الفصل 10 | من 24 فصل

رواية شد عصب الفصل العاشر 10 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
17
كلمة
5,857
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

بالقاهرة، نظرت دولت لهاشم قائلة: سلوان قالتلك إيه؟ رد هاشم: خلاص سلوان حجزت تذكرة القطر وراجعة بعد بكرة. استشهدت دولت قائلة: لسه هترجع بعد بكرة، وليه مقولتش لها ترجع طيران أسهل وأسرع من القطر، يمكن بتتحجج أو بتكذب عليك. رد هاشم: لأ سلوان مش بتكذب، طالما قالت راجعة تبقى راجعة. استشهدت دولت قائلة: ومالك واثق من كلامها كده ليه؟

معرفش ليه عندي شك إنها بتماطل عشان تفضل هناك وقلبك يحن ليها وترجع تشغل الفيزا بتاعتها، لو كانت صادقة كانت حجزت في أول طيارة ورجعت للقاهرة تاني في ساعة زمن. شعر هاشم بضيق قائلاً بتعسف: لأ متأكد سلوان مش بتماطل، وكمان الباسبور مش معاها. تهكمت دولت قائلة: وفيها إيه يعني لو الباسبور مش معاها، دي حجة فارغة، ناسي الأقصر للقاهرة يعتبر طيران داخلي في البلد يعني ممكن بالبطاقة الشخصية بتاعتها، كل اللي محتاجاه هو تذكرة السفر.

رد هاشم بضيق: سلوان عندها فوبيا الأماكن العالية ومش بتحب سفر الطيران، قبل كده قالتلي إنها كانت بتفضل خايفة وهي في الطيارة لحد ما بتنزل للمطار، وكذا مرة كانت بتسافر عن طريق البحر الأحمر. تهكمت دولت قائلة: آه وماله، بس مقولتيش قالتلك إيه بعد ما قلت لها عن طلب إيهاب لإيدها. رد هاشم: مقولتلهاش، مستني لما ترجع. تحقيقك كده خلص، عن إذنك مصدع وكمان عزومين عالعشا عند أختي، خلينا نجهز عشان الوقت متأخرش عليهم.

ترك هاشم دولت وتوجه إلى غرفة النوم. زفرت دولت نفسها بضجر وضيق قائلة: أكيد طبعًا الكونتيسة رفضت، أنا سمعاك بنفسي وإنت بتقول لها، بس طبعًا متقدرش تضغط عليها، بس نافش نفسك عليا، كأنك اتجوزتني غصب، بس هي ترجع لهنا وأنا هعرف إزاي أخليها توافق على جوازها من إيهاب حتى لو كان غصب عنها زيك. *** بمنزل صلاح أثناء تناول العشاء، نظر صلاح ناحية حفصة مبتسمًا يقول:

كلها فترة صغيرة وحفصة تتجوز ومش هنلاقي حد يقعد معانا عالسفرة يا يسري. شعرت حفصة بحياء لكن قالت: معتقدش يا بابا، مش يمكن قبل ما أنا أتجوز يكون جاويد اتجوز ومراته تقعد مكاني. تنهد صلاح بتمني قائلاً: ياريت، ربنا يسمع منك. ابتسمت حفصة وهي تنظر ناحية يسري قائلة: الموضوع ده في إيد ماما تقنع جاويد يتجوز مسك بنت عمتي قبل ما واحدة تانية تلف عليه. نظرت يسري لحفصة باستغراب قائلة: قصدك إيه بواحدة تلف عليه؟ ردت حفصة:

بصراحة يا ماما، مسك شافت جاويد قدام البوتيك اللي كنت أنا وهي بنشتري منه الفساتين، كان واقف بالعربية وفي واحدة ركبت جنبه في العربية، بس مشفتش وشها، شفتها من ضهرها. تحير عقل يسري وقالت: مش يمكن مسك غلطت في عربية جاويد؟ المكان ده زحمة أساسًا. ردت حفصة بتأكيد: لأ، أنا متأكدة، أنا كمان شفت جاويد قاعد وجنبه بنت في العربية، يعني أنا ومسك هنغلط نفس الغلطة.

للحظة سأم قلب يسري وشعرت بتوجس وتذكرت حديث غوايش لها "الشتيتين اتجمعوا". لكن تنهدت بإيمان قوي. *** بالفندق بغرفة حلاوتهم

لهاوها واندماجها بالرقص لم يجعلها تنتبه لشرود صالح اللي مازال طيف تلك الشبيهة بصورة الماضي بعقله، يسترجع ذكرى فتاة سلبت عقله من أول مرة رآها ذات يوم صدفة لينغلق قلبه خلفها، رغم أنه تزوج أكثر من مرة ورافق نساء كثيرات لكن لم تستطيع أحداهن محو "مسك مؤنس القدوسي" من قلبه ولا عقله، زفر نفسه بغضب وهو يتردد صوت رفضها له بوجهه قائلة:

"لو مبقاش غير الموت هو اللي هيريحني منك أنا هموت نفسي ودلوقتي، عندي أموت كافرة ولا أبقى من نصيبك". وقد كان الموت من نصيبها بعد ثلاثة عشر عامًا قضتها مع رجل آخر فضلته عليه، ورحلت معه بعيدًا غير باقية على شيء، اختارت البقاء مع آخر، وتركت قلبه حطام خلفها...

عاش بلا قلب أصبحت النساء بالنسبة له لسن سوى متعة وهو ينهش جسدهن بنظرات عينيه حتى إن لم يلمسهن، مر وقت أكثر يقترب من الثلاثون عامًا، ومازالت صورتها محفورة، لكن من تلك التي تشبهها؟ هو تعقبها إلى أن دخلت إلى إحدى غرف الفندق. خرج من ذلك الشرود حين جلست تلك الراقصة لجوارة على الأريكة تلهث قائلة: أما أشوف الساعة في الموبايل، عشان أنزل للفقرة اللي هقدمها في المهرجان. نظر لها صالح قائلاً: ها هتقولي إيه؟ تعجبت الراقصة قائلة:

بقول إيه؟ إنت كنت شارد ولا إيه، لأ أزعل منك يا شيخ الشباب. نفض صالح عن رأسه ونظر لها بوقاحة قائلاً: لأ مش شارد، بس سحرني رقصك. ابتسمت له بدلال سافر قائلة:

هصدق إن مكنتش شارد في حاجة غيري، وعلى العموم يا شيخ الشباب عندي فقرة الساعة عشرة والساعة تسعة ولازم أنزل دلوقتي عشان أسخن قبل الفقرة، بقولك إيه مش هينفع نتقابل تاني الليلة هنا في الأوتيل، ممكن الأمن يطلع يسأل سبب وجوده هنا في الأوضة ويطلع عليا سمعة وأنا فنانة وليا صيت ومحبش يطلع عليا إشاعات مغرضة... إني جاية الأقصر مش عشان فني. زفر صالح نفسه ونهض واقفًا يقول:

نتقابل في الشقة اللي هنا بعد ما تخلصي الفقرة بتاعتك، سبق واتقابلنا فيها، هنتظرك نكمل الليل سوا. ضحكت الراقصة بخلاعة ولكن تعجبت من نهوضه ومغادرته للغرفة سريعًا، لكن لم تبالي هي تعلم ستحصل منه على ما تريد نهاية الليلة.

بينما خرج صالح من الغرفة وسار في الرواق، اقترب من تلك الغرفة التي دخلت لها شبيهة الماضي، وقف أمامها للحظات كاد شيطانه أن يدفعه يطرق عليها باب الغرفة، بالفعل رفع إحدى يديه لكن توقفت قبل أن تصل إلى جرس الإنذار الخاص بالغرفة، كور يديه بقوة جبروت حتى كاد عصب يده أن يسيل من بين المفاصل، لكن عاد يتحكم الشيطان به وكاد يطرق الباب لولا أن رأى اقتراب أحد النزلاء ونظر لوقوفه هكذا أمام الغرفة، شعر بالإحراج وغادر بخطوات سريعة.

*** ليلًا بغرفة جاويد

خلع القميص من فوق جذعه وألقاه على جانب الفراش ثم تسطح عليه يتثاءب، عدل إحدى الوسائد أسفل رأسه يشعر بشعور جميل، أغمض عينيه للحظات سكنت فيها خياله تلك الأميرة الرقيقة الآتية من بين خرافات العرافة، ملامح وجهها، عينيها، شفاها، كل نظرة ينظرها لها كأنها تعويذة سحر تترك بعدها طلسم على قلبه يصعب إزالته، يتنحى عقله عن الاستيعاب، لو حكى له أحد عن ما يحدث معه لقال له أنت ساذج ليس لديك عقل ما تقوله ليس سوى خرافة، ضحك وتذكر بقية حديثهم قبل قليل وهم يسيرون بأروقة الأقصر.

[فلاش باك] بعد أن قصت له أن والدتها من الأقصر. ادعى التعجب قائلاً بكُنه: يعني إنتِ مامتك من هنا من الأقصر نصك صعيدي يعني. ردت سلوان بضحكة سخرية مؤلمة تؤكد: أيوا، مامتي من هنا من الأقصر نصي صعيدي...

بس عمري ما جيت هنا غير مرة واحدة يوم دفن ماما، وبعدها محدش منهم سأل عني، رغم إن ماما في يوم قالتلي وحكتلي عن جزء من هنا حتى إنها اتقابلت مع بابا هنا، كمان قد إيه باباها كان طيب وبيدلعها ومتأكدة في يوم هيرضى عنها، وإن اليوم ده لو مجاش وهي عايشة أبقى أنا أفكره بيها، وأنا من الأساس كنت جايه عشان أشوفه وأسأله ليه محققش أملها وهي عايشة، رغم إني كنت بشوفها أوقات بتبكي وهي بتكتب له جوابات، عندي إحساس كبير إنه مقراش الجوابات دي، لو كان قراها كان حس بعذاب ماما، أنا كنت طفلة صغيرة وقتها مش فاهمة ليه هي بتبكي وهي بتكتب الجوابات دي، بس لما كبرت عرفت إنها كانت بتشتاق له وهو قاسي، حتى يوم دفنها هنا مبصش ليا كأنه كان بيدفنها عشان...

عشان مش عارفة أفسر عشان إيه بس اللي حسيته إنه زي ما يكون كان بيتخلص من شيء ملوش أهمية عنده، عكس ماما اللي كانت تحكيه عليه وعلى طيبته وحنيته معاها، بس ده قبل طبعًا ما تختار بابا وتطلع عن طوعه، ده اللي فهمته مع الوقت لما كبرت، أنا مش جايه أسأله ليه عني، أو أفتح الماضي ولا أعاتبه، أنا جايه عشان أزور قبر ماما وبس وأقول لها إني منستاهاش زي البقية، لو أعرف طريق قبرها كنت روحت لوحدي، ومقدرش أسأل أي من أهل البلد مفيش غير الحاج مؤنس أو ابنه هما اللي يدلوني على قبر ماما.

سالت دموع سلوان التي تغص بقوة بقلب جاويد لكن لا يملك سوا كلمة مواساة، من بعدها غير دفة الحديث حتى لا يرى تلك الدموع قائلاً: إيه رأيك قبل ما ترجعي للقاهرة أنا بقول تودعي الأقصر من فوق. في البداية للحظة نظرت سلوان بعدم فهم ثم فهمت قائلة: قصدك المنطاد، لأ كفاية مرة. ضحك جاويد قائلاً: عشان جبانة وبتخافي، بس أعتقد المفروض تزيل الرهبة بعد ما طلعنا رحلة المنطاد، خوفك ملوش لازمة، ولا عندك ثقة فيا. ابتسمت سلوان قائلة:

تعرف إنك الشخص الوحيد اللي وثقت فيه بعد بابا... وده يعتبر شيء غريب لأني صعب أثق في أي شخص بسهولة... يا جلال... يمكن لأني قابلت قبل كده أشخاص كنت صحيح مابقاش واثقة فيهم بس برضو مش هقولك كنت بتصدم في حقيقتهم المخادعة اللي بيحاولوا يجملوها، لأن عندي يقين إن الطبع غلاب ومهما حاولوا يخفوا حقيقتهم هتظهر مع الوقت. ابتسم جاويد قائلاً بإطراء: يمكن جمالك السبب في عدم ثقتك بهم. تهكمت سلوان بضحكة ساخرة:

جمالي، يمكن رقم اتنين في عدم ثقتي بالأشخاص. ابتسم جاويد متسائلاً: وأيه السبب الأول؟ ردت سلوان بأسى: إنهم عارفين إني وحيدة وسهل يستغلوا ويسهل خداعي، وكمان مش بيقولوا على إن الجميلات بيبقى عندهم العقل ناقص شوية. ضحك جاويد قائلاً: أعتبر ردك ده غرور، إنك جميلة. شعرت سلوان بالخجل للحظات وأخفضت وجهها لكن عادت ورفعته تنظر لجاويد بسؤال: إنت شايف إني مغرورة يا جلال.

تأمل جاويد ملامحها مبتسمًا على احمرار وجنتيها الظاهر واللي أعطاها وهج يشع جمالًا قائلاً: حتى لو مغرورة جدًا يا سلوان جمالك يغفرلك. شعرت سلوان بحياء وحادت بعينيها ورفعت وجهها إلى السماء قائلة بتوهة: النجوم في السما بتتحرك، لما كنت صغيرة ماما كانت تقولي "النجوم بتمشي ومعاها أمنيات العشاق". أغمض جاويد عينيه ثم فتحهما ونظر لسلوان قائلاً: وأنا اتمنيت أمنية. ابتسمت سلوان قائلة:

دي تخاريف أكيد، بس بنحبها وبنصدقها رغم إننا متأكدين إن كل شيء قدر ومكتوب، كان مين يصدق بابا شركة التليفونات اللي كان بيشتغل فيها زمان تبعته هنا الأقصر عشان زرع عمدان إشارة تعزز وتقوي إشارة التليفونات ويقابل ماما صدفة ويقع في غرامها وهي كمان نفس الشيء وتتخلى عن عادات وتقاليد هنا وترحل معاه عشان سبب واحد. صمتت سلوان لكن كانت تبتسم، تحير جاويد متسائلاً بفضول: وأيه السبب الواحد ده؟

تنهدت سلوان ببسمة ولمعة عين لكن ليست لمعة دموع بل لمعة ذلك الضوء اللي تسلط على عينيها من إحدى عمدان الإنارة بالطريق قائلة باختصار: العشق. توقف جاويد عن السير للدقيقة وتمم على كلمتها كأنه يسأل: العشق؟! ابتسمت سلوان وتوقفت عن السير هي الأخرى تؤكد قولها: أيوه "العشق" اللي بيلغي كل الحسابات والعادات بيمقتها أو بمعنى أصح بيوءدها...

هنا بدأت قصص عشق خيالية كتير قبل كده، وكمان قصة بابا وماما كانت خيالية في البداية بس اتحققت مع الوقت.

نظر جاويد لتلك اللمعة في عين سلوان وهي تتحدث عن والديها، ود أن يقول لها أنه لم يكن يؤمن سابقًا بشيء غير الحسابات العقلانية لكن تلك الحسابات اختفت منذ أن سمع اسمها من تلك العرافة بالمعبد، انتهت حسابات العقل وطغت حسابات أخرى ترسم علامات قوية بالقلب مثل تلك العلامات المحفورة فوق تلك الأعمدة واللي لم تختفي منذ آلاف السنوات. ابتسمت سلوان بحياء من نظرة عين جاويد لها وتهربت قائلة:

معايا نمرة الحاج مؤنس وبصراحة كده خايفة أتصل عليه هقوله أنا مين. رد جاويد: رأيي تتصلي عليه ومش شرط تقولي له إنتِ مين، ممكن تقولي له محتاجة له في أمر خاص هتقولي له عليه لما تتقابلوا. ابتسمت سلوان قائلة: فعلاً هو ده الحل الوحيد. فتحت سلوان هاتفها وقامت بالاتصال على رقم هاتف مؤنس، لكن أعطاها الرد أن الهاتف مغلق أو غير متاح... عاودت الاتصال لمرتين ثم نظرت لجاويد قائلة:

بيقول مغلق أو غير متاح، يمكن في مكان مفيش فيه شبكة، على العموم مبقاش قدامي وقت هتصل عليه الصبح وأشوف إذا كان رجع من سفره، أو حتى بفكر أروح تاني لبيته ولو ملقتوش أسأل الست اللي قابلتني أو بنتها عن قبر ماما، بس وقتها هيسألوني أنا مين وبأسأل ليه؟ زفرت سلوان نفسها تشعر بحيرة. لكن جاوب جاويد: بلاش تفكري كتير والصبح اتصلي عالحاج مؤنس يمكن يكون رجع ووقتها يبقى الحل سهل. ابتسمت سلوان قائلة:

فعلاً هنتظر لبكرة الصبح واتصل عليه، دلوقتي خلاص الوقت قربنا عالساعة تمانية ونص لازم أرجع للأوتيل عشان حاسة بشوية إرهاق. ابتسم جاويد قائلاً: تمام والصبح هتلاقيني منتظرك قدام الأوتيل عشان أوصلك. ابتسمت سلوان قائلة: إن شاء الله، تصبح على خير. [عودة] عاد جاويد متنهدًا يشعر بانشراح في صدره، أغمض عينيه وذهب إلى ثبات في لحظات... لكن أثناء نومه رأى نور يأتي من قريب ويخرج منه طيف طفل بعمر الثانية عشر... ابتسم جاويد وقال بهمس:

جلال. رد الطيف متسائلاً: ليه أخدت اسمي وقولت لها إن اسمك جلال مش جاويد. شعر جاويد بندم قائلاً: معرفش السبب فجأة لساني نطق اسمك، رغم السنين اللي فاتت بس لسه اسمك وشكلك معلق في دماغي... يا جلال مش قادر أنساك. ابتسم جلال له قائلاً: انسى يا جاويد وعيش حياتك، أنا مجرد طيف عايش بس في خيالك، عيش يا جاويد وانسى الماضي. فجأة مثلما ظهر الطيف اختفى وانطفئت هالة النور... نظر جاويد حوله لكن سادت عتمة مظلمة.

نهض جاويد فجأة من نومه وشعر بتعرق كذلك عطش ليس شديد، أشعل ضوء خافت بالغرفة ثم مد يده وأخذ دورق المياه وسكب منه مياه بكأس صغير واحتساها بروية، ثم تذكر الحلم شعر بوخزات قوية وضع يده على قلبه كأنه مازال يشعر بأن جلال يرافق قلبه، لكن تساءل لماذا أتى له جلال الآن بالحلم، هذه أول مرة يحلم به بعد مضي عشرون عامًا........ *** بغرفة صلاح

كانت تسير برواق أحد المشافي بداخل قلبها أمل أن تكون تلك الخبرية أكذوبة وأن فتاها الأول مازال حيًا، كل خطوة كانت تتلهف لتتيقن من ذلك الأمل الواهي، إلى أن دخلت إلى إحدى غرف المشفى، وجدت صلاح يقف جوار فراش يبكي، عيناها نظرت نحو الفراش، الفراش عليه دماء كثيرة كذلك من يرقد عليه كان الغطاء يدفنه من أخمص قدمه إلى رأسه، تلهفت سريعًا نحو الفراش وجذبت غطاء الفراش من فوق رأسه بأمل أن يخطئ الخبر لكن كل خبر يخطئ ما عدا خبر الموت، شعرت بفاجعة أول فتيانها ممدد أمامها وجهه به بعض الخدوش النازفة وجسده مدمى، لم تستطع الوقوف مالت بجذعها عليه تحتضن

جسده تقول باستجداء ولوعة: "جلال" اصحى يا حبيبي خلاص مش هزعلك تاني عشان روحت تلعب في الترعة من ورايا، جوم معايا. بكى صلاح واقترب منها وانحنى يجذبها كي تترك جثمان جلال قائلاً بمواساة: وحدي الله يا يسري جلال طفل من الأبرار هيشفع لينا. لكن فجأة شعرت يسري كأن يدي جلال تحتضنها، تركت جسده على الفراش ونظرت لصلاح بفرحة تمسح دموع عينيها بيديها قائلة: جلال عايش يا صلاح إيده حضنتني. نظر لها صلاح باكيًا يقول:

بلاش اللي بتقوليه ده يا يسري، اطلبي له الرحمة. نظرت يسري إلى جلال الراقد بالفراش فاقت من هذيانها وقالت بلوعة: جلبي حاسس بولدي هو لسه حي، بس... توقفت عن الحديث قليلاً ثم نظرت إلى صلاح بتساؤل وفزع: بس فين جاويد؟ أوعى تقول لي هو كمان... صمت لسانها تشعر بلوعة، لكن قال صلاح: جاويد حالته اتحسنت والدكتور قال الخطر زال عنه.

تنهدت يسري بهدوء قليلاً ثم نظرت إلى جثمان جلال بأسى ولوعة تذكرت يومًا قريب حين كانت تحسد أن لديها ثلاث فتيان اقتربوا من الصبا ها هي بالمشفى تنظر لجثمان أحدهم والآخر بالكاد نجا والثالث بالخارج يبكي ضعفه، رغم ذلك الألم المضني عليها الآن التماسُك حتى تنجو بالآخرين. على صوت همس يسري باسم جلال استيقظ صلاح وأشعل ضوء الغرفة ونظر لوجه يسري الذي يغرق وجنتيها الدموع، شعر بلوعة وآسى ووضع يده على كتفها يهزها قائلاً:

يسري اصحي إنتِ بتحلمي بكابوس. استجابت يسري وفتحت عينيها للحظة تمنت أن تكون فعلاً بكابوس وانتهى، لكن رأت دموع بعين صلاح الذي قال لها: من زمان محلمتيش بـ جلال أكيد في حاجة فكرتك بيه. نهضت يسري قائلة: ومن متى كنت نسيت جلال يا صلاح، ياريتني كنت أقدر أنسى، كان جلبي ارتاح من الخوف اللي معشش جواه. اقترب صلاح من يسري واحتضنها قائلاً:

ياريت كان النسيان بيدنا، الخوف إحساس صعب يا يسري انسيه وبلاش تفكري فيه كتير، كل شيء قدر ومكتوب وهنعيشه بحلوه ومرة، بلاش تخلي تخاريف قديمة تسيطر عليكِ، ربنا قال "كذب المنجمون ولو صدقوا". تنهدت يسري قائلة:

أنا عارفة زين إن كل شيء قدر ومكتوب وعندي إيمان كبير بالله، بس يمكن لحظة ضعف مني، أنا أم وقلبي انكوّى على واحد من ولادي، بدعي من ربنا ميحطش الإحساس ده تاني، أنا هروح اتحدت ويا جاويد وأسأله مين البنت اللي كانت راكبة جاره بالعربية، وكمان هقول له إني خلاص مش هستنى وهطلب يد مسك بنت عمته، هي أكتر واحدة مناسبة ليه وكمان أولى بيه. أمسك صلاح يدها قبل أن تنهض من على الفراش قائلاً:

يسري إنتِ أكتر واحدة عارفة جاويد كويس لو حاولتِ تفرضي عليه يتجوز من مسك هيعند أكتر بلاش نضغط عليه. أدارت يسري قول صلاح برأسها ثم قالت: تمام حديثك صح، بس عندي فكرة، إيه رأيك نحطه تحت الأمر الواقع، إنت تتحدث مع عمي الحاج مؤنس وتطلب يد مسك منه وكمان نكتب كتابهم مع "حفصة وأمجد" بعد أربع ليالي. هز صلاح رأسه بعدم قبول قائلاً:

بلاها الفكرة دي يا يسري جاويد هيعند وقتها ومش بعيد يكسفنا قدامهم، خلي اتكالك على الله وربنا هو اللي هيرشد جاويد ناحية الصالح له. رددت يسري قول صلاح بتأمين: يارب ارشده للصالح وبعد عينيه كل سوء....... *** بشقة بالأقصر بعد منتصف الليل بعد وصلة من الرقص، جلست تلك الراقصة بجوار صالح أرضًا وجذبت من يده خرطوم تلك الأرجيلة تسحب نفسًا عميقًا ثم نفثت الدخان من بين شفتيها فوق وجنة صالح بإغراء قائلة:

شيخ الشباب مش مركز معايا الليلة يا ترى إيه اللي شاغل بالك عني يا حبيبي، أوعى تكون عينك شافت أحلى من "حلاوتهم" أزعل منك هتلاقي في شقاوتي ودلعى فين. قالت هذا ووجهت خرطوم الأرجيلة نحو فمه، التقمته منها وسحب نفس وقام بنفثه قويًا بإمتزاج قائلاً بغمز ولمس لأحد مفاتنها بوقاحة: لأ مفيش لا في د لعك ولا شقاوتك، بس بطلتي هز ليه. هزت حلاوتهم صدرها بحركة إغراء قائلة: بطلت هز لما حسيت إنك شارد الليلة ومش في الفورمة.

نفث صالح الدخان ونظر لها قائلاً: مش شارد ولا حاجة بس في حاجة كده في راسي وبحاول أرتبها، بس خلاص مش هشرد تاني جومي ارقصي بدلال وشقاوة. ردت حلاوتهم بدلع: لأ مش هقوم ارقص غير لما تقولي الحاجة اللي شغلاك عني، ولا سيبني أخمن أنا، أكيد ناوي ترشح نفسك لمجلس الشعب. نظر لها صالح باستغراب قائلاً: أترشح لمجلس الشعب، لأ... قاطعته الراقصة:

وليه لأ، خلاص انتخابات المجلس قربت وإنت لك سطوة هنا في الأقصر وسهل تكسب الانتخابات من أول جولة، ووقتها بقى هتفضل في القاهرة وقت أكبر وتبقى قريب مني هناك، كمان المجلس له حصانة محدش يقدر يتغافل عنها، يا شيخ الشباب، فكر إنت ونوي النية واللي بعدها سهل يا حضرة النايب صالح الأشرف، والنبي لايقة عليك... عضوية المجلس... وأهو تبقى قريب مني في القاهرة بدل كل فترة والتانية أجيلك هنا يا شيخ الشباب.

عقل صالح طلب الراقصة منه الترشح للإنتخابات البرلمانية، هي فرصة قوية له يزداد بها قوة، كذلك هناك سبب آخر مكوثه بالقاهرة لفترات طويلة وقتها سهل عليه العثور على شبيهة الماضي الذي سأل عنها عامل الاستقبال بطريقة غير مباشرة علم اسمها فقط "سلوان هاشم خليل"، بالتأكيد ليس هذا تشابه أسماء، لكن السؤال الذي مازال يحير عقله ماذا تفعل هنا شبيهة الماضي.

نفض عن رأسه التفكير حين نهضت الراقصة وجذبته معها للرقص بخلاعة وهو ينهش بنظره مفاتنها يراها بصورة أخرى يود تتمايل بين يديه مثل تلك الراقصة....... *** بنور يوم جديد صباحًا دخلت يسري إلى غرفة جاويد بعد أن طرقت الباب وسمح لها، ابتسمت حين رآته يعدل هندامه قائلة: صباح الخير. رد جاويد: صباح النور يا ماما. ابتسمت له وجلست على إحدى المقاعد استدار لها جاويد متسائلاً: خير يا ماما. ردت يسري:

خير يا جاويد كنت عاوزة اتحدث وياك في موضوع كده. شعر جاويد وخمن ذلك الموضوع قائلاً بفضول: خير يا ماما إيه هو الموضوع ده؟ ردت يسري: إنت عارف إن بعد أربع أيام هنكتب كتاب حفصة وأمجد كنت بجول... صمتت يسري حين صدح رنين هاتف جاويد، الذي توجه إلى مكانه ونظر إلى شاشة الهاتف وابتسم. لاحظت ذلك يسري، بينما أغلق جاويد الاتصال ونظر إلى يسري قائلاً:

عارف يا ماما بكتب الكتاب، ومتخافيش عامل حسابي هفضي نفسي يومها عشان لازم أكون حاضر، مش أخو العروسة. ابتسمت يسري وكادت تتحدث لكن صدح رنين الهاتف مرة أخرى، تضايقت قائلة: مين اللي مش مبطل اتصال عليك من بدري كده. أغلق جاويد الهاتف قائلاً: ده من الشغل، على العموم نتكلم في حكاية كتب كتاب حفصة وامجد دي المسا لما أرجع دلوقتي لازم أخرج عندي ميعاد مهم، سلام عليكم. نهضت يسري سريعًا قائلة:

يعني مش هتفطر معانا برضه كيف الأيام اللي فاتت. ابتسم جاويد قائلاً: لأ يا ماما عندي ميعاد مهم ولازم ألحقه. غادر جاويد سريعًا، بينما زفرت يسري نفسها بقوة لديها يقين أن هذا ليس ميعاد عمل كما قال جاويد لهفته في الذهاب سريعًا تؤكد حدثها.... *** بمنزل مؤنس القدوسي بغرفة صفية همست مسك لها قائلة:

موبايل جدي أهو فصلته من امبارح زي ما قولتي لي من وقت ما رجع امبارح للدار، بس أكيد ممكن البنت دي ترجع لهنا تاني من غير ما تتصل وتاخد مني معاد. ردت صفية: ممكن وده اللي خايفة منه، البنت دي شكلها كده خبيثة ومفكرة إننا معرفناش هي مين، حتى هي مجالتش هي مين، عاوزة تفاجئ الحاج مؤنس وتشوف رد فعله إيه، أنا خايفة قلبه يحن ليها، كيف ما كان بيحن على أمها ويدلعها. ردت مسك:

طب والعمل إيه دلوقتي، ممكن نلاقيها طابة علينا زي القدر، البنت دي معرفش ليه حاسة من ناحيتها ببغض. ردت صفية: ومين سمعك، بقولك كلها هبابة وجدك وأبوكِ هيخرجوا من الدار وإن جت تاني النهارده أنا هحاول أوصل لها إنها غير مرحب بيها، يمكن تحس على دمها وترحل ونرتاح منها، بس الطماع مش بيمل، لو وصل الأمر هطمعها بقرشين تاخدهم وتبعد عنينا لأن الحاج مؤنس مستحيل يعترف بوجودها. وافقت مسك والدتها وابتسمت ورحبت بفكرتها قائلة:

ده أحسن قرار، يمكن بعدها تختفي من هنا وتعرف إن ملهاش مكان ولا حق هنا تدور عليهم. *** بعد قليل بالمطعم الخاص بالفندق جلس جاويد بالمقعد المقابل لسلوان خلف يفصل بينهم تلك الطاولة... تحدثت سلوان وهي تضع الهاتف على الطاولة قائلة بضيق وضجر: برضه بتصل على الحاج مؤنس مش بيرد عليا ونفس الرسالة، يا مغلق يا خارج نطاق الخدمة، مش عارفة أعمل إيه. للحظة فكر جاويد ونهض واقفًا يقول:

حاولي تتصلي عليه مرة تانية وإن مردش مفيش غير إنك تروحي له داره مرة تانية. نظرت سلوان له بتعجب قائلة باستنها: سبق وقولت لك طريقة استقبالهم ليا امبارح، وممكن لو روحت النهاردة ملاقيش الحاج مؤنس وكمان ممكن لو شافوني تاني يطردوني بسهولة جدًا. تنهد جاويد قائلاً: عندك حل تاني، على العموم ثواني هعمل مكالمة وأرجعلك بسرعة تكوني قررتي. زفرت سلوان نفسها بغضب، بينما ابتسم جاويد على احمرار وجنتيها.

بعد مسافة قليلة وفتح هاتفه وطلب أحد الأرقام، سرعان ما رد عليه قائلاً بانشراح: صباح الخير يا جاويد. رد جاويد: صباح النور يا جوز عمتي، معلش بتصل عليك كنت محتاج الحاج مؤنس في موضوع وكنت بتصل عليه مش بيرد عليا بيقولي خارج نطاق الخدمة أو مغلق. استعجب محمود قائلاً: يمكن موبايله فاصل شحن، خير كنت محتاجه في إيه؟ رد جاويد: هو لسه في الدار ولا خرج. رد محمود:

لأه هنا في الدار حتى مش هيخرج النهارده امبارح كنا في أسوان وهو رجع حاسس بشوية إرهاق من السفر والرجوع بنفس اليوم وهيفضل في الدار. ابتسم جاويد قائلاً: طيب ممكن تقولي له ينتظرني ويفتح موبايله عشان كنت محتاجه في حاجة كده، ساعة ونص بالكتير هكون في الدار عنده. رد محمود: تمام هخبره. رد جاويد: تمام متشكر. أغلق محمود الهاتف يشعر بحيرة من طلب جاويد مقابلة والده، وظل واقف قليلاً، لاحظت صفية وقوفه اقتربت منه قائلة:

وواقف مكانك كده ليه بتكلم نفسك كنت مين عالموبايل. نظر لها قائلاً: ده جاويد بيجولي إنه بيتصل على أبوي موبايله خارج الخدمة. ارتبكت صفية قائلة بتبرير: وفيها إيه الحاج مؤنس أوقات كتيرة بينسى يشحن موبايله، بس جاويد كان عاوزه ليه؟ رد محمود: معرفش هو قال هيجي له هنا الدار بنفسه. انشرح قلب صفية قائلة: هو جالك كده هييجي للدار بنفسه، بس يا ترى ليه ملمحش لك بحاجة. تساءل محمود:

وهيلمحلي بإيه، أما أروح أقول لأبوي ينتظر جاويد وبعدها أتوكل على الله أسعى لرزقي. ترك محمود صفية التي سرعان ما ذهبت نحو غرفة مسك وفتحت باب غرفتها منشرحة وأغلقت الباب خلفها. نظرت لها مسك باستغراب قائلة: في إيه يا ماما مالك فرحانة جوي كده ليه، لقيتي طريقة تطفشي بيها للبت الثقيلة دي ومترجعش لهنا تاني. ردت صفية:

لأ تغور البت دي سيبنا من سيرتها، أنا كنت واقفة مع ابوكِ وجالي إن جاويد اتحدث وياه عالموبايل وطلب يجابل الحاج مؤنس، وزمانه جاي عالدار. تعجبت مسك قائلة: غريبة أول مرة يطلب يجابل جدي، بس يمكن عاوز أمر خاص بشغل الفخار. ردت صفية: وهو جاويد هيحتاج من جدك استشارة وهو عنده مصانع، لأ أنا قلبي حاسس إن العمل اللي الغجرية عملته المرة دي جاب نتيجة وإن جاويد جاي عشان يطلب يدك من جدك. انشرح قلب مسك وذاب عصب جسدها قائلة:

ياريت يا ماما يكون كلامك صح. ردت صفية: حديثي صح وهتشوفي بعد شوية عاوزاكِ كده تتقلي وبلاش تسرعي كده لازم تعززي نفسك قدام جاويد لا يجول عليكِ مدلوقة عليه. *** بالعودة لمطعم الفندق عاد جاويد إلى الطاولة التي تجلس عليها سلوان متسائلاً: ها الحاج مؤنس رد عليكِ؟ زفرت سلوان نفسها قائلة: لأ ومبقاش في طريقة غير زي ما إنت قولت أروح وأسأل عليه تاني ويارب يكون موجود. ابتسم جاويد قائلاً: تمام طالما قررتي خليني أوصلك لبيته.

نهضت سلوان قائلة: تمام خلينا نخلص لآن خلاص بكرة زي دلوقتي هكون في القطر راجعة للقاهرة تاني. رسم جاويد بسمة وبداخله قرر أنها ستبقى هنا لن ترحل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...