الفصل 29 | من 33 فصل

رواية شبح حياتي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نورهان محسن

المشاهدات
18
كلمة
5,383
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

أطبقت شفتيها خوفاً من نبرة صوته الواضحة فيها الغضب الناري، وبدت نظراته مثل سهام سامة تخترق جسدها. شعرت بالقليل من الثبات عندما وجدته يترنح من الإفراط في الشرب. أسرعت حياة دون تردد، وألقت عليه كل الأشياء التي تضع عينيها عليها من حولها، لتعرقل محاولاته للإمساك بها. ظل كريم يتفادى الضربات بصعوبة مع بعض الألم، لكنه أصر على التقدم منها وعيناه تحترقان بنار الكراهية.

لم يعطها فرصة لفعل أي شيء آخر، كونه أمسك بشعرها بعنف لدرجة أنه كاد أن ينزعه من الجذور ليسحبها نحو الباب، بينما بدأت تضرب قبضته، محاولة التراجع بضراوة للخلف، وهي تصارع لفك حصار يده القاسية على خصلات شعرها وتصرخ من الألم: "سيبني يا حيوان! زمجر كريم فيها بحنق، وهو يشعر بالسأم من تمردها، ليدفعها بعنف على الطاولة الرخامية، محاولًا صفع رأسها فيها لمنع حركتها الهوجاء.

لمحت حياة شيئًا ساطعًا ومدت ذراعها نحوه، تسعى الوصول إليه بصعوبة، بينما لوى كريم ذراعها الآخر خلف ظهرها، لتنجح في إمساك السكين من صندوق السكاكين، وطعنته بقوة دون ذرة تردد، لتصيب كتفه بعد أن التفت إليه. أطلق كريم صرخة قوية من الألم الحاد الشديد، وتركها قسراً لتهرب من يده على الفور، بينما وضع يده على كتفه محاولاً إيقاف النزيف.

هرولت حياة بذعر تجاه الردهة مرة أخرى، بينما الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف. تعثرت قدمها في إحدى الطاولات، مما تسبب في سقوط الشموع من فوقها واشتعال السجادة على الفور. جحظت عيناها من الفزع عندما سمعت خطى قدميه قادمة من بداية الردهة، لتنهض بسرعة وركضت حتى تصعد الدرج. وجدت نفسها أمام رواق يحتوي على عدة أبواب لتدخل الغرفة الأولى وأغلقت الباب جيدًا بالمفتاح، ووضعت يدها على فمها لكتم تنهداتها الممزوجة بالبكاء.

دارت بحدقتي عينيها في الغرفة بحثًا عن مخرج من مأزقها، فلم تجد شيئًا سوى نافذة متوسطة الحجم بجانب الفراش، تحركت إليها لفتحها. أخرجت رأسها لتلقي نظرة للأسفل، فشهدت من الخوف والإحباط عندما وجدت المسافة بعيدة. *** في سيارة بدر أتاه اتصال ليضغط على الزر المثبت في السيارة، ورد على الفور: "إيه يا جاسر.. حصل جديد؟ دوى صوت جاسر المتذمر: "لا ماشيين وراك اهو بس بقولك إيه.. لو سمحت هدي السرعة شوية ولا عايز تعمل حادثة تاني؟

شعر بدر بجمرة حارقة في عينيه، وهو يفكر في مواقفهم الجميلة والصعبة خلال الأشهر القليلة الماضية. كيف جعلت أيامه سهلة عليه، بقلبها الحنون وروحها الملائكية المبهجة. تصاعد الدم بعنف في عروقه، وفكرة أن هذا اللقيط ألحق بها الأذى سيطرت عليه ممَ جعل قلبه يغلي مثل الموقد، ليهدر بصوت مرتفع حاد: "مايهمنيش.. حياة معاه يوم بليلة يا جاسر الله أعلم يكون عمل فيها إيه!!

ابتلع جاسر الغصة العالقة في حلقه بصعوبة، ليزيد إحساسه بالضيق والحزن، ملتمسًا لأخيه كل الأعذار، فأجابه بإلحاح، داعياً الله أن ينقذهم: "هنحلقها إن شاء الله بس بلاش تتهور انت." أطلق زفيرًا مثقلًا بالهموم وهو يرد بسرعة: "طيب طيب اقفل دلوقتي في رقم غريب معايا على الانتظار." *** قبل ذلك بدقائق قليلة

خرج كريم من المطبخ مترنحًا في مشيته، وبصره مشوش بسبب الدم الذي فقده وثمة ألم حاد في أعلى كتفه، كما قام بربط قطعة قماش عليه لوقف النزيف. أصيب كريم بصدمة وجحظت عيناه هلعًا من النيران المشتعلة في معظم أنحاء المنزل، ولم يكن هناك أي أثر لحياة، حتى وصل إليه صوت ضجيج قادم من الأعلى ليصعد الدرج فورًا.

شهقت حياة لالتقاط أنفاسها من دخان الحريق المتسرب من فتحة الباب السفلي، بينما كانت تجاهد من أجل أن تسحب طاولة متوسطة الحجم لوضعها خلف الباب كحاجز مؤقت. نهج صدرها علوًا وهبوطًا بتعب، والعرق يتصبب من جانبي وجهها، لترفع راحة يدها، تمسحه بشكل عشوائي، ثم أدارت حول نفسها في أرجاء الغرفة بتشتت. تبحث بلا هدف في الخزانة، وأدراج الطاولة حتى صادفت ما جعل الابتسامة تشق طريقها إلى فمها.

تفقدت هذا الهاتف بعد تشغيله لتتسع عينيها، وهي تستمع إلى بعض التسجيلات الصوتية لكريم وأميرة، لتبدأ في الضغط على الأرقام التي حفظتها جيدًا، حينما لاحظت أن البطارية على وشك نفاد طاقتها منها، ورفعته باتجاه أذنها في انتظار الرد. بمجرد أن وصل صوته إليها، رغماً عنها، لم تستطع السيطرة على دموعها، التي انهمرت بغزارة، ثم أجهشت بالبكاء وهي ترد: "بدر.. بدر الحقني." اخترق الرعب جدران قلبه بمجرد أن سمع صوتها الباكي،

ليسألها بلهفة: "حياة!! انتي كويسة؟ أخذت حياة نفسًا عميقًا للسيطرة على نوبة بكائها، ثم أجابت عليه بصوتها المنتحب: "لحد دلوقتي اها.. بس النار ماسكة في كل حتة يا بدر.. أنا خايفة أوي." ضيق عينيه بعدم استيعاب كامل ما سمعه منها للتو، ليكرر بنفس النبرة: "اهدي حبيبتي.. وخدي نفسك.. نار إيه دي! دُمعت عيناها أكثر، وصاحت بنبرة مرتجفة: "حريقة ولعت في البيت اللي جابني فيه كريم.. أنا طلعت أوضة فوق وقفلت عليا بس هو مش هيسيبني."

انقطع صوته وحبس أنفاسه لبضع ثوان بسبب تأثير كلماتها على روحه، قبل أن يكمل حديثه بصعوبة مليئة بالعذاب والغضب من إحساسه بالعجز عن مساعدتها: "حياة.. حياة خلي في إيدك حاجة حادة تضربيه بيها وأنا في الطريق ماتخافيش.. أنا عارف هو خدك على فين... سكت بدر عندما سمع طرقًا عنيفًا على الباب وصراخ كريم صاخبًا قادمًا من الخارج، ثم انقطعت المكالمة بعد قطع شحن الهاتف الذي تتحدث منه حياة.

اتسعت عيناه بجنون، ثم أزمجر وهو يقود أسرع، حيث كان على وشك الوصول. شهقت حياة بفزع وهربت الدماء من وجهها، حينما تمكن كريم من كسر الباب بعد عدة محاولات فاشلة، بسبب صعوبة حالته في حالة سكر شديدة وإصابة كتفه.

دخل كريم بأنفاس حارة من شدة غضبه، بينما نظراته تنذر بكل شر وهو يشتمها بكلمات قاسية، تزامنًا مع ملأ الدخان الكثيف الغرفة كلها، لتغطى أنفها وفمها براحة يدها، وهي تسعل باختناق بينما كريم لم يظهر عليه الاهتمام حيال هذا الأمر، هادرًا بسخط: "عجلتي بموتك." تصلب جسدها وخفق قلبها رعبًا، وهي تتبع ببصرها خطواته المترنحة نحوها، بينما عيناه امتلأت بالشر والحقد.

استدارت حياة يمينًا ويسارًا بحثًا عن أداة حادة، حتى سقطت عيناها على منفضة السجائر التي كانت موضوعة على المنضدة بجانب السرير، بينما شعرها يتطاير بعشوائية بسبب النافذة المفتوحة خلفها. تسللت يداها لتلتقطها خلسة، وقلبها ينبض بقوة من شدة الخوف وهي تحدق به عن كثب، وهو يقترب منها ويسعل بعنف.

حاولت التراجع سريعًا للخلف بهلع، لكنه أمسك برسغها وشد أصابعه حوله، مما منعها من الهروب، لتنتهز حالة السكر الذي كان يغرق فيه، وبكامل طاقتها، باغتته فجأة بضربة على رأسه بمنفضة سجائر، تزامنت مع تنحيها جانبًا، فاندفع بجسده أمام النافذة المفتوحة، ليسقط منها بعد أن فقد توازنه.

أطلقت حياة شهقة مذعورة، ووضعت كلتا يديها على فمها، قبل أن تتحرك بسرعة إلى النافذة وتطرق رأسها للأسفل، لتتسع مقل عينيها في رعب، حالما رأت جسده ملقى باعوجاج، وساكنًا بدون أدنى حركة. لم يعد بإمكان قدميها حملها أكثر من ذلك، خاصةً مع نقص الأكسجين حولها، لذا استلقت على الأرض وفمها مفتوح، تحاول التقاط أنفاسها بعجز، وجبينها يتصبب عرقًا بغزارة ووجهها يزداد شحوبًا، فأغمضت عينيها مستسلمة للموت المحتم. *** في ذات الوقت

توقفت سيارة بدر التي ترجل منها بأقصى سرعة، ونظراته مصوبة نحو المنزل، لتعكس لهيب النار في عينيه الجاحظتين بصدمة ورعب. ركض إلى باب المنزل ليجد أنه مشتعل، ومن الصعب الدخول منه، فانتقل إلى الجانب الآخر وحرك عينيه في اتجاهات مختلفة، فربما يجد مدخلاً آخر يمكنه الولوج من خلاله. لفت انتباهه جسد ملقى بسكون مثل جثة هامدة على مسافة بعيدة منه، ولم تتضح ملامحه له لأنه كان مستلقيًا على بطنه.

شحب وجه بدر، ودب في قلبه الرّعب، وطار عقله مقشعرًا جلده، وهو يقفز في مخيلته أنها أصابها مكروهًا، ليندفع مثل المجنون حيث يرقد هذا الجسد. فغر بدر فمه بإنشداه حالما وقف أمامه، ثم انحنى على ركبتيه، محدقًا في كريم بشكل مبهم غارقًا في دمه. رفع رأسه تلقائيًا، لتتسع مقل عينيه في رعب عندما رأى نافذة مفتوحة، لينادي باسمها عدة مرات متتالية بأعلى صوته: "حياة.. يا حياة.. حياة!!

كانت حياة لا تزال في وضعها المأساوي، لكن فجأة اتسعت عيناها بدهشة عندما سمعت صوت صراخ باسمها، لتنهض بجسدها المرتجف من الألم بسبب الكدمات الكثيرة التي تعرضت لها، حاولت تحديد مكان الصوت، لتسير بترنح حتى وقفت أمام النافذة بقدمين من الهلام. رأته واقفا، ينظر إلى اليسار واليمين بضياع، ظلت تنظر إليه لبضع لحظات بعيون واسعة جامدة كما لو كانت داخل حلم. حركت شفتيها بجهد لإخراج صوتها المختنق المليء بالألم باسمه،

والدموع تنهمر في عينيها: "بد... جذب انتباهه طنين خافت، سرعان ما رفع رأسه حالما سمع صوتها يناديه مرة أخرى، ليصيح بلهفة بمجرد أن لاحظ شحوب وجهها كالموتى: "حياة.. أنا هلاقي طريقة أدخل بيها ماتتحركيش من مكانك." تسلل في داخلها شعور غريب بالأمان والطمأنينة، لتبتسم له بوهن، وبدأت الأرض تميد تحت قدميها، كونها لم تأكل منذ الليلة الماضية، ناهيك عن المجهود الشاق الذي بذلته مع كثافة الدخان التي استنشقته.

فقدت الوعي ببطء، بلا حول ولا قوة، وهي تسمع صراخه ونداءاته لها بيأس، لكنها لم تستطع الرد عليه لأول مرة. كاد بدر أن يفقد عقله في تلك اللحظة، لكن حدسه أضاء بشيء، ليتجه مباشرة إلى الجزء الخلفي من المنزل، تزامنًا مع وصول الشرطة وسيارات الإسعاف والإطفاء.

وصل صوت أبواقهم بصوت عالٍ إلى سمعه بوضوح شديد، لدرجة أنه كان على وشك الالتفاف ليذهب إليهم، لكنه غير رأيه حالما رأى الباب الخلفي للمطبخ أمامه ليتخذ قراره بالدخول بتهور، إذ كل لحظة تمر تضع حياة في عداد الأموات. حاول بدر فتح الباب بدفعه بكتفه، لكنه لم يفتح، فتراجع خطوة إلى الوراء وركله بقدمه بقوة لينجح في فتحه، متزامنًا مع دخان كثيف خرج مباشرة في وجهه. استدار لتجنبه بينما يسعل بشدة.

ولج إلى الداخل بحذر، والرؤية شبه معدومة أمامه، وبالكاد استطاع أن يلمح طفاية حريق معلقة على الحائط. ركض في الرواق إلى الردهة، المليء بالأثاث المحترق، ليستخدم المطفأة لإخماد النيران التي تعيقه عن التقدم، بينما يكتم فمه بذراعه، وهو ينظر إلى أسفل بعفوية، ليرمش في تعجب من الشيء البراق أمامه على الأرض.

أخرج الهاتف بسرعة وأضاء شاشته بالتزامن مع اقترابه والرّكوع على ركبة واحدة، اظلمت عيناه من الغضب وهو يلتقط خاتم حياة ويقبض عليه بقوة داخل راحة يده بعد أن فهم ما فعله هذا اللعين، لتزيد نار الكراهية تجاهه سعيرًا في خلجان صدره وتنساب على جدران قلبه، فتشتعل بلهيب أقوى مما التي هو وسطها الآن. وقف على قدميه ونظر يمينًا ويسارًا حتى سقطت عيناه على الدرج، وقفز نحوه وصعد سريعًا إلى الطابق العلوي.

تمكن رجال الإطفاء من الدخول عبر الباب الرئيسي بعد لحظات قليلة، وانتقلوا في كل مكان ومعهم المعدات اللازمة التي تمكنهم من إطفاء الحريق. وصل بدر إلى الأعلى ليقف في بداية الرواق، محاولًا أن يرى من خلال الضباب الكثيف، مشى بخطوات حذرة وهو يحرك عينيه عبر الأبواب ليرى بابًا مفتوحًا على مصراعيه، بينما كان هناك جسد ضئيل يرقد في سكون على الأرض.

اتسعت عيناه بذهول، وتيبست قدميه غير قادر على تحريكها للحظة قبل أن يندفع إليها مسرعًا، راكعًا بجانبها، ممسكًا بها بيديه في رعب بالغ، ووضع رأسها على قدميه، محاولًا إيقاظها. "حياة.. خليكي معايا افتحي عينيكي.. حياة." نادى عليها بصوت مرتعش وعينيه تلتمع بالدموع، حيث الذعر والخوف من فقدانها يلتهمان روحه، ولم يمر دقيقة حتى وجد رجالًا يرتدون ملابس الإطفاء يندفعون إليهم وخلفهم فريق الإسعاف. *** بعد مرور فترة زمنية

يجوب أرضية الرواق بنفاذ صبر ذهابًا وإيابًا أمام الغرفة التي يتم فيها فحص حياة، ومن لحظة إلى أخرى ينظر إلى ساعة يده، ليتوقف فجأة حالما سمع صوت أخيه خلفه: "ما تقعد يا بدر بقي الله يرضي عليك كفاية جو التوتر دا." "فين حياة يا بدر؟ استدار كلاهما إلى مصدر الصوت الأنثوي، حيث سارعت ميساء نحوهما، وتحدث جاسر بهدوء بينما وقف بدر، وهو يزفر في قلق: "اطمني يا مدام ميساء هي بخير.. دلوقتي هيخرج الدكتور ويطمنا."

نظر بدر نحو الطبيب الذي خرج لتوه من الغرفة، وعيناه مليئة بالخوف والقلق لينطلق إليه، ويسأل بصوت يلهث: "عاملة إيه حياة يا دكتور؟ زفر الطبيب بنوع من التعب قائلاً بنبرة عملية: "ماتقلقوش الآنسة حياة بخير لحقتوها في الوقت المناسب والا دخان الحريق كان هيقضي على حياتها.. دلوقتي هي كويسة بس نايمة ومافيهاش غير كدمات بسيطة هتزول بعد فترة بالكريمات والأدوية." تنفس الجميع الصعداء،

ليطلب منه بدر بتلهف واضح: "شكرا يا دكتور.. أقدر أشوفها." أجابه الطبيب وهو يهز كتفيه قائلاً بهدوء: "أكيد هي شوية وتفوق الأحسن تفضل مستريحة عشان إحساسها بوجع الكدمات يكون أقل.. وحمدلله على سلامتها." ابتسمت ميساء لبدر، مشيرةً إليه ليدخل لها أولاً، ثم استدارت وسارت بخطوات سريعة خلف الطبيب قائلة بقلب يرتجف: "دكتور لو سمحت أختي فيها حاجة انت مخبيها علينا.." قطعها الطبيب على الفور بابتسامة،

وأجاب بنبرة مطمئنة: "طبعًا لا يا مدام كل الحكاية خدوش وكدمات وبس.. اطمني هي بخير الله حفظها ليكم." *** بعد مرور ساعة ظل بدر جالسًا أمامها، ممسكًا بيدها في يده، إذ لم تسترد وعيها بعد، وعينيه مصوبة نحوها بجمود، بينما لم يفق بعد من صدمته، ويشعر بالضياع والعجز.

يعيد له عقله مرارًا وتكرارًا أنها كانت على وشك أن تزهق روحها ويفقدها إلى الأبد، كل ذلك بسببه، ولكن إذا التزم الصمت بشأن الإساءة إليه بأي شكل من الأشكال، فلن يقبل أبدًا أن يمسها سوء، لن يتحمل رؤيتها تعاني أو تتألم، حتى لو كان مجرد ألم بسيط. زفر بدر بإرهاق، مستغفرًا الله في سره، ثم تكلم بصوت خافت يحثها على الاستيقاظ بشوق: "يلا يا حياة.. فتحي عينيكي.. انتي ليه بتحبي تعذبيني كدا."

لم يتلقى أي رد منها، فقام من مكانه، وربت برفق على راحة يدها الناعمة، ثم ذهب إلى النافذة، واستنشق بعض الهواء النقي لتصفية ذهنه وإبعاده عن الأفكار المظلمة. "بدر." استدار نحو السرير عندما وصل إليه صوتها الهامس شبه المسموع، واندفع نحوها قائلاً بترقب ونظرات قلقة عند رؤية شحوب وجهها: "حبيبتي ماتكلميش لو حاسة إنك تعبانة؟ نهضت حياة من السرير وجلست مذعورة، حيث كانت الرؤية أمامها غير واضحة، وشعرت بالدوار فجأة، وتلفظت

ببعض الكلمات المتحشرجة: "كان هيموتني يا بدر." أمسك بدر بذراعيها، وساندها بخوف جليًا على ملامحه، وجذبها بين ذراعيه، فبكت على كتفه، وهي ترتجف بعنف. شعرت حياة أن ذراعيه يطوقان ظهرها ويضغطان على جسدها لاحتوائها أكثر على صدره، وهي تبكي بصوت مكتوم، وتسمع خفقات قلبه الثائرة من أجلها، ثم همس بدفء: "اهدي أنا جنبك.. ماتخافيش.. خلاص انتي معايا."

احتضنها بدر لتشعر بالأمان والطمأنينة، وتركها تفرغ كل ما يثقل صدرها حتى تتمكن من إراحة أعصابها المنهارة داخل أحضانه، ليسمع تأوهها بألم، على الفور أبعد رأسه قليلاً ونظر إليها بقلق: "آسف.. وجعتك.. حاسة بإيه؟ ردت حياة بنبرة باكية: "يعني.. شوية وجع بسيط في جسمي.. بس قادرة أستحمل." أعطاها بدر كوبًا من الماء، مبتسمًا لها بلطف، وشربته ببطء وهي تبلل شفتيها الجافتين.

سحبها إلى صدره مجددًا وطوق جسدها بحنان، مما جعلها تشعر بمزيد من الاحتواء والدفء. سألت حياة بصوت منخفض، وهي تتكئ برأسها على صدره: "هو إيه اللي حصل؟ أنا آخر حاجة فاكرها إني شوفتك من الشباك.. ولا كنت بهلوس.. مش عارفة!! مسح بدر على ظهرها ببطء، وهو يذكرها بلهجة حانية: "لا كنت فعلًا واقف جنب كريم قدام البيت بدور على طريقة أدخلك بيها." خرجت حياة بذعر من ذراعيه، حينما تذكرت ما حدث،

لتنظر إليه قائلة بتلعثم: "الحريقة.. أنا خبطت في الشم... رمشت بأهدابها، مدركة كلامه، فقالت بسؤال: "تدخلي بيها ازاي؟ تردد بدر قليلا ثم بدأ في سرد كل ما حدث بالتفاصيل، بينما كانت حياة تستمع إلى حديثه بحاجبين معقودين في حالة من عدم الرضا، وشعرت بثقل رهيب في قلبها الخائف، لتقول بتوبيخ: "كان ممكن يحصلك حاجة يا بدر ليه تعمل كدا؟

أنهت حياة حديثها، وقبضت يديها على قميصه لتتسع مقل عينيها، بمجرد أن وقع نظرها على إصبعها الفارغ، لتتنفس بسرعة في حزن. نظرت إلى ملابسه، فهي نفس الملابس التي كان يرتديها في زفاف أخيه، باستثناء السترة وقميصه الأبيض ملطخ بالأسود، وبدت ملامح وجهه متعبة بلا نوم وحالته يرثى لها وفوضوية، بينما كانت ترتدي ثوب المستشفى الأبيض مع محلول معلق في يدها.

أما بدر، ينظر إليها بألم في قلبه من الدموع التي غمرت خديها، مما جعله يغمس وجهه في رقبتها ويتنفس رائحتها التي اشتاقها كثيرًا. بدونها، كان مثل الطفل الذي فقد والدته، ليهمس بنبرة أجش: "ماقدرتش أصبر يا حياة لما وصلتلك كنتي بتتنفسي بالعافية واغمي عليكي.. الحمدلله المطافئ وصلوا بسرعة.. بعد ما الخط اتقطع وانتي بتكلميني اتصلت على طول بجاسر وبلغته يتصرف."

ارتجف جسدها بخدر فور أن أحست أنفاسه الدافئة تلامس جانب رقبتها، لكنها استيقظت من غيمة مشاعرها، مدركة ما يؤول إليه قربهما، فتراجعت قليلاً، ودفعته من صدره بخفة. ابتعد بدر عنها، حينما رأى وجهها محتقنًا من شدة الإحراج. تنهد بعمق، محاولًا التحكم في دقات قلبه المجنون بحبها، الذي يحثه على غمرها مجددًا، ثم غمز لها وقال بابتسامة مشاكسة: "بس أنا ماكنتش عارف إني بحب عبدو موته.. تعرفي إن عنده كسر في ضلعين وفي إيده ورجله."

ابتلعت حياة لعابها في رعب، وهي تهمس دون وعي بصوت خفيض في بلاهة: "أنا ماكنش قصدي أوقعه خالص.. هو كدا ممكن يحبسوني عشان وقعته." انفجر بدر رغماً عنه ضاحكاً بقوة لدرجة أن عينيه ذرفت الدموع أمام نظراتها المندهشة منه، ليقول بنبرة طريفة بين ضحكته، لترفع حياة يدها،

ولكمته على كتفه في غيظ: "انتي محتاجة أديكي درس مكثف في القانون يا عبيطة هو اللي خطفك دي تهمة جديدة انضافت للقايمة بتاعته و المرة دي مش هرتاح إلا لما ينفذوا حكم الإعدام فيه." قال جملته الأخيرة بصوت خالٍ من الضحك ومليء بالجدية، وهو يمرر أصابعه برقة بالغة، ويمسح قطرات اللؤلؤ اللامعة بين ثنايا رموشها، ثم أضاف، دون انتظار ردها على ما قاله: "سامحيني يا حياة إني عرضتك لكل دا."

أخذت حياة نفسًا عميقًا، تسعى أن تجعل نبرة صوتها هادئة، بينما رفعت أناملها برقة لتلمس خده الشائك، وهي تهمهم بحنان لإبعاد شعوره بالذنب تجاهها: "دا قدر اتكتب مهما عملنا ماكناش هنقدر نتفاداه يا بدر.. الحمدلله إنها جت على قد كدا وإننا بخير." تدحرجت عيناها بخجل طفيفًا، ثم ما لبث أن اتسعت في حالة صدمة عندما لاحظت يده، ورفعت بصرها إليه، بعد أن مرت أصابعها بحذر عليها، قائلة بصوت هامس يشوبه القلق: "إيه الجرح دا يا بدر؟

تذكر ذلك الجرح السطحي في أعلى معصمه الذي حدث عندما كان يحاول كسر الباب الخلفي للمطبخ، ليبتسم ويقول على الفور: "ما تخافيش يا قلبي دا خدش بسيط الدكتور شافه وما علقش عليه." شعرت حياة بالغضب من إهماله، لذلك صاحت بحدة، متناسية أنها كانت تبكي على كتفه بضعف منذ دقائق قليلة: "انت إيه البساطة اللي بتكلم بيها دي ولا بقيت متعود؟ حدق بدر بها بصمت لبضع لحظات، فأردفت بحزن: "كل دا بسببي." قبل بدر جبهتها بحب،

وهمس بحرارة: "أنا كنت مستعد أعمل أي حاجة أنقذك بيها حتى لو كنت هموت." رمقته حياة بنصف عين، وأجابته باستياء ممزوج بالحب: "ما بلاش كلام دبش.. ألف بعد الشر عليك يا حبيبي.. أنا ما صدقت الحمدلله إنك بقيت كويس." ابتسامة عريضة ارتسمت على شفتيه، وجبهته ترتكز على جبهتها، وهو يهمس بصوت عميق مليء بالعشق الخالص: "انتي موتيني في حبك ورجعتيني للحياة بوجودك يا مانجتي."

تعمقت في عينيه التي ينبعث منها الأمان، مما جعلها تشعر بالراحة والسعادة يغمران قلبها، لتهمس له بابتسامة حلوة: "انت قلب المانجة وروحها وحياتها." أشرقت عيناه، والابتسامة لا تزال تزين وجهه، غير قادر على التحكم فيها، ثم قال بمداعبة وهو يقرص أنفها الأحمر: "مش ملاحظة إنك مابتعرفيش تقولي كلام حلو غير في المستشفيات." قامت حياة بطي ذراعيها في ضيق طفولي دون أن تجيب، ليغمغم بهدوء: "غمضي عينيكي."

ابتلعت ريقها في ارتباك، لكنها أذعنت لطلبه، غير قادرة على المجادلة، لتشعر به يرفع راحة يدها بين يديه، ويدخل في إصبعها شيئًا بارد الملمس، ثم طبع قبلة على كفها بعمق، لتفتح عينيها آليًا، فتتسعان بإنشداه، وهي تحدق به قائلة في عدم تصديق: "دبلتي!! قال بدر بصوته الدافئ ونظرته الحنونة، وهو يشعر بسكين حاد يخترق قلبه، ممزقًا إياه من ردة فعلها: "ليه العياط يا قلبي؟ همست حياة بصوتها الباكي، وهي

تلعب بالخاتم في إصبعها: "خلعها من إيدي بالعافية ورماها." همس بدر بعشق ممزوجًا بالجدية بجوار أذنها بعد تقبيل رأسها: "وخلاص لقيتها ورجعت لمكانها من تاني.. اهدي بقي وخلينا نتجوز يا حياة كفاية تفضلي بعيد عني." استرخت ملامحها على الفور، وتحول عبوس جبينها إلى ابتسامة خجولة على خديها، بينما أومأت بصمت بالموافقة. *** بعد مرور شهرين

ذهب بدر في زيارة لكريم في السجن قبل تنفيذ الحكم بعدة أيام قليلة، واقفًا خلف باب الزنزانة وينظر إلى الآخر ببدلة الإعدام الحمراء عبر النافذة المربعة أعلى الباب الحديدي. صمت بدر للحظة ووضع يديه في جيوبه، ثم تحدث بهدوء مدروس: "مش محتاج أسألك عن أخبارك واضح إنك متكيف مع وضعك." زم كريم شفتيه سخطًا عليه، ليقف ويتقدم نحو الباب من الداخل بخطوات ثقيلة، قائلاً

بصوت يشع بالكراهية: "ولا أنا محتاج أخمن سبب الزيارة.. جاي تشوفني مذلول وتشمت فيا." أجاب بدر وعيناه متصلبتان عليه بجمود: "أبدًا مش شماتة بس دا العدل اللي أمثالك مايعرفوش حاجة عنه بالخصوص انت." انفرج فمه بابتسامة لا صلة لها بالمرح، وتابع حديثه بقسوة: "وجاي أسمعك يا اللي كنت صاحب عمري.. يمكن لسه عندك كلام أخير عايز تقوله قبل ما أعدموك." اكفهر وجهه بشدة، وحدجه بحدة، بينما يصرخ بمقت بالغ

وهو يضغط على أسنانه بحقد: "عمري ما حبيتك يا بدر وندمان على فشلي إني ماقدرتش أخلص منك بدري عن كدا." هز بدر كتفيه بلا اكتراث، ليقول بابتسامة جانبية مليئة بالسخرية: "مش متفاجئ بعد كل اللي جرالي على إيدك.. بس للأسف اللي قدامك رجل قانون مالوش في الانتقام والحقد اللي مسود قلبك وعاميك لحد ما ضيعت عمرك بغباء." كان على وشك التحرك، لكنه أدار رأسه تجاهه ليضيف ببرود: "بالسلامة على جهنم اللي هتتحرق انت وشياطين الأرض أمثالك فيها."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...