محاطة بنيران مشتعلة، وتمسكت بقدميه يرغبون إسقاطه بالقوة.

ألقى بدر نظرة إلى الأسفل وهو يقاوم من يجذبونه، ثم نظر إلى حياة التي كانت تجتهد للوصول إلى يده الممدودة إليها بكل طاقتها. وعندما كانت على وشك أن تلمس راحة يده، قال لها: "حياة.. لا تدعيني أرحل! *** بإحدى المستشفيات. داخل غرفة بيضاء على سرير صغير حيث كانت حياة مستلقية عليه بوجه شاحب، بينما كان بدر جاثيًا بجوار رأسها مباشرة، يراقب ما يحدث حولهم بتركيز.

على الجانب الآخر من السرير، وقفت ممرضة تتفقد المغذي المعلق في يدها، قبل أن تتجه إلى حمزة، الذي قد دخل للتو، وقال بلهفة: "طمنونا عليها يا بنتي؟ ابتسمت الممرضة وقالت بنبرة طبيعية: "ماتقلقش يا عم الحج، كان ضغطها واطي وهي دلوقتي نايمة. لما يخلص المحلول هتروح معاك." قالت كريمة بابتسامة بينما كانت الممرضة تغادر الغرفة: "متشكرين يا ست البنات، ربنا يطمن قلبك." أمسك حمزة بذراع زوجته وقال بصوت هامس:

"خلينا نستنى برا لحد ما تفوق براحتها يا أم كرم." سارت بكريمة، متكئة عليه بحذر، وقالت بطاعة: "حاضر يا حج، يلا بينا." *** أما بدر فلم يسمعهما لأنه كان غارقًا في أفكاره، وداخل ذهنه تساؤلات كثيرة تطرح نفسها مرارًا وتكرارًا. ما هذا الألم الغريب الذي استوطن في قلبه؟ ما الذي يمر به الآن، هل هذا ما يسمى الشعور بتأنيب الضمير؟ لأن حرفيًا فرت الدماء من عروقه بذعر عندما وجدها فاقدة للوعي أمامه.

كان شعوره بالخوف عليها في تلك اللحظة كافيًا لإقناعه بأن ما يحاول الوصول إليه وإثباته ما هو إلا سراب، وأنه ليس إلا في المكان الخطأ. ثم يعود عقله يجادل مرة أخرى، قائلاً: "هذا الأمل الأخير لدينا، كيف يمكنه التخلي عنه بهذه السهولة؟ ولماذا يضحي بهذا الأمل من أجلها؟

ليصدح صوتًا مجهولاً في أعماقه، ويكرر أن آخر ما يريده الآن هو أن يكون سببًا في أذيتها التي من الواضح إذا استمروا معًا أكثر من ذلك، ستحدث لها المزيد والمزيد من المشاكل. لكن هناك شيء مخبأ بداخله منعه من المغادرة رغم أنه لا يعلم إلى أين وجهته دون أن يودعها على الأقل، معربًا عن ندمه الشديد على ضغطه عليها خلال اليومين الماضيين.

همهمت حياة في غفوتها باسم بدر الذي تصلب بصره عليها، بمجرد أن سمع اسمه من شفتيها الشاحبتين دليلًا على إرهاقها. وهناك عبرة هاربة من عينها، رآها بوضوح. تململت في السرير، وحاجباها مجعدان بوهن، تشعر بعبء ثقيل على رئتيها. فتحت عينيها سريعًا حينما مرت عليها تلك الأحداث المرعبة التي راودتها مؤخرًا.

رفرفت رموشها عدة مرات بسبب عدم وضوح الرؤية أمامها حتى تعتاد على الضوء تزامناً مع صوت إغلاق الباب، بينما عيناها تجولان في الغرفة التي تقطن فيها، ثم عفوياً أدارت رأسها إلى الجانب الآخر لتلتقي بعينيه الغائرتين التي كانت تحدق بها بهدوء. استمرت حياة تتأمل في ملامحه القريبة من وجهها بشرود عدة لحظات، قبل أن تتنفس الصعداء عندما أدركت أن ما رأته ليس سوى حلم.

انتظرته قليلاً ليبدأ الحديث معها، لكنه بقي صامتًا وهو يحدق بها بعيون هادئة. فقررت بتر ذلك الصمت، وهمست بصوت متهدج: "هتفضل ساكت كده؟ محدش موجود ممكن تتكلم." وقف بدر أمامها بإستقامة قبل أن يجلس بجوارها على حافة السرير، قائلاً بنبرة حزينة دون أن ينظر إليها: "مش قادر أقول حاجة بعد اللي حصل، بس أنا بجد آسف." اعتدلت حياة قليلاً في جلستها مع بعض التعب، قائلة بغير فهم: "آسف على إيه؟ رد بدر ببساطة: "على رقدتك دي بسببي."

رفع عينيه ليلتقي بنظرتها التي كانت تحدق به بدهشة، ثم أردف: "أنا كنت أناني لما ضغطت عليكي ووصلتك للحالة دي." أراد أن يكمل كلماته، لكن حياة أوقفته بإشارة من يدها، ثم قالت بنفاذ صبر: "هش! ممكن تسكت وتسمعني شوية.. اللي حصلي دا سببه حاجات كتير من قبل ما أشوفك أصلاً..! الآن جاء دوره لمقاطعة كلماتها بصوت خافت يملؤُه الاعتراض: "بس برضه دا كان تصرف بشع مني إني استغل مساعدتك ليا بالطريقة دي."

طأطأ رأسه محاولاً ضمير ما يعتريه قلبه من مشاعر سلبية، مخاطباً نفسه دون أن يلفظ بلسانه أمامها: "حسيت بضعف وعجز لما شوفتك مرمية على الأرض وأنا مش قادر أعمل حاجة خالص.. لولا عم حمزة سمع صوتك وإنتي بتقعي ونقلوكي على هنا معرفش كان ممكن يجرالك إيه!! نظر إليها، بينما قناع من البرود الزائف مرتسماً على وجهه، قائلاً بهدوء يتناقض مع فوران النار الذي ينهش قلبه:

"أنا حبيت أشوفك قبل ما أختفي خالص عشان أقولك أنا آسف ومش هحاول أزعجك تاني." تستمع إلى كلماته، وهناك شعور غريب برفض ما كان يقوله، مسبباً لها اختناق مجهول المصدر، لكنها سرعان ما تجاهلت هذا الشعور، وهزت رأسها بشكل سلبي، ثم صاحت معارضة بصوت مبحوح: "إنت جرا لمخك حاجة! اللي بتقوله دا مش هيحصل، لازم نوصل لسبب اللي إنت فيه.. ماتسيبنيش يا بدر."

نظر في عينيها بعمق وكأنه يسبر أغوارها، مما جعل حياة متوترة في مكانها. وبحركة لا إرادية، أشاحت بصرها بعيدًا عنه عندما تساءل: "وإيه اللي خلاكي تغيري رأيك؟ مش كنتي بتقولي إن دا جنان؟ ليه صدقتي فجأة؟ تنهدت حياة وهي تنظر إليه مجددًا، وتقول بإنزعاج مزيف: "ما أنا لازم أصدقه، ما قداميش إلا كده، يا إما هتأكد إني مجنونة بكلم مجرد طيف ملوش وجود. وأنا متأكدة إنك موجود وبصراحة فضولي هيموتني عشان أفهم."

مرت بضع ثوانٍ من الصمت، كان بدر خلالها يجول بعينيه في ملامحها العابسة بلطافة، ثم كسر ذلك الصمت قائلاً ببعض التردد: "يبقى خليني أقولك على حاجة قبل ما تقرري هتكملي معايا ولا لأ." تساءلت حياة بنوع من التشوق: "حاجة إيه دي؟ لم يرد عليها، بل تأمل فيها بصمت، خصلاتها البرتقالية الثائرة مثل سجيّتها حول وجهها الجميل ذو السحر الآخاذ، خصلاتها تتدلى على ظهرها وكتفيها. ثم أجاب بهدوء: "أنا افتكرتك لما كنتي صغيرة."

ربتت على شعرها خفة، تقوم بترتيبه بتلقائية، عندما رأت عينيه مثبتتين عليه، ثم تمتمت بتعجب وهي تشير على نفسها: "افتكرتني أنا؟ ابتسم بدر على فعلتها العفوية، قبل أن يهز رأسه قائلاً بجدية: "أيوه افتكرت موقف وحش أوي حصل بينا." اتسعت حياة عينيها بذهول، ورغم إرادتها مال جسدها نحوه باندفاع، متسائلة باهتمام: "إيه هو؟ ابتلع بدر لعابه قبل أن يخبرها بما تذكره بنبرة حزينة:

"كنت طالع من البيت مضايق أوي عشان أبويا صمم أدخل كلية الحقوق وأنا ماكنتش عايزها.. فضغط عليا كعادته معايا ورضيت بالأمر الواقع." رفع مقل عينيه إليها محدقاً فيها بنظرة لم تستطع تفسيرها، لكنه كان يستعيد في ذاكرته الضعيفة صورة مشوشة لها إلى حد ما، قبل أن يردف سارداً:

"خرجت من شقتنا لاقيت بنوتة جسمها صغير أوي كأن عندها أربع سنين مش تمانية.. كل وقتها كانت بتلعب على السلم عشان بتخاف تنزل تلعب مع عيال الجيران قدام البيت. وأنا ساعتها كنت متعصب وشايط.. حظها الوحش خلاها في طريقي يومها. طلعت غضبي المكتوم كله فيها." تشكلت ابتسامة جذابة على شفتيه، واستأنف حديثه بصوت هامس بعد أن أمال رأسه بالقرب منها كأنه يخبرها سراً:

"بيني وبينك أنا كنت بغير منها ساعات.. أصلها واخدة اهتمام أمي مني.. تخيلي إنها كانت قبل حتى ما أعشيني تسأل الأول حياة أكلت ولا لأ. أقولها أنا مالي ومالها.. تقولي اسكت يا واد، إحنا عندنا كام حياة لازم نهتم بيها." ابتسمت حياة بخفة، لكن تلك الابتسامة تلاشت فور أن أكمل كلامه: "قولتلها كلام جرحها ووجعها.. أثر فيها أوي خليتها تفقد ثقتها في نفسها وندمان إنه خرج من بوقي أصلاً وياريتني ما قولته.. بس وقتها عصبيتي عمتني."

ساد الصمت بينهما ليكون سيد المكان، كل منهما سابحاً في أفكاره، لكن بدر قال بصوت خافت أمام وجهها فجأة: "أقولك سر.." كانت حياة تنظر إلى أصابعها بتفكير كأنها تبحث عن تلك الذكرى داخل طيات عقلها، ولكن حالما سمعت صوته الدافئ رفعت رأسها إليه باهتمام، وهمست بعيون واسعة ببراءة: "قول." قال بدر بابتسامة حنونة تحمل في طياتها الكثير من المشاعر المجهولة لكليهما:

"أنا كنت معجب جداً بشعرها اللي لونه غريب أوي واللي مستحيل يليق على بنوتة غيرها. وماكنتش عايزها تفضل قاعدة بيه قدام اللي طالع واللي نازل على السلالم." وضع بدر يده خلف رقبته، وفركها بخفة، ثم أضاف إليها نظرة براقة لم تلاحظها: "بس بسبب غبائي برضه لون شعرها اتغير من كتر ما صبغته عشان تداري على جماله.. بس أنا هفضل فاكر لونه الحلو وعمري ما هنساه تاني."

ابتلعت حياة غصة في حلقها، وانهمرت الدموع في عينيها من تلك الذكرى التي عادت إليها منذ الصغر، لكنها متفاجئة جدًا من نفسها، لماذا لا تشعر بالحقد والكراهية تجاهه؟ كيف يمكن أن يتأثر قلبها بكلماته الرقيقة لها التي لم تنكر أنها جعلتها سعيدة للغاية عندما تلامست فيها الصدق؟ وقالت بصوت مبحوح دون أن تتطلع إليه: "إنت خوفتني أوي يومها يا بدر."

ظهرت ابتسامة آسرة على شفتيه عندما تلفظت اسمه لأول مرة، بهذا الصوت الناعم الخالي من أي سخرية، ثم همس بهدوء: "حقك عليا يا حياة، أنا ندمان على اللي عملته وعايزك ماتزعليش مني." رفعت جفنيها إليه، محدقة في عينيه المشعتين ببريق يعكس صورتها فيه بشكل جعل خفقاتها تتسارع في صدرها وكأنها دخلت في سباق سريع، خاصة أنه كان يرمقها بعيونه العميقة وحواجبه المسترخية. ووجدت نفسها تهتف باندفاع أخفى توتر جسدها، وهي تبعد

أحد خصلاتها خلف أذنها: "إيه؟ ماتبصليش كده! ماهو أكيد أنا مش هسامحك بسرعة أوي كده.. اديني فرصة أعمل نفسي مقموصة يعني." سرعان ما تحولت نبرة صوتها المشاكسة إلى ضائقة عندما تذكرت ذلك الحلم الذي حلمت به منذ قليل، واستأنفت حديثها وهي تنظر إلى يدها المعلقة فيها المحلول: "آخر مرة دخلت فيها مستشفى يوم وفاة بابا، من ساعتها بقيت بكرهها أوي وبكره ريحتها. عايزة أخرج من هنا بسرعة."

أطبق بدر جفنيه قليلاً، حيث أرهقته نغمة صوتها الخافتة الحزينة ورق قلبه لها، ثم سرعان ما فتحهما متسائلاً بتردد: "حياة.. ممكن نبدأ من أول وجديد؟ نظرت في عينيه الداكنتين لبضع ثوانٍ، لكنها اتخذت قرارها في النهاية، ثم أومأت إليه بالإيجاب لأول مرة دون أن يكون هناك أي شعور بالتردد بداخلها. *** جاء الليل يسحب ستاره بعد غروب الشمس.

كانت حياة نائمة وسط سرير بدر بالعرض، بطريقة فوضوية تمامًا، وساقها تتدلى من السرير وتعانق الوسادة بوداعة تتعارض مع أسلوب نومها الغريب من وجهة نظر بدر، الذي لا يفعل شيئًا سوى مشاهدتها.

رغم أنه يحب مظهرها البريء وهي نائمة، لكنه يفضلها وهي مستيقظة وتتشاجر معه بدلاً من أن تتشاجر مع ذاتها أثناء نومها هكذا، منذ عودتها من المستشفى وهي على هذه الحالة وكأنها لم تتذوق طعم النوم منذ عدة أشهر. ولا ينكر أن حالتها تحسنت كثيرًا عن الصباح، وهذا ما جعله يشعر براحة بسيطة.

اكتشف أن رؤيتها متعبة أمامه دون أن يكون قادرًا على تقديم أي شيء للمساعدة، يجعله ضعيفًا جدًا أمام نفسه، لأن ذلك الوجه الملائكي لا يستحق الإرهاق والحيرة التي سيطرت عليها منذ دخوله حياتها دون موعد، فانقلبت رأسًا على عقب. لكن رغبته في البقاء بجانبها تزداد مع مرور الوقت. فماذا يمكنه أن يفعل؟ تململ بدر بضجر قبل أن ينحني بخفة أمامها على السرير، ثم صرخ متذمرًا: "حياة.. يا حياة اصحي بقى إيه النوم دا كله؟!

فجأة رفعت حياة رأسها بعيون نصف مغمضتين بينما ارتدت مرعوبة على صوت صراخه الذي اخترق أذنيها أثناء سباتها العميق وقالت بفزع: "يمه العمارة بتتهد.. فين تليفوني.. إيه في إيه؟! عبست ملامحه الجذابة في استنكار حيث سألها ببراءة متناقضة مع صوته القاسي: "إنتي ليه بتتخضي مني كده كل ما بصحيكي؟ ولو البيت اتهد تنفدي بجلدك ولا تدوري على التليفون؟

فركت حياة فروة رأسها، وهي تتثاءب بصوت مسموع، ودلكت قلبها بيديها في محاولة لتهدئة دقاته السريعة بعد أن أمسكت هاتفها العزيز وقبلته بإطمئنان، ثم ردت عليه بابتسامة ساخرة: "صحيح تفتكر ليه بتخض؟ طالعلي عفريت بيفوت من جوه الحيطة ودايماً قاعد فوق راسي وأنا نايمة.. المفروض أخده بالبوس والأحضان وأعمله عشاء كمان مش كده؟ همهم بدر يلمس أنفه بحرج، وقال ببرود استفزازي: "من باب الذوق المفروض تعملي كده."

ألقت حياة الوسادة التي كانت تحت رأسها لتوها تجاهه، وتمتمت بسخط بينما مرت الوسادة من خلاله: "عبو رخامة." تصدى صوت ضحكته الرجولي عالياً قبل أن يقول بدهشة، ويشير إليها بإصبعه السبابة: "سبحان الله اللي يشوفك دلوقتي ما يشوفكيش الصبح قد إيه كنتي رقيقة وهادية بتتحولي بالليل ولا إيه!!!

أنهى بدر جملته وهو يغمز لها، مما جعل نبض قلبها يرتفع في صدرها مفتونًا. لكنها تجاهلت سؤاله الساخر ثم التفتت لتنظر إلى الساعة المعلقة على الحائط، وهتفت منزعجة بعد أن ترك النوم عينيها: "عايز إيه يا بدر! حرام عليك الساعة 8 بليل، كنت سبتني أنام للفجر." مط بدر شفتيه إلى الخارج، وسألها بصوت مذهول: "وأنا هقعد لوحدي للفجر؟

تشدق صدغها بسخرية وهي تجلس متربعة أمامه مباشرة على السرير واضعة قبضتيها تحت ذقنها، وهناك نظرة زائفة من الدهشة على وجهها، ثم سألته بمكر: "ليه بتتكلم زي ما تكون عيل صغير وبتخاف من القعدة لوحدك؟ ده إحنا دفنينه سوا." صر بدر أسنانه بغضب من أسلوبها الاستفزازي معه، ثم تمتم بسباب: "يلعن أبو ملافظك.. بتفولي عليا! مدت لسانها تجاهه، وهي تضحك ثم نهضت من السرير، ولم ترد عليه بل تجاوزته، واتجهت نحو الحمام لتستحم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...