الفصل 28 | من 33 فصل

رواية شبح حياتي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
20
كلمة
4,913
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

رد بدر بسرعة على الهاتف، وسأل بأنفاس متلاحقة وهو يبحث عنها بعينيه: "انتي فين يا حياة كل دا؟ ردت عليه بنبرة متسلة: "وحشك صوتي؟ اتسعت بؤبؤ عينه في دهشة، وشحب وجهه للغاية ليتمتم تلقائيًا: "كريم!! ارتفع جانب فمه بابتسامة مختلة، مجيبًا عليه بتحدي: "هو بعينيه.. بهنيك قدرت تكسب مني جولة بس نسيت يا متر إن الحرب لسه قايمة بينا وفي الحرب كل حاجة مباحة."

شعر بدر كما لو أن صاعقة قوية ضربت أعماق قلبه، مما دفعه إلى ضخ الدم بعنف في جميع أنحاء جسده ليسأله بغضب ناري: "تليفون حياة معاك إزاي! عملت فيها إيه؟ أجاب كريم ببرود، وهو يحدق بعينين داكنتين في النائمة على المقعد الخلفي للسيارة، من خلال المرأة الأمامية: "لسه معملتش.. بعتلك حاجة على الواتس اب بتاعها شوفها وارْجعلي." اعتصر قبضته بعنف عندما شاهد مقطع فيديو لها وهي مخدرة بالكامل في السيارة ليصرخ بحدة: "يا حيوان!

وديني لو مست منها شعرة.." قلب كريم عينيه متأففًا بنفاذ صبر، قاطعًا حديثه بسخرية لاذعة: "بلاش كلامك الخايب دا يا متر، متقدرش تعمل حاجة.. تهديدك لواحد محكوم عليه بالإعدام مش هيأثر فيه." صاح بدر بصوت أعلى، واحمر وجهه من الغضب، وتعهد بإصرار على تنفيذه: "طول عمرك جبان يا كريم.. صدقني هحرقك حي لو أذيتها، هخليك تتمنى الموت وما أطلّقوش إلا بمزاجي لو فكرت تأذيها." قهقه كريم ضاحكًا بلا خوف، وتمتم بفظاظة:

"يا لدرجة دي بتحبها.. وأنا مش عايز حاجة غير إني أنتقم منك وأحرق قلبك عليها يا بدر.. لو أول مرة ما أثرتش فيك ووقفت تاني على رجلك.. المرة دي هموتها لك وأخليك تعيش حياتك كلها متعذب بذنبها." شعر بنصل سكين حاد يخترق قلبه، منغرزًا بأعماقه يمزقه، ليصيح بصوت مختنق ممزوج بالقهر: "كريم هي مالهاش دعوة باللي بيني وبينك.. انتقم مني زي ما أنت عايز.. بس سيبها وماتستعجلش موتك اللي هيكون على إيدي، مش هستنى ينفذوا فيك حكم الإعدام."

قال بدر جملته الأخيرة بنبرة شرسة، ليتشدق صدغ الآخر بسخرية، ليخبره بنبرة جافة قاسية لا تخلو من الخبث، مما جعل الغضب يندلع كالنار في عروق الآخر مستعمرًا الخوف قلبه: "في كل الأحوال أنا ميت، بس مش هروح للموت لوحدي.. حبيبة قلبك هاخدها معايا تونسني في قبري.. بس طبعًا مش قبل ما نتسلى شوية أنا وهي في الدنيا."

أنهى كلماته بضحكة لئيمة يشوبها الحقد، ثم أغلق بوجهه دون انتظار إجابته، وألقى بهاتف حياة من النافذة المجاورة، واحتلت شفتيه ابتسامة كبيرة مختلة يملأها النصر، فيما انهار بدر جالسًا على المقعد المجاور له داخل القاعة، يشعر بضغط شديد في قلبه يمنعه من التنفس. بعد مرور دقائق قليلة: الشرطة بتفرغ الكاميرات ويعرفوا إيه اللي حصل بالظبط. التقط بدر أنفاسه السريعة بثوران، وبيد واحدة قام بفك ربطة عنقه، ثم استدار وألقى نظرة

حارقة على أخيه وهتف بوعيد: "مفيش غيرها.. أنا مش هسيبها إلا لما تقر بمكانه.. هروحلها حالًا." أدرك جاسر على الفور مقصده، وسار نحوه واقفًا أمامه واضعًا يديه على أكتاف الآخر قائلاً بجدية: "اهدأ يا بدر.. دا مش معاد زيارات ولازم تصريح.. هو أنا اللي هقولك؟ أصبحت ملامح بدر المحتقنة أكثر وحشية، وغلي الدم في عروقه النافرة من رقبته، متخيلًا كل السيناريوهات السيئة لوجود حياة مع هذا الشخص المختل وحدهما، ليهدر غاضبًا وهو

ينفض بشدة يدي الآخر عنه: "اهدأ! عايزني أهدأ إزاي.. دا واحد مجنون ماعندوش حاجة يبكي عليها واحنا دلوقتي تحت رحمته وهي في إيده." تراجع جاسر بضع خطوات إلى الوراء بسبب دفع الآخر له، ليهتف بإمتعاض: "كان لازم تسمعه وتتفاوض معاه مش تستفزه وتتخانق معاه." زجره بدر بنظرة غاضبة وصرخ بزمجرة شرسة: "دا مش عايز يتفاوض.. دا اتسعر خلاص عايز ينتقم وبس."

أخذ جاسر نفسًا عميقًا، محاولًا التفكير في توري وهو يخلل أصابعه في شعره، ويشدها بإزدراء، قال بصوت أجش مشوب بالجدية: "كده مش هنعرف نتصرف.. لازم تسيطر على نفسك عشان نعرف نرجعها." أدار بدر رأسه وزفر بحنق شديد، تجمدت نظرته على المكان الذي كانت ترقص فيه معه منذ فترة وجيزة، ليضغط على فكيه بقوة وخرج من المكان قبل أن تزهق أنفاسه، وهو ينظر إلى الأمام بأعين مظلمة.

حركت رأسها بثقل، وهى تهذي ببعض كلمات غير مترابطة، ثم فتحت عينيها ببطء، ورفرفت برموشها عدة مرات متتالية. نهضت واستقامت في جلستها بفزع حينما استرجع عقلها آخر أحداث مرت عليها، وهى تنظر حولها في رهبة وحيرة من هذا الظلام الذي يخترقه عدة شموع متناثرة في المكان. "معلش لو الخدمة مش قد المقام.. مع الأسف مافيش كهرباء هنا." شعرت بالرعب عندما سمعت نبرة صوته الساخرة. أنزلت حياة قدميها على الأرض، متسائلة، بحذر، مشوب بالخوف:

"إحنا فين وجايبني هنا ليه؟ لوى كريم شفتيه بابتسامة ماكرة، وأجاب بهدوء شديد: "دا مكان بعيد أوي صعب يوصله البطل بتاعك.. بس ماتخافيش مني على الأقل دلوقتي." صمتت حياة ولم ترد على ما قاله، حيث كان قلبها يطرق مثل الطبول من شدة الخوف من ابتسامته المختلة، بينما عقلها يدور بأفكار مشوشة لتجد طريقة للهروب منه.

سقطت نظرتها على الشرفة المفتوحة، حيث تسلل بعض ضوء القمر منها، لتهب على الفور دون تفكير، مستغلة انشغاله بعد أن استدار إلى الزاوية المجاورة، ليشعل شمعة أخرى، فركضت هي نحوه سريعا بتعثر، تزامنًا مع انتباه كريم لها ليركض خلفها، تاركًا ما يفعله.

سرعان ما قام بتطويق خصرها ليرفعها قليلاً عن الأرض، بينما تركل بقدميها في الهواء، وهو يعيدها إلى الأريكة وألقى بها بعنف عليها، ليصعد بجسده فوق جسدها، مقيدًا يديها مما منعها من المقاومة. حاولت النهوض بجذعها، لكنه ثبتها بقدميه، فقالت بصراخ وهي تتحرك بشكل عشوائي: "بتعمل كدا ليه؟ سيبني حرام عليك." نظر إليها بغضب ليضغط على فكها بقوة حتى تصمت، وبيده الأخرى رفع سبابته أمام عينيها بتحذير، هامسًا بهسيس الثعابين في تهديد:

"جربي تعملي عملتك دي تاني في لحظة هكون قتلك.. سامعة." أنهى كريم حديثه بنظرة مخيفة، لتهز رأسها على الفور بالموافقة وهي تحدق فيه بخوف وذعر. سرت قشعريرة مرتجفة في جسدها، لأنها شعرت به يرفع راحة يدها، وأطراف أصابعه تمتد لإخراج خاتمها من إصبعها عنوة. حاولت حياة المقاومة وشدت قبضتها عليه بقوة، وهزت رأسها برفض تام تصر على عدم خلعه، فأرسلت له نظرات مترجية لم تؤثر عليه إطلاقاً. زمجر كريم بحنق ونفاذ صبر من مقاومتها له،

ليهمس بتحذير مخيف: "افتحي إيدك أحسن ما أكسرلك صوابعك." صرخت حياة في وجهه بعناد، وهي تدفعه بقوة ضعيفة في محاولة لإبعاده عنها، لكنه مثل جدار لا يتزحزح: "لا.. ابعد عني." تفاقم غضبه إلى حد السماء، فضغط على عظام أصابعها بخشونة، مما جعلها تطلق صرخة بتوجع، وتقلصت ملامحها من الألم، وعبراتها تتسابق على خديها، وهي تنظر إليه بضعف ممزوج بالقهر، بعد أن نجح في إزالة الخاتم من إصبعها، وألقى به بإهمال على الأرض.

تفاجأت حياة عندما أخرج منديلًا من جيبه، ووضعه على أنفها لتتوسع عينيها في هلع. ما هي إلا لحظة واحدة فقط حتى سقطت يدها إلى جانبها بعد أن حاولت المقاومة دون جدوى، حيث وقعت في بئر عميق ومظلم دون إرادتها. في صباح اليوم التالي: ذهب بدر إلى أميرة في السجن. اندفع نحوها بسرعة الفهد بمجرد دخولها الغرفة، ممسكًا برقبتها من الأمام، وخنقها بشدة وهو ينظر إليها بعينين تطلق شررًا.

كان مثل المجنون فاقدًا عقله بعد أن أعماه غضبه كليًا، بينما روحه تتلوى وسط جمر الغضب وتحترق من الغيرة والألم، لا يعي سوى شيئًا واحدًا فقط، ليهدر فيها بقسوة: "ألاعيبك الحقيرة انتي والـ*ـ*ـ*ـ التاني كوم و اللي عملوه انهاردة كوم تاني بحساب تاني يا أميرة.. انطقي الاقيه فين؟ حاولت أميرة الكلام، لكنها لم تستطع حيث أنها تزهق أنفاسها حرفيًا بسبب اختناقها من قبضة بدر على عنقها.

سارعت أسماء إليهم، التى تجمدت للحظة بصدمة، وضربت ذراع بدر بقوة، تحاول إفلات ابنتها من براثنه الوحشية، لكنها فشلت لذا صرخت به في هلع: "بنتي ماتعرفش حاجة عن كريم.. ابعد عنها مش كفاية عمرها اللي ضاع على إيدك." زمجر بدر فيها بشراسة، وعيون دامية، غير مبالٍ على الإطلاق بمحاولاتها لإبعاده عنها: "إنتوا إيه البجاحة بتاعتكم دي؟ وصلتوني للموت وبعين قوية بتكلمي!!

دلف جاسر على الفور عندما سمع صوت أخيه يزأر من الخارج، ليركض نحوهم، ساحبًا إياه بصعوبة بالغة للخلف، حتى يطلق سراح أميرة من يديه، قائلاً بإستماتة، محاولًا جعله يستعيد سيطرته على نفسه ويتوقف ما كان يفعله: "اهدأ يا بدر انت ناسي واقف فين؟ سيبها ماتوديش نفسك في داهية." انكمشت أميرة بين ذراعي والدتها، ووجهها شاحب للغاية، وهمست بصوت مبحوح مملوء بالذعر من جنون بدر الضاري عليهم: "والله ما أعرف مكانه ولا أي حاجة عنه."

تحركت يدى أسماء وربت على ظهر ابنتها في محاولة لتهدئتها، قائلةً بحدة: "إنت مالك زي الطور الهايج علينا كدا ليه؟ إحنا اللي محبوسين وجاي تسألنا عليه ما البوليس بيدور عليه!! حاول بدر أن يخطو خطوة نحوهما، ونظراته لا تنذر بالخير، لكن جاسر وقف بينهما، موضحًا شرحًا موجزًا: "كريم خطف حياة خطيبة بدر وهددنا بقتلها بعد ما بقاش بيلزمو حاجة."

جن جنونه مرة أخرى عند تلك النقطة، والدم تغلي في عروقه بغضب لا ينطفئ منذ الليلة الماضية، وثمة سعير يكوي أعماقه، بمجرد أن تخيل أن شيئًا سيئًا حدث لها على يد ذلك الوغد، ليزمجر بهم في غضب جحيمي: "خافوا ربنا لو مرة في عمركم يمكن يخلصكم من القرف اللي رميتوا نفسكم فيه.. مش دا اللي كان سبب في ضياع عمركم.. في الآخر سابكم تحاسبوا على المشاريب." التفت إلى أسماء، مكملاً كلامه باشمئزاز:

"وانتي مبسوطة وضميرك مريحك بعد ما ضيعتي بنتك بسبب ديونك.. ذنبها إيه حياة تتقتل عشان كانت واقفة جنبي وانتوا بتتأمروا عليا.. ذنبها إيه؟ تأججت عيناه بنيران مشتعلة، وهدر فيهم في نهاية جملته، وكاد يندفع إليهما مجددًا حتى يفرغ غضبه بهم. تحرك جاسر بسرعة نحوه، وطوق ذراعه، محاولًا إبعاده، صارخًا في وجهه لاستعادة وعيه: "خلاص يا بدر اتحكم في انفعالك يا أخي.. خلينا نمشي واضح إننا بنضيع وقتنا على الفاضي معاهم."

أنهى جاسر حديثه، وجذب بدر إلى الباب للمغادرة، لكنهم توقفوا عن التقدم حينما سمعوا صوتها، بينما تتحدث بنوع من التردد: ".... تململت حياة من الملل لأنها استيقظت منذ ساعات، لا تعرف كم عددهم، ولم تبرح تلك الأريكة اللعينة، وأسوأ شيء أنها مربوطة بحبال كثيرة تمنعها من التحرك تمامًا بسبب محاولتها الفاشلة للهروب، وفوق كل هذا، لا تزال الكهرباء مقطوعة كما قال لها ذلك الأحمق بالأمس.

لا تعلم حتى ما إذا كان الوقت نهار أم ليل بعد أن أغلق جميع الشرفات والنوافذ. المكان مضاء حولها بعدة شموع متناثرة في معظم الاتجاهات فقط. بقيت بلا حراك، على عكس عقلها، الذي كان يدور مثل المكوك، لإيجاد طريقة للهروب من براثن هذا المختل الذي لا ينفك عن شرب الخمر. جاء صوت كريم من على الكرسي الجانبي، يسأل بلا مبالاة: "أكلتي لسانك ولا مابقاش عندك كلام تقوليه؟ برزت حياة فمها للأمام بعبوس، لتقول بنبرة ساخرة: "هيفيد إيه الكلام؟

انت أصلًا معندكش نظر مربطني بمية حبل من خوفك مني لا أطير وماتعرفش تمسكني." أنهت كلماتها بقهر، بينما الآخر لوى شدقه، وقال بابتسامة متهكمة، وهو ينظر إليها من زاوية عينه: "ما عملتيها امبارح.. بس على فين هتطيري؟ المنطقة حوالينا مقطوعة يا قطة." بررت بوجهها العابس وشعرها الفوضوي وهي تدحرج عينيها حولها: "كنت مفزوعة وخايفة وانت خلاص سديت كل المنافذ عليا يعني مالهاش لازمة التكتيفة دي.. بس انت شكلك لسه خايف مني!!

قالت حياة الجملة الأخيرة وهي تنظر إليه بمكر، فقال بحاجب مرفوع، وقد شعر بالضجر من ثرثرتها: "وطي صوتك وكفاية رغي مالوش داعي." نفخت الهواء من فمها لتبعد خصلة متمردة عن عينيها، وهتفت بعناد طفولي وكبرياء أثناء تحريك أصابع قدميها: "لا مش هوطي صوتي.. أوعى تكون فاكر إني هعيط وأترجاك تسيبني.. أو إني مش خايفة منك.. لا أنا خايفة منك بس متأكدة إن ربنا معايا أيا كان مصيري إيه."

حدق كريم بها بتفحص مشوب بالإعجاب، جعلها تبتلع بتوتر لعابها، بينما هو يتجرع القليل من كأس في يده، ثم صاح بثملة: "يا بختك يا بدر.. محظوظ في الستات اللي دخلوا حياته." أضاف، وهو يقوم من كرسيه، ليتحرك بشكل عشوائي قبل أن ينظر إليها ببعض التشوش في رأسه: "دايمًا كان أحسن مني.. عارفة كلية الطب دخلتها بفلوس أبوه كان بيدفعلي المصاريف وكل حاجة ناقصاني." أنهى كريم حديثه بابتسامة ساخرة من نفسه، لترفع حاجبيها قائلة بازدراء:

"مش مكسوف من نفسك وانت بتقول الكلام دا!! هز رأسه في نفي، واستأنف حديثه بينما يبتلع بقية المشروب مرة واحدة: "لا.. حتى البني آدمة الوحيدة اللي حبتها فضلتُه هو عليا." رفعت حياة أحد حاجبيها في عدم الرضا، وهي تهز رأسها بقوة وقالت بتوبيخ: "لو كنت صارحته من الأول ماكنش اتجوزها عشان صداقتكم عنده كانت أهم." صرخ كريم في وجهها بغير وعي مما جعلها ترتد، وتغمض عينيها عند سماع صوته المزعج:

"ما عملتش كده عشان أنا جبان.. ما قدرتش أواجهه وأهين كرامتي قدامه وأحسسه إنه أحسن مني." "المشاعر المكبوتة لا تموت، فهي تُدفن حية وتعود فيما بعد بطرق قبيحة." فتحت جفنيها مرة أخرى، وردت بحدة ونفور: "لا دا مش موضوع جبن.. انت متأكد إن أميرة ما حبتكش عشان كده فضلت ساكت وبتدبر ألاعيبك الخبيثة عشان تنتقم منهم."

ابتسامة عريضة تشكلت على فمه، وحرك وجهه في إيماءة بسيطة، وهو يسير باتجاهها جاثيًا أمامها وهو يمر بنظراته الوقحة على وجهها وجسدها، مما جعلها ترتعد بتوجس، ليقول بنبرة خافتة وعيناه تلمعان بنظرة مخيفة في ضوء الشموع: "برافو.. انتي ذكية وقوية وكمان جميلة ومخلصة.. الفرق بينك وبينها إن هي تمثال رائع الجمال.. بس يا خسارة روحها من إزاز.. لكن انتي من أول لحظة شوفتك كنتي بتشعّي حرارة وحياة على عكسها باردة وجبانة."

داخل زنزانة السجن: تحركت أميرة بسرعة، لتجلس على السرير المقابل لسرير والدتها، قائلة بغرابة: "مش مصدقة إنك بسهولة كده قولتلهم على مكان كريم." أضافت متسائلة بإلحاح: "إزاي عرفتيه وإمتى؟ نظرت أسماء إليها من زاوية عينها وهي مستلقية على السرير، ثم أجابت عليها بفتور: "واحدة من صحباتي اللي كانوا بيلعبوا معايا.. فيلتها قريبة من فيلتنا لمحته هناك وجت تبلغني." اتسعت عيناها بدهشة وسألت بريبة: "وليه ساكتة من ساعتها؟

ردت عليها بمرارة ساخرة بعد أن استنشقت نفسًا عميقًا زفرته ببطء: "عشان كان عندي أمل إنه هيتصرف ويشوفلنا طريقة نخرج بيها من هنا.. بس خلاص مابقاش ينفع هو فعلاً اتسعّر زي ما قال بدر ولازم نخلص من شره." حدقت أميرة بها في ذهول حينما سمعت تلك الكلمات منها، ووضعت قبضتها تحت ذقنها، مستفسرة بتهكم: "وإيه اللي خلى ضميرك يصحى كده فجأة؟ ضمت أسماء شفتيها بضيق لتمنع تلك الغصة المتصاعدة من أعماق جوفها، ونبست بندم:

"أيام السجن طويلة يا أميرة خليتني غصب عني أفوق من السكينة اللي كانت سرقاني ولما أخيرًا فوقت لقيت إني أجرمت في حقك وحق نفسي وضيعتنا." خارج مديرية الأمن: ركض جاسر خلفه بقلق وهو يصيح بصوت عال: "بدر.. يا بدر استنى رايح على فين؟ فتح الباب الأمامي للسيارة، وانحنى إلى الداخل وهو ينظر في أحد الأدراج، بينما يجيب عليه بإيجاز: "على بيت المنصورية." صرخ جاسر بعصبية فوق رأسه:

"انت مجنون عايز تروح لوحدك.. افرض إنها بتكذب عليك وهو مش هنا." هز بدر كتفيه وأجاب بلا مبالاة، وهو ينتصب بظهره خارج السيارة: "لازم أروح وأتأكد بنفسي." اتسعت عيون جاسر بصدمة قائلاً بشك مشيرًا إلى ذلك السلاح في يد بدر: "البتاع ده بيعمل إيه معاك؟ وضع بدر السلاح في بنطاله من الخلف، صارخًا في غضب عاصف: "ورحمة أمي هاخد بيه روحه لو عمل فيها حاجة؟ هتف جاسر بحدة، محتجًا على هذا الكلام: "بدر.. إيه اللي بتقوله ده؟ انت أجننت!!

هات الزفت ده." أنهى كلامه، متزامنًا مع اندفاعه إليه، محاولًا أخذ السلاح، لكن بدر تصدى له ودفعه من صدره بقوة. تراجع جاسر بسببها عدة خطوات، ليهتف بدر بشراسة: "ابعد عني مش هسيبه غير وأنا مرتكب فيه جريمة." ألقى جاسر نظرة خاطفة على أحد جنود الشرطة على مسافة ليست بعيدة منهم، ودمدم من بين شفتيه: "بالله عليك اهدأ شوية إحنا قدام المديرية خلينا نفكر بالعقل."

مد كفه إليه، مضيفًا بترجى محاولًا إقناعه بأهدأ نبرة يمتلكها، لكن يبدو أن أخيه يرفض الاستماع من نظراته الجامدة: "هات المسدس اللي معاك الشرطة متعاونة معانا وهنرجعها." حدق بدر فيه بعيون دامية، ثم صرخ بعصبية وهو يجر على أسنانه: "لو مخلصتش عليه بنفسي عمري ما هرتاح.. فاهم." زفر جاسر بإرهاق وتلف أعصاب وهو يقف أمامه: "استنى يا أخي الشرطة هتتحرك حالًا وإن شاء الله هنوصلها قبل ما يحصل حاجة."

هز بدر رأسه احتجاجًا، ليقول بإصرار قاطع وهو يبتلع غصة من الألم الضاري في قلبه: "أنا اللي هرجعها مش هستنى حد.. ولا هسيبه عايش بعد كل اللي عمله ده هندمه على اليوم اللي فكر فيه يقرب منها." أردف في جمود ممزوج ببعض الهدوء النسبي، ليطمئن أخيه بينما يتجه إلى الجانب الآخر ويصعد إلى سيارته: "جاسر لو مراتك كانت في نفس الظروف دي ماكنش هيكون ده موقفك.. ماتقلقش عليا المسدس مرخص وهنبقى على اتصال." ارتفع صدر جاسر متنهدًا، وقال بقلة

حيلة يشوبها القلق شديد: "ماشي.. ربنا يسترها.. خد بالك على نفسك." في منزل المنصورية: صاحت حياة بصوت عالٍ، مليئ بالتذمر، لجذب انتباهه وهو جالس على الأرض يشرب الكحول بشراهة: "أنا عايزة أروح الحمام ولا دا كمان ممنوع.. أكيد مش هفضل كتماها كده وأنا معرفش هتنيل هنا قد إيه؟ وضع كريم يده على أذنه منزعجًا قائلاً بلسان ثقيل: "خلاص كفاية زن.. عايزة أنفذ لك طلبك أنت كمان لازم تنفذي طلبي."

ارتجفت من الخوف حينما لاحظت بريقًا خبيثًا يمر في حدقتيه، لتلعن نفسها داخليًا على اللحظة التي فكرت فيها أن تفتح فمها، لتسأله بترقب وضيق: "اللي هو إيه؟ مد كريم يده إليها، وابتسم بعبث ظهر جليًا على قسمات وجهه، ليغمغم: "تاخدي تجربي بوق من الكاس ده." أدب الرعب جدران روحها بمجرد سماعها لكلامه، فقررت تنفيذ خطة مجنونة قد تؤدي بها إلى التهلكة أو تجعلها تهرب من يديه إذا حالفها الحظ، ثم ردت بتهور دون تفكير: "ماشي بس يلا أوام."

نهض كريم من الأرض ببطء، وهو يغمز لها، على فمه ابتسامة ملتوية، قائلاً بمكر، مملوء بالرضا: "شكلنا هننبسط ونتفاهم مع بعض.. يلا يا حلوة." قرب الكأس من فمها، فأشاحت برأسها بعيدًا بتعبيرات وجه مشمئزة، وازدردت لعابها بصعوبة، في حين تشكلت ابتسامة أنثوية على شفتيها، ورفرفت رموشها في غمغمة مراوغة: "هشرب إزاي وأنا متكتفة كده.. فكني الأول."

هز رأسه في تفاهم بابتسامة جانبية، ووضع الكأس جانبًا وانحنى لفك الحبال التي قيدها بها، وبعد دقيقتين مد الكأس إليها مرة أخرى وهو يميل إليها بجزعه العلوي، فأمسكته بيدها المرتجفة. تفاجأ كريم بأنها ألقت محتوى الكأس في وجهه على الفور، دون أن تمنحه فرصة لأي رد فعل، كونها باغتته بركلة قوية بين ساقيه، ليتراجع للخلف وهو يطلق صرخة مدوية بألم. سقط كريم على الأرض وبدأ يتلوى بعنف، وهو ينعتها بأفظع الشتائم.

هرعت حياة بعد أن قفزت من الأريكة إلى باب المنزل محاولة فتحه، لكنه كان مقفلاً كما توقعت. لم تفكر كثيرًا، بل ركضت إلى الممر الجانبي لتجد المطبخ أمامها، دخلت بسرعة وتهللت أساريرها حالما وجدت بابًا خلفيًا به. انطلقت إليه لفتحه، لكنها شعرت بالإحباط يسيطر عليها كليًا عندما اكتشفت أنه مغلق أيضًا. ارتجفت أطرافها، واتسعت مقل عينيها، عندما سمعت صوت هذا البغيض من عتبة المطبخ:

"ما كنتش ناوي أذيكي.. بس انتي جبتي آخرك معايا بعملتك دي." أطبقت شفتيها خوفًا من نبرة صوته الواضحة فيها الغضب الناري، وبدت نظراته مثل سهام سامة تخترق جسدها، شعرت بالقليل من الثبات عندما وجدته يترنح من الإفراط في الشرب. أسرعت حياة دون تردد، وألقت عليه كل الأشياء التي تضع عينيها عليها من حولها، لعرقلة محاولاته للإمساك بها. ظل يتفادى الضربات بصعوبة مع بعض الألم، لكنه أصر على التقدم منها وعيناه تحترقان بنار الكراهية.

لم يعطها فرصة لفعل أي شيء آخر، كونه أمسك بشعرها بعنف لدرجة أنه كاد أن ينزعه من الجذور ليسحبها نحو الباب، بينما بدأت تضرب قبضته، محاولة التراجع بضراوة للخلف، وهى تصارع لفك حصار يده القاسية على خصلات شعرها وتصرخ من الألم: "سيبني يا حيوان."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...