تحميل رواية «شبح حياتي» PDF
بقلم نورهان محسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ردت الطفلة بصوت خجول ، بعد أن رفعت عينيها للتحديق في تلك الشابة النحيفة ذات الشعر البرتقالي الداكن المنتفش المائل إلى اللون البنى ، وترتدي نظارة كبيرة تغطي عينيها بها : صباح الخير!تجولت عيناها بإهتمام في المكان بعد أن خلعت نظارتها ، ووضعت حقائبها على الأرض بجانبها ، ثم تساءلت بينما يدها إرتفعت تلقائيا ، و أصلحت وضع حقيبة يدها التي كانت تحملها على كتفها : هو في حد كبير موجود اكلمه يا امورة!!هزت الطفلة رأسها بالإيجاب ، وقالت بصوت منخفض بعد أن قامت من مكانها ، ثم توجهت إلى غرفة جانبية : اخويا راح ي...
رواية شبح حياتي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نورهان محسن
قالت حياة بابتسامة متعجرفة، وهي تضع يديها في الجيوب الخلفية من سروالها الجينز:
أنا فكرت وعرفت هعمل إيه.
نظر إليها بنظرة مغتاظة، بينما كان لا يزال جالسًا على الأريكة، مع رفع حاجب واحد تساءل بإمتعاض:
واشمعنا هتاخدي ست مروة هانم بقي؟
ساد الصمت لحظات قبل أن ترد عليه بتنهيدة:
عشان أنا ماعنديش خبرة في الموضة والحاجات دي، ما اهتمتش بيها جامد قبل كده، وكمان الأماكن هنا معرفهاش أوي يعني.
استقام في جلسته بدر، ووضع إحدى رجليه فوق الأخرى، وسأل بهدوء، مليئًا بالفضول:
وليه يعني بدأتي تهتمي بالموضة دلوقتي على غفلة كده؟
ابتلعت حياة ريقها بخفة وهي تفكر في صياغة إجابة لسؤاله، لم يكن من الممكن لها أن تخبره أنها لأول مرة أرادت أن تعتني بمظهرها بعد رؤية زوجته التي جعلتها تشعر بجانبها كأنها فتاة مراهقة تقف أمام امرأة ناضجة وجميلة جدًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
عندما وصل تفكيرها إلى هذه النقطة، شعرت ببعض الغيرة المحمودة تحرقها، هي لا تمانع في السماح لنفسها بالتفكير بهذه الطريقة في ذهنها، ربما حان الوقت لتغيير بسيط لنفسها أولاً قبل كل شيء، لكنها تستطيع ببساطة أن تنكر الإفصاح عن ذلك، حتى لا يفهم أن ذلك يمثل نقصًا في الثقة بنفسها، قائلة بسخرية لاذعة:
بدر أنا أوقات بشك في نسبة ذكائك، وما أعرفش إزاي أنت محامي!! لسه قايلة من شوية عشان أقنع الراجل باللي هتهببه أقوله ليه.
ابتسم بدر ابتسامة جانبية، عندما تراها على فمه يزداد الغيظ منه والانجذاب إليه بداخلها، لتسمعه يقول ببرود:
لا والله، ومالك فجأة اتنرفزتي كده ليه؟ عادي محدش منعك تهتمي بنفسك زي أي بنت، بس حاسس الموضوع ده وراه سبب تاني غير ده؟
رمقته حياة بحدة، تضم شفتيها بخط مستقيم، ثم قالت من بين أسنانها في استياء:
خليك في حالك لو سمحت، وسيبني أروح ألبس.. الولية زمانها جاية في السكة.
أنهت كلماتها وهي تسير نحو غرفة النوم، لكنها فجأة نظرت خلفها برأسها فقط، ووجدته من العدم خلفها تمامًا بعد أن كان جالسًا على الأريكة، صاحت بخوف واستهزاء بعد أن التفتت إليه بكل جسدها:
انت ماشي ورايا ليه زي ضلي كده! هتيجي معايا وأنا بلبس ولا إيه يا عم أنت!
أدرك بمجرد أن أنهت كلامها أنه في الواقع كان سوف يلاحقها بدون وعي منه، فحمحم بحرج وهو يفرك مؤخرة رقبته، ثم هتف بسخط:
لسانك أهلك ده مابيعرفش يعدي أي حاجة بعملها، لازم يحط تاتش اللماضة بتاعته ويعلم عليا.
قامت حياة بلف شفتيها للخارج بتعبير اشمئزاز جلي على محياها، وسألته بإندهاش:
مالك يا بدر بقيت بيئة كده ليه؟
ابتسم بدر حتى ظهر صف أسنانه اللؤلؤية، يلعب بحاجبيه، ثم يتمتم باستفزاز:
من عاشر القوم.
اتسعت جفونها، وشهقت بصدمة مزيفة، ثم وجهت إصبعها إلى نفسها، وزأرت بصوت عالٍ:
يانهارك فوح! أنت بتلمح عليا أنا مش كده! ماشي لما أرجع هوريك.. حاليًا مفيش فيا حيل للخناق معاك وأنا مستعجلة.
أنهت كلماتها واستدارت للجهة الأخرى لتراه أصبح أمامها في لمح البصر، لتتراجع خطوتين للخلف محدقة فيه بذعر.
نفى بدر برأسه وعلى مبسمه ابتسامة ساحرة غير مبالٍ بنظراتها المستنكرة، وقال بعدم اكتراث:
مفيش خروج إلا بشرط.
تفتت حياة بإمتعاض، وهي تضع يديها على خصرها:
نعم يا دلع.
عادي! مش واخد بالك إني هعمل ده كله عشان حضرتك كمان هتتشرط عليا؟
حرك بدر كتفيه مقلدا نفس حركتها بسخرية، وقال باستخفاف:
إن كان عجبك.
رمقته حياة بمقت قبل أن تصيح على عجل حتى لا يضيع عليها وقت أكثر في هذه المجادلة السخيفة:
إيه هو! ياريت تنجز.
حدق بها بدر بنظرة تحذيرية مليئة بالتحدي، وهو يشير بأصابعه نحو شعرها قائلاً بجدية تعجبت حياة منها جدًا:
أوعي تتجنني في مخك تاني وتغيري لون شعرك، كفاية بهدلة فيه.
رفعت يديها وهي تضرب كفًا على كف، وظهرت علامات الاستنكار على وجهها مجددًا قائلة بحنق:
عوض عليا عوض الصابرين يارب.
خنقت بدر ضحكته وهو ينظر إليها بتسلية، ثم قال مسرعًا من ورائها بعد أن تجاوزته، وتوجهت إلى الغرفة دون أن يلاحظ الابتسامة الشقية التي ظهرت على شفتيها الرقيقة:
آمين يا حجة.
***
سرعان ما ذهبت شمس النهار، وحل ظلام الليل ينيره نجوم السماء اللامعة مثل عيون البدر.
توقفت سيارة سوداء اللون أمام مدخل المبنى، وسرعان ما انفتح الباب الخلفي وترجلت منه حياة، ثم نزلت مروة من الباب الأمامي، ومرت عدة لحظات قبل أن ينزل مازن بخطوات هادئة، حيث كان جالسًا خلف مقود سيارته، يراقب بهدوء ابتسامة حياة السعيدة التي لم تتوقف عن الحديث مع مروة في طريق عودتهم.
تساءلت مروة بإستغراب بعد أن تطلعت فيها، وهي تساعدها في أخذ عدة حقائب من داخل السيارة قبل أن تغلق الباب، وتسلمها لمازن:
مش عارفة إيه سر لبسك للطقية دي تاني يا حياة!
ردت عليها حياة بضحكة لطيفة، وهي ترفع أطراف أصابعها بتلقائية، وكأنها تتأكد من أن القبعة مازالت فوق رأسها:
عادي بقي لسه مش متعودة على شكلي الجديد من غيرها.
احتلت تعبيرات الفضول وجه مازن، ثم تحدث بنبرة ضاحكة:
ياريتك شيلتيها كان نفسي أشوف النيولوك الجديد.
تطلعت مروة إلى حياة بابتسامة عريضة قبل أن تنظر إلى مازن، قائلة بإندفاع متحمس:
اسألني أنا يا مازن دا تحفة عليها بجد، خلها تنور أكتر.
ارتسمت ابتسامة خجولة على ثغر حياة، وقالت بغرابة:
خلاص بقي بكرة هتشوفوه، مستعجلين على إيه!
أضافت بامتنان، بينما وزعت نظراتها بينهما:
بجد ميرسي أوي تعبتكم جامد معايا النهارده.
حدقت مروة في حياة بعدم رضا مزيف، قبل أن تقف بمحاذاتها، وهي تلف أحد ذراعيها حول ظهر حياة، تقول بمرح:
يا بنتي بطلي الحساسيات دي بجد، أنا انبسطت النهارده جدًا معاكي رغم مقاومتك الكتير.. تخيل يا مازن ساعتين بنقنعها تجرب الكعب العالي.
ضحكت حياة بخفة ثم هتفت مبررة، وهي تحدق بعفوية في مازن الذي يستمتع بالحديث ولم يتجاوز دوره فيه جملتين، لكنه كان مسرورًا رغم كل شيء:
طلع متعب أوي وأنا مش متعودة ألبسه، كنت حاسة كأني ماشية على الميه بيه.
اقترحت عليها مروة بنبرة هادئة:
الأحسن بقي عشان تتعودي عليه تلبسيه وانتي قاعدة مع نفسك فوق، تروحي وتيجي بيه على مهلك لحد ما تاخدي عليه.
أومأت حياة برأسها داعمة، وقالت بتنهيدة خافتة:
ما أنا هعمل كده.
قطع مازن تأمله لها عندما خطا خطوة، وعلى فمه بابتسامة جذابة قائلاً بلباقة يتخللها المرح:
هاتي الشنط دي عنك، وخلّينا نطلع أنا جعان جدًا.
حركت مروة رأسها بالإيجاب، وقالت مساندة لأخيها:
وأنا كمان التصبيرة اللي أكلناها في المطعم دي جوعتني بزيادة.. يلا يا يويو خلينا نطلع نتعشى كلنا سوا.
أسرعت حياة ترفض على عجل، وبطريقة لطيفة فهي متعبة جدًا قائلة بإبتسامة محرجة:
لا معلش مش هقدر أنا شبعانة.. ويدوب أطلع أنام عندي مدرسة بدري.
***
في الطابق الخامس من المبنى.
لوحت لهم حياة بابتسامة وودعتهم بعد أن فتحت باب الشقة، وأدخلت جميع الحقائب التي اشترتها، ثم أغلقت الباب بهدوء خلفها، ولم تستطع الرؤية بسهولة بسبب الإضاءة الخافتة للمكان.
فتحت مفتاح الضوء، ثم تجولت عيناها بلهفة في أرجاء المنزل بحثًا عنه، لكنها لم تجد أثرًا له في الصالة الفسيحة.
رفعت حاجبيها بتساؤل، بينما هناك هاجس بداخلها أوهمها أنه اختفى كما قال سابقًا، وأنها لن تراه مرة أخرى، لكنها نفضت تلك الأفكار من عقلها، وصاحت بقلق مليء بالأمل:
بدر.. بدر.. أنت فين!
شعرت أن قلبها توقف عن الخفقان لبضع ثوان عندما لم تسمع سوى صدى صوتها يهتز في المكان، ثم سرعان ما بدأ يطرق بجنون عندما قفزت إلى عقلها فكرة أنه ليس موجودًا حقًا، مما جعلها تريد أن تبكي.
"هنا معاك."
التفتت إلى الجانب الآخر بسرعة عندما سمعت صوته الهادئ فجأة، ورأته يحدق بها بنظرة لم تستطع تفسيرها ولم تهتم كثيرًا، فقد غمرتها سعادة غير مفهومة عند رؤيته وذلك يكفي.
استندت على الحائط خلفها بشكل عفوي، بيدها تمسك قلبها الذي ينبض ألف نبضة في الثانية، ولا تعرف سبب اندفاعاته الجنونية، هل بسبب ظهوره المفاجئ كالمعتاد منه، أم لأنها ظنت أنها خسرته، ولكن هذا ليس شعور بالخوف منه، بل هو خوف من نوع آخر.
إحساس للمرة الأولى تشعر فيه بتلك القوة منذ أن قابلته، أو ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي تطلق عنان شعورها رغماً عنها بأن يسيطر عليها.
ابتلعت حياة لعابها قبل أن تهمس بصوت حاولت أن يكون طبيعيًا، لكنه خرج مرتجفًا من اضطراب قلبها رغم محاولتها السيطرة على رجفة قلبها الأحمق:
إيه ده! كنت فين.. حضرتك؟
تصنع بدر البرودة مقنعًا بها ملامحه رغم بريق عينيه اللتين تقولان عكس ذلك، وصوته يقول بهدوء:
كنت قاعد مستنيكي هنا.. ليه اتأخرتي أوي كده؟
شعرت بالهدوء يعود إليها مرة أخرى، فابتعدت عن الحائط وانحنت لحمل الحقائب التي ألقتها على الأرض عندما دخلت الشقة، ثم اتجهت نحو الأريكة بخطوات ثقيلة وجلست عليها براحة وقالت في حماس طفولي:
أصل اشتريت حاجات كتير وعملت شعري.
نظر إليها من رأسها حتى أخمص قدميها متسائلاً:
عملتي فيه إيه؟ وليه لابسة الطاقية دي تاني؟
ثم مازحها ساخرًا:
أوعي تكوني حلقتي شعرك على الزيرو!
التقطت القط الذي قفز إلى الأريكة بجانبها ووضعته في حجرها، وربت على رأسه برفق، ثم نظرت إليه بعبوس، وقالت بتذمر مزيف:
هاها ظريف أوي.. لا عملت شوية تغييرات كده فيه.
جلس بدر مقابلها على الطاولة أمام التلفزيون، وفرج ساقيه عن بعضهما البعض، وسند بمرفقيه على فخذيه، قبل أن يشابك أصابعه معًا ويسألها بلهجة غامضة:
قولتي إنك رايحة مع مروة.. ليه راجعة مع مازن؟
كانت عيناه تنظر إليها بعمق عن قرب، مما جعلها تشعر بالحرارة تزحف إلى وجهها وتغطي المكان من حولها، رغم أن الجو كان جيدًا، بينما هزت كتفيها بغير مبالاة وأجابت بنبرة صادقة:
عادي الوقت اتأخر وماحبناش ناخد تاكسي لوحدنا.. قامت مروة كلمت أخوها وجه وصلّنا.. إيه المشكلة في كده؟
تنهد بدر بهدوء، وتحدث مغيراً مجرى الحديث:
مفيش.. يلا وريني اشتريتي إيه؟
تلألأت عيناها من الحماس، وأومأت برأسها قبل أن تقول بحمحمة:
احم بص هنتفق اتفاق رجالة.
رفع حاجبًا واحدًا بدهشة وتمتم:
رجالة!
ضحكت حياة بخفة، وتكلمت بشقاوة:
أيوه انت تقعد هنا.. وأنا هدخل أجرب الهدوم الجديدة وأخرج أوريك النيولوك الجديد وخد بالك أنا محتاجة آراء تشجيعية بلاش تحبطني.
لم تعط بدر فرصة للرد، حيث نهضت برشاقة ونشاط، فجأة عاد إلى جسدها، بعد أن وضعت القط على الكنبة، ثم ركضت نحو غرفة النوم.
نهض بدر وجلس على الأريكة في نفس المكان الذي كانت تجلس فيه، واضعًا ساقه على الأخرى، ورفع يديه وشبكهما خلف رأسه وهو ينظر إلى القط الصغير ويتحدث معه وهو يغمغم:
وبعدين بقى في حكاية مازن ده.. تفتكر تكون معجبة بيه؟
أعاد رأسه إلى الوراء وغمر أصابعه في شعره وهو يفكر بعمق، لم يتركها منذ اللحظة التي نزلت فيها مع مروة كان وراءها في كل خطوة تخطوها دون أن يجعلها تشعر به حولها.
أغلق عينيه بهدوء، وقفز إلى مخيلته على منظر شعرها الذي تألق وأشرق لونه كثيراً عندما قامت بتصفيفه، فأصبح منسدلاً بنعومة على كتفيها.
جعلت قلبه يشتعل بنار ملتهبة تضاهي بريق شعرها الناري، وهو يشاهدها تختار الملابس مع مروة وتجربها بسرعة، رغم أنها كانت ملابس أنيقة للغاية وجميلة لكنها ملفتة إلى حد ما ولهذا جن جنونه.
شعر بنيران تتأجج في نفسه من الغيرة، وفي لحظة من التهور كان سيذهب إليها يعنفها، ويصب غضبه الذي شعر به عليها، لكنه كبح جماح نفسه بمعجزة عندما تذكر أن غضبه وجنونه ليس له ما يبرره حتى لنفسه، وليس له الحق في أن يفقد عقله هكذا معها.
إنه لا يعرف حقيقة ما يشعر به تجاهها حتى الآن، حتى لا يدري ما هو مصيره حرفياً، وانفجار ذلك البركان المحموم بجنونه قد يؤدي إلى مرضها مجددًا، ولكن على الرغم من ذلك، ظلت ألسنة اللهب محتدمة داخل قلبه، تحرقه بشدة، عندما رأى جمالها، تزايد أضعاف وسطع بشكل مذهل، كما يسطع البرق في السماء.
حيث كانت في السابق ذات جمال طفولي أحبه قلبه، لكنها الآن بدت جذابة وملفتة للنظر.
تدحرج بصره نحو جسده الرياضي، الذي يدل على أنه كان يمارس الرياضة بانتظام، ولكن الآن كيف يمكنه ممارسة الرياضة؟
كيف يمكنه التحكم في نوبات غضبه؟ فهو بالتأكيد لا يستطيع ذلك، وهذا أحد الأسباب التي تجعله يتصرف بعنف ضد إرادته عندما يقترب منها أحد، لذا عليه أن يبقي باردًا وهادئًا تمامًا، لكن نظراته تكشفه بشكل لا إرادي.
تمنى في خلجه لو أنها لم تحاول تغيير مظهرها، فهذا لم يكن سيئًا على الإطلاق، بل كان عفويًا، فهو يحبها كما هي.
فتح عينيه بصدمة مما وصل إليه بتفكيره، فهل قال الآن أنه يحبها؟ فجأة انفتح عقله على حقيقة جديدة لم يكن يعرفها.
والذي جعل أعصابه تثور حقاً عندما اشتبه في أنها تعتني بنفسها لذلك مازن، وما جعل الفكرة تكبر في ذهنه أكثر عندما رآه جاء لتوصيلها بعد أن أصرت مروة على ذلك، لكن ما هدأ أعصابه قليلاً هو أن حياة رفضت إظهار شعرها ولبست القبعة، ولكن بداخله يشعر أنه يتمادى كثيراً بمشاعره التي لا يستطيع السيطرة عليها تجاهها، فيكفيه ما يعانيه بالفعل، وما يغضبه أكثر هو إنه عاقل ورصين، كيف أصبح مراهقًا هكذا، يسير وراءها في كل مكان.
نظر بدر إلى السقف، مطلقاً نفساً عميقاً لعل أفكاره المتضاربة تخرج معه.
قرر تجاهل هذه الأشياء عن عمد الآن، وهو عازمًا على أنه لن يجعلها تشعر بالمشاعر الحارقة التي تعتريه، والتي لا يفهمها أو يستطيع أن يفسرها.
أدار رأسه نحو غرفته، ناظرًا إليها بذهول من تأخر حياة بالداخل، ثم نهض من مقعده وذهب ليراها.
اخترق الحائط برأسه مترددًا خوفًا من أنها ما زالت تغير ملابسها، لكنه أكمل دخول جسده بسهولة تامة عندما رآها نائمة على السرير، ولا تزال ترتدي نفس الملابس التي جاءت بها من الخارج، ويظهر بوضوح الإرهاق على وجهها البريء، فابتسم بخفة على لطافتها.
***
في شقة مازن.
خرجت مروة من غرفة والدتها، وتوجهت إلى غرفة المعيشة حيث كان يجلس مازن يفكر فيها حتى استيقظ على صوت أخته التي قالت بابتسامة ملتوية:
اللي واخد عقلك يتهني بيه!
نظر إليها وهو يجعد حاجبيه، ثم ابتسم ببرود دون أن يكلف نفسه عناء الرد عليها، فردت بضحكة خافتة:
براحة على نفسك مش أوي كده.
وبخه مازن بملل:
مش هتبطلي الرزالة بتاعتك دي.
بسطت مروة يديها أمامها، وقالت بدهشة:
هو أنا قولت حاجة يا بني! أنا جيت أقولك إن ماما خدت الدوا بتاعها ونامت، لاقيتك سارح في ملكوت تاني.
نفى مازن برأسه بضجر، واضعاً إحدى قدميه فوق الأخرى، ونظر إلى ساعة معصمه بعبوس قبل أن يقول لها نظرة حانقة:
لا تاني ولا تالت.. جوزك جاي ياخدك امتى ويرحمنا من رغيك يا مروة؟
برزت مروة شفتيها بأسى قائلة بنبرة منذهلة:
أما صحيح خيراً تعمل شراً تلقى.. دا جزائي بدل ما تشكرني إني خليتك تشوف ذات الشعر المشمشي.. تبقى عايز تكروشني كده!
نظر إليها مازن بعيون ضيقة، وسألها بحذر:
قصدك إيه؟
رفعت مروة حاجبيها بابتسامة مستفزة، وأجابته بنبرة أنثوية ماكرة:
انت فاهم كويس.. بلاش تعمل من بنها يا مازن عينك الخضر فضحاك يا بني.
برم مازن شفتيه، وهو يميل نحوها بعد أن أنزل إحدى قدميه عن الأخرى، ورفع إصبعه قائلاً بتحذير هادئ:
مروة.. الحوار ده مش هزار بلاش تعكي بالكلام ده قدامها.
رفعت مروة حاجب في استنكار، وقالت بنبرة تأنيب:
ليه يعني هو أنا عبيطة ولا عيلة صغيرة يا مازن؟
رماها بنظرة جانبية بعد أن أشاح وجهه عنها قائلاً بغيظ:
لا انتي سوسة يا مروة.. يدوب جيت حكيتلك إني شفتها من هنا ومديتي معاها حبال الصداقة من هنا.
ضحكت مروة بصوت عالٍ، وعادت لتسترخي جسدها على الأريكة، وهي تنكر حديثه في اعتراض:
لا يا حبيبي.. أنا اللي حكيتلك الأول إني روحت زورتها قبل ما تعرف إنها هنا في العمارة أصلاً ووقتها قولتلي إنك قابلتها.
تحدث مازن وهو يجز على أسنانه، ليكتم غضبه:
مروة أنا جيت أقولك عشان أنا حاسس إني معجب بيها.. بس انتي تفكيرك من يومها في شقتها ما تنكرش.
تنهدت مروة بعمق، وأجابت بجدية:
مابنكرش يا مازن ولا حاجة ومش شايفة إن في مشكلة يعني، في الأول كنا عايزين نشتري شقتها عشان لما تتجوز تكون جنب ماما وأنا كلمت ميساء بس أختها ما وافقتش على إنها تبيع، حتى بدر لما عرف عملت أنت وهو مشكلة معرفش كان لزومها إيه وزعلتوا من بعض!
نفث الهواء من صدره، ورفع راحة يده أمامها، وقطعها بإنفعال دون أن يرفع صوته:
مش أنا السبب.. هو اللي كانت عصبيته ملهاش تلاتين لازمة والله ندمت إني فتحت معاه الموضوع ولا كنت عارف أصلاً إنه قالب شقة حياة مخزن إلا لما هي حكت بنفسها.
أومأت مروة برأسها تفاهمًا لأخيها، وهي تربت على فخذه، وتقول بابتسامة حنونة جعلته يبتسم لها رغمًا عن إرادته عندما خففت كلماتها عن اضطراب قلبه:
ما علينا المهم إنها موجودة هنا وعلاقتنا بيها كويسة وأنت معجب بيها.. إذا واخد الموضوع جد حاول تتقرب منها وإن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير.
رواية شبح حياتي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نورهان محسن
أَقبلت هي وَالصبحُ المُنيرُ مَعاً
حتّى تحيَّر في ضوايهما النَظرُ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في صباح اليوم التالي
استيقظت حياة بكسل ، وهي تتثاءب وهناك ابتسامة سعيدة على شفتيها الوردية ، ثم رمشت جفنيها عدة مرات بملامح مسترخية محاولة استعادة تركيزها واسترجاع مشاهد لما حدث بالأمس ، ولكن عندما تدحرج بصرها عفوياً تجاه ما كانت ترتديه ، تأففت بضجر لأنها كانت نائمة في كامل ملابسها.
نهضت متكئة على مرفقيها ، ناظرة إلى الغرفة التي كانت مليئة بأشعة الشمس الدافئة ، لكن لم يكن هناك أثر لبدر فيها.
قطبت بين حاجبيها بإستغراب ، فهذه كانت المرة الأولى التي تستيقظ فيها ولا تجده بجانبها.
قامت بسرعة من السرير ، ولبست نعالها الخفيف ، ثم هرولت في مشيتها حتى تخرج من الغرفة ، لكن عندما وصلت إلى الباب وقفت فجأة ، ثم مدت يدها إلى مقبض الباب بهدوء وفتحته ببطء دون أن تصدر أي صوت ، وطلت برأسها فقط تنظر خارج الغرفة.
تفحصت بعينيها أرجاء الصالة حتى رأته جالسًا في إحدى الزوايا على كرسي هزاز ، متكئًا بمرفقه على مقعد الكرسي ، قبضته أمام فمه ، نظراته إلى الأسفل بشرود.
ارتفعت حواجبها بغرابة من جلوسه هكذا ، وأصابها الفضول لمعرفة ما يفكر فيه ، لكنها تنفست براحة ولم تعير الأمر اهتماماً طويلاً ، ثم سارت بهدوء باتجاه الحمام من الجهة الأخرى لموقع بدر بعد أن أخذت ملابسها لتغييرها بعد الاستحمام.
بعد نص ساعة
وقفت حياة أمام المرآة تضع اللمسة الأخيرة من أحمر الشفاه باللون النيود الذي يلائم بشرتها شديدة البياض ، بعد أن قامت بوضع مكياج ناعم ، حيث اكتفت بظلال العيون باللون السموكي على جفنها ، وحددت الجفن العلوي بالآيلاينر بأسلوب بسيط ومميز جعل عينيها تبدوان أكثر جمالاً واتساعاً ، كما أنها استخدمت أحمر الخدود باللون النيود لإبراز التورد الطبيعي لوجنتيها.
تراجعت بضع خطوات للوراء ، وتفحصت بعناية مظهرها في تلك الملابس ، حيث كانت ترتدي بنطال من الجينز الأسود المناسب لساقيها النحيفة ، وبلوزة بيضاء بأكمام طويلة ، منخفضة في الكتفين ، وحزام متوسط العرض باللون الأسود في الخصر.
كانت سعيدة للغاية بشعرها الأملس الذي تجربه لأول مرة ، حيث قامت بتضفير شعرها بأسلوب فرنسي يناسبها كثيراً ، خاصة أنها تركت خصلات على جانبي وجهها المشع بالجمال مع تألق شعرها الأحمر الناري.
ابتسمت بسعادة وهي تغمز لنفسها ، وشعور غريب بالثقة بالنفس طغى على كيانها ، ولأول مرة كانت راضية بمظهرها جدا.
حملت حقيبتها البيضاء الصغيرة ، ثم غادرت الغرفة على عجل ، ووجدت بدر على نفس الحالة التي تركته بها منذ فترة وجيزة.
....: بدر
خرج من قوقعة أفكاره على صوتها الرقيق حين نادته بإسمه ، ثم رفع وجهه تجاهها ليتوسع بؤبؤ عينيه الداكنتين ، وشعر بجاذبية أقوى من المغناطيس يشده نحوها ، وفي لحظة نسي ما أوصى به نفسه طوال الليل.
لمحت في عينيه اللامعتين نظرة اعجاب ، لكنه لم يترجمها بلسانه بل تجول في عينيه المندهشة فقط.
بينما هو كان ولها بها ، وبسحرها الخلاب الذي يجعل الفولاذ يلين ، ويذوب من شدة توهج خصلاتها النارية.
سألها بدر بنبرة هادئة مدعي عدم الاكتراث : مش هتفطري!!
تنهدت حياة بإحباط حالما عادت نظراته لها في ثوانٍ غامضة ، لا تظهر أي رد فعل عما بداخله حتى ظنت أنها كانت تتوهم من فرط سعادتها ، وقالت بهدوء بعد أن تبخر حماسها : مش جعانه دلوقتي .. هبقي اكل اي حاجة سريعة في المدرسة
بدر بتمتمة : ماشي
رواية شبح حياتي للكاتبة نورهان محسن
موجودة بالواتباد فضلا متابعة للحساب واتفاعلو علي الفصول بتصويت وكومنت
تنحنحت حتي تجذب انتباهه عندما ظل ساكنا بجمود ، وليس لديها أدني فكرة عن الحرب الضارية في قلبه ، ثم تساءلت بصوت خافت ، وهي تقوم باللعب بأصابعها بتوتر : انت مش هتيجي معايا؟
أجابها بدر بجمود : لا مالوش داعي هستناكي هنا
إمتعضت ملامح حياة من إجابته الجافة ، وازدردت ريقها بعدما ثبت بصره عليها فهربت من النظر له ، وقالت ببرود : طيب براحتك .. لما اخلص هرجع عشان اغير هدومي ونتحرك
هز بدر رأسه ورفع يده ، ولمس أطراف أصابعه الإبهام والسبابة ، دليلا علي موافقته دون أن يقول أي شيء بعد ذلك.
★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••
في منتصف الظهيرة
حياة جالسة في المقعد الخلفي داخل سيارة الأجرة التي تقلهم إلى مكتب المحاماة الخاص في بدر الجالس بجانبها.
زفرت حياة بخفة ، ونظرت إليه برهة ثم إلى أصابعها ، متعجبة من أمره ، إذ لم يبد أي رأي بعد في مظهرها الجديد.
لم يحاول طرق الموضوع بتاتا ، رغم أنها عادت من المدرسة وغيرت ملابسها إلى فستان منقوش بأناقة يتداخل مع عدة ألوان ، الأبيض ، الأسود والبني الفاتح ، بأكمام طويلة يصل لبعد الركبة بقليل ، وفوق الفستان جاكيت جلدي يصل الخصر بدون اكمام ، مع حذاء بوت طويل جلد باللون الاسود ، و تركت شعرها منسدل على كتفيها بنعومة فائقة ، حيث كانت إطلالتها وأناقتها غاية بالتناغم والروعة.
تساءلت في سرها عن سبب بروده في الحديث معها منذ عودتها البارحة؟
شكت أنه ربما يكون غاضبًا منها ، لأنها لم توافق على قدومه معها عندما اشترت الملابس الجديدة ، لكنها أرادت مفاجأته فقط.
وبخت نفسها بشدة ، وهي تحدق من النافذة ، وتتساءل بغرابة مخاطبة نفسها : في ايه يا حياة مهتمة برأيه اوي كدا ليه و زعلانه ليه يعني؟ انتي اجننتي ولا مالك اعقلي وبطلي تشطحي بخيالك لبعيد .. بس انا هعيط بجد ليه ماحاولش يقولي كلمة واحدة حلوة من امبارح!! يوووه انتي باين عليكي لسعتي .. هو انتي في ايه ولا في ايه اصلا!!؟
جاء في ذهنها الموقف الصباحي عندما قابلت مازن قبل ذهابها للمدرسة ، وأبدى إعجابه الشديد بمظهرها ، الذي راق له كثيرا.
تذكرت إطراءه بكلمات الرقيقة لها ، لكنها لم تكن سعيدة بها بقدر سعادتها لو كانت أتت من ذلك الجدار الصامت المجاور لها.
الشيء الذي لم تعرفه حياة أن ذلك اللقاء مع مازن في الصباح شهده بدر حيث كان يتابعها كالمعتاد بنظراته ، واحتقان وجهه بسخط شديد عندما رأى مازن هائماً في ملامحها وابتسامتها الخجولة ، لكنه أذعن الصمت على مضض ، وهذا ما كان يدور في ذهن بدر في هذه اللحظات.
★★★
داخل مصعد في مبنى فخم
وقف الاثنان بجانب بعضهما البعض في صمت ، بينما ضبطت حياة خصلة طائشة على جبهتها ، مستخدمة القلم بين أصابعها ، بعد أن أدخلت دفتر ملاحظاتها في حقيبتها الصغيرة ، بعد مراجعة الأشياء التي كتبتها حتى إذا نسيت شيئًا ما ، فستتذكره من خلال دفتر الملاحظات كما هي عادتها دائمًا ، مثل الذي يذهب إلى الامتحان وبداخله مضطرباً من ان يخفق فى الاجابات.
لاحظت أن بدر رفع عينيه ، ناظرا إلى أرقام الطوابق أعلاه ، لتستفيد من الفرصة حتى تكسر هذا الصمت المتوتر أعصابها ، قائلة بهدوء بعد أن ألقت نظرة خاطفة عليه : انا متابعة
خفض بصره إليها ، غمغم بغير بفهم : ايه!!
إحمر وجهها رغما عنها وردت بصوت هادئ ، تنظر إليه تارة ثم أمامها تارة أخرى : قصدي علي ارقام الادوار عيني عليهم يعني
هز بدر رأسه بإستيعاب ، وهو يرفع حاجبيه وينزلهما بسرعة دون أن ينبس ببنت شفة.
تنهدت حنقاً من أبو الهول المجاور لها ، بينما تفكر في طريقة تجعله يخرج من حالة الجمود المريبة التي تربكها رغما عنها حتى يتحدث أو يتشاجر معها فهي لن تمانع ابدا.
رفعت دون وعي قلم بدر الذي استعارته من المكتب في منزله ، لفرك جانب رقبتها به ، في محاولة لإبعاد التفكير السلبي من داخلها.
لفتت انتباهه بحركتها العفوية ، وعيناه تنخفضان على رقبتها في ارتباك ، ليفرك جانب فمه بإبهامه ويغمغم : ماتعمليش كدا
توقفت عن هز رأسها يمينًا ويسارًا بعد أن خرجت من شرودها على صوته ، والتفتت إليه بينما تنزل القلم عن رقبتها ليبقى معلقًا في الهواء تحت فكها ، وهتفت في عجب : نعم!!
رفع يده اليسرى مقلدا حركتها ، موضحا كلماته بعد ابتلاع ريقه بصعوبة : الحركة دي بلاش تعمليها قدامي
نظرت حياة إلى القلم بغرابة مشوبة بالبلاهة من نظرات بدر الغريبة عليه ، ثم رفعت جفنيها إليه ، مكررة في سؤال : اشمعنا!!
غمغم بدر بوتيرة بطيئة مسلطاً بصره على القلم : عايز ابقي مركز .. وكدا تفكيري .. بيتشتت
حدقت حياة به ، تقوس شفتيها للأسفل لتقول بارتياب : كل دا من القلم يا بدر
أومأ بدر إليها بإصرار : ايوه من القلم يا حياة ماتعمليهاش تاني
ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيها بسبب الإرتباك الواضح عليه ، وهي تنزل القلم وتضعه في حقيبتها دون أن تتجادل معه مرة أخرى.
أدارت رأسها إلى بدر بعد مدة من الصمت ، ورفرفت رموشها الطويلة في إرتباك واضح قائلة بصوت منخفض : انا خايفة يا بدر
تحدث بدر بثقة شديدة ، وبنبرة هادئة حاول الحفاظ عليها بعد أن إلتقت حدقتيه بعيونها واسعة ببراءة : انا معاكي .. زي ما فهمتك هتتكلمي مع جاسر بمنتهي الثقة من غير توتر .. ماتتهزيش انتي هتكلمي من خلالي انا
رواية شبح حياتي للكاتبة نورهان محسن
موجودة بالواتباد فضلا متابعة للحساب واتفاعلو علي الفصول بتصويت وكومنت
جعدت حياة حاجبيها ، وسألته بتذمر طفولي : ثقة ايه!! ازاي هو اللي بيشتغل معاك من سنين هيصدقني في كام دقيقة!!
ابتسم بدر ابتسامة جانبية ، قائلا بنفس النبرة الهادئة التي يتخللها الكثير من الغموض : دي عليا هخليه يصدقك .. يلا سمي الله وماتخافيش
حدقت فيه باستنكار فظيع قبل أن تنظر إلى الأمام مرة أخري ، وتهمس بتبرم : اول مرة اشوف عفريت يقول سمي الله
أنهي بدر الحديث بسرعة ليتجنب الجدال معها عندما وصل المصعد إلى الطابق المطلوب ، قائلا بسخرية : علي اساس انتي مقضية حياتك كلها معهم .. اتحركي يا لمضة و خلصينا
★★★
وقفت حياة وظهرها مستقيماً ، ناظرة إلى حروف اسمه منقوشة بخط جميل على لوحة كبيرة بجوار باب المكتب ، الذي أخذت عنوانه من حمزة.
أستنشقت نفساً عميقاً قبل أن يقرع صوت كعبها العالي داخل المكتب المزدحم بالعملاء.
توجهت مباشرة نحو مكتب السكرتيرة على اليمين ، والذي كان خلفه تجلس فتاة أنيقة وجميلة للغاية ، وقالت بهدوء : مساء الخير
رفعت الفتاة رأسها عن الأوراق التي كانت تفحصها بعناية ، وأجابت بجدية : مساء النور يا فندم
ابتلعت حياة لعابها ، وتحدثت بهدوء : لو سمحتي كنت عايزة اقابل استاذ جاسر
سألت الفتاة التي كانت لا تزال تتفحصها ، بحاجبين معقودين بغرابة ، حيث يطلب العملاء عادة مقابلة بدر أولاً ، وعندما يعلمون أنه غير موجود ، يذهبون إلى جاسر وليس العكس : طيب اسم حضرتك ايه؟
أجابت حياة بعد أن دفعت خصله من شعرها خلف أذنها : حياة مجدي
ابتسمت الفتاة بتكلف ، وقامت بجسدها الممتلئ بعض الشئ ، قائلة بلباقة : لحظة هديله خبر
★★★
أشار إليها شاب يبدو في منتصف العشرينات بيده على المقعد خلف مكتبه ، وقال لها بلطف : اتفضلي استريحي
همس بدر في أذن حياة من الخلف ، فأغمضت عينيها للحظة بإضطراب من كونه قريب جدًا منها : جاسر هو المسؤل عن كل حاجة تخص المكتب في غيابي
تحركت حياة بخطى متوازنة نوعًا ما مع ذلك الكعب الذي ترتديه ، وجلست على المقعد بهدوء ، تزامنًا مع جلوس بدر على الكرسي الآخر المقابل لها ، ثم قالت بابتسامة رقيقة : ميرسي
ابتسم جاسر بمجاملة ، وسأل : حضرتك تشربي ايه؟
حاولت حياة أن تكون هادئة بقدر المستطاع ، ورفضت بذوق : شكرا ولا حاجة انا مش هطول عليك
أومأ جاسر برأسه متفهما ، واستفسر بنبرة عملية : زي ما يريحك .. ممكن اعرف ايه تفاصيل القضية اللي عايزة ترفعيها!!
أطبقت حياة على شفتيها للداخل بحرج ، ثم أجابت عليه : لا انا مش جاية عشان قضية
جعد جاسر بين حواجبه بتساؤل ، ثم تمتم محاولًا فهمها أكثر : اومال؟
سألت حياة بترقب ، وهي تحاول التحكم في نبرة صوتها حتى لا ترتفع بسبب طبيعتها عندما تكون قلقة ومتوترة ، يعلو صوتها بشكل غير إراديًا : انا جاية اسألك عن بدر هو فين؟!!
تأهبت حواس جاسر بالكامل ، وانحنى إلى الأمام بجسده نحو طاولة المكتب بعد أن كان مسترخى بظهره علي كرسيه ، وسألها مرة أخرى ولكن بنبرة حذرة : حضرتك تقربي لأستاذ بدر!!؟
همست حياة بلسان ثقيل دون أن تنظر إليه : انا وهو مرتبطين وهنتخطب قريب
فغر جاسر فمه وهو يسمعها جيداً رغم صوتها الخافت ، وصاح مستنكراً : افندم!!
شجعها بدر بنبرة مطمئنة : خليكي واثقة من نفسك
لا تعرف لماذا نظراته إليها جعلتها تهدأ ، على الرغم من أنها تسير فى طريق شائك لا تعرف له نهاية ، ومن المحتمل أنها ستخرج من هنا على مستشفى الأمراض العقلية بسببه.
ساد الصمت بضع ثوان قبل أن تحدق بجاسر بنظرة واثقة ، ثم أجابته بثبات : انا اسمي حياة شقتي اللي قصاد شقته في العمارة بتاعته .. واحنا بينا علاقة حب بقالنا فترة وماكنتش عايزاه يعرف حد بيها .. لحد ما يجي الوقت المناسب..
قاطعها جاسر ، وسألها بنبرة هادئة : معلش سامحيني لو بقاطعك وانا ايه يخليني اصدقك!!
تغيرت نظرة بدر تجاه جاسر ، وهو ينظر إليه بتمعن ، ثم يتمتم لحياة : قوليلو انك تعرفي حاجات كتير بيني و بينه
تحدثت حياة بإبتسامة هادئة : هو حكالي عنك كتير
ابتسم جاسر ساخرًا بعد أن أرجع ظهره مرة أخرى إلى كرسيه ، وهو يضع يده تحت ذقنه ، ومن الواضح على ملامحه أنه لم يصدقها قط : والله قالك ايه عني!!
تمتم بدر بهدوء شديد دون مقدمات : جاسر يبقي أخويا من الاب
رفعت عينيها لتنظر إليه بذهول لم يدم أكثر من لحظة ، ثم سيطرت على نفسها بصعوبة ، ونظرت إلى جاسر الذي كان ينتظر إجابتها بتحفز.
تحدثت حياة بسرعة ، محاولة الخروج من الصدمة التي تلقاتها للتو : حكالي عن صلة القرابة اللي بينكم
سألها جاسر بترقب : قالك ايه؟
أستطرد بدر قائلا بصوت هادئ ومتزن : ابويا اتجوز والدته في السر عشان كان بيحبها جدا .. بس كان بيحب نفسه اكتر خصوصا مركزه للي كان بيخاف اي حاجة تأثر عليه حتي لو كانت حبيبته ومارضيش يعترف بالولد .. عشان وقاره قدامنا انا و امي و العيلة كلها ما يتهزش .. اختار انه يظلم مراته التانية وابنه الصغير عشان يحافظ علي كبريائه ويتجنب فضايح الجرايد للي لو شمت خبر هتتهد الدنيا فوق دماغه .. لان امي كانت بنت راجل له نفوذ عشان كدا وقتها ام جاسر كتبت جاسر بإسم أبوها ورفضت تشوف ابويا من ظلمه ليها لحد لما ماتت امه من كتر حزنها وجاسر اتربي مع خاله .. ماعرفتش ان ليا أخ الا قبل ما ابويا يموت بأيام دورت عليه لحد ما وصلتله .. رفضني مرات كتير كل ما احاول اكلم معه بس بعد كدا فتح باب قلبه ليا ..كان هو في ثانوية عامة واصر يدخل حقوق عشان يساعدني و يكون معايا .. لكن فضل رافض انه يغير اسمه لكن وافق في الاخر عشان ماكنش ينفع يستلم ميراثه من بابا قبلها وكان شرطه عشان يشتغل معايا ان محدش يعرف بكل دا و يفضل يستخدم اسمه القديم
كانت حياة تسرد الكلمات التي قالها بدر دفعة واحدة ، تردد بصوتها الذي إزداد ثبات وثقة بعد أن رأت الصدمة والصمت من جاسر الذي كان ينصت لها باهتمام شديد ، ولم يرغب في مقاطعتها.
قاومت بشدة الصدمة التي سيطرت عليها أيضًا ، حيث ظهر احمرار شديد في عينيها نتيجة حبس دموعها ، وحالة جاسر لم تقل سوء عنها بسبب فتح جروحه من جديد لانها لم تلتئم تماماً ، وقد بدأ بالفعل بعد الكلمات الأولى يصدقها وإنتظرها حتى تنتهي من حديثها قائلا بذهول : مش مصدق ان بدر وثق فيكي لدرجة انه يحكيلك .. حتي مراته ماتعرفش اي حاجة!!
عضت حياة شفتيها بتردد ، وهي تنظر إلى بدر من زاوية عينها ، ثم قالت بترقب : استاذ جاسر ممكن اقولك علي حاجة تانية وتصدقني!!
أومأ لها جاسر بصمت حتى تواصل حديثها.
حدقت حياة به بهدوء ، بعد أن رفعت أنفها باعتزاز وثقة رنت في صوتها ، دون أن تمهد لما ستقوله : بدر طلق اميرة قبل ما يختفي
اتسعت عيناه بدهشة عارمة ، وسألها بعقل حائر : نعم .. ازاي طلقها!!؟
رفعت كتفيها كدليل على جهلها بالإجابة ، وقالت وهي تحدق في بدر الصامت منذ دقائق ، بعد أن أعطاها غمزة تدل علي أن زمام الأمور بيدها : ازاي انا معرفش تفاصيل بس انا متأكدة من المعلومة دي
عادت تسأل نفس السؤال مرة أخرى ، بإلحاح أكبر ، وهناك قبضة مثل الحجر تضغط على قلبها تمنعها من التنفس بانتظام : استاذ جاسر فين بدر؟؟
زفر جاسر منهكا ، وأجابها بنبرة صادقة يتخللها الضيق : صدقيني معرفش حاجة عنه بقالي عشر ايام بحاول اوصلو و مش عارف
مدت حياة يدها لتلتقط حقيبتها من الطاولة الصغيرة أمام المكتب ، وقالت برجاء عفوي وهي تستعد للمغادرة : ماشي يا استاذ جاسر .. اذا عرفت حاجة عنه لو سمحت طمني عليه انا قاعدة حاليا في شقته
رفع جاسر حاجبه مندهشا ، وتمتم بابتسامة أحرجتها بشدة : كمان!! ماشي ياريت تسيبيلي رقمك
تنهدت حياة بعمق بعد أن كتبت رقم هاتفها على قطعة صغيرة من الورق ، ثم مدته إلى جاسر ، قائلة برقة غير مقصودة : انا بس عايزة اطلب منك طلب .. ياريت محدش يعرف باللي قولنا
صافحها جاسر باحترام ، وقال لها بإيجاز : اكيد ولا يهمك
"جاسر عز الدين بدر"
"26 سنة"
"الشقيق الاصغر لبدر من الاب"
"محامي"
"شخص هادئ و مرح ، خاطب فتاة منذ عام
قوي الإرادة ، يتابع أهدافه بدقة تنظيمية ، طموح جدا ، دائما يبتسم ومتفائل ، لا يعرف اليأس ، وقلبه مليء بالحيوية والنوايا الحسنة.
يتميز بمظهره الجذاب ، فهو يتمتع بجسم قوي مصحوب بلطف في ملامح وجهه ، لديه شعر بني غامق ووجه بيضاوي بفم كبير ، له شفاه رفيعة شاحبة ، وفكه محاط بلحية خفيفة و عينان بنية داكنة ، و ذو طول قامة وسط."
يتبع الفصل التالي اضغط على (رواية شبح حياتي) اسم الرواية
رواية شبح حياتي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نورهان محسن
في المصعد بينما كان ينزلان معاً.
سألت حياة بتوتر، وهي تتكئ على جدار المصعد: تفتكر صدقني؟
أومأ بدر بالإيجاب، ورد بثقة: طبعاً اللي حكيته محدش يعرفه إلا أنا وهو بس.
استأنفت حياة حديثها متسائلة بنوع من الحيرة: طب هو ليه رافض إنه مايعرفش حد اسمه؟
تنهد بدر، ومرر لسانه على شفتيه، ثم أجاب بنبرة حزينة: اللي عاشه ماكانش بسيط يا حياة وأنا أخدت وقت طويل على ما قدرت أجيبه من بورسعيد عشان كان عايش هناك مع أهل أمه الله يرحمها.
خفضت حياة عينيها إلى الأرض، تفكر لوهلة، ثم حدقت فيه مرة أخرى قائلة بفضول: الله يرحمها.. مامتك كانت عارفة بوجوده؟
ظهرت ابتسامة صغيرة على فم بدر، وهو يتحدث بحب: أمي هي اللي خلتني أروح أجيبه.. ماكنتش قاسية زي بابا كانت بتحبه وقدرت تسامحه بعد ما مات.
تمهل بدر قليلاً، ثم استطرد قائلاً: راحت معايا عند أهل جاسر وما مشيتش من هناك إلا وهو معانا.. هو اتأثر بيها وبحنانها عليه وكان متفاجئ أوي بوجودنا.. بس ما قدرش لحد دلوقتي يسامح بابا على ظلمه عليه وعلى أمه وماكنش عايز ياخد أي فلوس ولا يغير اسمه رغم إن في شهادة ميلاد معمولة باسمه بابا طلعها ليه من بورسعيد وبعد ما اتخرج اشتغل معايا في المكتب وبقى كل اعتمادي عليه.
أردف بدر مُحمحمًا بعد أن لاحظ صمتها فور أن أنهى كلامه، ولم ترد عليه أو تسأله كالمعتاد منها: ساكتة ليه؟
فركت حياة جبينها بشيء من التعب، قبل أن ترفع رأسها تجاهه مجدداً قائلة بتشوش: كتير عليا إني أستوعب كل الحاجات اللي بتحصل دي وأسئلة كتير أوي بتلف في راسي.
لاحظ بدر نبرة صوتها المجهدة، فإبتسم محاولاً تغيير مجرى الحديث: خلينا نأجل الأسئلة دلوقتي وتعالي أعزمني على الغدا.
رددت حياة بدهشة: غدا!
أومأ بدر إليها بهدوء، وقال بنبرة ذات مغزى: أيوه ما فطرتيش الصبح وأنا مش حابب تقعي مني تاني.
تغاضت حياة عن نبرة السخرية في كلماته الأخيرة، وقالت بعناد طفولي: بس أنا بقيت كويسة والله.
تمتمت حياة بانزعاج، وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها: طيب يا آخرت صبري.
***
تناولت حياة الغداء في أحد المطاعم المطلة على النيل مع بدر، الذي كان يستمتع حقًا بتلك الجلسة اللطيفة معها بسبب روحها المرحة التي تجعله يتناسى ما يكدره.
لم يستطع التحكم بنظرته المشعة بالشغف تجاهها، وهو يحدق بها بتركيز دون أن يغفل عن كل حركة تقوم بها أثناء تناولها الطعام، وغضبها الطفولي من شعرها الذي يشاكسها بسقوطه على وجهها، لذلك ظلت تدفعه بعيدًا بأطراف أصابعها، محاولة وضعه خلف أذنها أثناء تناولها الطعام.
نظرت حياة إلى عينيه مرة، ثم نظرت إلى جانبها، وغمغمت بسعادة: كان نفسي من زمان أوي أقعد على النيل.
سألها بدر بإستفسار: ما جيتيش ولا مرة القاهرة بعد ما سافرت؟
ردت حياة عليه، وعيناها لا تزالان متصلتان بنهر النيل: ولا مرة.. كل حاجة حصلت بسرعة سفرنا وانشغال بابا في شغله وجواز أختي ودراستي وبعدها موت بابا الله يرحمه.
تمتم بدر ثم تريث قليلاً قبل أن يواصل حديثه: الله يرحمه.. ليه ما وفقتيش على بيع الشقة اللي هنا لما كنتي خلاص هتجوزي في إسكندرية؟
أدارت حياة نظرتها إليه بغرابة متسائلة بصوت خافت: عرفت منين الموضوع ده!
احتل تعبير ساخط ملامحه الرجولية الساحرة قبل أن يقول بتذمر: جاوبي عليا الأول.
أزدردت حياة لعابها، ووضعت خصلة من شعرها المتطاير أمام وجهها خلف أذنيها، ثم أجابت بنبرة يشوبها الحزن: ميساء كلمتني من فترة في بيع الشقة بس ماحبتش الفكرة.. كنت عايزة يكون في حاجة تربطني بالمكان اللي اتولدت فيه وكمان حالي مع معاذ ماكنش تمام أوي وكثير فكرت أسيبه بس كنت دايما مترددة في قراري.
كان بدر منزعجًا من نبرة صوتها الحزينة، لكنه سرعان ما قال بابتسامة جذابة، وتعمد تغيير مسار الحديث: أنا متشكر يا حياة على اللي عملتيه النهاردة معايا.
ردت عليه حياة بابتسامة رقيقة دون أن تنظر إليه، لتجعله غارقاً أكثر فيها دون أدنى فكرة لديها: العفو يا متر.
: تعرفي شوفتك النهاردة بشكل مختلف عن الأيام اللي فاتت.
انتبهت كل حواسها لكلامه، وأخذت تحدق فيه بتساؤل: إزاي يعني.. مش فاهمة!؟
ابتسم بشكل عفوي وصادق دون وعي منه، وتابع حديثه بنبرة أجش عميقة دون أن يحيد بصره عن عينيها المتسعتين ببراءة: يعني طريقة كلامك كانت رقيقة أوي عكس الدبش اللي متعودة ترميه وكمان عجبني أوي ذوقك في اللبس.
خرجت كلماته دون تفكير، ضارباً بكل تحذيراته لنفسه في الصباح عرض الحائط، هكذا الحب أيها السادة بغض النظر عن مدى محاولتك لإخفائه، فإنه يصر أكثر فأكثر على الظهور، وأقل إيماءات منك تفضح وجوده.
شعرت بقلبها ينبض أسرع في صدرها بسعادة، لأنه لاحظ التغيير الذي طرأ عليها اليوم، لكنها حاولت السيطرة على حالها حتى لا تنجرف وراء أفكارها الحمقاء، وسألته بهدوء: بجد! يعني أديت دوري كويس؟
نظر بدر إليها بعيون ضيقة بسبب تعمدها لتفسير حديثه بشكل خاطئ، ثم تحدث بهدوء وبصوت دافئ، متغلغلًا في أعماقها: ليه ما تقوليش إنك رجعتي لطبيعتك! وإن حياة اللي عايشة بيها السنين اللي فاتت شخصية بتتحامي فيها من نقد وتنمر اللي حواليكي.
تمتمت حياة بعقل مشوش، وقلب مشتت بعد أن أشاحت بعينيها عن عينيه العميقين: مش عارفة! يمكن.
سكتت عدة لحظات، ووجدت أنه لا يتكلم أيضًا، فرفعت وجهها لتنظر إليه، ورأت نفس اللمعان الذي ظهر بعينيه في الصباح.
كان وجهه قريبًا جدًا منها، بينما كانت طاولة الطعام بينهما، ثم تكلم بهدوء وبصوت رجولي مميز: حبي نفسك يا حياة ساعتها عمر ما حاجة هتهز ثقتك في نفسك اتقبليها لأن دي خلقة ربنا ليكي ومفيش حاجة خلقها ربنا وحشة بالعكس انتي مختلفة وجميلة.
بدأ تنفسها يضطرب، وضربات قلبها تسارعت، وشعرت بحرارة شديدة تهاجم وجهها المشع بإحراج خجول من مجاملاته العفوية، لترفع يدها نحو وجهها وتمسد عليه بظهر كفها بإرتباك، لكنها كانت سعيدة بكلماته ووجوده معها.
سكت بدر لفترة قبل أن يعود بظهره للوراء، ولم يريد أن يحرجها أكثر من ذلك، خاصة وأنهما كانا في مكان عام حتى لا تتجه الأنظار إليها بارتياب، بعد أن أصبح وجهها متورد بقوة، ثم بدأ يخبرها بأحداث لقاء والدته مع جاسر، واندرت في حديثه حتى سمعت صوت رسالة وصلت على هاتفها ففتحتها.
اندهش بدر من تعبيرات وجهها المتفاجئ، وسألها بفضول: في إيه؟
نظرت إليه حياة، وهي تلوح بيدها إليه التي تمسك بها الهاتف، ثم أجابته: دي رسالة من رقم غريب بس واضح إنها بنت.
استفهم بدر باهتمام: مكتوب فيها إيه الرسالة دي؟
قرأت له الرسالة بصوت عالٍ، ثم نظرت إليه بعيون متسائلة وأردفت: "عايزة أقابلك ضروري في موضوع مهم".. وبعتالي شير لوكيشن لمطعم قريب من البيت.
حرك بدر أطراف أصابعه على لحيته بينما كان يفكر بعمق، ثم هتف متسائلاً: موضوع إيه ده اللي تكون عايزاكي فيه!؟
أخذت حياة بعض النقود من حقيبتها ووضعتها على الطاولة، ثم رفعت حدقتيها تجاهه، واجابت بهدوء: معرفش لكن مش هخسر حاجة لو روحت أشوفها.
صحح بدر كلامها، وهو يرمقها بطرف عينه: هنروح نشوفها.
ضحكت حياة بصوت منخفض على تعبيره المتهكم، ثم تمتمت وهي تنهض: ماشي يلا بينا.
***
بعد فترة وجيزة.
وقفت سيارة أجرة بمحاذاة الرصيف، ثم نزلت حياة، وأخرجت نقوداً من حقيبتها وأعطتها للسائق الذي كان جالسًا بجانبه بدر، الذي تحرك خلف حياة متجهين نحو مقهى راقٍ.
تمتمت حياة لنفسها بصوت منخفض: وأنا هعرفها إزاي دي؟
: طالما هي اللي عايزاكي يبقى هي اللي هتعرفك يا ذكية.
جفلت حياة عندما لاحظت قربه منها، مما يجعل نبض قلبها يضطرب لا إرادياً ثم زفرت الهواء ببطء من فمها، ودمدمت بضيق: يووه أنت مابتسيبش فرصة إلا وبتعدل على كلامي.
يهتف بدر مازحاً: ما أنتِ هرّياني سيبني آخد فرصتي.
قوست حياة فمها للأسفل، وقالت بنبرة تحذير مليئة بالتذمر من بين أسنانها حيث أن مزاجها يتغير في كل لحظة معه، لسبب غير معروف لها شخصيًا: ممكن تسكت عشان أقدر أركز ماتوترنيش.
: سكت.
قالها بدر بقهقه رجولية تلاشت فور وصول مسمعه صوت ينادي بأسمها: آنسة حياة.
نظرت حياة إلى مصدر الصوت الرقيق الذي يناديها، فرأت شابة جميلة جالسة على إحدى الطاولات وتلوح بكفها نحو حياة، فتوجهت إليها، ثم صافحتها باحترام قائلة بابتسامة مجاملة: مساء الخير.
ردت بابتسامة حلوة بعد أن قامت من الكرسي مستقيمة بجسد رشيق للترحيب بها: أهلاً مساء النور.. إزيك!
قالت حياة بهدوء وهي تجلس مقابلها، وعيناها تدور حولها بالمكان يمينًا ويسارًا: الحمدلله.
تحدثت الفتاة بسؤال بعد أن أشارت إلى النادل الذي مر بجانبهم: تحبي تشربي إيه!؟
لم تأخذ حياة الكثير من الوقت في التفكير، قائلة بلا مبالاة: لو ممكن شاي.
أومأت برأسها، وأجابت على النادل بصوت خافت: اتنين شاي لو سمحت.
استفسرت حياة بدون مقدمات بعد أن ابتعد عنهم النادل: ممكن تقوليلي حضرتك تعرفيني منين وإيه الموضوع المهم اللي عايزاني فيه!؟
ابتسمت لها الفتاة، وقالت بهدوء: أنا اسمي شذى.. بصي يا آنسة حياة أنا وانتي ما نعرفش بعض بس في صلة بتجمعنا.
عقدت حاجبيها بدهشة، وغمغمت بعدم فهم: صلة إيه!؟
ابتلعت شذى ريقها بشيء من التوتر قبل أن تنطق بثبات: خطيبي أخو أستاذ بدر المحامي.
اتسعت عينا حياة في صدمة، و تمتمت بإنشداه: قصدك جاسر.
أومأت شذى بالإيجاب، ثم شرعت تحكي كل شيء لحياة بصوت هادئ مليء بالحزن الخفي بين ثناياه: بالظبط.. من غير ما أطول عليكي أنا هحكيلك الموضوع بدأ لما أخويا اتصاب في رجله نتيجة حادثة بالمكنة بتاعته ودخل المستشفى بس تكاليف العملية اللي كان محتاج يعملها كانت فوق طاقتنا.. جاسر حاول يساعدنا بس أنا وبابا رفضنا عشان إحنا لسه مخطوبين وعشان نحل الموضوع من غير مانزعل من بعض دكتور صاحب أستاذ بدر اقترح ندخله المستشفى اللي هو شغال فيها أخويا يعمل عمليته والمصاريف هتتقسط.
التزم بدر الصمت منذ وصولهم، يتابع ذلك النقاش بهدوء وتركيز، وهو جالس على كرسي بجوار حياة.
سكتت شذى لبعض الوقت، وهي تحاول التقاط أنفاسها السريعة من إعادة إحياء ذكرى تلك الحادثة الرهيبة، لكنها استيقظت على صوت حياة الهادئ عندما قالت: وبعدين كملي!
حدقت بها شذى وعيناها مغرورقتان بالدموع، لكنها رمشت عدة مرات، وهي تنظر إلى الأعلى حتى لا تنهار مرة أخرى، وتنفجر في بكاء مرير، ثم أخذت نفسا عميقا وحاولت التحلي بالصبر والثبات قبل أن تنطق بصوت مرتعش: أخويا.. دخل أوضة العمليات عشان عملية في رجله بس قالوا إن وقت العملية قلبه وقف وطلعوه على المدافن.
وضعت حياة راحة يدها على فمها، وتكتم شهقاتها حتى لا تلفت الانتباه إليهما، ونظرت إليها بصدمة متسائلة بألم: لا حول ولا قوة إلا بالله إزاي اللي بتقوليه ده!؟
شعرت شذى بوخز في جرح لم يندمل داخل صدرها بعد، حيث رفعت وجهها وتنهدت بصوت عالٍ في محاولة لقمع دموع القهر التي تجمعت في عينيها الواسعتين مجدداً، والتي ذرفت مثلها كثيرًا في الفترة الماضية، ثم همست بصوت مختنق: أنا السبب في اللي حصل ماكنتش عايزة أقبل مساعدة جاسر عشان عزة نفسي ما سمحتليش بكده بس في الآخر خسرت أخويا الوحيد.
ضغطت حياة على شفتيها لوقف ارتجافها حتى لا تبكي من هول ما تسمعه أذنها، ثم مدت يدها عبر الطاولة وربت على ظهر كف شذى الرقيق قائلة تعاطفًا: أنا آسفة على أسلوبي.. معلش الله يرحمه ده عمره.. شدي حيلك.
حاولت شذى الصمود، فهذا ليس الوقت المناسب ولا المكان المناسب للانهيار، ثم تنحنحت بخفة لتحسين صوتها المتحشرج، في محاولة لجعل صوتها طبيعيًا: الله يرحمه.. وقتها من صدمتي وحزني على أخويا ماكنتش قادرة أستوعب للي بيحصل.. بس بعد كده حصلت خناقة كبيرة في المستشفى بسبب أهل مريض كان بيتعالج في المستشفى دي طفل صغير مات برده بسبب مش مقنع أبداً وحالات غيرها وغير غيرها.
شعرت حياة بتجمد أنفاسها، ثم رمشت عينها عدة مرات وقالت بإنشداه: يعني السبب في موت الناس دول أصحاب المستشفى دي!؟
أومأت شذي برأسها بالإيجاب، قائلة بقلة حيلة وعجز: هو ده فعلاً اللي حصل.. بس ماكنش معانا دليل على أي حاجة نثبت بيها حقنا.
ساد الصمت عليهم للحظة، كانت حياة مشتتة للغاية، فحدقت في بدر بعيون مليئة بالأسئلة ووجه شاحب بسبب ما تسمعه أذنها، ولم يستطع عقلها ترجمته من شدة بشاعته، ربما تتمكن من الحصول على تفسير منه، لكنها وجدته أيضًا تائهًا، وبدا أنه يتجول في أفكاره بمكان آخر.
وجهت عينيها إلى شذى التي كانت تمسح عينيها المبللتين بالدموع بمنديل ورقي، وسألتها في حيرة من أمرها: طيب ممكن أعرف أنتي بتحكيلي كل ده ليه؟
: أنتي اللي طلبتي تعرفي بدر راح فين وإيه اللي جراله؟
استدارت حياة وبدر نحو ذلك الصوت الذي ظهر من العدم من ورائهما، بينما حدقت به شذى بعتاب، ثم قالت بصوت مبحوح: إنت إيه اللي أخّرك يا جاسر؟
رأى جاسر الدموع تتجمع في عينيها الجميلتين، ونبرتها الخانقة رغم محاولتها الفاشلة في إخفائها أثرت على قلبه، فلم يستطع الصمود أمامها، حيث دنى إلى مستوي رأسها، ووضع قبلة خفيفة على شعرها الناعم، معتذراً بعد جلوسه على الكرسي المجاور لها: معلش حبيبتي.. لفيت بالعربية كتير قبل ما أجي هنا كنت بتأكد إن محدش مراقبني وأنا جاي يا شذى.
نظر بدر إلى حياة التي كانت تتابع ما يحدث بعلامات استفهام تحوم فوق رأسها، وهز رأسه لها بتساؤل.
فهمت هذا لتتنهد ضيقاً من إحساسها بالغباء وسطهم، واستفسرت بغرابة: ممكن تفهموني إيه اللي بيحصل بالظبط؟؟
بادر جاسر مع شرح موجز: اختفاء بدر مش طبيعي يا حياة.. خصوصاً إن الدليل اللي يثبت إن المستشفى دي بيحصل فيها حاجات مشبوهة كان معاه آخر يوم كلمني فيه.
وواصلت شذى الحديث بنبرة هادئة: وبعد موت أشرف أخويا الله يرحمه عرفنا إن في حالات مشابهة حصلت في نفس المستشفى وعدد الوفيات فيها فوق الطبيعي بكتير.
سحب جاسر نفسًا عميقًا، ثم أخرج الزفير ببطء، واستأنف قوله بصوت جاد: بعدها كلمت بدر وحكيتله اللي عرفته.. في الأول ماكنش مقتنع إن اللي بيحصل ده مقصود.. بس فجأة كلمني وقالي إن شكوكنا كانت صح والسبب في موت الناس هما أصحاب المستشفى اللي بيتاجروا في أعضاء الناس وبيبعوها لمستشفيات كبيرة بسعر خيالي وكمان الدكاترة المتدربين بيدفعوا فلوس كتير عشان إدارة المستشفى تسمحلهم يفتحوا في أجسام المرضى ويتعلموا فيهم بشكل أسرع من الطبيعي ومن ضمن الشركاء في المستشفى دي صاحبة كريم رفعت.
عبست ملامح حياة، وكادت عيناها تخرج من محجرها بذهول، قائلة في اشمئزاز: إيه القرف ده.. كله معقولة البشاعة اللي بيعملوها الناس دول!!!
انسابت العبرات من عيني شذى، وهي تهمس: ضحاياهم كتير أوي.
نظرت حياة إلى بدر، الذي كان جالسًا يستمع إلى ما يقولونه، وعيناه متصلبتان، محدقًا بشكل غامض في نقطة في الفراغ، لتقول بعدها بسؤال: وهو بدر عرف إزاي الكلام ده؟
فور أن نطق جاسر بتلك الجملة، أغمض بدر عينيه بشدة عندما هاجمت بعض المشاهد السريعة ذهنه من أحداث سابقة.
رواية شبح حياتي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نورهان محسن
ربما كانت فى العلاقة الأولى مشاعر حقيقية ، لكن مع طبيعة العلاقة والظروف المحيطة بها ، قتلت ذلك الحب ، أو ربما لم يكن حبًا على الإطلاق ، كان ظل الحب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرت حياة إلى بدر ، الذي كان جالسًا يستمع إلى ما يقولونه ، وعيناه متصلبتان ، محدقًا بشكل غامض في نقطة في الفراغ ، لتقول بعدها بسؤال : وهو بدر عرف ازاي الكلام دا؟
فور أن نطقت حياة بتلك الجملة ، أغمض بدر عينيه بشدة عندما هاجمت بعض المشاهد السريعة ذهنه من أحداث سابقة.
Flash Back
بدر جالسًا في مكتبه يفكر بعمق فيما قاله أخوه الصغير ، الذي يعرف جيدًا أنه لا يقول شيئًا إلا عندما يكون متأكدًا من مصداقيته ، ولكن يجب أن يتروي في تصرفاته ويبحث في الأمر بحذر و هدوء.
لم يخطر بباله سوى صديق طفولته كريم ، الذي يعمل داخل ذلك المستشفى ، من المؤكد سيساعده حتى يتوصل إلى حقيقة ما يحدث هناك.
بحث بعينيه في المكان عن هاتفه ، ليتمكن من الاتصال بكريم لكنه تذكر أنه تركه في غرفة نومه.
نظر بدر إلى الساعة الأنيقة الملفوفة حول معصمه ، وتفاجأ بفوات الأوان لإجراء المكالمات ، فمن غير المعقول أن يتصل به بعد منتصف الليل.
نهض بدر من مكانه ، ثم أطفأ أضواء غرفة المكتب قبل أن يغلق الباب خلفه ، متجهاً إلى غرفة نومه ، لكن عندما اقترب من الباب بخطوات هادئة ، وصل لمسامعه همهمات زوجته بصوت غير واضح.
قطب بدر بين حاجبيه متسائلاً مع من تتحدث في ذلك الوقت؟
دخل الغرفة مباشرة دون أن يطرق الباب.
في ذلك الوقت
أميرة تقف عند الشرفة الواسعة مرتدية طقم نوم جميل.
شاهدها بدر تضع الهاتف على أذنها ، ولكن عندما شعرت أميرة أن الباب إنفتح خلفها ، سرعان ما أنزلت الهاتف إلى جانبها.
حدق بها بدر بحاجب مرتفع ، ثم سألها بصوت هادئ : كنتي بتكلمي حد يا اميرة؟
ارتبكت أميرة عندما حدق بها بنظراته العميقة وكأنه يخترق عقلها بهم ، لكنها حاولت أن تتماسك وأجابت ببعض التوتر الذي ظهر في صوتها : ايوه حبيبي .. دي ماما كانت بتطمن علينا .. وقالتلي هترجع من السفر بعد اسبوع
تمتم بدر بلا مبالاة وهو يجلس على حافة السرير المريح ، فارجاً بين ساقيه ، وأصابعه متشابكة تحت ذقنه ، ومرفقيه يستريحان على ركبتيه : كويس
ابتسمت أميرة بارتياح عندما لم يلاحظ عليها شيئًا وبدا أنه منشغلاً بشيء ما ، فتوجهت نحوه بخطوات رشيقة ومغرية ثم جلست بجانبه ، تتحدث في دلال ، وأصابعها تتلاعب بالأزرار قميصه العلوية : حبيبي .. ممكن اطلب منك طلب صغنن قد كدهون
ابتسم بدر بلطف علي تحركاتها حين تريد منه شيئًا ، بينما كانت عيناه تتبعان شفتيها الممتلئتين باللون الوردى الرقيق ، ليقلد أسلوبها بسخرية مزيفة : من امتي وطلباتك قد كدهون يا اميرة؟
عضّت أميرة شفتيها بحرج ، وهي تلكمه بخفة في صدره ، وتقول بغضب ناعم : ببطل بواخة بقي يا بوده
قاوم بدر رغبته في الضحك عندما رأى ملامح وجهها العابسة ، ثم لف ذراعه حول خصرها قبل أن تبتعد عنه بدلع ، وقبلها برقة على وجنتها الناعمة كالحرير ، ثم سأل بابتسامة وهو يقرصهم بلطف : ايه الطلب يا روحي؟
أمسكت أميرة بذراعه ، وابتسمت بغنج ، ثم همست في أذنه بطريقة مغرية جدًا لرجولته ، جعلت قبلاته تنزلق أسفل رقبتها ، ويقبلها بقوة لطيفة : عجبني فستان اون لاين تحفة عايزاك تشتريهولي
عندما أنهت كلماتها ، التي لم يركز فيها أبدًا ، حدق في عيون أميرة الرمادية بإفتتان ، وقال بصوت منخفض رجولي : الفيزا معاكي هاتي اللي يعجبك يا حبييتي
بدأت قبلاته تزداد جموح وحرارة أنفاسه الملتهبة تلفح بشرتها ، وتجرأت يديه على لمس جسدها بحميمية فائضة ، وهنا دق جرس الإنذار في ذهن أميرة التي بدأ جسدها يذوب نتيجة ما يفعله به.
أدركت أميرة وضعهم ، والذي إذا لم تتحكم فيه الآن ، سوف تنجرف معه أكثر ، وهي لم تأخذ لهذا الأمر أي اعتبار كما تفعل في كل مرة ، وقد تكون نتائجه فيما بعد نطفة منه داخل رحمها.
ابتعدت أميرة عنه بقليل من الارتباك خوفا من اكتشاف كذبها ، وتمتمت متظاهرة بالحزن بعد أن عدلت روبها علي كتفها العاري : لا ماهو .. اصلها يعني .. فضيت
نظر بدر إليها مليًّا ، محاولًا التركيز على ما تقوله بصعوبة من فورة مشاعره الثائرة.
احتدت نظرات بدر نحوها بعد ثوانٍ ، وجعد حاجبيه بنوع من الغضب ، متسائلا بإنفعال طفيف ، وخرج صوته متحشرجا قليلا بسبب أنفاسه المتسارعة : نعم!! فضيت .. ازاي يعني؟
رمقته أميرة بنظرة محرجة للحظة قبل أن تلوح يديها في الهواء بقلة حيلة ، وتبرر بصوت خافت : كان نفسي في شوية حاجات و جبتهم .. ايه هتستخسر في مراتك حبيبتك!!
قبض بدر على كفه محاولا التغاضي عن أفعالها التي كثيرا ما تغضبه رغما عنه ، قائلا بتنهيدة خافتة : اكيد لا .. بس مش شايفة ان دا اسمه تبزير مالوش داعي!!
ابتسمت أميرة في ذهنها بشكل خبيث ، لأنها وصلت إلى ما أرادته منذ البداية كما خططت ، لتهب من مكانها فجأة ، وتصيح بإنفعال وهي تبتعد عنه عدة خطوات ، متظاهرة بالتذمر منه وهي تعقد ذراعيها على صدرها بعبوس : اوووف يا بدر .. هو كل ما اقولك حاجة يكون ردك علي بالجملة دي..
تجمد بدر للحظة من هذا التحول غير المبرر إليه ، لأنهم فقط يناقشون ، فلماذا هذا التقلب السريع الذي يلقاه منها؟
نهض بدر خلفها مباشرة بملامح مقتضبة ، حيث سئم من تكرار ذلك المشهد معها ، خاصة أنه لا يفهم سبب تقلبها المزاجي الغريب في الفترة الأخيرة.
زفر الهواء ببطء ، محاولًا تهدئة نفسه حتى يتمكن من تولي زمام الأمور معها ، ووضع كفيه على كتفيها من الخلف ، وهمس بحنان في أذنها : اميرة حبيبتي .. ليه النرفزة والعصبية اللي مالهاش داعي دي..!
اكتفت أميرة بالصمت كإجابة ، دون أن تتأثر بكلماته اللطيفة ، ثم خطت بضع خطوات أخرى إلى الأمام حتى يرفع يده عنها ، وقالت بعد لحظات قليلة بحنق ناعم دون أن تلتفت إليه : اعملك ايه يا بدر!! انت مصعب كل حاجة بينا بطريقة تخنق .. مش مكفيك اني جيت اقعد معاك في شقة باباك ومامتك زي ماكنت عايز ومشيت كلامك
سقطت يداه على جنبه ، وضاقت عينيه سخطًا على حركتها ، ثم أغمضهما مطولاً بصمت ، ليفتحهما مجددًا ، قائلاً بضيق : انتي مش شايفة انك بتكرري الجملة دي كتير برده كل ما بنتناقش مع بعض..
استدارت أميرة ، محدقة فيه بنصف عين فسرها بدر على أنها إستخفاف بما يقوله.
تجهمت ملامحه بغضب تمكن منه رغم محاربته حتى لا يتصاعد ، لكن تصرفاتها استفزازية للغاية.
فجأة مد يده على ذراعها وسحبها نحوه بخفة ، بينما أذهلتها حركته المفاجئة ، لكنه كان أسرع من ردة فعلها ، حيث صاح فيها بإنفعال بعد أن ضاق به ذرعا : انا جوزك يا أميرة .. يعني مطرح ما اكون موجود تبقي جنبي دا مش اوبشن انتي بتجامليني بيه .. وانتي عارفة اني مطلبتش منك تيجي كان ممكن تقعدي في الفيلا اللي مامتك قلبها نايت كلوب لأصحابها ومعارفها وانا مابرتحش في الجو دا .. بس انتي جيتي لما هي سافرت مش وهي موجودة لانك مابتحبيش تقعدي لوحدك .. يعني ماجتيش عشان تراضيني زي ماعايزة توصليلي دلوقتي
نظرت أميرة إليه بعد كانت عيناها محدقة في أزرار قميصه ، ثم قالت بملل يشوبه السخط : بدر انت مستحيل حاجة ترضيك ابدا .. انا غلطت لما جيت هنا عشان اصالحك وافضل معاك
أنهت أميرة كلماتها ، وسحبت ذراعها من قبضته ، وسارعت تمشي بعيدًا عنه متوجهة إلى الخزانة : بتعملي ايه؟ ورايحة علي فين الساعة دي!!
ردت عليه بإنفعال دون أن تنظر إليه : مالكش دعوة بيا يا بدر هروح في داهية
★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••
فى اليوم التالى
داخل مكتب بدر عز الدين الصمت هو سيد المكان
نظر إليه وهو ينفث الهواء بملل ، بينما يعبث بمفاتيح سيارته بين أصابعه ، وهو جالس أمامه لأكثر من عشر دقائق دون أن يتكلم الشخص الآخر بكلمة ، وتبدو ملامحه مقتضبة لدرجة أنه شك اذا منتبهاً لوجوده حقاً أم لا؟
حمحم بخفة ليخرجه من أفكاره بطريقة غير مباشرة ، وسأل بهدوء : مالك يا بدر مضايق كدا ليه؟
تنهد بدر بعمق بعدما انقطع حبل افكاره بصوت صديقه ، و نظر اليه قائلا بحيرة شديدة يشوبها إرهاق ذهني : مش عارف يا كريم اتعامل مع اميرة كل ما احاول اظبطلها دماغها البايظة دي بتزعل و نتخانق
اتسعت عينا كريم بدهشة متصنعة ، ثم عادت إلى طبيعتها بعد برهة ، وقهقة بخفة ليقول بعد ذلك : دي طبيعة الستات يا بدر .. بس بكلمتين حلوين وهدية تزغلل العين هتصالحك
سكت بدر لبضع ثوان ، ثم استأنف حديثه بغضب طفيف : انا تقريبا مابعملش غير كدا .. بس مفيش فايدة تتعدل يومين و ترجع لعادتها من تاني
ابتسم له كريم بهدوء ، وهو بداخله يرقص بفرح على حزن صديقه الواضح قبل أن يهتف مازحا : هدي اعصابك كدا بس واكيد هتتصالحو زي كل مرة .. روق يا أبو البدور
أومأ بدر بالإيجاب ، وطيف ابتسامة داعبت شفتيه ، فهذه عادة كريم ، الذي لا يأخذ أي شيء على محمل الجد بعكس طبع بدر ، ثم سرعان ما اختفت ابتسامته قبل أن يقول على الفور : ماشي .. انا كنت عايزك في موضوع مهم
قطب كريم بين حاجبيه ، وسأله بفضول : ايه .. خير!!
انحنى بدر إلى الأمام قليلًا بعد أن كان مستريحا بظهره على كرسي مكتبه ، قائلاً بدون مقدمات : انت تعرف ايه عن اصحاب المستشفي اللي شغال فيها؟
استنكر كريم بشدة ما قاله بدر ، وأجاب بتوجس ممتلئ بالحذر : ولا حاجة .. يعني معرفهمش شخصيا .. بس انت بتسأل ليه؟
أردف كريم بنبرة خافتة ، وهو يضيق عينيه محاولا إخفاء ارتباكه : في حاجة!!
رفع بدر إبهامه وسبابته ومسح بهما حول فمه في تفكير ، بينما نظرته ثابتة إلى الأمام ، ثم سأله بهدوء : مش ملاحظ ان عدد الوفيات فيها كتير و غريب
تصنع كريم الدهشة متفاجئًا مما يقول ، ويجيب على سؤال بدر بسؤال : غريب .. ازاي يعني!!
حدق به بدر بغرابة ، واستطرد كلماته : موت مفاجئ للمرضي ومن غير اسباب مقنعة
ازدرد كريم لعابه بعد أن هرب من النظر إليه ، ليتكلم بتبرير : لا يا بدر دي اعمار .. و وارد ان دا يحصل في اي مستشفي
★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••
في مساء نفس اليوم
رمشت بعينها عدة مرات بعد أن عجزت عن إستيعاب كلماته ، ثم تساءلت بتعجب : يعني ايه سألك عن المستشفي!!
زفر كريم بغضب وهو يميل بمرفقه على نافذة سيارته الواقفة أمام منزله ، ويكرر ما قاله للتو : زي ماحكيتلك يا اميرة انا حاسس انه شاكك في اللي بيحصل فيها
سكتت أميرة بعض الوقت حتى فهمت الأمر ، ثم قالت بإرتياب : هو يعرف منين اللي بيجرا في المستشفي بتاعتك؟
أغمض كريم عينيه من الإرهاق الذي سيطر عليه من كثرة التفكير فيما حدث ، لكنه أردف مجدداً بنبرة قلق حيث شتم نفسه على تلك الثغرة التي أحدثها عن غير قصد ، ومن الواضح أن بسببها ستفتح عليه جبهات كثيرة : هو مايعرفش .. بس من فترة جت حالة عندنا تخص المساعد بتاعته اللي اسمه جاسر و نتيجة غباوة دكتور متدرب الواد بدل ماتتعالج رجله قلبه وقف
لا شعوريا ، وضعت يدها على فمها ، وبهتت ملامحها الفاتنة من الصدمة ، تمتمت بخوف : يا نهار اسود!!
تحدث كريم بتوتر واضح في لهجته المنفعلة : اليوم كلو مابيبطلش اسئلة عن المستشفي وحالات الموت فيها ولو الكلام كتر .. دي فيها خراب و مصيبة كبيرة علينا
سمعته أميرة بعينان جاحظتان من الصدمة ، وبقيت متصنمة في مكانها لوهلة ، والدموع متحجرة في مقل عينيها ، تأبى الإنسياب من الاضطراب المسيطر على كيانها ، ثم هتفت برعب : هنعمل ايه يا كريم!! احنا كدا ممكن نروح في داهية .. احنا والناس للي ورانا لو بدر ركز مع الموضوع دا اكتر من كدا وعرف اننا اصحاب المستشفي
شد كريم شعره إلى الوراء ، وأرجعه بإنفعال وغضب يسري في عروقه ، لم يكن يرغب في ذلك ، لكن الأمر تفاقم الآن عليه ولا شيء في يده إلا هذا الحل المؤقت ، ثم تمتم : خليني افكر كويس وبعدين هكلمك..
سحب كريم كمية كبيرة من الهواء إلى رئتيه ، والغضب ينهش صدره بعد أن كاد يصل إلى ما يريد ، و يدبر له طوال الفترة الماضية حتي يتمكن من الحصول على أميرة ، لم يصدق لسانه بينما يردف بهدوء و إستسلام للأمر الواقع : اسمعي انتي لازم ترجعيلو .. خديه و سافرو المهم تلهيه عننا لحد ما ارتب اموري فاهمة وماتخافيش انا هعرف اتصرف
همست أميرة بصوت مرتجف من الخوف بعد مسح دمعة ساخنة انزلقت لتحرق خدها الناعم : ماشي
★★★
وقف بدر متيبساً في حالة ذهول مريعة مما سمعه ، بينما كادت عينيه أن يبرزان من محجرهما من شدة الصدمة وعدم التصديق.
كان يقف خلف زجاج الشرفة الواسعة التي تطل على الصالة الفسيحة في صالة فيلا زوجته ، حيث جاء لمناقشتها والتصالح معها ، رغم أنه يشعر في كثير من الأحيان بأنها تخلق مشاكل لأسباب واهية أو تفعل ما يمقته حتى تخرجه عن طوره.
عاد مشياً إلى الخارج بخطوات سريعة مثل الركض حيث يركن سيارته ، ثم أدار المحرك ليغادر المكان بأقصى سرعة ، ونيران الغضب تنطلق من عينيه حتى أن الأوردة برقبته إنتفخت بقوة.
لا يعرف وجهته ، يشعر وكأنه قد ضل الطريق ، وعقله لا يستوعب ، ورافضًا تمامًا تصديق خيانة أقرب شخصين إليه ، صديق العمر وزوجته الحبيبة ، بالرغم من أن طبيعتها تغضبه ولا تعجبه إلا أنه يحبها ويسعى لإسعادها بكل طاقة ممكنة.
يسعى جاهداً لتصحيح عيوبها تدريجياً ، لكن ما سمعه الآن تجاوز حدود خياله.
كيف استطاعت أن تكذب عليه وتخدعه طوال هذا الوقت ، وكيف دفعها حبها للمال للمشاركة في هذه الجريمة الشنعاء؟
بينما هو رجل قانون ، ويتطلب منه واجبه المهني والأخلاقي الدفاع عن حقوق الناس وحياتهم.
كيف يمكن لزوجته أن تكون شريكة في سلب الناس حياتهم بهذه الطريقة الفظيعة وغير الإنسانية على الإطلاق؟
في اليوم التالي
اتصل بأخيه وأخبره بما سمعه ووصل إليه ، لكنه لم يذكر اسم زوجته في الأمر مؤقتًا ، وهو ناوي تركها قبل أن يرسلهما إلى السجن حتى ينال كلاهما العقوبة التي يستحقهما بحق ، لكن لابد من دراسة الموقف بتفكير و روية.
Back
عاد من الغرق في بحر ذكرياته على صوت نداء متكرر من أخيه لشخص ما.
قام بتحريك حدقتيه إلى الأمام حتى رأى امرأة سمينة إلى حد ما ، عادية الشكل ترتدي الحجاب ، ويبدو أنها في الثلاثينيات من عمرها تتجه نحوهم.
وصلت إليهم ، وقالت بابتسامة محرجة : مساء الخير .. اعذروني اتأخرت عليكو
دعاها جاسر للجلوس بلطف بإشارة من يده على أحد الكراسي.
استأنف القول بابتسامة ، وهو يشير إلى الفتاتين : خليني اعرفكو ببعض .. الانسة حياة .. و شذي خطيبتي
قالت بنبرة هادئة بعد أن جلست على كرسيها ، وحقيبة يدها في حجرها ، تعبث فيها بقليل من التوتر بسبب تحديق الفتاتين بتساؤل نحوها : اهلا بيكم
ساد الصمت فترة قبل أن يسترسل جاسر تعريفهم علي بعض : دي مدام هاجر .. بتشتغل ممرضة في مستشفي كريم زي ماحكيتلكم من شوية .. اتفضلي يا مدام هاجر احنا سامعينك
ازدردت هاجر لعابها بتوتر واضح في نبرتها المترددة عندما بدأت تسرد ما رأته : انا اتعينت في المستشفي من فترة بسيطة حوالي شهرين .. بس اللي شوفته فيها حاجة رهيبة ماقدرتش أفضل ساكتة كتير ..اخر حاجة كانت من كام يوم بس .. شوفت بعيني دكتور كريم في وضع محرج في اوضته بالمستشفي مع وحدة ست اللي صدمني اكتر اني شوفت نفس الست دي مع استاذ بدر صاحب دكتور كريم من فترة وعرفت من ممرضة زميلتي انها مراته ونفس الست دي بنت خالة دكتور كريم..
بدت الصدمة واضحة على وجوههم ، ليقول جاسر بعد صمت مريب : اميرة علي علاقة بكريم
خفضت هاجر عينيها في حرج قائلة بهدوء : دا اللي شوفته .. انا والله ماكنتش عايزة ابقي متطفلة ولا عايزة ادخل في مشاكل مش قدها عشان مستحيل حد هيصدقني
★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••
في المساء
دخلت حياة منزل بدر الذي لم تسمع صوتًا منه منذ عدة ساعات.
زاد هذا من القلق في نفسها لدرجة أنها لم تعد قادرة على الصمت بعد الآن.
جلست بجانبه على الأريكة في لباسها الخارجي ، وعيناها تنظران إلى جانب وجهه وهو يحدق إلى الأمام مباشرة بجمود ، فهمست بتردد : ممكن تتكلم معايا .. من ساعة ما قابلنا شذي و جاسر وانت ماتكلمتش خالص
نظر بدر في عينيها ، وابتلع تلك الغصة المرّة في حلقه ، وهمس بحزن : معلش يا حياة .. حاسس اني هجنن من كتر التفكير و دماغي متلخبطة اوي .. لسه ماستوعبتش انها ماصدقت خلصت مني و راحت ترمي نفسها في حضن كريم
شدّت حياة شعرها بقهر شديد دون وعي ، وقالت بإندفاع بنبرة مرتفعة قليلاً : انا من الاول خالص وانا مش مستريحة للي اسمها اميرة دي
نظر بدر بعيداً عنها ، وأطلق زفيرًا عميقًا ، لعل أفكاره المتضاربة تخرج معه ، ثم قال بهدوء : الاكيد اني وصلت لحاجة خليتهم يحسوا انهم في خطر بسببه
تطلع إليها مجددا ، ووجدها تحدق في أصابعها وهي تضغط بشدة على شفتيها لمنع نفسها من البكاء حتى سمعته يتساءل بحيرة عارمة : بس ايه هي الحاجة دي ووصلتلها ازاي!!؟ واضح بعد ما اكتشفوا اني عرفت سرهم قتلوني...
قبل أن يتمكن من إنهاء جملته ، قاطعته قائلة بصوت منخفض ، بعد أن رفعت حدقتيها إليه بسرعة : بدر...
رن صوت الهاتف قاطعًا كلماتها.
أدارت عينيها إلى الهاتف على طاولة صغيرة بجوار الأريكة ، ثم نظرت إلى بدر وقالت بغرابة : دي اول مرة التليفون الأرضي يرن!!
رفع بدر كتفيه ، مبيناً جهله بالأمر ، قائلاً بنبرة هادئة : طب ردي
أومأت حياة بالإيجاب ، وهي تمد يدها ، والتقطت سماعة الهاتف لتجيب على الفور : الو!! ايوه .. دا بيته
اتسعت عيناها بدهشة ، وهي تستمع للطرف الآخر ، ثم قالت بذهول : بتقول ايه!!
هتفت بتساؤل ، وعينيها تبحث عن هاتفها ، ثم أمسكت به بسرعة : لحظة .. فين المستشفي دي..؟
صمتت حياة ، تستمع إليه بتركيز وتدون على الهاتف ما قاله بأصابع ترتجف ، ثم اردفت بتلعثم : تمام .. ماشي .. مع السلامة
قطب بدر جبهته ، وسألها بدهشة عندما لاحظ جمود نظرتها للأمام : حياة .. مالك متسمرة كدا ليه؟!!!
همست حياة بهدوء ، وهي تنظر إليه بعينين تتألقان من الدموع الكثيفة : بدر!!...
استفسر بدر بإلحاح ، عندما سكتت حياة ، ولم تتمكن من استكمال كلماتها : في ايه!! ومستشفي ايه اللي بيكلمو منها؟
مسحت حياة دمعة عالقة برموشها من هول المفاجأة عليها ، وتمتمت بصعوبة : دي المستشفي اللي انت راقد فيها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رواية شبح حياتي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نورهان محسن
قبل ساعات قليلة من بزوغ الفجر، داخل سيارة سوداء على الطريق السريع.
حياة جالسة بجانب مازن الذي كان جالسًا خلف عجلة مقود السيارة، وهي شاردة الفكر بما حدث بعد أن تلقت مكالمة هاتفية من المستشفى الذي يرقد فيه بدر في الإسكندرية، على حد قولهم.
ظلت تنظر حول نفسها بضياع عدة دقائق، من جهة أرادت الذهاب إليه، لكن الوقت متأخر كثيراً، وفي ذات الوقت لم تكن قادرة على الانتظار حتى الصباح.
يأست بعد أن حاولت عدة مرات الاتصال على جاسر، لكن لم يصلها أي رد منه.
وضعت حياة يدها على فمها، وغطت ابتسامة عريضة على شفتيها، وهي تتطلع نحو النافذة المجاورة لها عندما تذكرت رد فعل بدر الغاضب عندما اقترحت عليه طلب المساعدة من مازن، فهو الوحيد الذي سيوافق على توصيلها في ذلك الوقت المتأخر.
وقد حدث ذلك بالفعل بالرغم من معارضة بدر الشديدة، لكنها ضاعت هباءاً عندما تجاوزته وتوجهت مباشرة إلى شقة مازن، الذي رحب على الفور بمساعدتها، فشكرته كثيرًا هو ووالدته التي وافقت على أخذ الهرة، والاعتناء بها لحين عودتهم، فلا أحد يعلم كم من الوقت سيغيبون؟
عادت بسرعة إلى شقة بدر لإحضار حقيبة سفر صغيرة لها وبعض أغراض شخصية لبدر، بينما بقيت في نفس الملابس التى قضت بها اليوم لأنه لم يكن لديها الوقت لتغييرها.
كان مازن أثناء قيادته يختلس النظر إلى حياة مستكينة بجانبه، ويبدو أنها ضاعت في أفكارها داخل عالم آخر.
فجأة انقطع الصمت بصوت بدر الحاد الذي صر على أسنانه بقوة، وتمتم من بينهم، فهو بالكاد يمسك نفسه حتى لا ينفجر في حياة العنيدة بشكل غير طبيعي يضايقه بخطورة:
"حياة.. أنا مش مستحمل ضغط عصبي وركوبنا في عربية النحنوح دا خنقاني اكتر."
لا شعوريًا، تحركت في مقعدها ونظرت إليه وهو جالس في المقعد الخلفي، ثم سرعان ما اتعدلت في مقعدها قائلة بتلعثم وارتباك:
"شكرا يا دكتور مازن عارفة اني ازعجتك في وقت متأخر..."
لم تكد تنتهي من حديثها الذى زاد الطين بلة، حتى صرخ عليها بدر في فورة غضب، بعد أن خرج عن طوره، وهو ينظر إلى مازن بعدائية:
"وحياة امك ماتبوسي علي ايده بالمرة."
كتمت حياة ردًا لاذعًا كانت على وشك أن تقوله له عندما لاحظت الشخص الجالس على اليسار ينظر إليها، فابتلعته قسراً أثناء الاستماع إلى إجابة مازن الهادئة:
"ماتقوليش كدا يا حياة.. انا لا مضايق ولا حاجة بس فهميني براحة الموضوع مالحقتش افهم من كلامك حاجة."
استشعرت حياة تعجّبه الذى ارتسم بوضوحٍ على ملامحه، ثم أردفت لتُوَضّح ما حدث بصوت هادئ نسبيًا:
"اتصلو بيا من اسكندرية و بلغوني ان بدر عامل حادثة و موجود في المستشفي اللي قولتلك اسمها في اسكندرية."
قال مازن بتساؤل وعيناه مثبتتان على الطريق:
"ومعرفتيش ايه حالته؟!"
هزت حياة رأسها بنفى، ثم واصلت حديثها ببعض الإحراج:
"لا مالحقتش افهم اي حاجة من اللي كلمني وماعرفتش اوصل للمساعد بتاع بدر ولا في وسيلة اسافر بيها بسرعة في وقت متأخر زي دا.. لاقيت نفسي بجري عليكو.. ميرسي لمامتك انها خلت ميجو عنده."
تحدث مازن بابتسامة جذابة زينت ثغره، جعلت القابع ورائه يغضب جزاً على أسنانه بغيرة، ويضم قبضته الفولاذية بحنق، لاعناً بداخله مازن وحياة أيضًا:
"انا مبسوط انك فكرتي فيا اول واحد.. والحمدلله اني وقتها كنت موجود في البيت."
تسرح عقلها في عدة اتجاهات مختلفة واختلطت المشاعر في قلبها بين الخوف والأمل والقلق والترقب، بينما كانت عيناها تحدقان في الطرقات بصمت تام دام لحظات، تدعى إلى ربها بأشياء كثيرة، غير منتبهة إلى المشاعر المختلفة داخل الرجلين الموجودين في السيارة معها.
انقطع حبل أفكارها عندما حمحم مازن الذى أراد إخراجها من قوقعة أفكارها بطريقة غير مباشرة، فابتسمت وقالت بامتنان صادق:
"شكرا يا دكتور معرفش من غيرك بجد كنت اتصرفت ازاي.. وانا اسفة علي الازعاج دا مرة تانية."
شعر مازن بالانزعاج من تمسكها الشديد بعدم رفع الكلفة وإزالة الألقاب بينهما، ليقول بنبرة هادئة حاول بها إخفاء ضيقه:
"ولا يهمك.. المهم نطمن علي بدر.. حاولي تنامي شوية لسه قدامنا وقت طويل في الطريق."
اعتدلت حياة في مقعدها، وأومأت برأسها لتقول بهدوء بعد أن أسندت رأسها على حافة المقعد خلفها:
"تمام هنام شوية."
أثناء حديثهما، كان بدر صامتًا على مضض، وأغمض عينيه وشد قبضته بعنف مثل أنفاسه المضطربة من غضبه المفرط.
فلا يكفي الهالة العصيبة المحيطة به من جميع النواحي حتى يكتمل الموقف بالتصاق مازن بهم، وبناءً على رغبتها تلك الغيبة لا تعلم شيئًا، فلن ينسى الحوار الذي دار بين مازن وشقيقته بعد أن قاموا بتوصيل حياة أول البارحة، عن خلافه معه بسبب شقة حياة، وطبعا استمع للحديث بالكامل ولم يشعر أحد بوجوده.
زفر الهواء بقوة، ربما يساعده ذلك على تهدئة أعصابه الثائرة.
بعد مرور عدة ساعات.
أشرقت الشمس الدافئة على مدينة الإسكندرية، معلنة حلول يوم جديد مختلف تماما يحمل طياته أحداثا جديدة وصادمة للجميع.
داخل المستشفى.
تسير حياة بقلب مرتبك ومازن وبدر إلى جانبها.
سبقها مازن متجهًا نحو موظف الاستقبال، وفي غضون دقائق عاد مرة أخرى، وجعلها تصعد معه إلى أحد الطوابق فى الأعلى.
طرق مازن على أحد الأبواب، بعد التأكد من أنها نفس الغرفة التي وصفها له الموظف، ليدلفو معاً، بعد أن سمح لهم بالدخول الجالس في الداخل.
"ايه المفاجأة دي معقوله!! ازيك يا دكتور مازن عاش من شافك."
تفوه رجل يبدو أنه في الثلاثينيات من عمره يرتدي معطفًا طبيًا أبيض، بعد أن وقف مسرعاً بمفاجأة وهو يدور حول مكتبه، فأجابه مازن بابتسامة وهو يصافحه بحرارة:
"الله يسلمك يا علاء اعذرني مشاغل الدنيا انت عارف."
سأل علاء بدهشة، وهو ينظر إلى حياة نظرة خاطفة:
"ايه جاي في زيارة لحد عندنا؟!"
تنهد مازن بخفة ثم أشار إلى حياة التي تقف بجانبه وبدت متوترة، ليرد على سؤال صديقه بجدية:
"لا الحقيقة احنا بنسأل عن واحد اسمه بدر عز الدين جالكم هنا في حادثة عربية."
نظر إليه علاء متفاجئًا، وتمتم:
"هو يقربلك؟!"
وضع مازن يديه في جيوب بنطاله، ثم أجاب مصححاً:
"لا احنا جيرانه في نفس العمارة و بلغونا بالتليفون انه موجود هنا."
عدل علاء نظارته الطبية على وجهه، وأومأ بفهم مؤكداً:
"ايوه هو اتنقل من ايام بسيطة وكان وضعه مايطمنش ابدا."
كانت حياة تتلفت بعينيها بينما يتحدثون في الغرفة تبحث عن بدر الذي اختفى عن نظرها منذ دخولهم غرفة الطبيب، ثم هتفت للمرة الأولى متداخلة في الحديث لتتساءل بسرعة، وامتلأت عيناها بالقلق:
"ممكن نعرف ايه اللي حصل بالظبط؟!"
هز علاء رأسه ليستطرد بجدية تامة:
"العربية عملت الحادثة في ساعة متأخرة من الليل و في منطقة مقطوعة من الناس.. استاذ بدر فضل في العربية اكتر من خمس ساعات قبل ما يلاقوه ولاد الحلال الفجر ويسعفوه علي مستشفي بسيطة في المنطقة."
تابع حديثه بتأني بعد أن رأى بوادر استغراب ورهبة على ملامح حياة، بينما كان مازن يستمع إليه بهدوء:
"دا اللي عرفته.. لما وصل هناك كان نزف كتير جدا للأسف المخ اتأثر ودا دخله في غيبوبة من وقتها.. حاليا جسمه بدأ يتعافي من الكدمات و الجروح دي علامة كويسة لكن مافيش اي استجابة من المخ لحد دلوقتي."
جف حلق حياة من الصدمة، لكنها لم تستطع الصمت قائلةً باندفاع:
"ليه محدش عمل بلاغ عن الحادثة دي يا دكتور؟!"
أومأ علاء برأسه مؤكدا بنبرة هادئة ومتوازنة:
"اتعمل محضر طبعا اول مادخل المستشفي.. بس زي ما قولتلكو المستشفي اللي كان فيها متواضعة جدا وامكانياتها مش عالية ودا برده كان سبب في تأخير تحسين حالته.. وكمان محدش اهتم بالموضوع بسرعة لان المريض كان معهوش اي اثبات شخصية.. لكن الظابط اللي بيحقق في الحادثة كشف عن العربية عشان نعرف هويته والمستشفي هنا اتصلو برقم بيته."
"يعني هيبقي كويس يا دكتور.. هيبقي كويس؟!"
رددت حياة السؤال بلهفة، دون أن تعى ذلك، جعلت مازن ينظر إليها بريبة ويساوره الشك، لكنه تأمل أن يكون هذا الاهتمام منها بدافع التعاطف مع بدر، مقنعاً نفسه بأنها لم تره منذ أمد طويل.
تنهد الطبيب قائلا بموضوعية:
"املنا في ربنا كبير.. لكن مافيش استجابة منه لاكتر من اسبوعين مع مرور الوقت اذا استمر حاله علي كدا هنضطر نفصل عنه أجهزة التنفس في النهاية ونعلن وفاته."
"انا اسف."
قرع قلب حياة هلعاً لتصيح لا شعوريًا باندفاع:
"لا يا دكتور لو سمحت ماتعملش كدا!!"
نظر علاء ومازن إلى بعضهما البعض، وشعر الشخص الأول بغرابة تصرفها أمامه، بدا أنها مهتمة بهذا البدر بشكل مبالغ فيه ليشعر بالدهشة والحيرة بداخله، خاصة وأن مازن عرفها عليه بأنها جارته ليجيب عليها بسؤال:
"انتي مراته؟!"
اندفَعت الدماء لوجنتيها، معبرة عن خجلها، بعد أن أدركت أنها تعجلت في الرد، لتفرك كفيها معًا بإرتباك، ثم أجابته بصوت منخفض:
"لا انا.. انا جارته."
زفر مازن بضيق، ثم استطرد بهدوء:
"مراته في القاهرة ولسه ماتعرف."
أومأ علاء برأسه متفاهمًا قائلاً بجدية:
"في الحالة دي هي اذا وافقت علي قرار فصل الاجهزة عنه مانقدرش نعمل حاجة."
حدقت حياة بهم بحدة، وقالت بمعارضة:
"بس هي مش مراته دي طليقته."
رفع مازن حاجبيه مصدوماً، وأردف بدهشة عارمة:
"ايه اللي بتقوليه يا حياة عرفتي ازاي الكلام دا اصلا؟!"
"محدش هيفصل الأجهزة عن المريض الا بعد اذن مباشر مننا احنا يا دكتور."
تجمدت حياة للحظة عندما سمعت ذلك الصوت المألوف في أذنها، قبل أن تلتفت إلى الشخص الذي دخل الغرفة، والذي فُتح بابها دون إذن، لتتوسع عيناها بصدمة، قائلة بإنشداه:
"معاذ.. انت بتعمل ايه هنا؟!"
نطق مازن بدهشة بعد أن وزع نظراته بينهما:
"هو انتي تعرفيه يا حياة؟!"
لم يختلف رد فعل معاذ كثيرًا عنها، حيث صُدم أيضًا برؤيتها الغير متوقعة تمامًا وصاح بغرابة، قاطعًا بصرامة رد حياة على مازن:
"انتي ايه اللي جابك هنا يا حياة ورجعتي اسكندرية امتي؟!"
"هو دا بقي معاذ اللي كان خطيبك."
الآن، لم تكتمل هذا الموقف المتوتر لحياة إلا بظهور بدر المفاجئ والمربك لنبضها عندما سمعت صوته بجوار أذنها، لتتحرك حدقتيها تلقائياً تجاهه، متعجبة من عودته إلى الغرفة بهذا الوقت تحديداً، لكن لا وقت للتوتر الآن لتقول بصمود زائف بعد العودة للنظر إلى معاذ:
"انا اللي بسألك!!"
وضع بدر إحدى يديه على خصره، وقال ببغض متجاهلاً النظرة التحذيرية التي أعطتها إياه حياة:
"باين عليه سئيل."
أجاب معاذ على سؤالها ببرود ليس جديد عليه، فهو إما بارد كالصقيع أو غاضب كبركان ليس لديه وسط:
"ماشي.. انا الظابط اللي بحقق في حادثة بدر المحامي.. مين الباشا؟"
تابع معاذ كلماته بنبرة تهكمية لاذعة بعد أن انتقلت عيناه، لمازن الذي قال بصوت يتسم بالهدوء والثبات الانفعالي:
"انا دكتور مازن كمال جار بدر في العمارة."
نطق معاذ ببحة ساخرة:
"تشرفنا يا دوك."
الصدمة لم تكن من نصيب مازن وحده الذي لم يكن مرتاحا لأسلوب معاذ معه، لكن أكبر جرعة كانت من نصيب بدر، وهو يضغط على قبضته بقوة وهتف بصوت داخلى فى سخط، وهو يحرك نظراته بين مازن ومعاذ:
"ليه يارب حظي مهبب كدا ليه؟ من دون كل الظباط دا اللي يكون من نصيبي.. مش كفاية المصايب اللي واقع فيها."
أخذت حياة بعض الوقت لتفكر في صمت قبل أن تهمس بحسرة في نفسها من هذا الحظ العاثر الذي يطاردها، والخوف نشب مخالبه في قلبها وخدشها بعنف، أن وجود معاذ لا يبشر بالخير بل سيعرقل الأمر أكثر، لكنها حاولت جاهدة عدم إظهار ذلك الخوف إليه:
"هي كدا كملت!!"
عقد معاذ ذراعيه أمام صدره العريض بعضلات طبيعية نتيجة تدريباته الجسدية القاسية، وسأل بتأنئ ومكر:
"دورك بقي تفهميني بتعملي ايه هنا يا حياة؟"
وجدت حياة لسانها يرد عليه بتحدٍ دون تفكير:
"انا هنا عشان بدر."
تحولت الغرفة إلى ساحة معركة بالنظرات بين معاذ الغاضب وحياة المتحدية، وبدر الذى يقف بجانبها وعقله على مشارف الجنون من ذلك الدخيل إلى حياته المبعثرة.
أما مازن وعلاء، فكانا يشاهدان ذلك المشهد بصمت، ربما يفهمون شيئًا ما، لتتركز أعينهم على معاذ وهو يقول بتوجس:
"وانتي تعرفيه منين؟"
تجهمت ملامح بدر، استطرَد الحديثَ بخشونة مستفسراً، وكأن الآخر سيرد عليه أو يشعر بوجوده:
"وانت مال اللي خلفوك؟!"
أغمضت حياة عينيها محاولة السيطرة على انفعالاتها، وهي تطبق بشفتيها للداخل، بعدما كادت ضحكة مفاجئة أن تفلت منها، ثم فتحت عينيها وقالت بصوت بارد:
"ممكن تبطل استجواب فيا مش وقته ولا مكانه."
رمقها معاذ بنظرات حارقة بسبب حديثها الذي لم يعجبه إطلاقا، محاولا إيصال رسالة مبطنة لها بعدم إغضابه، فربما تتراجع عن استفزازه، لكن لا حياة لمن تنادي:
"انتي شكلك نسيتي انك خطيبتي ومحتاجة اللي يفكرك يا انسة."
قلبت حياة عينيها لتقول بملل وبرود ظاهرى، لكن ذلك لم يمنعها من استشعار الخطر من رؤية عروقه التي أصبحت نافرة دلالة على غضبه المكتوم:
"واضح ان شغلك اثر علي ذاكرتك.. كان فيه وخلص دبلتك رجعتلك من اسبوعين."
حمحم علاء بحرج لينبّههم بوجود آخرين في الغرفة معهم قبل أن يردف بجدية:
"معاذ باشا.. انت قولت اننا مانقدرش نفصل الاجهزة عنه الا بعد موافقتك ممكن اعرف السبب؟"
سرعان ما جمع معاذ أفكاره المشتتة بسبب البرتقالية قائلا بنبرة جادة قوية:
"لان الحادثة مدبرة بفعل فاعل فرامل العربية مفكوكة بالعمد وفي الحالة دي ممنوع تفصلو الاجهزة الا بأمر مني شخصيا."
خرج مازن بصعوبة من الصدمة التي وقع فيها عندما علم بهوية معاذ وأنه خطيب حياة، لينغمس في صدمة أقوى، فرفع أحد حاجبيه ليسأله بإستنكار:
"يعني في حد قاصد يقتل بدر؟!"
ارتجافة قوية إستهدفت قلب حياة في تلك اللحظة لتقول دون وعي:
"انا هدخل اشوفه فين اوضته؟"
كشّر معاذ عن أسْنانه وصاح فيها باستهجان غير مكترث بمن حولهم وقد طفح الكيل:
"نعم.. تدخلي فين!! انتي ماجاوبتنيش علي سؤالي انتي هنا ليه؟"
حدقت به حياة بنظرة حادة، فقد سبق لها أن ذكرت السبب بالفعل قبل أن تتجاهل الرد عليه تمامًا، فلن تجد فائدة في الحديث معه لأنه لا يفهم الأمور إلا من وجهة نظره فقط.
نظرت إلى مازن الذي لا يفهم شيئًا، وتحوم أسئلة فوق رأسه حول طبيعة علاقة حياة مع ذلك الضابط، ليفيق من خواطره على صوتها الهادئ رغم الاضطراب المستعمر في روحها:
"ممكن يا دكتور مازن تفهم حضرة الظابط احنا هنا عشان نطمن علي بدر؟"
أردفت حياة بأدب بعد أن نظرت إلى علاء:
"ياريت تقولي اوضة بدر فين يا دكتور من فضلك!!"
أنهت كلامها، التى زادت من عبوس معاذ اكثر، ولم يخفي عليه السخرية الواضحة في صوتها ونظراتها إليه، لتتجاوزه مغادرة الغرفة دون أن توليه أدنى اهتمام.
تساءل معاذ بتعجب في خاطره منذ متى كانت لديها تلك الثقة والثبات، وما سبب هذا التغيير الملحوظ فيها؟
بعد مرور دقائق معدودة.
ولجت حياة إلى غرفة بيضاء واسعة، ثم تأملتها للحظة حتى وقعت عيناها عليه.
جسد بدر مستلقي على سرير في منتصف الغرفة بسكون بسبب فقدان الوعي العميق الذى سقط فيه، ومحاطًا بالأجهزة الطبية التي تحافظ على استقرار التنفس والدورة الدموية من خلال استخدام إدخال أنابيب التنفس التى تنقل الأوكسجين إلى رئتيه.
تدريجيًا، اتسعت ابتسامتها وهي تتجه نحو السرير، وتقترب منه محدقة في ملامحه الباهتة، لتهمس بغبطة لم تستطيع كبح جماحها:
"بدر.. انا مش مصدقة!! انت عايش مش ميت زي ماكنت فاكر اهو قدامي انت..."
قاطعها صوته الهادئ قائلا بقلق:
"ايوه بس الكلام اللي قاله الدكتور مش مطمني يا حياة."
رفعت أهدابها الكثيفة، ونظرت إليه ثوان، بعد أن أنهى كلامه، ورأته واقفا عند الجانب الآخر من السرير.
أطلقت حياة زفيرًا قويًا قبل أن ترد بضيق بعد أن تذكرت ما حدث منذ قليل:
"ولا انا مطمنة خصوصا من وجود معاذ هنا.. يعني جه في بالي اشوفه بس مش اول ما احط رجلي في اسكندرية بنص ساعة."
دمدم بدر بنبرة خافتة وثقيلة، وهو يضيق عينيه في حالة من الاستياء:
"تصدقي بالله دي اكتر حاجة غيظاني من كل اللي بيجري.. انتي ليه ماقولتليش انه ظابط؟"
اندهشت حياة من رد فعله المحتدم، و ردت دفاعا عن النفس:
"كانت هتفرق لو قولتلك!! وبعدين انا مش حابة اتكلم عنه اصلا."
حاولت تغيير مسار الحديث واستأنفت كلامها بعد أن أنزلت جفنيها على وجه بدر الراقد بسكون، واقترحت بتفكير:
"سيبك من كل دا.. انت مش حاسس بأي تغيير وانت قريب من جسمك.. يعني حاول تدخل في جسمك يمكن يحصل اي تحسن وتقومه."
هز بدر رأسه وفرك رقبته قائلا بيأس:
"جربت اعمل كدا وانتي واقفة معهم برا.. بس مافيش أي حاجة اتغيرت مش قادر أصحي ولا حصل اي استجابة."
خطرت كلمات معاذ في ذهنها، وتمتمت بقلق:
"الحادثة كانت جامدة عليك و كمان مقصودة."
"بتكلمي مع مين؟!"
رواية شبح حياتي الفصل السادس عشر 16 - بقلم نورهان محسن
"أنتي جميلة ، أجمل من أن يتشوَّه مزاجك لحديثٍ عابر يتسبَّب به كائن مُغفل ، لا يدرك كم أنتِ جميلة."
"البدر"
خطرت كلمات معاذ في ذهنها، وتمتمت بقلق: الحادثة كانت جامدة عليك و كمان مقصودة.
"بتكلمي مع مين؟"
جفلت حياة وتجمدت ملامحها بمجرد أن سمعت صوته خلفها حالما فتح الباب دون سابق إنذار. وربما الحب أيضًا اخترق حصونها دون أن تدري، مقتحمًا قلبها سهوًا.
لتنبس بإستنكار متوترًا بينما تضع إحدى خصلات شعرها المتمردة على جبينها خلف أذنها بعد أن استدارت بكامل جسدها إليه:
"انت ايه اللي دخلك هنا!!"
رفع معاذ حاجبه مستاءًا من هجومها العدائي عليه، وسرعان ما أظلمت ملامحه، وانمحت الابتسامة المرسومة على محياه حتى يلطف الأجواء معها.
ليدمدم بثقة:
"انا ادخل المكان اللي يعجبني."
تابعته حياة بعيون ضيقة، وهو يتقدم نحوها بخطوات ثابتة بطيئة. لتعقد ذراعيها أمام صدرها قائلة بتعبير مقتضب:
"مفيش فايدة! انت مابتتغيرش!! مش شايف ان دي اوضة مريض في مستشفي ماينفعش تزعق كدا."
ارتفع حاجب معاذ غضبًا على حديثها، ليسأل بصوت خشن:
"ايه علاقتك بيه يا حياة؟ ومالك مهتمة بيه ليه وانتي مجرد جارته ودي اول مرة تشوفيه؟!"
أنهى معاذ كلامه بحدة، لتجيب حياة مباشرة بأكثر نبرة هادئة تمتلكها، على عكس الغضب الذي كانت تشعر به في نفسها:
"مايخصكش."
زمجر معاذ بتهديد وصيغة أمر، حيث أنها تضغط على وتر حساس فيه. فأكثر ما يثير استفزازه ويخرجه عن طوره أن يتحداه أحد.
"ماتكلمنيش بالطريقة دي."
أكمل حديثه بصوت أهدأ قليلًا من ذي قبل، بينما يشد على قبضته بعنف محاولًا السيطرة على غضبه:
"اسمعي انا صابر وماسك نفسي عنك بالعافية.. لولا اني انشغلت بالبني ادم اللي وراكي دا.. كنت جيت جبتك غصبن عنك من القاهرة."
حررت يديها المطويتين على صدرها لترفع سبابتها في وجهه، وتدمدم بغضب، بينما بداخلها ترتجف من التوتر العصبي الذي يرافقها بسبب الظروف التي أحاطت بها، خاصة مع اقتحام هذا المتغطرس نفسه في حياتها من جديد، ليجعل الأمور أسوأ بالنسبة لها:
"اسمه بدر والزم حدودك يا معاذ.. انا مش مجرمة ولا متهمة في القسم قدامك عشان تعاملني بالهمجية وقلة الذوق دي.. وانت ماتقدرش تعملي حاجة فاهم."
اشتعل معاذ غيظًا من لسانها السليط، ونظرة الاستخفاف التي ترمقه بها، حتى اندلعت شرارات متطايرة من عينيه، محدقًا فيها وهو يصيح باستنكار:
"اظاهر ان انتي اللي اتغيرتي في الكام يوم اللي قعدتيهم في القاهرة!! من اول شكلك وطريقة لبسك.. لحد صوتك العالي ولسانك الطويل."
صمت لحظات، بينما تتلألأ عيناه محركا اياها من أخمص قدميها إلى أعلى رأسها بوميض مختلف، تزامنًا مع إنهاء جملته بعاطفة قوية لم يكلف نفسه عناء إخفائها عنها أو ربما حدث ذلك لا شعوريًا منه. لكنها تجاهلت ذلك عندما سألها بعبث:
"معقولة حالك يتشقلب في كام يوم بعدتيهم عني؟"
امتعضت ملامحها من الغضب، وتسللت حمرة خفيفة إلى وجنتيها من نظرته الوقحة نحوها. وقبل أن تجيب عليه، استمع كلاهما إلى صوت الطبيب الذي جاء من عند باب الغرفة، حيث نظر إليهما باستنكار وقال بنبرة هادئة:
"ايه يا جماعة!! انتو مش واخدين بالكو واقفين فين؟ تعالي معايا يا حضرت الظابط لو سمحت."
لكل هذا حدث أمام أعين بدر الذي يدعى البرود، وهو بداخله يحترق من الغضب بسبب كلام معاذ. لينظر إلى جسده الساكن بعيون حمراء من القهر، وكأنه يقول له انهض من سباتك حتى تلقنه درسًا لن ينساه، لكن لا حياة لمن تناديها، أيها البدر.
"حياة"
نطق اسمها بهدوء بارد، على عكس الفوضى التي تشكلت بداخله بعد أن غادر معاذ الغرفة. بينما كانت حياة واقفة تنظر إلى الباب بجمود، والآخر غير مدرك بما تفسر تعابيرها وهي مولية ظهرها له.
همست حياة بصوت خفيض مرتجف، وكأنها تخاطب نفسها ويبدو أنها على وشك الانهيار:
"دي كانت غلطتي من الاول لما وافقت اتخطبلو.. من يومها وهو بيتصرف بالطريقة دي معايا زعيق و شخط و تحكم فيا كأنه اشتراني.. مش عايزني اعمل اي حاجة الا بأمره وعلي مزاجه وانا ماليش رأي.. وفي الأخر لما اشوفه قاعد واخد راحته و بيهزر مع وحدة ويحط ايده عليها بكل بجاحة في مكان عام واحاول الومه واعاتبه..."
أنهت كلامها، تزامناً مع استدارها إليه، تطلعت إليه بنظرة احتوت في طياتها الغضب والحسرة، بينما عيناها انهمرت منها الدموع واحدة تلو الأخرى بغزارة مثل غيمة ممتلئة بالمطر لفترة طويلة، وظلت تؤجل موعد الهطول بدافع الكبرياء، لتنهار الآن وتغرق الكون بأثره.
ابتلعت حياة غصة متوقفة بمرارة في حلقها، لتكمل بصوت ضعيف بعد أن سارت ببطء، لتجلس على الأريكة أمام سرير بدر بعد أن شعرت أن قدميها أصبحتا كالهلام، لم يعد بإمكانها السيطرة عليهما أكثر:
"عارف كان رد فعله ايه؟!"
اقترب منها بدر بثبات ظاهري ليجلس بجانبها، وينظر إليها بصمت، كما لو أنه يحثها على استكمال حديثها.
لتغمغم بخفوت:
"ببجاحة قالي دي حاجة عابرة بس انتي اللي هتكوني مراتي."
رفع بدر حاجبه سخطًا على حديثها، الذي جعل الدم يفور بداخله، لكنه ظل صامتًا حتى يجعلها تخرج كل الشحنة المليئة بالدموع والقهر الكامن في صدرها، والذي كبته أيام طويلة في أعماقها.
قضمت حياة شفتيها بقوة دون وعي منها بسبب تزايد قلقها واحتياجها لمتنفس، وتذكرت بوضوح كلماته القاسية غير مهتم بمشاعرها، بينما يتمعن في ملامحها المصدومة بجمود تام.
منذ ذلك اليوم لم تستطع البوح لأي شخص بما تشعر به، ولا حتى أعطت نفسها مهلة للتفكير في الأمر، لتخرج ما تخفيه في أعماقها الآن أمام شخص كان حينها الأبعد عن تفكيرها بل أنه آخر ما يمكن أن يخطر ببالها، لكن هذا الانفجار ربما يكون مفيدًا لها الآن حتى تغلق هذه الصفحة إلى الأبد.
فلا يوجد ثراء أعظم من عزة النفس، ولن تقبل إهانة مشاعرها مرة أخرى، وستمزق تلك الصفحة إلى الأبد من حياتها.
جال الصمت بينهما طويلًا، لم يقطعه شيء سوى شهقاتها الخافتة، مختبئة وجهها المحمر خلف ستار كفيها. ثم بعد أن سيطرت على نفسها قليلًا وتجمعت شتات حروفها، رفعت أهدابها الرطبة إليه حتى التقت أعينهما.
طرح عليها عقلها سؤال غريب، أي منهما يستمد القوة من الآخر. لتكمل بصوت مبحوح:
"حتي بعد ما رميت له دبلته شايف بيتعامل معايا ازاي!! انا سيبت اسكندرية عشان كنت عارفة ان اختي هتضغط عليا عشان ارجعلو.. بس انا جيت من اسكندرية وانا مقررة اني هعيش حياتي بالطريقة اللي تريحني مش هاجي علي نفسي تاني."
مرهق بشدة العيش مع أشخاص يعتبرون أنفسهم دائمًا على صواب مهما ارتكبوا من أخطاء؟
في حديقة المستشفى
وقف معاذ يمسك سيجارة بين أصابعه وينفث دخانها بغضب بارد، وبنظرة ثاقبة كالصقر الذي يقيم فريسته قبل أن ينقض عليها، يشمل مازن الذي كان واقفًا أمامه بتملل، قائلاً باستجواب:
"يعني ماتعرفش اي حاجة عن يوم الحادثة؟"
هز مازن رأسه نافيًا، ليقول موضحًا بينما كلتا يديه داخل بنطاله بدلته ذات اللون الكحلي:
"لا زي ما قولتلك يا معاذ باشا.. احنا جينا نطمن علي بدر.. لكن مانعرفش اي تفاصيل عن الحادثة."
حدق معاذ بعيناه التي بدت نظرتها مخيفة تركزان على عيني مازن الخضر، وهو يرمقه بنظرة حادة ليتمتم:
"انتو؟!"
ازدرد مازن لعابه بتوتر زلزل دواخله للحظة، وزعزع استقرار نبضه بسبب النظرات الحادة الموجهة إليه من قبل الآخر، لكنه أجاب بلا تردد بصلابة يتخللها الإصرار:
"ايوه.. انا وحياة."
"ماشي."
أطلق معاذ هسهسة بجفاء، وهو يحدق فيه بنظرات غامقة ومريبة، قبل أن يردف بصوت بارد:
"بس لازم حد من اهله يكونو موجودين.. وجودك انت وهي مش كفاية."
سعل مازن بخفة لأن أكثر ما يزعجه هو دخان السجائر، وهذا الأحمق عن عمد ينفثه بوجهه الذي احتقن باختناق. لقد صمد أمام وقاحته طويلًا، ليهز رأسه قائلاً بعبوس:
"تمام.. عن اذنك."
نظر إليه معاذ، وهو يبتعد بعد أن أشار إليه بالمغادرة في صمت، مبعثراً شعره بغضب، ورمى السيجارة، وداس عليها بقدمه، تزامنًا مع إخراج هاتفه من جيب بنطاله، ثم أجرى مكالمة صوتية على رقم معين، وبعدها وضع الهاتف على أذنه، في انتظار الرد:
"ايوه.. ايه الاخبار!! انا كويس.."
سرعان ما أردف بدون مقدمات:
"حياة هنا."
زفر أنفاسه الحارة، ليقول بصوت أهدأ:
"لما تيجي هقولك علي التفاصيل."
سكت معاذ لحظة، يستمع للطرف الآخر، ثم أضاف بصوت أجش:
"ماشي ماتتأخروش.. باي."
في غرفة بدر
اخترق صوت رنين هاتفها، هالة الهدوء التي أحاطت بالمكان بعد أن أفرغت شحنة الغضب والاضطراب الذي أثار أعصابها، معلنًا عن وصول مكالمة.
فركت محجر عينها وهي تنفخ خدها الذي بدأ يعود إلى لونه الطبيعي، وفهمت ما فعله معاذ، ففصلت المكالمة سريعًا وألقت الهاتف على الأريكة التي تجلس عليها دون اهتمام.
لم يستطع بدر كبح السؤال اللامع في عينيه، معبرًا عنه فورًا من غيرته المفرطة، لكنه كافح ليجعل صوته باردًا:
"دا معاذ؟!"
ازدردت حياة لعابها لترد بصوت خافت مبحوح نتيجة بكائها:
"ميساء.. اكيد ماكدبش خبر وقالها كل حاجة."
ارتفع حاجب بدر تلقائيًا في سخط، وأدار عينيه للهاتف بشفاه مشدودة ثم تساءل:
"وهتعملي ايه؟"
أطلقت حياة تنهيدة طويلة، في محاولة للتخلص من كل مشاعرها السلبية معها، لتفرك جبينها بخفة بعيون مغلقة وحواجب معقودة قبل أن تقول بتعب طفيف:
"انا حاسة بصداع ومش عايزة افكر في حاجة دلوقتي."
تكأ بدر بمرفقه على حافة الكنبة متعمداً النظر إليها، ليقول بهدوء مشوبًا عتابًا لطيفًا يطوفه الاهتمام:
"بقالي يوم كامل مانمتيش فيه غير ساعتين وكمان مافطرتيش."
تنهدت حياة بعمق، واستقامت بجسدها حينها شعرت بألم ظهرها المتشنج من طريقة جلوسها الخاطئة، لتتحرك ببطء نحو سرير بدر.
أطالت النظر إليه حيث عادت رباطة الجأش إليها، لتشعر بالهدوء وانتظام دقات قلبها، ثم بررت ذلك بنبرة خافتة:
"مابعرفش اكل وانا قلقانة يا بدر.. بس شوية كدا وننزل الكافيتريا."
مررت بأهدابها الطويلة قبل أن ترفع أطراف أصابعها بشكل عفوي، لتمريرها بخفة على لحيته النامية على عظام فكه، بعد أن انحنت قليلاً بجسدها تجاهه، قائلةً بتذمر طفولي:
"شعر ذقنك طول جامد."
استرسلت الحديث لا شعوريًا، مشيرة بإصبعها إليه، بعد أن رفعت عينيها إلى طيف بدر، الذي وقف بجوار جسده المستلقي بسكون على السرير من الناحية الأخرى، غافلة كليًا عن نظراته المبهمة التي اخترقتها بصمت:
"ذقنك دي مظبوطة و احلي.. لما تفوق لازم تخفها زي دي."
أنهت حياة جملتها، بالتزامن مع إزالة أصابعها عن وجه بدر الذي قال بغموض:
"اعملي كدا تاني."
رمشت حياة بدهشة، وقالت ببراءة:
"اعمل ايه؟!"
حدق بها بدر لبضع ثوان، ثم أشار إليها وأجابها:
"حطي ايدك علي ذقني."
حسنًا، لقد أدركت للتو ما فعلته، أنها لمسته دون وعي منها.
اتسعت مقل عينيها بتفاجئ، وتشبعت وجنتيها بحمرة الخجل من نفسها رغماً عنها، لتبدو كثمرة الطماطم الناضجة.
تنحنحت بإرتباك لتقول بعدم فهم لحديثه:
"ايه دا.. اشمعنا؟!"
فرك بدر جبهته بضجر وصاح متذمرًا:
"اسمعي الكلام لو مرة واحدة من غير لماضة."
نفذت حياة ما طلب منها، لتعاود النظر إليه، وتتساءل بتوجس بانتظار إجابته:
"اهو.. في ايه؟"
سلط بدر نظراته عليها بعد أن كان مخفضًا بصره نحو جسده لينطق بكلماته ببطء، مدققًا في ارتباكها، واستكمل حديثه:
"انا حاسس بلمسة صوابعك علي وشي."
نظرت إليه حياة بإنشداه، لتغمغم بذهول:
"بجد.. دا معناه ايه؟!"
حدق بدر بها، وهناك بريق جذاب في عينيه، ليجيب عليها بعد ثوان من الصمت:
"ممكن روحي وجسمي لسه بينهم تواصل ببعض وجايز في امل أفوق."
ارتفع صوتها من المفاجأة، قائلة بابتسامة مشرقة بعد أن استقامت بجسدها:
"يارب يا بدر تفوق."
سرعان ما تبددت تلك السعادة وحلت مكانها مشاعر أخرى بين الصدمة والغضب بمجرد أن سمعوا أحدهم يقول:
"امين يارب."
استدارت حياة نحو الباب بإنشداه، حيث مصدر الصوت الأنثوي الذي اخترق المكان ليقطع حديثهما، والتي لم تسمع منه إلا الجملة الأخيرة من حياة، لتردد أميرة بصوت ناعم الدعاء خلفها.
أصبح وجه بدر محتقنًا عندما سقطت عيناه عليها، ليشتعل داخلهما لهيب حارق، حيث أن حياة رأت بوضوح الغضب والكراهية يبرزان من عينيه ولم تحزر السبب كثيرًا، فقد فهمت إحساسه جيدًا ومن يستطيع أن يلومه.
تحدثت أميرة بنبرة هادئة بعد أن كانت تنتظر حياة تبدأ بالحديث، لكنها ظلت تنظر إليها من دون رد فعل:
"ازيك يا حياة.. مش كدا!! شوفتي لسه فاكرة اسمك ازاي."
ابتلعت حياة لعابها في محاولة للحفاظ على ثباتها الانفعالي لتقول على مضض:
"اهلا."
ابتلعت بقية حديثها داخل جوفها عندما رأت دخول الطبيب المسمى علاء، وبجانبه شخص غريب وغير مألوف لها.
تقدمت أميرة إلى منتصف الغرفة، لتقف راسمًة على وجهها الحزن، وتقول بنبرة ناعمة ممتلئة بالقلق:
"ماصدقتش نفسي لما اتصلو بيا من مصر وقالولي ان بدر في المستشفي.. جيت على طول انا وكريم ابن خالتي."
أنهت كلامها، مشيرة إلى كريم الذي كان واقفًا أمام علاء، ليسأله بهدوء:
"هو زي ما قولتلي يا دكتور ان حالته مش بتتحسن."
قال له علاء جدياً:
"استجابة المخ بطيئة.. لكن كل شئ في إيد ربنا سبحانه وتعالى."
جذبت حياة نفسها بالقوة من صدمتها، بينما كانت عيناها تشاهدان ما يحدث بفضول انطلق كالسهم مغادرًا شفتيها الوردية على هيئة سؤال موجه لأميرة:
"معلش.. ممكن اعرف مين بلغك بوجوده هنا؟!"
انتقلت كل الأنظار إليها، لكن ما أثار شكوك بدر وأستفزه، تلك النظرة الغامضة التي رمقها كريم بها بعسليته الماكرة.
استمر الصمت لمدة ثوانٍ، ورفرفت الأفكار في أذهان كل من في الغرفة، حتى جاءت الإجابة بصوت رجولي وجذاب أجش قادم من عتبة باب غرفة بدر:
"انا يا حياة.. المدام مراته وهتفيدنا كتير في اننا نعرف الحادثة حصلت ازاي!!"
اتجه الانتباه إلى معاذ الذي كان واقفًا محاطًا بهالة من الثقة والبرود، تثير التوتر في نفوس الحاضرين دون أدنى جهد منه.
بعد دقيقة من الصمت، ردت أميرة بنبرة متوترة إلى حد ما:
"الحقيقة انا معرفش بالظبط!! كنت في الفيلا وهو كان مشغول طول اليوم ومعرفتش اوصلو لان تليفونه فضل مقفول."
أمالت برأسها قليلاً بينما كانت تفرك كفيها معًا واردفت:
"سوري انا متوترة شوية واعصابي بايظة من اللي بيحصل ولو ممكن تأجل التحقيق لوقت تاني."
شملها معاذ بنظرته الثاقبة، ليتمتم ببرود:
"تمام."
تحدث كريم بلهجة هادئة بعد أن كان يتابع الموقف أمامه بصمت، أو بالأحرى كان محدقًا في ملامح حياة الواجمة بشكل غريب دون أن يلاحظه أحد من الواقفين بإستثناء واحد:
"دكتور حالته تسمح اننا ننقله لمستشفي.. بالقاهرة."
انتفضت حياة في مكانها تزامناً مع انتفاضة بدر الذي فهم ما ينوي فعله، فتبادلا النظرات بين بعضهما، ليقول بدر بصوت مخنوق:
"لا يا حياة دي مستشفي كريم.. يعني اذا روحت هناك هيخلصو مني بسهولة."
ابتلعت حياة كلماتها قبل أن تقولها حين سبقها معاذ، ونظر إلى كريم ووجه له كلماته بحزم:
"خلينا نأجل القرار دا لحد ما نشوف رأي الدكتور المعالج و لحد الوقت دا هحتاج منك الاجابة علي كام سؤال."
"ياريت الكل يطلع برا عشان هنفحص المريض دلوقتي التجمع دا ماينفعش."
صمت الجميع يستمعون لكلام الممرضة التي جاءت مع أحد الأطباء بخطوات متوازنة، تمامًا مثل صوتها، لتزم أميرة شفتيها لبعضها البعض بقوة عندما لاحظت نظرات كريم إلى حياة، ثم أرختها بتجاهل للأمر بالكامل، ونطقت بهدوء:
"بس انا مالحقتش اشوفه ممكن افضل معاه كام دقيقة على انفراد يا دكتور."
في ممر المستشفى بعد غضون دقائق
ابتعدت حياة عن الجميع لتكون بمفردها في الزاوية، وأخرجت هاتفها وأجرت مكالمة ثم وضعت الهاتف على أذنها، منتظرة بفارغ الصبر الرد، ليأتي فعليًا بعد عدة رنات، لتقول على الفور:
"الو.. انت فين يا جاسر مابتردش من امبارح عليا؟!"
جاء صوت جاسر الهادئ إليها:
"معلش يا حياة ابو شذي تعب فجأة بليل وكنت معاهم في المستشفي."
لم تهتم بما قاله كثيرًا بسبب توترها، وبالكاد استطاعت نطق تلك الكلمات بصعوبة:
"لازم تيجي حالا يا جاسر انا مش عارفة اتصرف لوحدي وبدر..."
قطب جاسر جبينه ليقول باهتمام:
"كلمي بشويش عشان افهمك مالو بدر.. حصل ايه؟!"
اتسع بؤبؤ عين جاسر، وهو ينصت باهتمام لما تقوله حياة.
أنهت حياة من مكالمتها مع جاسر عندما سمعت صوت امرأة تنادي باسمها، وعرفت على الفور لمن يكون هذا الصوت.
استدارت بوجه مقتضب تجاهها، وسخرت قائلة:
"لحقتي تسيبي اللي وراكي وتيجي يا ميساء بعد ما معاذ نقلك الاخبار."
وبختها ميساء بتعبير عابس:
"دا وش تقبلي اختك بيه وكأنك بايته في حضنها.. مش غايبة عنها اكتر من اسبوع و ماشوفتيهاش يا حياة."
تنهدت حياة بإستسلام يتخلله الحرج من أسلوبها الفظ معها، لتقبلها بلطف على خدها، وتقول بصوت رقيق:
"تعالي نقعد."
جلس الاثنان بجانب بعضهما البعض، لتطرح ميساء سؤالاً:
"ادينا قعدنا.. ممكن اعرف انتي بتعملي ايه هنا؟"
لفت حياة عينيها بملل، لتقول ساخرة:
"يعني معاذ ماقالكيش؟"
هزت ميساء رأسها نافية، وأجابت على الفور:
"قالي انك هنا وبس.. جيت على طول انا وحازم بس هو راح يشوف معاذ."
خفضت حياة جفونها، وعقدت ذراعيها على صدرها وقالت بخفوت:
"بدر عامل حادثة وموجود هنا في المستشفي دي."
اتسعت حدقتى ميساء بتفاجئ، وهمست بلا استيعاب وقد ألجمتها الصدمة ثوانٍ:
"بدر عز الدين؟!"
رفعت حياة رموشها الكثيفة، ونظرت إليها للحظة، ثم أجابت بحزن:
"اه في غيبوبة هنا من اسبوعين ومحدش كان عارف مكانه."
تساءلت ميساء بتوجس ملئ بالحذر:
"وانتي ايه علاقتك ببدر.. مش فاهمة..؟"
قاطعت حياة كلامها قائلة بيأس:
"ولا هتفهمني يا ميساء."
بعد فترة من الصمت، سألت ميساء بإلحاح:
"لازم تقوليلي جيتي لحد هنا عشان بدر ليه؟!"
تجاهلت حياة سؤالها، لتقول بنبرة خافتة مليئة بالانزعاج دون النظر إليها:
"مش قادرة اتكلم دلوقتي يا ميساء كفاياكي أسئلة وتحقيق معايا.. انتي عرفتي اني هنا خلاص ارتاحي."
تنهدت ميساء بخفة، وتمتمت بابتسامة محاولة تلطيف الجو بينهما:
"مش هستريح الا لما تروحي معانا البيت."
هزت حياة رأسها احتجاجًا، وقالت بإصرار:
"انا مش همشي من هنا يا ميساء.. انا جاية عشان بدر وهفضل معاه."
عقدت ميساء حاجبيها مستنكرة ما قالته، وهتفت بحدة:
"لا كدا انتي اتجننتي وعايزة تجننيني معاكي.. تعرفي بدر دا منين اصلا وعلاقتك بيه ايه؟"
ظلت حياة تحدق بها بصمت، وتفكر بما ستجيب لكن الصمت طال، ولم تقل شيئًا فلم يكن لديها جواب.
رواية شبح حياتي الفصل السابع عشر 17 - بقلم نورهان محسن
تجنب الحديث أثناء الغضب، قد يكون كلامك صحيح، لكن حتماً أسلوبك خاطئ.
مر الوقت دون أحداث، وأتى المساء سريعاً وانجلى القمر بدراً.
استدار مازن نحو حياة، وهو يحمل بين يده كيساً صغيراً يحتوي على شطيرة، بعد أن قدم إلى ميساء فنجاناً من القهوة، متحدثاً مع الأولى بلطف بالغ:
"اتفضلي يا حياة.. انتي ماكلتيش حاجة من الصبح.. اختك أجدع منك كلت وبعدين شربت قهوة.. كفاياكي انتي شرب قهوة من غير أكل."
رفعت حياة بصرها نحوه، وحدقت فيه بذهن شارد، ومنحته ابتسامة لطيفة لتقول بامتنان، متجاهلة ما قاله منذ لحظات:
"شكراً يا دكتور مازن.. انت تعبت معانا من امبارح ومانمتش حتى.. تقدر تسافر عشان ماتعطلش شغلك."
حدق مازن في ابتسامتها لبضع ثوان، ولم يخفى عليه بحة صوتها المُرْهِقة، ثم أجاب بلباقة:
"ايه اللي بتقوليه دا!! بدر جاري ومتربيين مع بعض وماينفعش أسيبه في الظروف دي، وبعدين أنا بلف على العيانين هنا وبشتغل برضه."
أردف بإصرار، ومد يده إليها من جديد، وابتسامة جذابة تعلو شفتيه:
"اتفضلي كلي."
هزت حياة كتفيها رفضاً، وردت بعد أن وجهت وجهها إلى الجانب الآخر:
"ماليش نفس."
تتابع الموقف عينا بدر، الذي يقف أمامها على الجانب الآخر في الممر الموجود به غرفته، يتكئ بهدوء على الحائط، ليهمس بنبرة دافئة وحنونة جعلت جدران قلبها تقرع بجنون:
"خديه منه يا حياة عشان ماتتعبيش تاني وتقدري تكملي لو حياتي تهمك."
امتثلت لأمره لا شعورياً، وأخذت الشطيرة من مازن بابتسامة مجاملة بعد أن نظرت إلى بدر، الذي كان ينظر إليها بابتسامته المميزة.
قضمت جزءاً صغيراً منها، ومضغتها دون أن تشعر بأي طعم لها، لكنها أجبرت نفسها على الأكل حتى تتجنب الشعور بالصداع الذي يكاد يفتك برأسها.
ساد الصمت التام في رواق المستشفى بعد ذلك، حتى سمعوا وقع الأقدام تسير باتجاههم.
نقلت حياة بصرها بين معاذ وأميرة والطبيب وكريم، الذين وقفوا للحظة يتحدثون أمام باب غرفة بدر، قبل أن تولج أميرة أولاً الغرفة بابتسامة متلهفة، ليدخل الجميع بعدها، بما في ذلك حياة، التي رأت أميرة تندفع إلى بدر، الذي كان مستلقياً على السرير بكل هدوء وسكون، ممسكة بيده بين كفها قائلة بنبرتها الرقيقة:
"خلاص يا حبيبي.. هاخدك من هنا ومش هسيبك أبداً."
اتسعت عينا بدر الواقف بجوار حياة، التي بدورها تقف تطبطب الأرض بقدمها في غيظ من أسلوب أميرة وحديثها لبدر بكل هذا الشغف، حتى لو كان يرقد في سبات عميق، فليس لها مطلقاً الحق في لمسه.
لكن ما فاجأ بدر هو شيء آخر تماماً، إذ لم يستطع أن يشعر بلمسة أميرة عليه.
حدث شيء مشابه أيضاً عندما جاءت الممرضة، ولمسته للتحقق من حالته فلم يشعر بها.
محتمل هذا دليل على أنه بدأ يفقد إحساسه بالحياة تدريجياً، وأنه على وشك مغادرة ذلك العالم إلى الأبد.
سرعان ما خرج من دوامة أفكاره على صوت حياة، التي نبست بسؤال:
"تقصدي بإيه هتاخديه من هنا؟!"
في حين أن عيون كريم شملت حياة بتعمق، بدءاً من ملامح وجهها إلى جسدها بالكامل دون أن يلاحظه أحد، فهو لديه أساليب خاصة بالنظر دون أن يتم فضح أمره، في ذهنه يعترف أن عينيه أعجبت بها مثل الفتيات الأخريات اللائي يمررن به يومياً، لكن تلك البرتقالية لها جمال خاص تحوطها هالة من الغموض يريد أن يستشف ما يدور في عقلها، لأن تواجدها الغير مفهوم يثير شكوكه بشدة، وهذا ما ناقشه مع أميرة قبل ساعات.
انتبه كريم لسؤالها وتولى مهمة الإجابة بدلاً من أميرة، قائلاً بنبرة هادئة يشوبها الكثير من الخبث الخفي داخل مقل عينيه الذهبية:
"الدكتور سمح لينا إننا نسفر بدر على القاهرة.. لأنه خلاص مابقناش محتاجين نستنى في إسكندرية والتحقيق هيتكمل من هناك.. مش كدا يا دكتور علاء؟"
أومأ علاء بالموافقة قائلاً بموضوعية:
"تمام مافيش مشكلة.. الصبح كل حاجة هتكون جاهزة إن شاء الله عشان يتنقل للمستشفى في القاهرة بشكل آمن من غير ما يحصله مضاعفات بالطريق."
ضغطت حياة على قبضتها، وصاحت فجأة احتجاجاً على هذا الكلام، ثم تقدمت أكثر نحو سرير بدر بتلقائية، ووضعت يدها على كتفه في حركة دفاعية:
"لا بدر مش هيتحرك من هنا."
اتسعت كل العيون المثبتة على حركاتها بدهشة من كلامها، بينما اتسعت حدقتا بدر حالما شعر بلمسة أصابعها، التي كانت أشبه بلسعة كهربائية لذيذة جعلت الخلايا في جسده ترتعش دون أن تلحظ هي أياً من ذلك، مثل المرة السابقة تماماً.
وقع عقله في حيرة رهيبة مما يحدث، وهو ينقل عينيه بين من يحاولون تقرير مصير حياته، بينما يظل صامتاً بعجز لا يستطيع التدخل في الأمر، لينظر إلى جسده قائلاً في سره:
"هتفضل كدا لحد امتى يا بدر؟ ياريتك تصحي وتتصرف مع كل البلاوي دي."
حاولت أميرة أن تتماسك، رغم أن أعصابها توترت بسبب أسلوب حياة في الكلام، إلا أنها قطبت حاجبيها عندما رأت حركة حياة، لتسألها بغرابة:
"انتي بتزعقي كدا ليه!! واصلاً ايه علاقتك ببدر عشان تقرري حاجة تخصه؟"
عقدت حياة ذراعيها إلى صدرها بتحدٍ، وحدقتها بعسليتها بتفحص، ثم أجابت عليها بابتسامة ساخرة تقلب سؤالها ضدها، بينما ترمقها بنظرة ذات مغزى:
"انتي اللي بصفتك إيه تقرري تاخديه لمستشفى دكتور كريم أو أي مكان تاني؟!"
شعرت أميرة بسخرية حياة منها، فتدحرجت عينيها تلقائياً نحو كريم، الذي كان يقف مثله مثل أي شخص آخر بالغرفة، يتابع المشهد بريبة وعدم فهم.
ازدردت أميرة رمقها، بينما ترمش بخفة، وردت دفاعاً عن نفسها:
"أنا.. أنا أبقى مراته."
بدأ الغضب يندلع في بؤبؤ عينها من استمرار تلك المرأة في الكذب، واحتدت نبرتها الرقيقة لتصبح مثل نصل حاد، ولم تستطع السيطرة على لسانها وهي تصيح في اندفاع:
"لا انتي مش مراته.. عشان هو رمى عليكي اليمين وانتي عارفة كدا كويس."
طغت الصدمة على وجوه الجميع بلا استثناء.
أمعنت حياة النظر في ملامح أميرة، التي قفزت من ثناياها الصدمة العارمة، حتى أنها استطاعت شم رائحة الدخان المنبعث من أعصاب أميرة، التي احترقت كلياً، وتفتت قشرة الرقة والهدوء التي كانت تصطنعها منذ أن وصلت إلى هنا، ولكن اغتالها الخوف مما سمعته منها للتو.
أسرعت أميرة تقول على الفور، وارتجف جسدها في توتر شديد، وهي تتجنب النظر إليها:
"ايه الجنان والتخريف اللي بتقوليه دا؟ انتي مجنونة!! أنا مراته بالقانون يا حبيبتي.. انتي اللي وجودك هنا غير مرغوب فيه واتفضلي اطلعي برا وجودك مابقاش له لازمة هنا."
أضاءت عينا معاذ بغضب ناري، وغيظ من كلام حياة السخيف، معتقداً أنها حجة منها لإبعاد بدر عن زوجته.
في هذا الوقت بالتحديد، بدأت أجراس الإنذار تدق جدران عقله، بل أنها نيران الغيرة مستعرة بداخله.
جز على أسنانه، ووبخها بعنف:
"حياة.. اعقلي ايه الهبل اللي بتقوليه دا!! انتي اجننتي يلا اتفضلي معايا."
أنهى كلامه ممسكاً بذراعها يأسره بين قبضته، محاولاً إنهاء ذلك الحوار الذي خرج عن سيطرة العقل والهدوء، وصار مهزلة يجب عليه أن يحتويها قبل أن تتفاقم أكثر، ليجذبها معه بخفة لإخراجها من الغرفة، ولكن حياة أبعدت يده عنها بقوة الدفع غير متقبلة فكرة لمسه لها، وذلك لاحظه حين حدقته ببغض، وهي تصرخ محذرة إياه بغضب:
"أوعى سيبني.. مالكش دعوة بيا يا حضرة الظابط."
استقرت أعين حياة العسلية الثائرة في عيون أميرة الرمادية، التي تقذف الصواعق من شدة الغضب بسبب تطاول الأخرى، وكأنهم يعلنون الحرب من خلال النظرات.
قطعت أميرة التواصل البصري معها قائلة بتحدٍ مرتجف، وتشير إلى الجميع:
"يا دكتور.."
لو سمحت كفاية، طلعهم كلهم برا. والصبح بدري تجهز العربية اللي هتنقل بدر من هنا غصبن عن عين أي حد.
فرجت حياة فمها راغبة في الصراخ في وجهها، لكن الباب انفتح فجأة من خلفهم، وجاءت إجابة حازمة من صوت رجولي بدلاً عنها، مما زاد الحطب على نيران الأجواء المشحونة بالغضب في الغرفة: "بدر مش هيروح أي مكان إلا بعد موافقتي أنا يا مرات أخويا".
سألت أميرة في ارتباك منغمس بشيء من الجنون بعد أن فقدت السيطرة على نفسها تمامًا بسبب خوفها والصدمات التي تتلقاها واحدة تلو الأخرى دون فواصل: "أخوكي مين؟ لا أكيد أنتو كلكم نصابين وعاملين مؤامرة على جوزي".
كادت حياة أن تسير إليها بعصبية مفرطة، وهي تزمجر بشيء مثل إعصار الغيرة، وقد حررت كل شياطينها التي حاولت بصعوبة حبسها: "أنتي لسه بتكذبي!! ماتقوليش جوزي دي، وإلا هنتفك زي البطة البلدي في إيدي".
معاذ تحدث بصوت حازم محاولًا تهدئة الموقف بعد أن طوق جسد حياة بذراعيه مثل الأفعى، ليمنعها من الانقضاض على أميرة التي انكمشت على نفسها خوفًا من هجوم الأخرى الشرس عليها: "بس محدش يكلم، كفاية.. يعني إيه أخوكي يا أستاذ، وتطلع مين سيادتك؟!".
رد عليه جاسر بنبرة واثقة وهو يمد له هويته الشخصية: "أنا جاسر عز الدين بدر المحامي.. أخو بدر وليا الحق في الوصية عليه لحد ما يتعافى، ودي بطاقتي".
"كفاياكي عناد يا حياة، أنا تعبت معاكي والله".
أنهت ميساء كلامها بنبرة ملحة إلى حد ما، بينما هزت حياة رأسها لتقول بإصرار: "ماتتعبيش نفسك يا ميساء، أنا هسافر مع بدر".
رفع معاذ حاجبيه مستنكرًا ما تقوله، وهو يضغط على شفته السفلى من غل قلبه، كأنه يفرغ الغضب بداخله نحو حياة في تلك الحركة، وعيناه البارزة تكاد تلتهمها حية.
لم يستطع السيطرة على نفسه عند هذا الحد، لقد جن جنونه منها ووصل للسماء.
صرخ بإنفعال دون أن يأخذ في الاعتبار مكان وقوفهم في الردهة، بينما يرقد المرضى في الغرف بجوارهم: "أنتي مجنونة!! ماتظبطي، إيه اللي بينك وبينه مخليكي لازقة فيه بالشكل ده؟!".
كان سؤاله الغاضب وكلماته الجارحة بمثابة صفعة قوية على وجه حياة جعل صبرها ينفذ، وهتفت بغضب مشابه للبركان الكامن الذي تحررت حممه أخيرًا لتنفجر فيه: "أنت ماتدخلش في الموضوع من أساسه.. أنت كل اللي كان همك تخلي أميرة تاخد بدر من المستشفى بأي طريقة عشان أبعد عنه.. رغم معرفتك إن في حد قاصد يقتله، وبدل ما تحميه وتشوف شغلك يا حضرت الظابط.. لأ بتفكر في نفسك وبس، لكن أنا مش مستغربة، هو ده أنت، معندكش دم وشكاك".
شهقت ميساء، ووضعت يديها دون وعي على فمها، ثم هتفت في حياة بعتاب: "حياة، مايصحش اللي بتقوليه ده!!".
لم تهتم حياة كثيرًا بما قالته شقيقتها، ورمقت معاذ مرة أخرى بنظرة نارية تليق بالقذيفة التي ألقتها عليه في وسط حروفها: "لو سمحتي يا ميساء، سيبني براحتي.. أنا مابقتش صغيرة ومش هسيب حد بين الحياة والموت عشان واحد أناني وهمجي زيك يا معاذ، فاهم.. عن إذنكم".
أنهت حديثها بسرعة، وهربت من أمام وجهه الذي لم تعد تتحمل النظر إليه خاصة في هذه اللحظة، وأيضًا لا تنكر أنها خافت بسبب الغضب الذي كان واضحًا في نظراته النارية لها.
هتفت ميساء من ورائها بعد أن ابتعدت عنهم في محاولة فاشلة منها حتى تجعلها تعود: "يا حياة استني..".
منع حازم زوجته قائلًا بنبرة ذات مغزى، وهو يحدق في معاذ ليقابله بنظرات باردة، لكنها تفوح منها رائحة دخان نتيجة الحريق الناشب داخل ضلوعه من كلماتها القاسية له: "خلاص سيبيها يا ميساء براحتها، اللي جرالها من الباشا ماكنش قليل، بس إحنا واثقين فيها، دي تربيتي".
استمرت حياة في السير بالرواق الطويل بعد أن خرجت من المصعد حتى وصلت إلى فناء المستشفى الخلفي.
توقفت في مكان خافت الإضاءة لتنظيم أنفاسها، حيث تلهث بشدة من انفعالها منذ قليل، لكن على الرغم من ذلك، فإنها تشعر براحة غريبة تسري بدفء في عروقها.
ظهر من العدم خلفها، تاركًا مسافة بينهما، مرتكزًا بنظراته على شعرها الذي يتطاير بفعل الرياح الباردة لبضع لحظات، ثم حرك شفتيه يقول اسمها دون أن يصدر صوت.
شعرت بنبض قلبها يرتفع بلا سبب، وأدارت رأسها تلقائيًا للخلف، فاتسعت مقل عيناها بتفاجئ، ونطقت بفم مبتسم، وكأن مزاجها اعتدل بثوانٍ فور رؤيته: "بدر!!".
أسرت عيناه السوداوان المتلألأة كسماء مرصعة بالنجوم، عسليتها المتوهجة مثل شروق الشمس، لتجذبها إلى طريق مشع بالسحر.
لا تستطيع أن تفسر الشعور الذي يسيطر على حواسها، وهو يحدق بها بنظرته العميقة، والتي رغما عنها تخطف أنفاسها، مما يجعلها تلهث وكأنها في سباق ماراثون.
استمرت تلك النظرات الصامتة دون محاولة منهم، لنطق أي شيء حتى قرر بدر كسر ذلك التواصل البصري عندما تدحرجت عيناه بعيدًا عنها، قائلًا بهدوء: "جاسر قاعد فوق في أوضتي، قولت جيت أشوفك..".
جعد بدر حاجبيه، وأردف متسائلًا: "ليه ماسمعتيش كلامه لما اقترح تاخدي أوضة المرافق تريحي فيها للصبح؟".
اختفت ابتسامتها واستبدلتها بالعبوس، وأجابت على الفور: "ما أعتقدش هيجيلي نوم بعد المشاكل اللي حصلت دي.. حياتك كانت هتبقى في خطر أكتر من الأول بسبب تصرفات معاذ الفظيعة".
تأمل فيها بروية وتفكير يراجع ما سيقوله في ذهنه أولًا، ثم قال بتردد: "أنا سمعت كلامك مع أهلك من شوية".
ضيقت حياة عينيها تنظر إليه بإستغراب لحظة، وقبل أن تبرر ما فعلته، قال بنبرة حازمة: "ماكنش يصح اللي عملتيه واللي قولتي ده يا حياة".
طرقت حياة رأسها ببراءة، وكأنها عادت إلى الوراء سنوات عندما تخفق في أمر ما وتحاول الدفاع عن نفسها أمام والدها، لتقول بخفوت: "طول الوقت بسمع كلام ميساء، على طول متحكمة في حياتي.. كأني ضيفة شرف، وإن دي مش حياتي، ومن حقي أختار المناسب ليا..".
استأنف بدر حديثه ببرود متجاهل الرد على ما قالته للتو: "حياة..".
انتي لازم تسمعي كلامهم وتفضلي هنا.
رفعت حياة عينيها ونظرت إليه وهي تفكر للوهلة من الزمن، غير قادرة على استيعاب ما قاله. لتتمتم بعدم تصديق: "بتقول إيه!!"
داخل ممر المستشفى.
ظل معاذ في مكانه متصنما، بينما تعصف الأفكار المتشابكة رأسه بعد أن فرت حياة بسرعة من أمامه، ورحيل أيضا أخيه وزوجته.
رغب بشدة تهشيم فكها بسبب الكلمات السخيفة التي قالتها في وجهه بعيون ثابتة بتحد وثقة كبيرة في صوتها، وهذا جعله يفقد صوابه. منذ متى كانت تتحلى بتلك القوة كما ظهرت عليها اليوم؟
زفر الهواء بحنق، وبأصابعه أعاد شعره إلى الخلف بغل وغيظ دفنهما في أبعد نقطة بداخله حتى يتمكن من التفكير بعقل.
قرر التريث في خطواته للأيام القادمة حتى يستعيد قبضته على اللجام بشكل صحيح للتحكم فيها كما يشاء، لعلمه أنه إذا أطلق العنان لغضبه الجامح، فإنه سينطحها بكل تأكيد، لكنه لا يريد ذلك.
أغمض عينيه للحظة، وفتحهما، ثم اتجه إلى دورة المياه.
في فناء المستشفى.
رفعت حياة عينيها ونظرت إليه وهي تفكر للحظة، غير قادرة على استيعاب ما قاله. لتتمتم بعدم تصديق: "بتقول إيه!!"
نظر إليها بدر بجمود تتذكره حياة جيدا. هذا الوجه رأته من قبل، وبالتحديد في اللحظة الأولى عندما التقيا. ليردد صدى صوته الرجولي القاسي، بإختصار مؤكدا على أذنها ما قاله منذ لحظات: "اللي سمعتيه".
شعرت حياة بنيران مشتعلة في قلبها وامتلأت عيناها بالدموع، لتقول لا شعوريا: "لا أنا مش هسيبك بعد ما لاقيتك".
خفق قلبه بعنف حينما سمع تلك الكلمات البسيطة تخرج من شفتيها، ليتمتم منتظرا إجابتها بلهفة: "ليه؟"
رمشت حياة عدة مرات وكأنها استوعبت ما قالته بتسرع، وأجابته بصوت خافت، متلعثمة بحروفها: "عشان.. عشان أنت طلبت مساعدتي ولازم أكون قد كلمتي معاك".
على الرغم من قناع البرود والجمود الذي يرتديه أمامها، لم يكن الأمر كذلك من الداخل.
للحظة غمره الأمل، وكاد أن ينسى اتفاقه مع نفسه، وتمنى بأعماق روحه أن يسمع شيئا آخر منها، لكنه قال بثبات: "جاسر معايا هو أكيد هياخد باله عليا.. يعني وجودك مابقاش له داعي وكمان هيسبب مشاكل زي ما قulتي في أول كلامك ليكي و ليا كمان".
استطاعت أن تلاحظ عينيه، اللتين أنقشعت عنهما غيمة البرود، لكن لم تتمكن من تفسير نظراته، لأنه أبعدهما عنها سريعا.
كافحت حياة لكبح دموعها المهددة بالنزول في محاولة فاشلة منها لإجبار لسانها المعقود على النطق، لتخرج حروفها متلعثمة من الغصة المتشكلة في حلقها: "يعني.. أنت بتطردني.. من حياتك.. بعد ما وصلت للي كنت بتدور عليه".
التفت بدر لينظر إليها، ورأى بريق الدموع في عينيها، ليقول بلامبالاة أزعجتها: "الموضوع انتهى لحد هنا يا حياة.. خلاص أنا بكرة هسافر مع جاسر وهكمل علاجي في القاهرة.. وانتي ارجعي لحياتك القديمة.. لمعاذ وابعدي خالص عن أي حاجة تخصني".
أنهى بدر كلماته بصيغة آمر، تاركا وراءه حياة متصنمة في مكانها، والدموع تنهمر من عينيها بالألم والصدمة بينما تحدق في ظهره وهو يسير بثبات.
حينما ابتعد بدر عن مرمى بصرها، توقف مغمضا عينيه بقوة، وبالكاد يحاول السيطرة على روحه، التي تحثه على العودة إليها، لكنه ببساطة لا يستطيع ذلك.
يريد أن يبكي، وبداخله رغبة عارمة في ضرب شيء ما لإفراغ كل طاقته السلبية فيه، لكنه غير قادر بتاتا على فعل أي من تلك الأشياء، فقد أصبح مجرد روح ضائعة بدون الحياة التي وقع لها متيم أكثر من رغبته في العودة لهذا العالم القبيح.
بعد فترة قصيرة من الزمن.
ولجت حياة شقة أختها بعد أن فتحت لها الباب متجاهلة سيل الأسئلة التي أمطرتها بها بقلق، وذهبت مباشرة إلى غرفتها لتضيء أضواءها.
تجولت عيناها في جميع أنحاء الغرفة، وكان كل شيء بداخلها لا يزال كما تركته قبل مغادرتها، وها هي عادت إليها مرة أخرى، ولكن بمشاعر مختلفة تماما عن تلك التي شعرت بها أثناء مغادرتها منها.
حركت قدميها آليا نحو السرير، وهي تشعر بسكون تام بداخلها، ربما مازالت تحت تأثير الصدمة، لتجلس عليه بهدوء.
جعدت بين حاجبيها بألم حينما بدأت في خلع الحذاء ذو الكعب من قدميها ببطء، لأنها كانت تتألم منه بشدة.
وقعت عيناها لا إراديا على الحقيبة التي ألقتها بإهمال على الأرض، وتذكرت ما حدث منذ أكثر من ساعة، بالضبط عندما تركها بدر وراءه دون أن يكلف نفسه عناء سماع ردها.
رواية شبح حياتي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نورهان محسن
حركت قدميها ألياً نحو السرير، وهى تشعر بسكون تام بداخلها. ربما مازالت تحت تأثير الصدمة، لتجلس عليه بهدوء.
جعدت بين حاجبيها بألم حينما بدأت في خلع الحذاء ذو الكعب العالى من قدميها ببطء، لأنها كانت تتألم منه بشدة.
وقعت عيناها لا إرادياً على الحقيبة التي ألقتها بإهمال على الأرض، وتذكرت ما حدث منذ أكثر من ساعة، بالضبط عندما تركها بدر وراءه دون أن يكلف نفسه عناء سماع ردها.
***
ظلت علامات الصدمة تحتل ملامحها، محدقة في مكانه الخالي بعد رحيله، فيما ساد الهدوء المكان وركدت الريح حولها.
التفتت إلى الجانب الآخر لتغادر المستشفى وتبتعد عن كل شيء، ومازالت عيناها تسيل منها الدموع، بينما تمشي مطأطأة رأسها، اصطدمَت بجسدها الواهن بشيء صلب.
انطبقت شفتيها على بعضهما وهي تحاول التحكم في شهقتها، وكادت أن تسقط على الأرض، لذا أغمضت عينيها، وهي تستعد للارتطام على الأرضية الصلبة تحتها، لكن يدًا أمسكت بها في الوقت المناسب لتجذبها فوراً بإعتدال.
رفعت رأسها ببطء، ناظرة إلى منقذها لعدة لحظات في حالة من الصدمة.
أخرجها صوته من شرنقة البلاهة التي أصابتها، حالما قال بنبرة صوته التى تنم على مدى خوفه وقلقه عليها، حين رأى حالتها المزرية: حياة.. انتي كويسة؟ مالك بتعيطي ليه؟ ايه اللي حصل؟
حاولت حياة منع دموعها من الإنهمار أكثر عندما مدت أصابعها بشكل عفوي لمسح عينيها، بينما تتراجع خطوتين، لتقول بصوت هادئ يتخلله نغمة حزينة بعدما أصابتها خيبة أمل حطمت قلبها إرباً: مفيش حاجة يا دكتور مازن.. كنت مضايقة شوية وخرجت اشم هوا.
أحدق بها مازن بغرابة، متسائلاً بحيرة يشوبها الفضول، منتظرًا بفارغ الصبر إجابتها: اعذريني في السؤال دا.. خطيبك حاول يضايقك تاني؟
حياة على الرغم من الألم الذي يعصف بروحها في تلك اللحظة، إلا أنها سرعان ما أومأت برأسها بنفى، قائلةً بهدوء ظاهري: معاذ مش خطيبي.. لو سمحت انا عايزة شنطتي اللي عندك في العربية.
إنفرجت شفتيه بابتسامة سعيدة بعد الاستماع إلى كلماتها الأولى، لكنه حاول أن يخفيها، وحمحم بخفة، ليقول بنبرة هادئة رجولية: من عيني.. بالحق كنت بدور عليكي عشان اقولك انك هتيجي معايا في عربيتي بكرا.. يعني الاحسن انك ماتركبيش في عربية الاسعاف مع بدر تجنبا للمشاكل.
---
حركت شفتيها بابتسامة مزيفة لم تصل لعينيها وهي تهز كتفيها، قائلةً بهدوء حتى يبدو عليها أنها غير مبالية بالأمر، وتقضم شفتها السفلى في محاولة وقف ارتجافها، عندما رأت عينيه الخضر تتسعان في دهشة من كلماتها المفاجئة له: مافيش مشاكل هتحصل ولا في داعي لوجودي خالص.. انا مش هسافر معاكو.
***
انقطع حبل أفكارها بمجرد سماع صوت طقطقة خافتة على الباب.
سمحت لأختها بالدخول بعد أن رفعت جذعها العلوى علي السرير بعدما كانت مسطحة عليه، ثم مسحت الدموع العالقة بين ثنايا رموشها.
دخلت ميساء بهدوء، لكنها سرعان ما رفعت حاجبيها معًا، وتقلصت ملامحها في حالة استياء من جلسة الأخرى على السرير بملابسها.
هزت رأسها بقلة حيلة على حالة أختها الصغيرة الغريبة في الفترة الأخيرة، لتقول بحنان: لسه مغيرتيش هدومك ليه؟ ولا زي عوايدك لما تكوني تعبانة هتنامي بيهم؟
أجابت حياة المقتضبة بإيجاز: كنت هغير وانام دلوقتي.
ابتسمت ميساء لها، وهي تتحرك للجلوس بجانبها على حافة السرير محاولة تلطيف الأجواء بينهما قليلا، لتهتف بإعجاب صادق: ثم تعالي قوليلي هنا.. هو السفر بيحلي اوي كدا؟ الهدوم دي شيك جدا ولايقة عليكي يا يويو.. ياريتني اسافر انا كمان.
أنهت ميساء جملتها بنبرة مرحة، اكتست حمرة محببة خدي حياة من اطراء أختها، وقد فهمت ما تحاول القيام به، فابتسمت لها وقالت بلطف: مش محتاجة للسفر.. انتي دايما حلوة يا ميساء.
اتسعت ابتسامة ميساء واحتضنتها بحب، لتقول بصدق بصوتها الرقيق: حبيبة اختك والله وحشتيني اوي.
بادلته حياة العناق بإحتياج وشوق، حيث أن الشخص ريثما يكون على حافة الإنهيار النفسي، يحتاج للأحتواء أكثر من حاجته للنصح والعتاب، ونطقت بكلماتها بصوت مخنوق كأنها على وشك البكاء: وانتي كمان..
بترت حياة باقى جملتها بسبب الغصة التى توقفت فى حلقها، ثم استطردت ميساء بقلق، وهي تخرجها من حضنها متأملة في ملامح حياة الباكية: لو علي اللي عملو معاذ انهاردة معاكي.. انا هخلي حازم يوقفو عند حدو.. بس ماتزعليش كدا.
نفت حياة برأسها بسرعة، محدقة فيها بعينين مهتزتين و قناع زائف مرتسم على ملامحها، لكن سرعان ما تنهمر دموعها بغزارة، دمعة تلو الأخرى بضعف.
عانقتها ميساء بسرعة وهي تربت على ظهرها، وهتفت بحنان وهي تحاول تهدئتها: طب اهدي بس وفضفضيلي زي زمان.. مالك.. ايه اللي مضايقك اوي كدا؟ وليه رجعتي بعد ماكنتي مصممة تفضلي مع بدر؟
---
أخرجتها ميساء بسرعة من بين ذراعيها عندما قفز هذا الاستنتاج في ذهنها، لتصيح بغيظ: عروسة المولد مراته دي.. ضايقتك في الكلام تاني؟
كيف ترد عليها الآن؟ هل تخبرها تلك القصة الخرافية التي لن يصدقها عاقل، أم تشكو لها من الألم الذي تسبب به بدر لها بما فعله معها من عدة ساعات قليلة.
الشيء الأهم.. لماذا هى حزينة للغاية؟ ولماذا تفعل كل هذا من أجله؟ ولماذا تتحدى الجميع من أجله، وفي النهاية يتركها وراءه ويمضي بهذا الشكل الذي أهان كرامتها وحطم قلبها، حتى بدون أن يكلف نفسه ويقوم بتوديعها.
لماذا تشعر بكل هذا الشوق في قلبها له من الآن؟
إنه شعور قاتل أن يكون هناك عتاب على شخص بداخلك، ولا يمكنك حتى التعبير عنه لنفسك.
***
مرت الأيام والأسابيع والشهور.
داخل أحد الأماكن الراقية، في حديقة واسعة مليئة بالأضواء الساطعة والموسيقى الصاخبة، طاولات مغطاة بأغطية أنيقة ومزينة بالورود، عليها بعض الأطعمة والمشروبات المختلفة، وبعضها موزعا حول حمام السباحة.
دخلت حياة تتأبط في ذراع معاذ بثقة، ولكن بداخلها ترتجف بشدة مما سيحدث في تلك الحفلة بسبب وجوده، رغم أن معاذ وشقيقتها وزوجها بجوارها، لكنها كانت متوترة جدًا مهما حاولت جاهدة ان تدعى الثبات.
ترتدي فستاناً طويلاً لونه أزرق غامق، بلا أكمام، ضيقاً إلى الخصر، ثم يتسع بإنتفاخ بسيط مع طبقات من الشيفون يصل إلى الكاحل.
هذا الفستان أعطاها لمسة أنثوية رقيقة، معاكساً مع بشرتها البيضاء الناعمة وشعرها البرتقالي، المصفّف بتصفيفة رائعة للأعلى و تنسدل منه عدة خصلات على جانبي وجهها الفاتن.
نقلت حياة عينيها في كل الاتجاهات، مفتونة بجمال المكان وعدد المدعوين الكثيرين للحفلة.
حركت بصرها لتلتقى بعينيه مباشرة وتنبهر بوسامته التى تخطف الأنفاس، وبدوره لاحظ دخولها المميز، ولم يستطع أن يرفع عينيه عنها للحظة، بدت وكأنها أميرة من قصة خرافية، وحتى أكثر جمالا.
ظلت عينيه تومض بمشاعر عديدة، تحكي الكثير عن مدى الحب والشوق والإعجاب بإطلالتها الرائعة والساحرة للغاية، ممزوجة بغيرة شديدة من تشابك يدها بيد ذلك المعاذ.
لديه رغبة شرسة في التوجه إليهم، وجذبها للوقوف بجانبه دون السماح لها بالابتعاد على الإطلاق، لكنه لن يتمكن من فعل ذلك لأن رد فعلها لا يضمنه.
بالتأكيد، لن يكون سببًا لتخريب زفاف أخيه الوحيد وخلق مشكلة، بل سيستخدم حنكته في التعامل وانتظار اللحظة المناسبة، لذلك ضمر كل مشاعره تحت قناع البرودة واللامبالاة واستمر في حديثه مع أحد المدعوين بكل ثبات انفعالى يمتلكه.
خاصة بعد أن رآها تذهب للعروسين لتهنئتهم.
على الجانب الآخر..
توجهت حياة مع عائلتها نحو العروسين المبتسمين، والذين يتلقوا التهاني بفرحة كبيرة.
شذى في ثوبها الأبيض، مثل قلبها النقي، متشبثة بجاسر الذي فرحته بها مثل طير النورس يحلق بسعادة في كل أجواء السماء.
قدموا التهنئة الحارة مع الابتسامات العريضة لتستغل حياة انشغالهم عنها بمحادثاتهم الجانبية، وهى تختلس النظر إليه من حين لأخر بشغف، فأن كل وجه شارد له قلب يحن.
يرتدي بدلته السوداء الفاخرة التي تنسجم مع جسمه الرياضي والعضلي كما لو كانت مصممة خصيصًا له، لحيته الخفيفة التي تزين ذقنه المنمقة، وحاجبيه السميكين إلى حد ما، بالإضافة إلى شعره الأسود المصصف للأعلى ليبرز جبينه العريض.
نظراتها إليه تعبر عن الشوق الكبير المختبئ في قلبها الذي لا تهتز نبضاته إلا بالعشق له، وروحها المتيمة لا تريد شيئًا بقدر ما ترفرف تجاهه.
انقطع حبل أفكارها، أو بالأحرى، خفضت نظرتها المسروقة والهائمة فيه، حينما تحولت نظراته عن ذلك الذي يقف أمامه لتلتقي بعينيها العسليتين الصافيتين.
ابتلعت حياة لعابها بتوتر واحمر خديها بشدة، وأدارت وجهها إلى الجانب الآخر لتلاحظ جاسر الذي قال في دراما مليئة بالمرح: يا تري الانسة حياة تسمح ترقص معايا؟
تحركت عينا حياة بعفوية تجاه شذى التي كانت تبتسم لحركات عريسها، ثم أشارت إليها تحثها على الموافقة.
ظلت ترقص مع جاسر بينما كانا يتجاذبان أطراف الحديث معًا تحت نظرات بدر الخاطفة بفضول، لتسمع جاسر يهمس إليها بمكر: واخدة بالك ان بدر بيبصلك من تحت لتحت؟
تحتت حياة رأسها، قائلةً بهدوء ظاهري: ملاحظة.. بس من تحت لتحت برضه.
جعد جاسر بين حاجبيه مندهشا من الإهتمام المتبادل بينهما، فلماذا هذا العناد المتبادل أيضاُ؟ ثم همس لها بضحكة: ليه مش عايزة ترضي عنه و تديلو فرصة؟
قرع قلبها حالما لمحته ينظر نحوها، لتقول باندفاع: وهو.. يعني حاول يكلمني وانا كنت رفضت اكلمو.. من يوم ما رجع وهو منفضلي.
تجمد جاسر من ردها الصريح للحظة قبل أن يقهقه بخفة، ويدمدم بسخط: عشان لسه فاكر انك مخطوبة لمعاذ يا هانم.
هزت رأسها بنفي، رافضة الخوض في هذا النقاش الآن، قائلة بنبرة مرحة: مابلاش نكلم في الموضوع دا انهاردة.. خلينا في فرحك و ركز في ليلتك انت يا عريس لو سمحت.
تمتم جاسر على مضض: ماشي يا ستي.. من غير ما تلوحي رقبتك.. بدر جاي علينا مع موكلة عنده في المكتب.
اختلست النظر إليهم من زاوية عينها بفضول أثناء استدارها بالرقص، لتلمحه يقترب بتلك الشقراء التي تسير معه بخيلاء إلى ساحة الرقص، يمسك يدها بيده، وبدأوا يرقصون بجانبهم، دون ان يخلو الموقف بنظرات خاطفة منها و منه و من جاسر لبعضهم البعض.
مرت لحظات قليلة قبل أن يسمعوا ضحكًا عاليًا من المرأة الشقراء عندما لاحظت نظرات بدر موجهة إلى تلك البرتقالية، لتنظر إليها حياة بغيظ مستتر خلف ابتسامة صفراء، بينما كانت ترقص مع جاسر، لكنها افاقت من أفكارها الغاضبة على صدمة عارمة عندما هتف جاسر متحدثا إلى بدر: بدر.. لو معندكش مانع نتبادل سوا.. لان عندي موضوع مهم مع الهانم.
كاد بدر أن ينطق، مغتنماً هذه الفرصة الذهبية، لكن بادرت الشقراء لترد بسرعة، بينما رن في أذن حياة نغمة الخبث التي اندلعت من نبرتها: الحقيقة انا وبدر بنحكي في موضوع.. ممكن نأجل كلامنا يا عريس.. لما اجي المكتب.
زأغت نظرات بدر بعدم رضا من ردها بدلاً عنه، ليقول بنبرة هادئة، بينما بدأ الارتباك يعصف بعقلها المشوش: لا.. انا موافق.. مفيش مشكلة.
ابتعد جاسر معه تلك الشقراء إلى الجانب الآخر من ساحة الرقص لدفعها بعيدًا عنهما، ثم أمسك بدر بخصر حياة ووضعت حياة راحة يدها في يده دون أن يضغط عليها.
بدأت ترقص معه بسلاسة وخفة بعد أن جذبها قليلا نحوه ليقربها إليه، بينما حياة مرتبكة للغاية منذ البداية بسبب قربها منه، وعيناه التي اخترقها بنظرات مليئة بالشوق والحب تحاول الهروب منها بالنظر إلى صدره، فهي لا تملك الشجاعة بعد لمواجهة نظراته العميقة.
بعد فترة انتهت المعزوفة، وهتفت حياة بابتسامة مشوشة وهي تستدير وراءها كأنها كانت تبحث عن شيئًا، وأخيرا وجدته: المزيكا وقفت.
صُدم بدر للحظة بقطعها حديث، كاد أن يخرج من فمه، سرعان ما تدارك الموقف عندما شعر أنها ستترك يده وتنوي الفرار منه، لكنه كان أسرع منها حينما صدح صوت معزوفة أخرى ليضغط على يدها التي مازالت في يده، وسحبها تجاهه أكثر حتى تقلصت المسافة الفاصلة بينهما للغاية، ووضع يدها التي كان يأسرها بين يده مباشرة على قلبه النابض باسمها، بينما كانت عيناها تتبعان ما يحدث بصدمة وبلاهة.
شعرت بنبضه العالي، الذي انتقل تلقائيًا لتسمعه في قلبها أيضًا، بينما سيطرت حرارة لذيذة على المكان من حولها.
غمر حياة إحساس بالخجل والارتباك، حينما حدجها بنظراته المُرتكزة في عينيها بلون العسل الصافى المرسومة بالكحل بشكل رقيق وجميل سلبته أنفاسه، وجعلته ينسى كيفية التنفس.
أما حياة بين يديه، فهي تشعر أنها تمتلك العالم، لا تسمع ولا ترى إلا هو، مسحورة بنظراته المليئة بالعواطف تجاهها، ولا يمكنها الهروب من آسرها.
جال الصمت لفترة بينما كانوا ينظرون لبعضهم البعض بينما أعينهم تتحدث بلغة أبلغ من أي كلام، فالعيون ما هي الا نواطق بما نستتره داخل القلب والروح.
ظلت تتمايل معه بخفة مثل الفراشة بين الزهور و قلبها مليئا بالسعادة والسرور، بينما يحدق إليها بعمق لا يمكن تفسيره بالكلمات ولا تحتاج إلى ذلك، عيناه أشبه برحلة عبر المجرات.
تشعر أن كل ما يمر بها يضيء، كأنه قمر يجعل ظلام روحها يتوهج بالحياة.
فجأة انطفأت كل أنوار روحها عندما شعرت بشيء لزج لمس أصابعها يدها، الذي كان بين راحة يده، لتثبت بصرها عليه بمجرد أن رأت عينيه تذبل بضعف غريب.
تساءلت في ذهنها ما الذي يحدث معه، لكن أطرافها تجمدت وكأنها مشلولة عندما رفعت يدها عن صدره، ورأت سائلًا أحمر يلطخ بدلته وأصابعها.
أجاب عقلها صراخًا أنه دم، وقبل أن تستوعب هوى جسد بدر على الأرض، وسقطت معه تلقائيًا على ركبتها، ملامسة مكان الرصاصة التي اخترقت صدره.
حركت شفتيها، في محاولة لتكوين جملة مفيدة، لكنها لم تستطع.
نظرت خلفها ورأت الجميع في حالة هرج ومرج، بعضهم تصلب بدهشة، وبعضهم يركض في أماكن منفصلة حتى يعلموا من أين أتت تلك الرصاصة الصامتة لتضربه من مكان مجهول، وتسمعهم يتحدثون بصوت لم تفهمه بسبب صدمتها.
التفتت إلى بدر الذي يضع رأسه في حجرها بسكون، ولا يزال يمسك بيدها على قلبه، وعيناه نصف مغمضتين، بينما عيناها تنهمر بدموع لا تتوقف، وتغمغم بما يشبه الهذيان باسمه في حالة من عدم التصديق والذعر مرتسما على محياها: بدر.. بدر قوم.
حرك بدر شفتيه، جاهدًا في النطق بكلمة واحدة، لكنه لم يستطع ليغلق عينيه في الاستسلام، بينما تركت روحه جسده بلا رحمة، وانتهى كل شيء بعد ذلك.
كل ما تبقى هو صمت، الدم والذعر والصدمة وقلب مكسور وجثة هامدة.
***
ارتعاش جسد حياة بعنف لتهب جالسة على السرير والعرق يتساقط من جبهتها، بينما أصوات أنفاسها المتهدجة والسريعة، تملأ زوايا غرفتها.
فركت عينيها حتى تتمكن من التركيز، وقلبها يتألم من قوة نبضاته المجنونة.
تنهدت بعمق عندما أدركت أخيرًا أن ما رأته كان كابوسًا مزعجًا قبل أن تزيل غطاء السرير عنها لترى أنها لا تزال ترتدي الملابس التي جاءت بها، لتتذكر أنها قد نمت دون أن تبدل ثيابها من كثرة التعب والبكاء في حضن أختها.
عندما يأتيك شخص تحبه في الأحلام، فهناك إحتمال كبير أن يكون هذا الشخص مشتاق لك، وتفكيره بك صنع التواصل الروحي اللا محسوس.
نزلت بقدميها على الأرض، واستقامت تمط جسدها في بطء، ثم سارت نحو الحمام الملحق بغرفتها للاستحمام، على أمل إراحة أعصابها المتشنجة بعد أن أخرجت لها ملابس نظيفة من الخزانة.
خرجت من الحمام بعد وقت وجيز تفوح منها رائحة المانجو المنعشة، مرتدية إحدى بيجاماتها القديمة التى بدت كالطفلة فيها، بينما رفعت يديها تزيل مشبك شعرها، لينسدل على كتفيها بحرية.
ألقت المنشفة بإهمال على الكرسي أمام طاولة المرأة، فوقعت عيناها على الحقيبة التى جاءت بها لا تزال في مكانها حتى الآن، لتتجه نحوها، وترفعها على السرير وتبدأ في إخراج محتوياتها على السرير بلا مبالاة، اتسعت عيناها بإستيعاب، لتقول بصوت هامس بينما تضع إصبعين على ذقنها: هدومه.. ازاي سها عليا اسيبهالو في استقبال المستشفي!!
أغمضت عينيها، تقاوم الدموع من التصاعد إلى مقل عينيها، وتفكر بحزن لماذا لا يتركها ما يخصه و كما ابتعد عنها و رحل.
لم تستطع أن تقاوم احتضان ذلك القميص الذي كان بين يديها إلى صدرها، مستنشقة رائحة عطره بإنجذاب وشوق كبيرين، بينما ظهرت ابتسامة حزينة على شفتيها.
فوجئت حياة بطرقات خافتة تدق على باب الغرفة، فأسرعت تخبأ القميص داخل الحقيبة، ثم زفرت بحرارة و مضت إلى الباب لتفتحه.
اتسعت ابتسامة ميساء قائلة بهدوء: كنت جاية اشوفك صاحية ولالا عشان نصلي الفجر حاضر زي ما متعودين يا يويو.
فركت حياة أنفها بخفة قبل أن تحمحم قائلة برقة: هحط الاسدال عليا و اجي وراكي يا ميساء.
كادت حياة أن تغلق الباب، ولكن فجأة دخل طفل صغير ركضاً، يكاد يصل طوله إلى ركبتيها، يهتف بفرح طفولى وهو يرفع يديه نحو حياة، قاصداً أن تحمله: خالتو وحشتيني.
ثنت حياة ظهرها لتحمله وتضمه بشوق، ليلف قدميه على خصرها النحيل، فقبلته على خده الممتلئ بلطف قائلة بابتسامة صادقة: روميو حبيب قلب خالتو.. انت اللي وحشتني اوي.
يمسح الطفل خده بتذمر، فهي تعلم أنه لا يحب التقبيل، لكنها تتعمد مشاكسته، ليقول بعد ذلك بشغف طفولي: فين العربية اللي وعدتيني بيها؟
إنفرج فاه حياة بدهشة وهي تتمتم بصوت مذهول، بينما تنظر إلى ميساء التي عادت لترى هذا المشهد: يا اروبة انت.. مابتنساش حاجة ابدا.. واخدني علي الحامي كدا.
زمجرت ميساء بنفاذ صبر، وهي تمد يديها لتلتقط الطفل من حضن حياة و تنزله على الارض: هاتي الواد دا.. بعد الصلاة ابقو كملو كلام.. وعربية ايه ياض يا رامي.. مش ابوك خدك الملاهي بعد زنك عليه اسبوع كامل.. مابتشبعش طلبات ابوك كدا.. هيطلقني بسببك.
حاول رامي الهروب من قبضة والدته على تلابيب قميصه، ليصرخ بمكر طفولي بينما يرسم الانزعاج على وجهه: ما انتي بتطلبي من بابا اللي انتي عاوزة.. و لا هي جت عندي.. وهيطلقك.
أنهى كلماته ثم هرول بعيداً حتى لا تمسك به مرة أخرى لتركض ميساء خلفه، بينما تصرخ أيضًا بوعيد: وحياة امك لا احرمك من الايباد سنة بحالها لو لسانك دا مالمتهوش.
لحظات ثم إنفجرت حياة وهي تضحك بقوة على ابن أختها المشاغب، وأوصدت الباب، بينما تمسح دموعها من جانبي عينيها من الضحك المفرط.
لا تعرف هذا الشعور الذى داهمها.. حنين إليه أم لعائلتها؟
رواية شبح حياتي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نورهان محسن
في اليوم التالي، مر عليها اليوم طويلاً، يزعجها شعور غريب بعدم الإلفة. لم تستطع النوم من كثرة التفكير، فأمضت اليوم كله مع أطفال أختها تلعب معهم حتى تخرس صوت عقلها، حتى لو لساعات فقط دون حزن وقلق. لكن الحنين إليه يعود يسيطر عليها مرة أخرى، ويعذبها.
لم تعترف بعد حتى لنفسها بالسبب الحقيقي وراء حزنها وألمها وخوفها عليه. وكلما أرادت التواصل مع جاسر حتى تعرف أخباره، عادت لتغير رأيها بكبرياء.
رن الهاتف على المنضدة وهي جالسة مع أختها في الصالون. همت بالرد بدهشة عندما رأت اسم المتصل.
"سلام عليكو!!"
ابتسم بتلقائية وقال بنبرة جذابة: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. عاملة ايه يا حياة؟"
ردت حياة بهدوء: "الحمدلله وانت يا دكتور؟"
أجاب مازن بإيجاز ثم بقي صامتاً لوهلة متردداً فيما سيقوله: "تمام."
سألته حياة بتسرع حالما سيطر القلق عليها تماماً من صمته المريب لها: "هو حصل حاجة جديدة؟"
أجاب مازن ناقراً على سطح المكتب الجالس أمامه في غرفته بالمستشفى: "لو قصدك بخصوص بدر.. هو اتنقل للمستشفى اللي انا موجود فيها والدكاترة هنا متابعينه مافيش مشاكل."
تنفست حياة الصعداء لتتمتم بخفوت: "الحمدلله."
عبست حياة عندما قامت أختها بجذب خصلات شعرها حتى تنتبه لها. لتدير رأسها إليها بينما تحرك الأخرى يدها بإستفهام. فرفعت حياة يدها تلوح لها لتتوقف، بينما يأتيها صوته الهادئ قائلاً: "انا كنت متصل عشان اعرفك ان مدام ميرفت مديرة المدرسة روحتلها الصبح و استأذنتها في اجازة ليكي لحد ما تدبري أمورك."
ابتسمت بهدوء وقالت بصوتها الرقيق: "ايوه انا نسيت خالص اكلمها. ميرسي اوي يا دكتور مازن على اهتمامك وتعبك."
قال مازن بلهجة رجولية، لاعقاً شفته السفلى بابتسامة: "ولا يهمك. ياريت تسمحيلي اكلمك كل فترة اطمن عليكي واعرف أخبارك."
تحركت القزحية داخل مقل عينيها في التفكير قبل الإجابة لتقول بلا مبالاة: "إن شاء الله.. مع السلامة."
تحدثت ميساء بتساؤل حالما أنهت المكالمة: "دا دكتور مازن اللي كان في المستشفى؟"
أجابت بنبرة عادية وهي تضع الهاتف على الطاولة: "آه هو.. قالي إنه بلغ إدارة المدرسة إني مسافرة وعندي ظروف."
تنهدت ميساء مقوسة شفتيها للأسفل قائلة بنبرة ذات معنى: "والله كتر خيره.. دكتور محترم وشهم ووسيم حاجة تملي العين يعني."
توي فم حياة لتقول بسخرية، وهي تتكئ بمرفقها على حافة الأريكة: "مش مريحاني قصيدة الشعر دي.. بتلفي وتدوري ع إيه يا سوسو؟"
عضت ميساء شفتها السفلى حالما اقتربت من أختها، وقالت بابتسامة: "انا خدت بالي إنه معجب بيكي. اكيد انتي كمان لاحظتي كده."
ارتفع حاجب حياة بإستنكار، وأجابت عليها بجدية: "مش معنى انه بيتصرف بلطف وذوق يبقى معجب بيا. على فكرة ماشي.. واتفرجي على فيلم وانتي ساكتة بقى."
عبست ميساء قائلة بإنزعاج: "ياباي على لسانك."
***
أتى الليل الساحر ليطل القمر على بحر الإسكندرية.
تثاءبت ميساء متعبة من شقاوة أطفالها المفرطة طوال اليوم، وهي تدخل الصغار غرفتهم، لتقول بصبر وهي تصفق بيديها: "يلا يا حلو منك ليها قدامي على النوم. أظن اليوم كله سيبتكم تلعبوا مع خالتكم كفاية دلع بقى. بكرة عندكم مدرسة."
نظرت الفتاة إلى شقيقها ثم نظرت إلى والدتها قائلة برجاء: "ماما سيبينا بس شوية. خالتو هتحكيلنا حكاية وهننام على طول."
كما تحدث الولد الصغير ببراءته، متوسلاً لها: "أيوه يا ماما عشان خاطري شوية صغيرين."
تنهدت ميساء غير مقتنعة لكنها قالت في استسلام: "ماشي بس نص ساعة وبعدين هاجي أتمم عليكم."
"متقلقيش أنا هتأكد إنهم ناموا يا سمسمة."
قالت حياة وهي تدخل من خلف ميساء إلى الغرفة، فاستدارت لتقول بهدوء: "حيث كده هشطب المواعين على ما تخلصي معاهم ونقعد مع بعضينا ننام لحد ما حازم يرجع."
تمتمت حياة بنبرة عادية: "أوكيه."
"تفضلي يا خالتو."
تحدثت الفتاة من خلف حياة بعد أن أغلقت الباب وراء أختها.
"تعالي بقي يا خالتو."
تحركت حياة نحو السرير الذي يرقد عليه الأطفال وتسلقت عليه لتستلقي بينهم، لتقول وهي تهز قدميها: "جيت أهو. تعالوا هحكيلكم حكاية هتعجبكم جدا."
قال كلاهما بحماس، بينما يرتميا في حضنها: "ماشي."
أخذت حياة نفساً عميقاً قبل أن تقول بنبرة ناعمة: "كان يا ما كان يا سعد يا إكرام، ولا يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام."
ردد الطفلان خلفها: "عليه الصلاة والسلام."
بدأت حياة تروي القصة بنفس النبرة الهادئة اللطيفة: "كان في بلد كبيرة بزمن قديم عايش فيها أمير أسمر ووسيم بس معندوش قصر كبير وخدم وحراس. كان راجل حاله متوسط لا غني ولا فقير."
نظر الأطفال إليها في صمت وركزوا على كل حرف تقوله، بينما كانت تواصل النظر أمامها بشرود: "كان معجب بأميرة جميلة أوي شافها بالصدفة.. من وقتها وهو مابيفكرش غير فيها.. بس المشكلة إنها عايشة جوا قصر كبير عليه حراس كتير ومابتخرجش منه إلا بسيط خالص."
نطق رامي متسائلاً: "وبعدين؟"
استمر الصمت للحظات وتموجت الأفكار بعقل حياة، ثم أضافت بصوتها الحلو: "فضل يفكر ويفكر عايز يشوفها.. لحد ما في يوم من الأيام انفتح الباب الكبير للقصر وخرجت الأميرة للجنينة فلمحت شاب غريب واقف قدام عربية من عربيات أبوها. وقتها فهمت إنه سواق."
انبسطت الفتاة بسؤال شغوف: "دا الأمير الأسمر؟"
أطلقت حياة ضحكة خافتة وأجابتها هاتفة بمرح: "بالظبط يا جنا هو بعينه وشنبه.. هتسألوني ليه عمل نفسه سواق؟ هو يأس إنها تخرج عشان يشوفها فقرر بتهور وشجاعة يشتغل سواق عشان يقدر يكون قريب منها."
استطردت الحديث وهي تمسح على شعر رامي ورأسه غارساً في بطنها: "مرت أيام وهو بيراقبها.. عرف عنها حاجات كتير من متابعته ليها.. كانت وحيدة وسط الناس الكتير اللي بتتعزم في حفلات أبوها وحزينة لأنها كانت مخطوبة لصديق باباها.. لكن هو مكنش مهتم بيها ودايماً كلامه عن مشاريعه وشغله."
بسطت جانا شفتيها بتعاطف وقالت بصوت ناعم: "وعملت إيه الأميرة الغلبانة دي؟"
همست حياة وهي تزيل شعرها عن عينيها لترى ملامحها البريئة: "هربت من القصر."
"اكيد راح وراها الأمير الأسمر؟"
أنهت جنا حديثها بابتسامة واثقة، لتستأنف حياة كلماتها: "أيوه هي كان نفسها تخرج للحياة لو مرة واحدة تشوف العالم والشوارع زي البني آدمين الطبيعيين.. استغلت دوشة الحفلة واتسحبت من ورا الحراس وخرجت وكان الأمير الأسمر وراها بالعربية.. بيتابعها من بعيد لبعيد عشان كان خايف عليها تتوه.. لحد ما شافها بتركب باص كبير وبعدها نزلت منه وفضلت تلف في الشوارع كتير لحد ما تعبت والمطر نزل."
أغمضت حياة عينيها وهي لا تزال تسرد الأحداث، ومشاعر كثيرة مضطربة داخل قلبها: "راح عندها وطلب منها بذوق تركب العربية عشان ماتتعبش بسبب المطر.. هي لما شافته اتفاجأت وخافت يقول لأبوها.. هو حس بخوفها وطمنها إنه مش هيقول لحد حاجة وفضل يلف بالعربية شوية وهي جنبه.. لحد ما رجعوا القصر تاني ودخلت بنفس الطريقة اللي خرجت بيها.. من وقتها بقوا يتقابلوا وبتتكلم على طول معاه وجواها حاسة إنها مرتاحة مبسوطة ومطمنة من غير ما تعرف عنه حاجات كتير بس هي لأول مرة تمشي ورا قلبها وإحساسها."
فتحت عينيها عندما حل الصمت فجأة، ولم تعد تسمع تعليقات منهم لتتمتم بدهشة: "انتوا نمتوا إمتى؟"
"من بعد ما خرجت الأميرة."
جاء صوت ميساء من باب الغرفة، فأدارت حياة رأسها لتتقابل عسليتها مع بنية الأخرى قائلة بابتسامة ناعسة: "محستش بيكي وانتي داخلة!!"
همست ميساء بصوت خافت حتى لا توقظ الأطفال وتغطيهم: "حياة، وتبتسم بخفة على لطافتهم: "كنتي في عالم تاني يا أوختشي وانتي بتحكي القصة.. بس ماقلتليش نهايتها إيه الحكاية دي!!"
تحركت حياة وشقيقتها للباب، ثم أجابتها بشرود: "يا عالم هتنتهي على إيه.. صدقيني معرفش!!"
***
بعد مرور يومين.
في أحد مستشفيات القاهرة.
يقف بدر أمام النافذة الكبيرة بينما يرقد جسده بسكون على السرير في غرفة واسعة مليئة بالمعدات الطبية.
صمت رهيب يخيم على الغرفة رغم دخول أشعة الشمس إليها، لكن هذا لا يؤثر على حالة بدر القاتمة.
حين أغلق جفنيه بهدوء، ظهرت صورة واضحة لعينين مهتزتين بالدموع، ونظرات الخذلان تفيض منها بقوة أثر آخر كلماته لها.
فتح عينيه من جديد، ليستو الحزن عليه زافراً بضيق.
لا يستطيع أن يتجاهل أنه يعاني بدونها، وشعور بالغربة ونقص رهيب في روحه بسبب بعدها عنه. ولكن ما يمكنه فعله، كان عليه أن يفعله بعد اندفاع حياة ومواجهة أميرة بمعرفتها لطلاقه لها، وهكذا انكشف المستور. حتى لو لم يأبه أحد بما قالته حياة، فلا بد أنه أثار شكوك كريم وأميرة نحوها بقوة. وهذا ما دفعه إلى معاملتها بهذه الطريقة، بل كان يحتم عليه أن يقول لها هذه الكلمات القاسية، والتي بالطبع قد تسببت في جرح مشاعرها بشدة. ما يخفف عنه قليلاً أنه استطاع إبعادها عن الخطر، لأن الهاوية التي سقط فيها لن يسمح لنفسه بجرها معه إليها ليكون مصيرها مثله.
***
غربت الشمس، تسبح في البحر الواسع، والشفق الأحمر يسدل ستائره على الكون، معلناً قدوم البدر، متوسطاً في السماء بضوئه.
تجلس على أحد الكراسي في الشرفة الواسعة المطلة على البحر من بعيد في منزل أختها، لكن بتفكيرها وقلبها مع هذا البدر الذي أخرجها من دائرة حياته.
اختفى شبحه تماماً من الظهور لها بعد كلماته الأخيرة لها.
الإحساس الذي تشعر به الآن، لا تعرف كيف تصفه، وكأن الهواء قد نفذ من صدرها، تاركاً روحها ممزقة عن جسدها.
سؤال واحد يدور في ذهنها، هل من الممكن أن تقع في حب طيف تراه هي فقط، ولماذا تتوهم أحياناً أنها تسمع همسه العميق في أذنها؟
إنها لا تعرف في الأساس حقيقة مشاعرها، لا تجد لها تفسيراً رغم بحثها الدائم عن إجابة منطقية أو توضيح للسعادة التي طغت على حواسها عندما علمت أنه لا يزال على قيد الحياة.
كل ما كانت تريده أن لا تبتعد عنه، لكن هذه هي رغبته، فماذا تفعل؟ بالتأكيد لن تفرض نفسها عليه.
تطوف في ذهنها أسئلة عن حياتها قبل أن تقابله في تلك الظروف الغريبة، وكيف أصبحت تشعر وكأنها ضائعة بعد أن تركها ورحل؟
Flash Back
رن صوت هاتفها، المرمي بإهمال على السرير بجانبها.
تنظر إلى الساعة وهي تشير إلى الساعة بعد منتصف الليل لتجيب على المتصل بسخرية: "لسه فاكرني دلوقتي؟!"
رد الطرف الآخر بشكل غير مبال على استهزائها لكونه نعساً للغاية: "معلش كان ورايا شغل مهم."
تنهدت حياة بضيق فلا يوجد جديد، دائماً تسمع نفس الرد منه، فأجابت عليه بفتور: "تمام."
سألها معاذ بهدوء: "ايه؟ كنتي محتاجة حاجة؟"
ابتسمت حياة ابتسامة لا صلة لها بالمرح، وتمتمت على مضض وهي تأمل أن تنتهي المكالمة العقيمة بسرعة قبل أن تتدفق دموعها: "آه كنت ومابقتش."
"مش فاهم!!"
ردت عليه حياة وهي تضغط على كل كلمة بشفتيها ببطء: "لو كنت رديت من خمس ساعات كان ممكن تفهم."
صاح فيها وعروق رقبته بارزة ترتعش من الغضب ونفاد الصبر: "أنا مش ناقص ألغازك يا حياة ماتكلمي على طول وبلاش الأسلوب ده معايا، لا أظبطك."
توي فمها تهكماً، ثم صاحت بإستنكار بينما ترتعد داخلياً: "الأحسن تقفل وتيجي هنا تضربني قلمين أحسن يا معاذ.. إيه الطريقة الزفت اللي بتكلمني بيها دي؟!"
رد معاذ على الفور بانزعاج: "أعملك إيه ما أنتي مستفزة وبتكلمي بالقطارة وأنا مش فاضيلك؟"
كانت شفتاها ترتعشان حيث شعرت بالدموع تتصاعد في مقل عينيها العسلية، ورفرفت رموشها الطويلة عدة مرات سريعة لتتجاوز هذا الشعور قبل أن تصيح بإنفعال محاولة إخفاء حزنها من قسوته في التعامل معها: "مافيش أي فايدة فيك. معلش لو عطلتك.. ماتشغلش نفسك بيا.. سلام."
ختمت كلماتها بحزن وهي تنهي المكالمة دون انتظار سماع رد منه، ثم بدأت تبكي بمرارة على ما حدث لها منذ أن تم رفض طلبها الوظيفي في إحدى شركات السياحة.
كانت تأمل كثيراً أن يتم قبولها به، خاصة أن المدير كان مرحباً بها، ولم يكن لديه مشكلة في المقابلة الأولى معها، لكنه غير رأيه بشكل جذري دون أسباب واضحة. لذلك اتصلت بخطيبها بعد أن خرجت من الشركة بخيبة أمل.
تريد التحدث معه لعل نفسها تهدأ، رغم أنه لم يكن قريباً منها ومعاملتها معه محدودة، لكنه في النهاية خطيبها وشريك حياتها المستقبلي. لذا أرادت منه أن يشاركها حزنها، لأن لم يكن لديها أصدقاء مقربين سوى أختها التي تنشغل الآن بأطفالها الصغار.
في اليوم التالي.
كانت تتجول في غرفتها بعصبية تبحث عن شيء وهي تمسك شعرها، لتتحدث مع نفسها بتأفف بسبب حنقها المفرط على أبناء أختها المشاغبين: "هتكون راحت فين أم التوكة دي..؟"
أردفت بغضب بعد أن لم تجدها، واستدارت إلى الجانب الآخر: "نفسي أحط حاجة وألاقيها مكانها.. حتى التوكة ماسلمتش منهم."
حركت قدمها دون أن تلاحظ الشيء الذي كان ملقى على الأرض أمامها، فتعثرت فيه لتمسك بركبتها وتتأوه من الألم، وهي تنظر إلى الصندوق البلاستيكي الذي تم إلقاؤه بلا مبالاة لتركله بقدمها بغضب.
نفخت بضجر وهي تفرك الجزء الخلفي من شعرها، الذي تركته يتناثر حول وجهها، في محاولة لتذكر كيف وصل هذا الصندوق إلى غرفتها، ثم تكلمت بصوت عالٍ مليء بالاستياء: "مفيش فايدة.. أوضتي محدش يدخلها."
***
خرجت حياة من غرفتها مرتدية سروالاً بنياً غامقاً وبلوزة صفراء، تاركة شعرها المجعد فضفاضاً على كتفيها بعد أن تخلت عن الأمل في العثور على مشبك شعرها.
نظرت أمامها بدهشة عندما رأت معاذ جالساً مع أختها وزوجها في غرفة الصالون، فأخرجت الهواء من فمها بهدوء وهي تعد نفسها للشجار معه، لأنها أنهت المكالمة في وجهه، بل أغلقت الهاتف تماماً لتجنب أي مشاحنة معه، لكنها واثقة في خاطرها أنه لا مفر من المواجهة. لذا سارت بهدوء نحو الصالون قائلة بنبرة هادئة: "صباح الخير."
نبس حازم مازحاً: "قصدك مساء الخير يا يويو. إيه مصحيكي متأخرة كده؟!"
ابتسمت حياة وقالت بمرح قبل أن تجلس على مقعد منفرد، ويبدو أن أثر الدموع التي ذرفتها البارحة ذهب من مقل عينيها: "معلش بقى التوقيت عندي ملخبط شوية يا أونكل."
أضافت بنبرة مليئة بالحسرة التي لم تستطع إخفاءها من شدة الإحباط الذي شعرت به: "وهصحى أعمل إيه يعني؟!"
سألها معاذ بهدوء يحمل في طياته الكثير من السخرية وهو يحدق بها: "وياترى كنتي سهرانة تعملي إيه طول الليل؟"
تطلعت به لبضع ثوان كما لو أنها لاحظت للتو وجوده، وهمست بابتسامة باردة: "إزيك يا معاذ؟"
تجهمت ملامح معاذ بعد أن تعمدت تجاهل سؤاله قائلاً بابتسامة ساخرة: "والله لسه فاكرة تسألي عني ولا تعبريني.. أنا قاعد مستنيكي تصحي بقالي ساعة وأونكلك ماكنش عايز حد يقلق نومك."
رغم ضيقها من أسلوبه إلا أنها لم تمنع الابتسامة الجميلة على ملامحها من الظهور قائلة بصدق: "ربنا يخليه ليا أحلى أونكل حازم في بر إسكندرية والكون كله."
أنهت جملتها بحماس، فقال حازم بضحكة مرحة وهو ينهض من مكانه: "بكاشة من يومك. هقوم أصلي العصر على ما تحضري الأكل يا ميساء."
امتثلت ميساء لأمره بعد أن فهمت إشارته إليها قائلة بابتسامة: "ماشي أنا جاية ورا."
انتظرت ميساء خروج زوجها، وقالت لحياة بعتاب: "إحنا العصر يا حياة ولسه سعادتك صاحية دلوقتي.. أومال دوشانا هشتغل هشتغل كل شوية وإنتي بتصحي بطلوع الروح."
رفعت حياة نظرها إلى وجهها بنفاذ صبر، وهي تلوح بكفها وقالت بضيق: "وإنتي إيه مضايقك يا ميساء؟ هو أنا قاعدة فوق راسك.. روحي ورا جوزك الله يرضي عليكي."
حدقت بها ميساء بعيون واسعة، تمتمت بقلة حيلة: "يخربيت لسانك الطويل. هو أنا ما أقولش كلمة إلا وتردي بعشرة."
تحدث معاذ بخبث، وهو يرمقها بسخرية: "اعذري عصبيتها الأيام دي يا مرات أخويا. أصل حوار الشغل ماكملش."
سرعان ما التفتت إليه حياة، وأعطته نظرة ذات مغزى، بينما صاحت ميساء بدهشة: "معقولة!! ليه كده يا حياة وليه ماقولتيليش ساعتها؟"
تدحرجت عينيها نحو أختها وردت بسرعة: "محصلتش أقولك يا ميساء.. أنت عرفت إزاي يا معاذ؟"
أنهت كلامها بتساؤل بينما تنهض من كرسيها وتحدق فيه بحاجب مرفوع، تنتظر إجابته بترقب، ليتمتم معاذ بعدم فهم: "عرفت إيه؟!"
نظرت إليه بملامح معقودة بضيق مستتر من بروده، لكنها قالت بصبر: "إنّي ماتقبلتش في الوظيفة."
أردف ببرود تام بعد أن وعى على ما قاله: "معلش يا ميساء ممكن تعمليلي كوباية شاي من إيدك."
تأففت ميساء بنزع، بينما تتابع الموقف بتعجب لتمتثل لطلبه على مضض: "ماشي يا حضرة الظابط هتوزعي بمزاجي هات."
تحدث معاذ بسرعة من خلفها، وقام من مكانه، متجنباً النظر إلى حياة: "معلش خليها عليكي المرة دي يا أم قلب كبير وحنين."
تجعد حاجباها بإستغراب وهي تسأل بإلحاح بعد أن وقفت أمامه مباشرة: "رد عليا يا معاذ عرفت إزاي؟ وأنا ماحكتلكش أي حاجة امبارح وانت أصلاً ماسألتنيش؟!"
حك معاذ ذقنه بعنف فالأمر بات يزعجه، ثم نبس بضيق بسبب كلامه المتسرع من الغضب: "أسألك ليه وأنا عارف اللي حصل!!"
نظرت إليه للحظة بتساؤل، لتتلاحق أنفاسها بالغضب عندما جمعت أحجية الموقف: "وإش عرفك.. لحظة لحظة أنت ورا اللي حصل ده يا معاذ؟!"
فتح فمه محاولاً التبرير أو النفي بأحرف مشتتة: "أنا..."
بترت كلماته بإنفعال، ولم تستطع التحكم في نبرة صوتها عندما قالت بحدة مبالغ فيها: "أنت إيه!! أنت السبب في إن مدير الشركة بعد ما كان موافق رجعلي ورقي وقال لي مانفعش للوظيفة."
نظر نحو الباب يتأكد من عدم ملاحظة أحد لصوتها العالي، ثم تحدث منفعلًا ولكن بنبرة خافتة: "ممكن توطي صوتك.. أيوه أنا اللي عملت كده."
تجمدت من رده الصريح لتتمتم بعدم فهم: "مش فاهمة. طيب ليه تعمل كده أصلاً بأي حق؟!"
وجد نفسه يقول بنبرة متعالية تحمل في ثناياها الكثير من التملك: "أنا خطيبك ومش موافق على إنك تشتغلي من الأساس.. تقومي تروحي تاخدي كورسات لغة وكمبيوتر عشان تشتغلي في شركة سياحة وتسافري على كيفك."
تمكنت حياة أخيراً من الخروج من شرنقة الصدمة المظلمة لتقول بتبرير: "الوظيفة كانت وكيلة حجز في الشركة مافيهاش سفر وأنت عارف من الأول وكنت موافق على الكورسات دي."
صاح بقسوة غير مكترث بمشاعرها، وعيناه تحدق في ملامحها بجمود تام: "قلت أسيبك تشغلي وقتك لحد ما نتجوز مش أكتر. ومن الآخر يا حياة أنتي ليكي مطلق الحرية إنك تعملي اللي على مزاجك بس بأسلوبي أنا وبالطريقة اللي تريحني أنا."
رمشت عينها عدة مرات وقفز التعجب على محياها، وهي بداخلها تغلي من فظاظته، لتهتف بغضب: "أنت فاكر نفسك عشان مخطوبين هتبيع وتشتري فيا براحتك.. دي مش تصرفات إنسان طبيعي."
رفع إصبعه ثم زأر بحدة محذراً: "الزمي حدودك يا حياة وما تنسيش إنك بتكلمي خطيبك وهبقى جوزك بعد كام شهر."
امتلأت عيناها بالقهر بعد أن نجح في إشعال فتيل غضبها بينما تعقد ذراعيها أمام صدرها لتصيح بإنفعال: "خطيبي ده اللي بيتعامل معايا طول الوقت زي المجرمين اللي بيتعامل معاهم وكلامه كله زعيق وأوامر وأنانية وغرور ودايماً أعصابي مشدودة بسببه. ولا اللي مافيش نقاش واحد معاه إلا بالخناق والصوت العالي."
انتظرت إجابته، التي تدل على ندمه بتقصيره في حقها، أو رد فعله على كلامها، لكنه ظل يحدق بها بصرامة بينما امتلأت عينيها بالحزن بعد أن خيبت أمله فيه، لتصيح بإنذار: "لو فاكرني هسكت وأوافق على كلامك ده تبقي بتحلم.. إحنا لسه على البر وشبكتك ممكن أرجعها لك عشان الخطوبة السودة دي ماتلزمنيش لو هتفضل معايا بالطريقة دي."
زادت نبرة التحدي التي تتحدث بها من غضبه تجاهها، فقبض على عضدها وسحبها بعنف دون وعي إليه، وهو يقول بنبرة مخيفة: "أنا مش على كيفك يا حياة وهتقل أدبك هديكي علقة تعدلك عقلك الملوح في راسك."
أصيبت حياة بالرعب والارتباك حينما حدجها بنظرته الغاضبة عن كثب، وعيناها تغروران بالدموع، وشفتاها متشابكتان من الألم حتى تمنع تأوهها العالي من الظهور، حين شعرت بقوة قبضته على ذراعها بغير وجه حق، بينما تحاول دفعه عنها وجذب ذراعها بعيداً عن يده المؤلمة، وعندما فقدت الأمل في ذلك، صرخت في وجهه بقهر: "إيدي.. سيبني.. أنت مين اداك الحق تمسكني كده؟!"
اشتد النقاش بين العناد المرتعد والتسلط القاسي، وارتفعت الأصوات عالياً جداً، فركض حازم إلى الصالون ليصدم من الموقف قائلاً بصراخ وهو يدفعه بعيداً عنها بالقوة: "إيه اللي بتعملوه ده يا معاذ أنت أجننت ماسكها كده ليه؟!"
زفر معاذ بعنف، محاولاً السيطرة على نفسه، ليصرخ بحدة: "غصب عني هي اللي بتخلي الواحد يطلع عن شعوره."
نظر حازم إليه باستياء، ثم ربت على ظهر حياة المرتعدة، قائلاً بحنان: "بطلي عياط يا حياة أهدي يا بنتي في إيه قوليلي!!"
ارتجفت فرائصها أكثر أثر نظراته النارية إليها، وكأنه يبعث لها رسالة مبطنة بعدم التحدث، لتقول بخوف متلعثمة في الحروف، وهي تمسك في قميص حازم محاولة الاحتماء فيه: "اسأل أخو حضرتك عمل إيه؟ كان عايز يمد إيده عليا مش مكفيه اللي عمله وكان السبب في إني ماتوظفش، لا ده كمان بيتخانق معايا عشان يداري على غلطه.. عن إذنكم."
تحركت حياة راحلة من أمامهم دون أن تنطق بكلمة أخرى، أو بالأحرى نفدت طاقتها بسبب ثباتها الواهي أمام براثن هذا الليث الضاري، بينما خفضت عينيها بأسى، لتنظر إلى ذراعها الذي كان يتحول تدريجياً إلى اللون الأحمر القرمزي.
رواية شبح حياتي الفصل العشرون 20 - بقلم نورهان محسن
بلاش يبقي مخك طاقق كدا علي طول يا حياة. المسائل دي بتتحل بهدوء وعقلانية.
كلماتها بنبرة هادئة، محاولة إقناع الجالسة مقابلها بملامح وجهها الأحمر من الغضب وعيناها المتورمة من بكائها.
لم تستطع سماع المزيد من تلك الكلمات التي ترددها في كل مرة يحدث فيها شجار بينها وبين معاذ.
فقالت بصوت متوسل يشوبه الاختناق:
ميساء.. من فضلك.. أنا مضايقة ماتزوديهاش عليا.. المفروض تفهمي أنا حاسة بإيه! مش قادرة أناقش دلوقتي الله يخليكي.
اختتمت الحديث برفع يدها إلى رقبتها، لتتضح الكدمة الحمراء المزينة بذراعها الأبيض الذي يتخللها اللون الأزرق بسبب ما فعله معاذ بها.
قطبت ميساء حاجبيها بحنق شديد ووعيد في داخلها اتجاهه.
لكنه توسل إليها لكي تصلح الأمر بينهما، ولذلك وافقت على مضض لأنه أظهر لها ندمه الشديد على ما فعله.
لتقول بصوت هادئ رغم استيائها:
حياة.. أنا عارفة إن اللي حصل منه دا غلط.. بس هو بيحبك وكان خايف عليكي من الشغل دا.
تشكلت عدة تجاعيد بين حاجبيها بعدم اقتناع من حديثها.
ثم هتفت في انفعال:
وانتي صدقتيه مش كدا!! لا يا ميساء دا عايز يلغيني ويلغي شخصيتي من الأول.. فاكر إن الكون لازم يمشي على مزاجه.. دي مش تصرفات إنسان بيحب وعايز يبني بيت أشاطره فيه.. دي أنانية منه مش حب. أنا حاسة معاه إني بتحرك بالريموت مش على طبيعتي مش مرتاحة.. حاسة على طول إني هغلط أو لو اتكلمت هتفهم غلط.
تنهدت ميساء بأسى على حالها، لأنها تعلم في قرارة نفسها مدى صحة كلماتها.
وتمتمت بإستماتة وهي تمد أصابعها لإزالة الخصل البنية التي انزلقت على وجه حياة الغالب عليه البراءة، لأنها لا تضع مستحضرات التجميل على عكس وجهها الفاتن المتورد بأنوثة:
اهدي طيب.. بصي يا حياة لو سبتيه دلوقتي هيحصل حساسية بينك وبين حازم اللي انتي قاعدة في بيته.
نظرت إليها حياة بأعين منفردة، بسبب كلمات أختها التي صدمتها.
صفعت على فخذها بقوة، لتقول بغضب من بين أسنانها:
والله.. يعني عشان قاعدة في بيته المفروض أقبل وأستحمل أي حاجة من أخوه!!!
أردفت بنبرة يغلب عليها التأنيب، وهي تشير إلى نفسها وتنظر إليها بعيون لامعة، أثر الدموع الحبيسة التي تهدد بالسقوط، بعد أن تذكرت كيف كان يدللها والدها الراحل:
وبعدين ما أنا كنت قاعدة في شقة بابا الله يرحمه.. فضلت تزني عليا عشان نبيعها وأحط الفلوس في البنك لجهازي وجيت قعدت معاكي هنا عشان ماابقاش لوحدي.. مش دا كان كلامك ليا ساعتها!!
سارعت ميساء في تبرير كلامها السابق، حيث تهز يديها إنكارًا، وتعنف نفسها داخليًا لإيذائها دون قصد مشاعر أختها:
بلاش تزعلي مني والله ما أقصد كدا يا حياة.. بس عشان خاطري عديها المرة دي وماتكبريش الموضوع معه.. اعملي نفسك زعلانة منه كام يوم كدا عشان يتعلم ما يزعلكيش تاني وبعدين اتصالحوا.
أغلقت حياة عينيها من الصداع الشديد في رأسها من البكاء والصياح، وكأن شخصًا جالسًا بداخلها يدق بمطرقة على جمجمتها مما تسبب لها في ألم حاد جدا.
فتمتمت بإنهاك لتنهي هذه المحادثة وهي تفرك جبهتها برفق:
طيب يا ميساء هفكر.
مرت هذا الموقف من معاذ على مضض، وبدون اقتناع، احتراما لزوج أختها الذي لم ترى منه سوى الخير، لكنها لم تنس ما فعله معها دون مراعاة مشاعرها.
قررت العمل كمعلمة أطفال، وجعلت زوج أختها يقف معها ويدعمها في كل ما تريده، لذلك لم يستطع معاذ الاعتراض على الرغم من جدالاته الكثيرة معها، لكنها لم تستسلم، بل أصرت على ما تريد، وأعجبت بمرافقة الأطفال وأحبتهم وتعاملت مع المهنة على أنها هواية تسعد بها، وتريحها من الشعور بالضغط النفسي أو الضيق الذي كانت تشعر به طوال الوقت.
تنفست حياة الصعداء بعد أن أفاقت من شرودها، تتذكر كيف استقرت في عملها متناسية به هذا الموقف الذي جعلها بعد ذلك لا تريد أن تشاركه أي شيء عنها، بل بدأت تتغاضى عن أسلوبه الأناني بالبرود والتجاهل.
كانت تتحكم قدر الإمكان في غضبها من طريقته المتسلطة معها.
تدعي سرًا أن سلوكه معها سيتغير بمرور الوقت، ولكن عندما رأته جالسًا مع تلك الفتاة بهذه الطريقة الاستفزازية، قررت أن تتركه دون أي اعتبار لأي شخص.
ما كان يجب عليها أن تتحلى بالصبر معه من البداية، وفي قرارة نفسها تثق تمامًا أن طباع البشر ليس من السهل تغييرها، وأكثر من ذلك، إن قلبها لا يريده لم ينبض باسمه، وإلا كانت غفرت له وسامحته، لكنها غير مقتنعة به بتاتًا.
لماذا تخاطر بمستقبلها معه؟ هذه حياتها وهي وحدها ستتحمل نتيجة كل ما سيحدث لها، لذلك لن تتنازل عن راحة بالها مرة أخرى، وتحت أي ظرف من الظروف، ليس لديها سوى كرامتها التي جمعت شتاتها بصعوبة، وسافرت إلى القاهرة، تاركة الإسكندرية كلها حتى تجلس في منزل والدها القديم، بعيدًا عن كل ما يزعج سلام حياتها القادمة.
انقطع حبل أفكارها بصوت أختها من خلفها، فأدارت رقبتها ونظرت إليها، وأومأت بابتسامة تلاشت تدريجيًا، وهي تستمع لما تقوله ميساء التي جلست بجانبها:
معاذ كلمني بعد ما لاقيتك مابترديش عليه وهو واقف تحت شباك أوضتك.
أردفت ميساء بنوع من التردد:
احم ومصمم تطلعي تكلميه.. روحي شوفي عايز إيه بهدوء بلاش عصبية وتتفرجوا عليكوا الناس يا يويو؟!!
بقيت صامتة لحظات تفكر قبل النهوض من كرسيها بابتسامة هادئة حتى تطمئن أختها.
استدارت وغادرت الشرفة، فيما تحولت الابتسامة البريئة التي زينت ثغرها إلى أخرى شيطانية، وهي تخاطب نفسها أثناء دخولها المطبخ:
انت جيتلي في وقتك.. أما طلعت على جتتك القديم والجديد مابقاش أنا حياة بنت مجدي.
يقف معاذ مباشرة تحت النافذة ينظر يمينًا ويسارًا، ثم يخفض بصره بين تارة وأخرى بملل محدقًا إلى ساعة معصمه الثمينة.
سحبت حياة ستارة النافذة لتفتحها، وتتمتم بنبرة مغتاظة خفيضة جدًا، وتتحدث مع ذاتها كالمعتاد مثل المجنونة:
قال مصمم أطلعلك قال.. فاكر نفسك لسه خطيبي عشان تديني أوامر يا مغفل ظابط على نفسك أما أوريك.
اختتمت كلماتها الحانقة، وهي تنظر إلى أسفل ثم أفرغت بغلًا وسخطًا محتوى الوعاء الزجاجي الملء بالطحين الذي كانت تحمله في يدها على رأس معاذ الذي فوجئ بشيء يسقط عليه من فوق.
سرعان ما بدأ بدفعه من على شعره بقوة في محاولة باتت بالفشل بسبب الكمية الهائلة التي غمرته من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه.
أغمض عينيه بغير استيعاب، ليسمع صوتها الفائض بالشماتة حيث كانت تغمغم بكلمات غير مفهومة، ولا تزال تصب عليه الطحين حتى أفرغت الوعاء بأكمله.
نظر معاذ بإنشداه في بدلته الملطخة بالطحين، ورفع رأسه إليها قائلاً بعدم تصديق:
إيه دا!!!
رفعت حياة حاجبيها، وهتفت في استنكار:
دقيق!!
صاح معاذ بغيظ، وهو يحاول نفض الدقيق منه دون جدوى، سيكون من الصعب جدا التخلص منه:
مبسوطة كدا يا بنت المجانين.. انزليلي هنا بسرعة.
هزت رأسها بسرعة وقالت برفض:
لا مش نازلة.
أطلق معاذ زفيرًا غاضبًا، وهددها بنفاد صبر بينما كان لا يزال ينفض شعره من الطحين:
لو مانزلتيش حالا يا حياة هطلعلك أنا وأتحملي ثورة اختك علينا إحنا الاتنين بسبب بهدلة عفشها بالدقيق اللي بهدلتيني بيه دا.
تمتمت حياة بصوت منخفض بينما أدارت رأسها إلى الجانب الآخر، والتوتر يحتاج أعصابها، وصفعت جبينها بخفة:
يالهوي!! أنا إزاي مافكرتش في كدا؟ آه يا ابن المستغلة..
أردفت سريعاً بصوت عالٍ، ثم أغلقت النافذة وسحبت الستائر:
استني عندك ماتطلعش خلاص نازلالك.
سرعان ما ارتدت سترة قطنية فوق بيجامة نومها ونزلت إليه، وأغلقت الباب الأمامي للمنزل من خلفها، ثم التفت نحوه بينما كان معاذ واقفاً يحاول تنظيف نفسه، لكن الدقيق كان يعشش في ثنايا شعره الذي تحول إلى اللون الأبيض، ليزفر من الإحباط واستدار بسرعة عندما يسمع صوت حياة تهمس بإستهزاء:
لسه جاي من الفرن على هنا يا اسطا..!!
همس بصوت أجش حانق، وفتح ذراعيه في دهشة مما فعلته فيه:
يا مؤذية خلصتي دقيق البيت كله عليا..
عقدت حياة ذراعيها بلا مبالاة، ليقول بسخط، وهو يصفع ذراع بدلته الغالية:
لزمتها إيه حركات العيال دي يا حياة.. عجبك منظري كدا يعني؟
ردت عليه بنبرة استفزازية مليئة بالشماتة:
عادي تغيير حتى الأبيض لايق عليك وكان نفسي أعمل كدا من زمان وحصل.
استأنفت حديثها بنفس النبرة والعبوس على محياها:
انت هتفضل واقف متنح كدا!! روح من هنا.
ردد معاذ باستغراب:
أروح فين وأنا كدا يا حياة!!
أجابت حياة باندفاع، وما زالت تعقد ذراعيها على صدرها:
على جهنم الحمرة.. عايز إيه مني يا معاذ؟
اتسعت عيناه، ورفع حاجبيه عند سماعه إجابتها القاسية، وتمتم بإقتضاب، محاولاً أن يكتم غضبه الذي لا نفع من ورائه الآن:
أنا جاي أكلم معاكي.
أغمضت عينيها بضحكة ساخرة، وأبعدت وجهها عنه وهي تدمدم بصوت خفيض لكنه سمعها:
يارب صبرني.
أردفت بعد أن نظرت إليه:
وأنا قولتلك مش عايزة أكلم يا أخي.. هو بالعافية.
واصلت حديثها بنبرة هامسة حادة:
وما يهمنيش هتقول إيه أصلاً.. سيبني في حالي بقى.
أنهت كلماتها الغاضبة واستدارت نحو باب المنزل وهي تنوي الدخول، لكنه أدرك ذلك بحركة سريعة تسببت في سقوط بقايا الطحين المتعلقة به عن ظهره، أمسك بعضدها لمنعها من الفرار بعيدًا.
اتسعت عينيها بغضب، وتحدثت من بين أسنانها بفحيح:
يخربيتك.
أكملت كلامها بنبرة جادة مليئة بالتحذير، مشيرة بإصبعها إلى مكان قبضته على ذراعها:
ابعد صوابعك عن دراعي قبل ما أكسرهم.
رفع كفوفه مستسلمًا حتى تلين له ويمكنه الحديث معها دون انفعال، لكنها ردت تهديدًا، مشيرة إلى يديه بإصبعها، وكل ذرة في جسدها مستعدة لمهاجمته:
ماتحطش إيدك عليا تاني.
هز رأسه باتفاق وقال بصوت هامس:
خلاص.
عقدت ذراعيها أمام صدرها مرة أخرى، قائلة بنبرة متغطرسة:
اتفضل من غير مطرود.
نظر إليها كما لو أنه يراها للمرة الأولى، لم يكن يعرف منذ متى أصبحت مشاغبة ومتمردة، أو أنها كانت على هذا النحو من قبل، ولكن لأنه كان مشغولًا عن معرفتها جيدًا، لم يلاحظ هذا الجانب العنيد منها، حيث لم تعد تخاف منه، بل تنظر إلى عمق عينيه بتحدٍ عارم، ليهمس بإلحاح:
حياة.. خليكي جد شوية محتاج أكلم معاكي.
هتفت حياة وهي تضرب بقدمها على الأرض في حالة من اليأس، من الإصرار الواضح في عينيه أنه لن يبرح مكانه إلا إذا قال ما في جعبته:
يوووه.. أنت غاوي تعاند فيا وخلاص.. مابقش بينا حاجة نحكي فيها يا معاذ.
خفض جفنيه، وأدار رأسه إلى الجانب الأيمن، مبتسمًا بغموض بعد أن خطرت بباله فكرة، لكنه قال بهدوء للمرة الأخيرة:
لا في يا حياة.. تعالي اركبي العربية مش هنفضل واقفين وأنا بشكلي العرة ده.
ضحكت بسخرية وهي توجه رأسها نحو المنزل، ثم نظرت إليه بتهديد قائلة بتحدٍ يشوبه الشماتة:
إيه يخليني أسمع كلامك؟ ماتقدرش تجبرني هنادي لأخويا حازم يقطعك حتت صغيرة.. هو مستحلفلك وانت عارف.
تمتم معاذ من تحت أنفاسه:
كفاية تضييع وقت.
ثم انحنى بسرعة وطوق ساقيها بذراعيه، ورفع حياة على كتفه مثل الزكيبة وسار بها كأنها لا تزن شيئًا، مما جعلها تصرخ بفزع من صدمتها عندما وجدت رأسها يتأرجح على ظهره وساقيها في الهواء.
همست حياة بذهول، وحركت قدميها بقوة محاولة النزول، وهي تضربه بقبضتها على ظهره:
بتعمل إيه يا متخلف؟ نزلني...
هسهس معاذ وهو يمشي بثقة رافضًا الاستماع إلى اعتراضاتها:
هشششش.
استمرت حياة بالثرثرة دون توقف من اضطرابها الشديد مندهشة من تصرفه غير المعقول على الإطلاق:
موديني على فين يا معاذ مايصحش كدا!!! نزلني نزلنننني.. قولتلك مش عايزة أكلم معاك هو بالعافية يا أخي.. ماتبطل تصرفاتك الهمجية دي..
وصل معاذ إلى سيارته وفتح الباب لينزلها برفق عن كتفه وساعدها في الصعود إلى السيارة بحذر، قائلاً بسرعة:
اركبي.. يلا.
كل مقاومتها ذهبت سدى، لتغمغم بغضب:
معاذ.. والله ما هفوتلك اللي بتهببه دا.. دي جريمة خطف آنسة...
لم يدعها معاذ تكمل كلامها، وهمس على عجل بينما يغلق باب السيارة:
دخلي رجلك وبطلي الرغي اللي ملوش تلاتة لازمة دا.
***
في السيارة
بقيت حياة ثابتة على صمتها، رغم محاولات معاذ بفتح حديث معها، بينما كانت تفكر مليًا في المكان الذي سيصطحبها إليه، لتخطر ببالها فكرة وحيدة يمكن أن تهرب بها من هذا المأزق وتنتقم منه في آن واحد.
قطعت حياة هذا الصمت قائلة بنبرة رقيقة ممزوجة بالاحتيال:
أنا عايزة أشرب ممكن تنزل تشتريلي ميه معدنية من الكشك ده.
تبادل الاثنان النظرات وسط صدمة حياة، ليتحول وجهها تدريجيًا إلى اللون الأحمر من الغضب، تزامناً مع اتساع ابتسامة معاذ الماكرة، الذي قال وهو يمد يده إليها بزجاجة ماء من المقعد الخلفي:
غالي والطلب موجود.
أنهى معاذ جملته بابتسامة ملتوية، تنهدت حياة قائلة بإنزعاج بعد أن أدارت عينيها للأمام:
خلاص مش عايزة.. انت رايح بيا فين روحني يا معاذ؟
أعاد الزجاجة إلى مكانها، ونظر إلى الطريق وقال بهدوء:
وصلنا.
نظرت حياة خارج النافذة لترى البحر أمامها، بينما نزل معاذ من السيارة ولم ينس أخذ المفاتيح بعد أن لاحظ نظرات حياة بين الحين والآخر ناحيتهم ليفهم ما تصبو إليه.
تابعت تحركاته بعناية، وما زال التجهم يغطي الجزء الأكبر من ملامحها المنزعجة، بعد أن أغلق كل الفرص التي يمكن أن تتخلص منه بها.
أغمضت عينيها بإرهاق، وميض حدقتى بدر الداكنتان على شكل وميض أمامها.
فتحتهما من جديد، وتنهدت بضيق، لشعورها بالنقص الذي يتزايد شيئًا فشيئًا بقلبها، دون أن تتمكن من ترجمة ذلك حتى لنفسها.
قررت بعد فترة من الجلوس بمفردها في السيارة، النزول على مضض والتحدث معه كما يشاء حتى يرجعها إلى المنزل.
ترجلت من السيارة، فارتطم هواء البحر بشعرها الطويل ليتطاير حول وجهها، رفعت يدها لإبعاد خصلتيه عن عينيها، وتحركت إلى المكان الذي يقف فيه معاذ، وأبطأت خطواتها قليلاً لتبقى مسافة بينها وبينه.
شعر بحركتها خلفه، فالتفت إليها بصمت بعد أن كان شاردًا في أمواج البحر الهائج التي تصطدم بالصخور، تمامًا مثل مشاعره الآن.
هتفت حياة بنبرة عالية نسبيًا حتى يسمعها، وعلى شفتيها ابتسامة جانبية ساخرة:
برافو يا معاذ برافو.. عملت اللي انت عايزه كالعادة وأخذتني معاك بالعافية.
واصلت بنفس السخرية اللاذعة، وهي تشبك يديها أمام خصرها:
إيه الكلام اللي أخذتني زي شوال بطاطا لحد هنا عشان تقوله؟
كان معاذ يستمع إلى سخريتها بوجه مقتضب، ويضع يديه في جيوب بنطاله، وحالما صمتت، اقترب منها بخطوات واثقة حتى وقف مقابلها، وأخرج يديه شابكًا إياهم أمام خصره، وقال بنبرة هادئة وغير متوقعة لحياة، حيث اعتقدت أنه سيصرخ عليها بمجرد أن تنتهي من كلامها الوقح، لكنه خالف كل توقعاتها:
حياة.. حياة حقك عليا أنا آسف.. عارف إن تصرفاتي معاكي ما كانتش ألطف حاجة.
نظرت إليه بدهشة أخفتها بسرعة خلف نبرة صوتها الهادئة الساخرة:
معقولة.. معاذ باشا بيعتذر قد إيه دا شرف عظيم وتضحية كبيرة منك!!
أسدل جفنيه للحظة عن عينيها المعاتبين، ثم نظر إليها وقال بلطف:
من غير ما تتريقي أنا بجد آسف.. كان عندك حق لما قولتي إنّي بفكر بأنانية.
نظرت إليه مليًا، مستشعرة الصدق باعتذاره، فأومأت برأسها بصمت، ثم رأته يخفض بصره إلى الأسفل واقترب منها خطوة، محاولاً معانقة يدها، لكنها وضعت راحة يدها فوق كفه، وقالت بسرعة:
خلاص مالوش لزوم الكلام ده يا معاذ.. دي كانت لحظة عصبية مني وراحت لحالها.. بس إحنا مش مناسبين لبعض يا معاذ.. صدقني..
صمتت وسحبت يدها عن يده التي بقيت مفتوحة، وهو ينظر إليها بعينين لا تتقبل هذه الكلمات منها، قائلاً بحزم وهو يخرج هاتفه من جيبه:
لا يا حياة.. أنا عايزك تبصي على الصورة دي.
نظرت حياة إلى شاشة الهاتف في يده، لتتسع مقل عينيها حالما تذكرت تلك الموجودة في الصورة هي نفسها التي رأته معها جالسًا في المطعم، وظنت أنه يخونها، لكن منظرها هنا مختلف، حيث تقف خلف أعمدة حديدية ويبدو أنها مسجونة.
أعاد معاذ الهاتف إلى جيب بنطاله قائلاً بنبرة هادئة:
حياة.. إنتي فهمتي الموضوع غلط لما شوفتيني مع البت دي كانت مقابلتي ليها عشان شغلي والحمد لله قدرت أقبض عليها والله ما كنت بخونك ولا فكرت أعمل كدا من يوم ما اتخطبنا.
لعق شفته السفلى بنوع من الحرج مردفاً:
أنا عارف إني المفروض كنت أفهمك كل حاجة من الأول وأشرحلك وعارف إنه دا أبسط حقوقك عليا.. بس أنا دايمًا كنت فاكر إنه مش محتاج أبرر ولا أدافع عن نفسي قصاد أي حد.. بس لما شوفتك إزاي مصرة على إنك تفضلي جنب واحد ماتعرفيهوش أصلًا.. دمي غلي وحسيت بنار جوايا وقتها فهمت قد إيه بحبك وإني لازم أبطل أفكر بالطريقة دي وماحطش كبريائي حاجز بيني وبينك عشان أنا مش عايز أخسرك.
شعرت حياة بانقباض صدرها عندما سمعته، بينما لم يسجل عقلها سوى جملة واحدة من كل هذه الكلمات.
زاغت عيناها بتوتر لتسمع لسانها ينطق بتسرع:
بس أنا أعرفه كويس يا معاذ.
حدق فيها لثانية دون أن يجيب، لقد اعترف للتو بمشاعره تجاهها وهذا كل ما تمكنت أن تقوله ردًا عليه، مستفسراً بغرابة:
دا كل اللي لفت انتباهك من كلامي كله!!
كان الأمر كما لو أنه تلقى منها صفعة قوية زعزعت توازنه وهزت كبرياءه، أوقد في صدره حريق خنق أنفاسه، حالما تساءل بتوجس:
إنتي بتحبيه يا حياة!! طيب إمتى حصل الحب ده!! وإزاي؟
قرع قلبها بعنف داخل ضلوعها، حيث اتسعت عيناها لكونها بطريقة ما استطاعت ترجمة طلاسم هذا النقص الملازم لها منذ اللحظة التي التفت فيها بدر مولياً ظهره لها.
عفوياً، قالت بخفوت وهي توجه عينيها نحو البحر بعد أن أصابتها الصدمة:
بحبه من زمان أوي.
من يقف على الشاطئ، ويقول إنه يحب البحر كاذب، فلا تصدقه إلا إذا غطس في أعماق البحر ورأى ظلامه وعيوبه وغضبه، انتظره حتى يعود إلى الشاطئ مجددًا وكرر نفس السؤال عليه، هل ما زلت تحبه؟
إذا كانت الإجابة بنعم، فهذا حب حقيقي لأن نظرتنا لشخص من الخارج تكون مشوشة أحيانًا، الكل يريد أن يظهر جميلًا ورقيقًا وكريمًا في البداية، لكن عليك أيضًا أن تراه في أسوأ حالاته لتقرر ما إذا كنت لا تزال تحبه أم لا؟