في وقت سابق من نفس الليلة، حوالي العاشرة مساءً، بمنزل القدوسي. في الغرفة التي تمكث بها سلوان، فصلت هاتفها عن جهاز الشحن قائلة: "أكيد الموبايل شحن شوية. مش عارفة إزاي نسيت أشحنه وأنا في الأوتيل وطول اليوم نايمة. وأكيد بابا زمانه اتصل عليا ألف مرة، ودلوقتي لما أكلمه هيتفتح فيا، وبالذات لما يعرف إني هنا في بيت والد ماما."
فتحت سلوان جهاز الهاتف وانتظرت قليلاً حتى بدأ الهاتف يعمل. لم تتفاجأ من أصوات تلك الرسائل ولا عدد المكالمات الآتية من والداها. زفرت نفسها وحسمت أمرها قائلة: "دلوقتي لما أتصل على بابا هفتح لي تحقيق. بصراحة يستحق، أنا كان المفروض أتصل عليه من بدري وأقول له إني هاجل رجوعي للقاهرة يومين مش أكتر. عارفة كان هيضايق مني. دلوقتي مفيش قدامي غير إني أسمع وأستحمل طريقة كلامه. بس يارب يتقبل لما أقول له إني ضيفة في بيت والد ماما."
وضعت سلوان يدها فوق زر الاتصال ثم وضعت الهاتف على أذنها تنتظر رد والداها، الذي سرعان ما رد بلهفة: "سلوان! إنتِ بخير؟ ليه ما كنتيش بتردي على اتصالي ولا الرسائل؟ ردت سلوان: "أنا بخير يا بابا، اطمن. بس موبايلي كان فاصل شحن." هدأ قلب هاشم قليلاً ثم تساءل: "إزاي لغاية دلوقتي، ما وصّلتيش للبيت؟ أوعى تقولي القطر فاتك." ازدرت سلوان ريقها ثم قالت بترقب لرد فعل هاشم: "بصراحة يا بابا، أنا فعلًا لسه في الأقصر." تنرفز هاشم قائلاً
بحدة: "أنا سبق وقولت مش هلتمس لكِ أي عذر لو اتأخرتي في الرجوع للقاهرة، بس ياترى إيه الحجة الفاضية اللي هتقوليها بقى المرة دي؟ اتأخرتِ على القطر ولا التذكرة ضاعت منك؟ ردت سلوان: "لأ يا بابا، مفيش حجة. بصراحة، الحاج مؤنس القدوسي والد ماما... لم تكمل سلوان حديثها حين قاطعها هاشم بفزع قائلاً: "الحاج مؤنس خطفك؟ قال هاشم هذا سريعًا ثم استوعب قائلاً باستنتاج: "بس إزاي هيخطفك؟ هو يعرف إنك في الأقصر منين؟
إنتِ اللي رحتي له برجليكِ. كان عندي شك كبير إنك هتروحي له. ودلوقتي ارجعي يا سلوان واعملي حسابك، أنا خلاص اتراجعت ووافقت على طلب إيهاب وهتفق معاه على كل شيء والجواز هيكون في أقرب وقت." زفرت سلوان نفسها بغضب قائلة: "بابا، ملوش لازمة طريقتك دي في الكلام. إنت عمرك ما غصبت عليا حاجة. هتغصب عليا أتجوز آخر شخص كنت أفكر فيه يبقى شريك حياتي؟ وكمان أنا لسه هفضل هنا في الأقصر يومين عشان أحضر كتب كتاب... "كتب كتاب مين؟
ويومين إيه اللي لسه هتفضلي فيهم عندك في الأقصر؟ ولا أقولك، كويس خليكِ عندك على ما أجهز هنا مع إيهاب لكتب كتابكم بمجرد ما ترجعي من عندك." قال هاشم هذا بتعسف وأنهى المكالمة مع سلوان.
ألقت سلوان الهاتف فوق الفراش تزفر نفسها بغضب. فوالداها لم يستمع لبقية ما كانت ستخبره به. كذلك يبدو أن لديه تصميم على تنفيذ وعيده لها إن تأخرت في العودة للقاهرة. زفرت نفسها بداخلها سؤالاً: لماذا والداها يمارس عليها هذا التعسف بالقرار لأول مرة في حياته؟ ولماذا انزعج حين علم بسفرها للأقصر من البداية؟
تعلم أنه لم يكن على صلة بأحد من أهل والدتها، لكن هذا ليس سببًا كافيًا لهذه الدرجة من الغضب والضيق لديه. تشتت عقلها بالتفكير. بينما بالقاهرة، أغلق هاشم الهاتف وقام بقذفه على الفراش بغضب قائلاً بصوت حاد: "كان لازم أتوقع إن سلوان تروح عند الحاج مؤنس. إزاي كنت غفلان؟ عالعموم، مستحيل أفرط في سلوان لو وصل الأمر... توقف هاشم عن الحديث ثم اتخذ القرار قائلاً: "أنا هسافر أجيبها بنفسي."
قال هذا ثم جذب الهاتف من فوق الفراش وقام بالاتصال وانتظر الرد لثوانٍ، ثم قال: "لو سمحت، عاوز تذكرة سفر للأقصر لو أمكن دلوقتي." رد عليه: "للأسف يا أفندم، في عاصفة رملية في الجو والسفر الداخلي كله متوقف من امبارح وهيستمر يومين كمان." تعصب هاشم قائلاً: "تمام، أنا عاوز طيارة خاصة وهتحمل المسؤولية كاملة." رد عليه: "متأسف يا أفندم، مستحيل. مفيش طيار أو شركة طيران هتخاطر وتطلع طيارة في الطقس ده."
أغلق هاشم الهاتف بعصبية، ثم قام باتصال على شخص آخر. بمجرد أن رد عليه قال له آمرًا: "عاوزك تدبر لي طيارة خاصة ومعاها طيار، بأي تمن. هقفل دلوقتي، هستنى ترد فوراً." أغلق هاشم الهاتف يزفر أنفاسه بغضب ساحق. استغربت منه دولت ومثلت الخضة قائلة باستفسار: "هي سلوان جرالها حاجة مش كويسة؟ نظر لها هاشم قائلاً: "لأ، هي لسه هتفضل في الأقصر لمدة يومين." تنهدت دولت بتمثل الراحة قائلة:
"الحمد لله إنها بخير. أنا لما سمعتك بتتصل تطلب تذكرة سفر خوفت عليها. بس إنت ليه متعصب أوي كده، ومُصر إنك تسافر ليها؟ فيها إيه لما تفضل يومين كمان في الأقصر؟ شابة ويمكن المكان هناك عجبها وحابة تتفسح." نظر لها هاشم باستهجان وكاد أن يرد عليها لولا أن صدح رنين هاتفه الذي بيده. نظر للشاشة ورد سريعًا يسمع:
"للأسف في عاصفة رملية في الجو والطيران متوقف. حاولت مع شركة الطيران حتى قلت لهم إني مستعد أتحمل المسؤولية كاملة. رفضوا قالوا مستحيل طيار هيقبل يضحي بنفسه ويطلع بطيارة في الطقس اللي كله رياح وتراب." تنرفز هاشم قائلاً: "تمام، متشكر. بس حاول مرة تانية حتى لو لبكرة الضهر، يمكن تكون العاصفة هديت شوية." رد الآخر: "تمام، هحاول. بس إيه اللي حصل لكل ده؟ رد هاشم: "سلوان سافرت الأقصر واتقابلت مع الحاج مؤنس."
استغرب الآخر قائلاً: "إزاي؟ وإمتى؟ أنا مش قلت لك إن الحاج مؤنس من كام يوم سألني عليها وقلت له معرفش عنها حاجة." رد هاشم بقلة حيلة: "ده اللي حصل. سلوان هي اللي راحت لهم برجليها. خايف تكون راحت لهلاكها." رد الآخر قائلاً: "بلاش تظن السوء. أكيد دي زيارة عابرة. إنت راجل متعلم وعارف إن "كذب المنجمون ولو صدقوا"." تنهد هاشم بضيق قائلاً:
"عارف ده كويس، بس إنت عارف إن سلوان مش بس بنتي الوحيدة، دي كمان أمانة مسك. سلوان بتتصرف على حسب إحساسها، معندهاش لؤم ولا خبث تعرف تتعامل بيهم مع نوايا اللي حواليها." رد الآخر: "متخافش، إن شاء الله ترجع لك بخير. بس إنت اهدى وبلاش عصبيتك دي." رد هاشم: "تمام، بس هستنى منك تقول لي الطيارة جاهزة للسفر." رد الآخر: "تمام، هحاول مرة تانية لبكرة الضهر يمكن تكون العاصفة هديت شوية. يلا حاول تهدي وتسترخي، تصبح على خير."
هدأ هاشم في حديثه قليلاً: "تمام، هستنى اتصالك. تصبح على خير." أغلق هاشم الهاتف، ثم ذهب وجلس على أحد المقاعد بالغرفة، يحاول أن يهدأ. بينما نهضت دولت من على الفراش وجلست على مقعد مجاور له تشعر بفضول وتساءلت: "مين اللي كنت بتتصل عليه؟ وفيها إيه لما سلوان تفضل في الأقصر؟ إيه اللي معصبك أوي كده؟ وليه عاوز تسافر ليها؟ هي مش طفلة وهتوه؟! نظر هاشم لها باستهجان:
"عارف إنها مش طفلة ومش هتوه، بس أنا مش هطمن غير لما تبقى قدام عيني هنا." ابتلعت دولت طريقة رد هاشم الجافة عليها وتساءلت: "اللي فهمته من كلامك على الموبايل إنك عاوز تسافر الأقصر والطيران واقف بسبب العاصفة الرملية، طب ليه متسافرش في القطر؟ سهل تحجز فيه وأكيد مش هيتأثر بالعاصفة زي الطيران." نهض هاشم واقفًا وتوجه نحو الفراش وتمدد عليه قائلاً:
"أكيد متعرفيش إني عندي ديسك في ضهري ومقدرش أتحمل قاعدة في القطر أكتر من اتناشر ساعة متواصل، ده لو القطر كمان متأخرش في الطريق." ادعت دولت اللهفة عليه قائلة: "مكنتش أعرف إن ضهرك بيوجعك. أنا بس كنت بقترح عليك بسبب اللهفة والعصبية اللي أنا شايفاها بتزيد من يوم ما سلوان سافرت من غير ما تقولي هي رايحة فين." تثاءب هاشم ووضع الهاتف على طاولة بجوار الفراش يحاول السيطرة على غضبه قائلاً:
"خلاص، مش هبقى في القلق والعصبية دي. أنا هسافر بنفسي وأرجع سلوان لهنا تاني." ابتسمت دولت ونهضت واقفة تتحدث وهي تسير نحو الفراش: "أنا سمعتك بتقول لها إنك وافقت على طلب إيهاب لخطوبتها... ده صحيح؟ إيهاب هيفرح... قاطعها هاشم قائلاً بتوضيح:
"ده مجرد تهديد لسلوان مش أكتر. أنا مقدرش أغصب عليها تتجوز أو تتخطب لإيهاب، دي حياتها ومقدرش أفرض عليها شيء هي مش راغبة فيه. والكلام ده سابق لأوانه. لما ترجع يحلها ربنا. طفي نور الأوضة وتصبحى على خير." أطفأت دولت نور الغرفة وذهبت إلى الفراش وهي تتهكم بداخلها تشعر بالغيظ، لكن كتمته وهي تتمدد بجوار هاشم على الفراش. لا تود إثارة غضبه الآن أكثر، ربما بعد عودة سلوان يختلف الأمر. .... بالفندق.
سئم صالح الذي يجلس منذ وقت طويل بمكان قريب من مكان استقبال الفندق ينتظر رؤية تلك الشبيهة بشوق، لكن طال الوقت وهي لم تظهر. نهض بضجر من طول الانتظار واتخذ قراره سيسأل بالاستقبال عنها. توجه نحو مكان الاستقبال وأخرج مبلغاً من المال من جيب جلبابه ووضعه على طاولة الاستقبال يوجهه نحو عامل الاستقبال مبتسمًا يقول: "في نزيلة هنا في الفندق قريبتي من بعيد وكنت عاوز أعرف هي في أوضة نمرة كام." تساءل عامل الاستقبال قائلاً:
"اسمها إيه حضرتك؟ ابتسم صالح قائلاً بتذكر: "سلوى، لأ سلو، سلو، آه سلوان هاشم خليل راضي." بحث العامل عن اسمها عبر الحاسوب الموجود أمامه ثم نظر لصالح قائلاً: "هي فعلاً كانت نزيلة هنا في الفندق بس للأسف هي غادرت الفندق النهارده قبل الفجر مباشرةً." صُدم صالح قائلاً: "متأكد إنها غادرت الفندق؟ نظر العامل إلى الحاسوب ثم أكد له ذلك قائلاً: "أيوه يا أفندم، ده مثبت قدامي عالكمبيوتر." صمت صالح يشعر بغيظ هامساً بتوعد:
"إزاي فاتت علي دي إنها ممكن تمشي من هنا؟ مكنش لازم أستنى كتير، بس الأوان لسه ما فاتش يا بت "هاشم ومسك"." بالعودة...... للوقت الحالي بحوالي الثانية والنصف صباحًا.
خلعت إيلاف معطفها الطبي، علقته خلف باب الغرفة. تذكرت ما حدث الليلة بالمشفى وذلك المتسكع، كذلك جواد وتعامله معه دون أن يتردد أو يهابه، جازف بنفسه أمامها. للحظة شعرت برجفة في قلبها، فسرتها على أنها رجفة عادية. كانت تشعر بها مع أي شخص. نفضت عن رأسها. شعرت ببعض الألم في عنقها. رفعت يدها ووضعتها تمسد عنقها ثم زفرت نفسها تشعر بإنهاك وإرهاق تود العودة لمسكنها للنوم حتى تشعر بالراحة. عدلت هندامها وأخذت حقيبة يدها وخرجت نحو باب الخروج من المشفى. توقفت أمام الباب الخارجي تنظر على جانبي الطريق، تنتظر اقتراب أي سيارة أجرة من المكان.
بنفس الوقت، رغم شعوره بألم معصم يده، لكن تحامل عليه وقاد سيارته مغادرًا المشفى بسبب شعوره ببعض الخمول بسبب تناوله إحدى مسكنات الألم. أثناء خروجه من باب المشفى رأى إيلاف واقفة. اقترب منها بالسيارة وقام بفتح زجاج باب السيارة قائلاً: "اتفضلي يا دكتورة أوصلك في سكتي." في البداية رفضت إيلاف ذلك قائلة: "متشكرة لذوقك يا دكتور." تنهد جواد قائلاً: "من فضلك بلاش اعتراض يا إيلاف. الوقت اتأخر وقليل لو فات من هنا تاكسيات."
رغم أن إيلاف سمعته اليوم يقول اسمها بلا لقب دكتورة يسبقه، لكن شعرت بنغمة خاصة لاسمها. لكن نفضت ذلك قائلة: "تمام يا دكتور، هركب معاك مش عشان توصلني، بس لأني عندي سؤال وانت لسه مجاوبتش عليه." ابتسم جواد وهي تفتح باب السيارة ثم جلست بالمقعد جواره، وأغلقت خلفها الباب. قاد السيارة صامتًا ينتظر أن تعيد سؤالها. بالفعل تحدثت إيلاف: "على فكرة غلط إنك تحمل زيادة على إيدك. الجرح مش صغير، يعني المفروض مكنتش تسوق العربية."
نظر جواد لمعصم يده الملفوف بالضماد قائلاً: "واضح إن لسه تأثير البنج عليه عشان كده مش حاسس بأي ألم." صمتت إيلاف لدقائق قبل أن تتنحنح تسأله: "مجبتيش على سؤالي؟ ادعى جواد المكر بعدم التذكر قائلاً بتعمد: "سؤال إيه يا... إيلاف؟ نظر له إيلاف قائله: "على فكرة اسمي الدكتورة إيلاف." رد جواد بمكر:
"عارف بس أنا مش بحب الألقاب أوي. يعني تقدري إنتِ كمان تقولي لي جواد من غير دكتور وأبقى سعيد جدًا. معتقدش الألقاب دليل على الاحترام، بالأخص إننا بينا فرق عمر صغير." شعرت إيلاف بالحرج قائلة:
"حتى لو كان فرق العمر بينا صغير، معتقدش الألقاب بتكبر صاحبها. بس ده الأفضل يا دكتور وعالعموم أنا ميفرقش معايا تقول لي إيلاف أو دكتورة، لإن بالاول بالآخر تعاملنا محدود مجرد زملاء. وده مش سؤالي. سؤالي اللي سألته لحضرتك في مكتبك قبل البوليس ما يدخل، ليه لما إيدي اتهزت في العملية موبختنيش قدام الموجودين وقتها؟ توقف جواد فجأة بالسيارة ونظر نحو إيلاف التي انخضت لوهلة وهي تنظر له. وقبل أن تتحدث، تحدث هو:
"عشان نفس الموقف حصل معايا قبلك، ووقتها أنا اتضايقت من الدكتور وحسيت من نظرة زملائي ليا إني هكون دكتور فاشل. بس للأسف مع الوقت خيبت أملهم. هقولك على حاجة غريبة، أنا عشت سنتين في لندن كنت بشتغل في مستشفى كبيرة. وكان فيه دكتور شاطر جدًا ومعروف بس فجأة مدير المستشفى رفض إنه يدخل يعمل عملية لمريض. أنا استغربت ده، والفضول خلاني أسأل ليه منعوه من دخول أوضة العمليات رغم إنه دكتور كبير ومشهور.
قال لي: إنت جاوبت على سؤالك، دكتور كبير. هو صحيح كبير طبيًا، بس كمان بقى كبير عمريًا، عمره عدى الخمسة وستين سنة، والعملية خطيرة والدكتور كبر وإيده بقت تتهز وهو ماسك المشرط، ومجرد رعشة إيده ممكن تكلفنا حياة المريض. وقتها جات فكرة إن الدكتور عندهم عامل زي "خيل الحكومة لما بتكبر"، الأفضل ليها ترتاح. رغم إني في دماغي مش مقتنع بده بس غصب حاولت أتغاضى، وأكمل. وده السبب اللي خلاني أنهي رحلة تكملة دراستي في إنجلترا. هما مش
متفوقين عننا، بالعكس الطب المصري أثرى العالم كله بأطباء أكفاء. ورعشة الأيد صحيح ممكن تكون سبب كبير في حياة مريض، بس في النهاية ربنا بيسبب الأسباب. زي ما بنقول محدش بيموت ناقص عمر، "اختلفت الأسباب والموت واحد". كلها أعمار ربنا كاتبه بدليل إن الدكتور نفسه ممكن يمرض وميقدرش بعلمه يشفي نفسه أو حتى يتجنب المرض. يعني مش رعشة الأيد هي اللي تبين إن كان الدكتور ماهر أو لأ. ممكن تكون الرعشة للحظة حافز إن الدكتور يتعظ بعد كده
ويتجنب الخطأ ده."
ابتسمت إيلاف بتفهم، بينما انشرح قلب جواد من بسمتها مازحًا: "رغيت كتير في الموضوع أنا عارف." ابتسمت إيلاف تومئ رأسها بنعم قائلة: "فعلاً قلت كلام كتير، بس ده كان جواب مقنع لسؤالي، رغم إني عارفة جزء إن الدكتور لما عمره بيكبر في دول متقدمة طبيًا بيمنع دخوله العمليات الكبيرة، وبيكتفي بيه إنه يشرح نظري. بس ده تفكير غلط منهم. إحنا أهو شباب وإيدينا اتهزت في حاجات بسيطة جدًا." ضحك جواد قائلاً: "تحكمات فارغة." وافقت
إيلاف جواد ثم قالت له: "ياريت تشغل العربية عشان نكمل الطريق، لأني رغم إني سمعت قبل كده عن الهجمات اللي بتحصل على المستشفيات الحكومية من بعض المجرمين، لكن السمع مش زي الرؤية. وبعد اللي حصل النهارده في المستشفى حاسة بإرهاق كبير. وكويس إني عندي بكرة راحة." أدار جواد مقود السيارة قائلاً: "أنا بقى معنديش أيام راحة، بسبب منصب المدير ده. أهو ده عيب المناصب العليا، لازم أكون متواجد يوميًا." ردت إيلاف:
"مش كل أصحاب المناصب بيكون عندهم التزام، بس أصحاب الضمير الواعي هما اللي بيلتزموا. وعالعموم ربنا يعينك، إنت لسه شاب." ابتسم جواد وأكمل الاثنان الحديث بمرح تارة وبجدية تارة أخرى، إلى أن وصلا أمام "دار المعتربات". توقف جواد بالسيارة يشعر أن الوقت مر سريعًا، بينما فتحت إيلاف باب السيارة وترجلت منها ثم انحنت قليلاً تنظر لجواد قائلة: "متشكرة جدًا إنك وصلتني يا دكتور جواد." أومأ لها رأسه مبتسمًا يقول بقصد:
"تصبحِ على خير يا إيلاف." أومات له مبتسمة ثم ترجلت نحو باب الدار، غير منتبه لجواد الذي ظل واقفًا إلى أن فتح لها الباب ودخلت إلى داخل الدار، ولا إلى تلك التي رأتها عبر شباك غرفتها وشعرت بالانزعاج، وأجزمت أن هذا خطأ، أنه لابد من تنبيه لها فهذا الأمر تكرر سابقًا، ولن تسمح به مرة أخرى، حفاظًا على سمعة بنات الدار الآخرين. صباحًا بنور يوم جديد، عاصف بمنزل القدوسي.
استيقظت سلوان على صوت طرق باب الغرفة. نهضت من فوق الفراش ووضعت وشاح فوق رأسها وفتحت الباب. ابتسمت لها الخادمة قائلة بصوت منخفض قليلاً: "صباح الخير يا بنت الغالية. القمر نور دار القدوسي من تاني." رغم شعور سلوان بغصة من ذكر والدتها لكن ابتسمت لها قائلة باستغراب: "طب ليه بتوطي صوتك؟ نظرت الخادمة على يمينها ويسارها بترقب ثم دفعت سلوان للخلف لتدخل إلى الغرفة ثم أغلقت الباب خلفهن قائلة بخفوت:
"عشان الست صفيته وبتها ميسمعوش ويغلوا بجلبهم منكِ يا زينة الصبايا وبت الغالية على قلبي. بالك أنا عرفتك من أول ما شوفتك وإنتِ واقفة معاهم قدام الباب أول مرة جيتي الدار، رغم أن النضارة كانت واكلة نص وشك، بس لما خلعتيها وظهر وجه الجميل عرفتك طوالي جولت بت الغالية رجعت. وهقولك سر كمان، أنا قلت للحاج مؤنس قبل ما تيجي تاني ومكنش مصدقني." لم تستغرب سلوان ذلك لكن تساءلت: "وإنتِ كنتِ تعرفي ماما؟ ردت الخادمة بمسكنة:
"أنا والمرحومة مسك كنا حبايب، وهي اللي خلت الحاج مؤنس يشغلني هنا في الدار حداه. هي كانت كيف اسمها نسمة رقيقة. هو كده القدر، ربنا زي ما يكون بيختار الناس الطيبة تسكن في قلوبنا حتى بعد رحيلها في عز شبابها ويبتلينا بالعفش دايمًا عشان يقرف فينا." رغم غصة قلب سلوان من ذكر والدتها لكن تبسمت تسأله: "ومين بقى العفش اللي ربنا ابتلاكِ بيه؟ ردت الخادمة بصوت خافت:
"ما جولت لك صفيته وبتها اللي خسارة فيها الاسم. كفاية حديث كده بجي لازم أنزل أكمل تحضير الفطور. أنا كبرت ومش ناقصة أسمع كلمتين فارغين من الحربايتين. أنا كنت جاية أقول لك إن الفطور قرب يجهز كيف ما جالي الحاج مؤنس إني أخبرك. يلا يا زينة الصبايا اغسلي وشك، ولا أقول لك حتى من غير ما تغسلي وشك إنتِ تخزي القمر بجمالك." ابتسمت لها سلوان بود وهي تخرج من الغرفة...
جلست سلوان على الفراش وجذبت هاتفها. لم تجد أي رسائل أو مكالمات فائتة. تنهدت بحيرة قائلة: "أكيد بابا امبارح كان متعصب وكان بيهددني بأنه قبل طلب إيهاب السخيف ده، ودلوقتي زمانه هدي شوية. بس لو كلمته هيرجع يتعصب من تاني. خلاص كلها النهارده وبكره وبعده هكون قدامه وهعرف أتفاهم معاه مباشرةً." بنفس اللحظة شعرت بهزة الهاتف بين يديها برسالة. فتحت الرسالة وتبسمت حين قرأتها: "صباح الخير يا سلوان، يا ترى صحيتي من النوم ولا لسه؟
ابتسمت سلوان بانشراح وأرسلت له رسالة: "صباح النور، أيوا صحيت من النوم من شوية صغيرين." ابتسم على ردها وأرسل رسالة: "تمام هنتقابل النهارده محتاجك في مهمة خاصة بالنساء." تعجبت تسأله بفضول: "مهمة إيه اللي خاصة بالنساء يا جلال؟ رد جلال: "لما نتقابل هتعرفي. هستناكي عالساعة واحدة الضهر في نفس الطريق اللي كنت بوصله له وإنتِ رايحة لدار جدك... بس ياريت بلاش تتأخري عن الميعاد زي عادتك." ابتسمت سلوان قائلة:
"تمام متقلقش، مش هتأخر عن الميعاد." ابتسم جلال قائلاً: "آها، أما أشوف. بصراحة مفيش مرة اتظبط معاكِ ميعاد." ردت سلوان مبتسمة: "لأ متخافش، عندي فضول أعرف إيه هي المهمة النسائية." ابتسم جلال قائلاً: "وأنا كمان عندي فضول أعرف إيه اللي حصل من بعد ما اقتنعتي تروحي لبيت جدك." ابتسمت سلوان قائلة:
"لما نتقابل هقولك. ودلوقتي بقى هقولك كفاية رسايل لازم أقوم أروح أفطر مع عيلة ماما، واتعرف عليهم كويس، عشان لما أحكيلك بيبقى الصورة كاملة." ابتسم جلال وأرسل: "تمام، بلاش ياخدوا عنك فكرة إنك مش ملتزمة بالمواعيد كده من أولها. سلام." أغلقت سلوان الهاتف وتنهدت بانشراح، لكن سرعان ما نهضت قائلة: "أما أروح أشوف رد فعل الآخرين على وجودي ضيفة هنا." بعد قليل دخلت سلوان إلى غرفة السفرة. وقفت قليلاً بحياء قبل أن يقول مؤنس:
"تعالي يا سلوان اجعدي جار إبني هنا، إنتِ مش غريبة ومحتاج نعزم عليكِ." بنفس الحياء توجهت سلوان إلى ذلك المقعد الذي أشار لها عليه مؤنس وجلست بهدوء صامتة... حتى لم تتناول أي طعام. نظر لها محمود باستغراب قائلاً: "مش بتاكلي ليه يا سلوان؟ مكسوفة ولا الأكل مش عاجبك؟ قبل أن ترد سلوان ردت صفية بإيحاء: "هتكون مكسوفة من مين إهنه؟
لو مكسوفة مكنتش جيت لإهنه. هو أكيد الأكل مش عاجبها، متعودة على فطور البندر الماسخ اللي مفيش فيه لا طعم ولا غذا." شعرت سلوان بالبغض من رد صفية الذي يوحي بأنها ليس لديها حياء، لكن قالت:
"بصراحة فعلًا مش متعودة عالأكل اللي من النوعية دي. أصل الدادا بتاعتي لما كانت بتجيب لي الفطور عالسرير الصبح كان بيبقى فطور خفيف مع كوباية اللبن اللي كنت بشربها لـ "ماتيو" الكلب اللولو بتاعي. أهو حضرتك فكرتيني بالكلب بتاعي نسيت أقول للـ دادا أو لبابا يهتموا بيه في غيابي هنا." نظرت صفية لسلوان بغيظ مكبوت بينما تهكمت مِسك قائلة: "إنتِ عندك دادا وكمان كلب لولوه؟ ردت سلوان:
"أنا عشت حياتي في الإمارات والسعودية وكنت بدرس في مدارس أجنبية كمان. أنا جاية هنا مش طمعانة لا في ورث ولا بتمسح في اسم مؤنس القدوسي. أنا كنت جاية هنا سياحة في الأساس وكمان كان عندي هدف تاني وخلاص الحمد لله وصلت له، وكنت راجعة للقاهرة تاني. بس الحاج مؤنس هو اللي دعاني أفضل هنا يومين عشان أحضر كتب كتاب حفيده، أظن "أمجد"." شعرن صفية ومسك بزيادة البغض والنفور من سلوان لكن تحدثت مِسك:
"أيوه كتب كتاب أمجد أخويا على حفصة بنت خالي صلاح الأشرف. عقبالك بس إحنا منعرفش إنتِ مرتبطة أو لأ؟ رفعت سلوان يديها أمامهم قائلة بغرور: "لأ، الحمد لله ليه مش مرتبطة. رغم اتقدم لي عرسان كتير بس كنت برفضهم. عن نفسي بقول لسه النصيب مجاش. وإنتِ يا ترى مرتبطة أو زيي بترفض العرسان بدون سبب؟ اغتظت مِسك منها قائلة بغرور: "لأ زيك برفض العرسان بدون سبب."
ابتسمت لها سلوان بسماجة، بينما كبت مؤنس بسمته فيبدو أن سلوان عكس ابنته، كانت لا تعرف الرد المناسب، لكن سلوان تبدو بلا حياء. لكن تحدث بحزم قائلاً: "أنا بقول نفطر بهدوء أفضل. وإنتِ يا سلوان لو مش عاجبك الفطور ده، خلي الخادمة تجهز لك فطور حسب رغبتك." ردت سلوان: "بالعكس، أنا كان نفسي أدوق في نوعية الفطور الصعيدي ده. شوفته في المسلسلات قبل كده، وأهو أمنيتي اتحققت وهدوقه، بس يارب معدتي تتحمله." همست صفية قائلة:
"إن شاء ما يوعى يسري في جسمك. شكلي استهونت بيكِ، بس ملحوقة يا بت مسك." بعد قليل نهض محمود قائلاً: "عندي شوية أشغال لازم أخلصها قبل المسا." نهض مؤنس أيضًا قائلاً: "أنا كمان هروح الأرض الجبلية أشوف شجر الموز. في كم شجرة لازم تنكز عشان الخلفه الجديدة تحل مكانها." نهضت سلوان بتسرع قائلة: "ممكن حضرتك تاخدني معاك، عشان أنا مش بحب الحبسة في البيت واخدة الحرية والانطلاق." ابتسم لها مؤنس قائلاً:
"تمام، إن كنتِ جاهزة يلا بينا." ردت سلوان: "ثواني هجيب نظارة الشمس وشنطة إيدي." تهكمت صفية قائلة: "هو السروح للغيط بيبقى بالشنطة ونضارة الشمس؟ آه نسيت إنك تربية مدارس خواجات." تركتها سلوان بغيظها وذهبت، بينما نظر لها مؤنس بتحذير قائلاً: "سلوان مش ضيفة يومين يا صفية. سلوان لها هنا حق أمها. بلاش طريقتك دي في الحديث وياها. أنا عارف إنها سبق وجت لهنه وإنتِ استقبلتيها بطريقة فظة." ارتبكت صفية قائلة:
"واه يا حج مؤنس، وأنا كنت أعرفها منين عشان أستقبلها بطريقة فظة. هي اللي معندهاش حيا ولا خشية للأكبر منها. وأها إنت شايف ردها علينا بتتكبر و... قاطعها محمود قائلاً: "صفية اعتبري سلوان زي بتك وبلاش طريقتك إنتِ ومسك معاها كأنها في تحقيق. يلا يا أبوي خليني أوصلك للأرض في طريقي." ابتسم مؤنس قائلاً: "ماشي يا ولدي، زين أنا رجلي مبقتش تتحمل المشي كتير كيف الأول." رد أمجد: "ربنا يديم عليك الصحة يا جدي." بعد قليل جلست صفية
تزفر نفسها بغضب قائلة: "بت سهونة ومسهوكة وشكلها هتعرف تلعب على عقل الراجل الخرفان." وافقت على قولها مسك، بينما نظر لهن أمجد قائلاً: "في موضوع مهم حصل امبارح وبسبب إني رجعت للدار امبارح متأخر، مرضتش أزعجك بيه يا ماما، ومرضتش أتكلم فيه قدام الضيفة." زفرت صفية نفسها بمقت قائلة: "يارب يكون موضوع كويس، لأني حاسة دخول البت دي الدار هيجيب الفقر معاها."
ازدرد أمجد نفسه قائلاً بترقب لرد فعل صفية الذي يعلمه مسبقًا، لكن لابد أن تعلم ما فعلته حفصة معه. سرد لهم الجزء الخاص بما فعلته حفصة وخلعها لخاتم الخطوبة، حتى أنه وضعه أمامهن على الطاولة. انصعقتا الاثنتين وتعجبن من فعلة حفصة، لكن تحدثت مسك: "أكيد حفصة جرا لعقلها حاجة. أنا هقوم أتصل عليها وأقنعها ترجع عن الهبل والغباء ده." أومأت لها صفية بموافقة قائلة:
"مش جلت حاسة إن النحس دخل لدارنا مع البت دي. وإنت كيف ما قدرت تتحدث ويا حفصة وتحاول تخليها تتراجع عن اللي في راسها ده؟ رد أمجد: "حاولت أتصل عليها حتى بعت لها رسايل، بس هي مش بترد عليا." نفخت صفية أوداجها قائلة: "ربنا يهدي، أكيد ده دلع من حفصة، حابة تعمل لنفسيها شخصية قدامك. بس اطمن هي بتسمع لحديث مسك، بس نكتب الكتاب ووقتها حفصة مش هتقدر تتحدث." شعر أمجد بوخز في قلبه وظل صامتًا، ينتظر عودة مسك، التي دخلت للغرفة قائلة:
"غريبة، موبايل حفصة زي ما يكون مقفول وبيقول لي خارج نطاق الخدمة. يمكن تكون نايمة. عالعموم أنا بعد ما أرجع من المدرسة هفوت على دار خالي صلاح وهتحدث وياها، وهقنعه تشيل الغباء ده من راسها. همشي أنا دلوقتي عشان عندي الحصة الأولى." بمنزل صلاح الأشرف. أنهى إرسال الرسائل لسلوان مبتسمًا، تذكر ما حدث بالأمس. [فلاشــــــــــــ/باك] بالمطعم، نظرت سلوان لساعة الهاتف وجدت أن ميعاد مجيء القطار إلى الأقصر اقترب. تنهدت بشجن قائلة:
"خلاص انتهت رحلتي هنا، لازم أرجع للأوتيل عشان آخد شنطة هدومي وألحق ميعاد القطر." رد جلال ببسمة عكس إحساس التوجس الذي بداخله: "تمام خليني أوصلك للأوتيل وبعدها أوصلك لمحطة القطر." ابتسمت له سلوان بغصة. بعد قليل خرجت سلوان من باب الفندق وبيدها حقيبة ملابس صغيرة. تبسمت لـ جلال الواقف أمام السيارة بمكان قريب من باب الفندق، لكن فجأة سمعت صوت ينادي عليها "بنت مسك". نظرت له بتعجب وذهول، حين رأته يقترب يقول برجاء:
"سلوان ممكن نتحدث خمس دقايق قبل ما تمشي من هنا؟ تعجبت سلوان ونظرت نحو جلال الواقف تحدثت عينها له كأنه يسألها ماذا تفعل. أومأ لها جلال رأسه بأن توافق على الحديث معه. امتثلت سلوان لإيماءة جلال لها، قائلة: "تمام لسه وقت قبل ما القطر يوصل للأقصر. ممكن نقعد في مطعم الأوتيل." ابتسم مؤنس لها، وتجاهل معرفته بجاويد. ذهب الاثنان إلى مطعم الفندق. جلس الاثنان، ظل الصمت قليلاً، مؤنس فقط يود النظر لوجه سلوان،
لكن تنحنحت سلوان قائلة: "أعتقد مطلبتش نتكلم عشان تفضل تبص في وشي، وكمان إزاي عرفت إني مسافرة دلوقتي، وعرفت منين أصلًا إني نازلة في الأوتيل ده. إيه بعت ورايا اللي يراقبني بعد ما طلعنا من المقابر؟ ابتسم مؤنس قائلاً: "فعلاً بعتت وراكِ شخص يعرف إنتِ نازلة فين في الأقصر، وكمان سأل في الفندق وعرف إنك هتسافري دلوقتي، وكان لازم ألحقك قبل ما تعودي لمصر تاني." تهكمت سلوان قائلة: "وليه كنت عاوز تلحقني قبل ما أعود لمصر؟ رد مؤنس:
"عشان أطلب منكِ، تفضلي هنا كمان لكم يوم، وتحضري كتب كتاب ولد خالك محمود." تهكمت سلوان قائلة: "إنت عاوزني أفضل هنا في الأقصر، بس عشان أحضر كتب كتاب حفيدك؟ متأسفة أنا خلاص عملت مغادرة للأوتيل، وقبلها كنت حجزت تذكرة في القطر ويادوب ألحق أوصل لمحطة القطر. عن إذنك، طلبك مرفوض، يا حاج مؤنس."
نهضت سلوان وتركت مؤنس تحاول كبت دمعة عينيها، كذلك مؤنس نهض خلفها مباشرةً يشعر بوخزات قوية في قلبه. تلك الفتاة تبدو عنيدة للغاية، أو مدللة وتود المحاولة مرة أخرى. بالفعل فعل ذلك قبل أن تصل سلوان إلى مكان سيارة جلال. تفاجئت وشعرت برجفة في قلبها حين أمسك مؤنس معصم يدها من خلفها قائلاً: "سلوان، هما يومين مش أكتر. وتذكرت القطر، ممكن نستبدلها بتذكرة ليوم تاني. وكمان مش هتحتاجي للفندق، هتجي معايا لدار القدوسي، دار جدك."
استدارت سلوان ونظرت لمؤنس. رأت تلك الدموع التي تتلألأ في عينيه، لكن نحتت النظر عن عينيه قائلة بتسرع: "لازم ألحق ميعاد القطر، عن إذنك."
سحبت سلوان يدها من يد مؤنس الذي شعر كأن الروح تنسحب من جسده معها. لكن رفع نظره ونظر نحو جاويد الذي فهم من نظره أن سلوان رفضت عرضه، فأومأ له برأسه متفهمًا. ثم نظر لسلوان التي تقترب من مكانه وقوفه ثم رسم بسمة لها، رغم أنه لاحظ ملامح وجهها العابسة. فتح لها باب السيارة ثم اتجه للناحية الأخرى نحو المقود، وبدأ بقيادة السيارة. للحظات عم الصمت إلى أن قال جلال: "الحج اللي كان طلب يتكلم معاكِ ماشي ورانا بعربيته."
استعجبت سلوان ونظرت خلفها، ثم عادت تنظر أمامها. بينما تسأل جلال بإدعاء الفضول: "آسف لو بدخل في أمر يخصك، بس هو كان عاوزك في إيه؟ تنهدت سلوان قائلة: "مش تدخل ولا حاجة، عادي. هو كان بيعرض عليا أفضل هنا كمان يومين وأحضر كتب كتاب حفيده تقريبًا، بس.... توقفت سلوان عن تكملة حديثها وعاودت النظر خلفها. رأت السيارة مازالت تتعقبهم. شعرت بحنين للبقاء هنا أكثر، لا تعرف لهذا الشعور سبب. بينما تسأل جلال: "بس إيه؟ إنتِ رفضتي طلبه؟
هزت سلوان رأسها بنعم. ابتسم جلال لها قائلاً: "طلب ليه رفضتي طلبه؟ وطالما مش عاوزة تبقي هنا ليه وشك زعلان كده؟ ردت سلوان: "معرفش، بصراحة أنا كان نفسي أفضل هنا في الأقصر كمان كم يوم، بس الظروف حكمت إني لازم أرجع للقاهرة غصب لأن بابا.... توقفت سلوان عن الحديث فجأة ثم نظرت بسؤال لـ جلال: "هو أكيد بابا ممكن يضايق مني، بس أكيد هينسى بسرعة."
ابتسم جلال الذي لاحظ تردد سلوان، وتلاعب بالحديث يدفعها لأخذ قرار نهائي بالبقاء قائلاً: "أكيد ممكن يضايق، بس معتقدش باباكِ هيفضل مضايق منكِ كتير. بس أنا مش فاهم قصدك إيه. إنتِ قررتي إنك تقبلي دعوة الحاج وتفضلي هنا في الأقصر كمان يومين؟ تنهدت سلوان بحيرة وتردد قائلة: "مش عارفه." دفعها جلال للموافقة دون ضغط عليها قائلاً: "مش هتخسري حاجة لو فضلتِ هنا يومين وفي النهاية هو جدك، بس طبعًا القرار النهائي ليكي."
تنهدت سلوان تشعر بتردد بداخلها. تود البقاء لكن ليس من أجل حضور عقد قران حفيد مؤنس بل من أجل جلال. شعور غريب يدفعها نحوه تريد البقاء معه أكثر. ترددت قائلة: "بس إفرض إني وافقت على عرض الحاج مؤنس ولما روحت عنده البيت معاملة مراته وابنه ومقابلتها ليا بصراحة كده مكنتش لطيفة وحسيت اتجاهها بنفور متبادل ومش بس هي كمان بنتها زيها. وابن الحاج مؤنس صحيح محستش أي شعور ناحيته، بس برضه ممكن ينضم ناحية مراته وبنته." رد جلال بإقناع:
"بسيطة خالص، نقدر نبدل تذكرة القطر وتجربي لو معاملتهم ليكِ معجبتكيش تقدري تسافري بسهولة." تنهدت سلوان قائلة: "مش عارفة أنا حيرانة كمان بابا.... قاطعها جلال قائلاً بحسم: "الوقت مبقاش في تردد دلوقتي لازم تحسمي أمرك، يا تسافري، يا تقبلي عرض جدك وتفضلي هنا يومين كمان، لآن خلاص وصلنا محطة القطر. كمان أنا سامع صوت القطر من بعيد." بتسرع من سلوان قالت:
"هفضل هنا اليومين دول، بس ممكن أبدل تذكرة القطر، أو أحجز غيرها عشان أنا عرفت قبل كده إن التذاكر بتبقى محدودة وممكن منلقاش تذكرة بعد يومين." انشرح قلب جلال قائلاً: "تمام أنا هنزل للمحطة أشوف لو عرفت أستبدل التذكرة أو أحجز لكِ غيرها." ابتسمت سلوان له قائلة: "تمام وأنا هنزل أتكلم مع الحاج مؤنس ومش هروح معاه غير لما ترجع بالتذكرة."
ابتسم جلال وتركها لكن راقبها وهي تسير نحو سيارة مؤنس وابتسم حين ترجل مؤنس من السيارة وقابلها بالطريق قائلاً: "جولي إنك وافقتي تحضري كتب كتاب ولد خالك." زفرت سلوان نفسها قائلة: "هحضر بس ليا شرط قبل ما أروح معاك لبيتك." ابتسم مؤنس قائلاً بإنشراح: "أي شرط هتجولي عليه هنفذه." ردت سلوان: "إني لما أجي عندك الدار أفضل في أوضة ماما." غص قلب مؤنس قائلاً: "تمام." شعرت سلوان براحة ثم قالت:
"وكمان لو حسيت إن معاملة الست صفية ليا مش مقبولة زي قبل كده مش هسكت لها ولو وصل الأمر همشي فورًا." ابتسم مؤنس قائلاً: "لأ متخافيش من معاملة صفية، هي يمكن مكنتش تعرف إنتِ مين، لكن دلوقتي عرفت إنتِ مين فهتغير معاملتها معاكِ." ردت سلوان: "تمام، هنتظر بس جلال يرجع بالتذكرة وبعدها هروح معاك لبيتك." ابتسم مؤنس ووضع يده فوق كتف سلوان يمسد عليه بحنان، إلى أن عاد جلال وتوجهت سلوان نحوه. ابتسم لها قائلاً:
"اتفضلي بدلت لك التذكرة بتذكرة تانية بعد يومين." أخذت التذكرة من يد جلال مبتسمة قائلة: "متشكرة جدًا." ابتسم جلال قائلاً: "تمام هنتظر اتصالك عليا." أومات له سلوان بابتسامة ثم توجهت نحو سيارة مؤنس وصعدت لجواره. ابتسم جلال وهو يشعر بانشراح حين غادر مؤنس ومعه سلوان إلى منزله. بعد قليل وصل مؤنس إلى منزله ترجل من السيارة قائلاً: "يلا انزلي يا سلوان، نص ساعة والشغالة تنضف لك الأوضة."
أومات سلوان له ودخلت خلفه إلى المنزل، وانتظرت قليلاً تجلس مع مؤنس الذي يحاول جذبها للحديث معه، لكن لم يسأل أي شيء عن جلال. كانت سلوان ترد عليه بحرص إلى أن أتت الخادمة قائلة: "الأوضة جهزت يا حج مؤنس." نهض مؤنس واقفًا وجذب سلوان من يدها خلفه إلى أن دخل إلى الغرفة. شعر بشرخ كبير في قلبه ما زال يأن منه لكن سرعان ما نظر نحو سلوان شعر براحة قائلاً.
بينما سلوان شعرت كأن للغرفة يدين تضمها تشعرها برائحة والداتها التي فقدتها. هدوء غريب في قلبها لم تشعر به سابقًا بأي مكان ذهبت إليه. تبسمت وهي تتذكر جملة والدتها يومًا
لها: "في مكان بيفضل في القلب مهما تمر سنين وسنين بعاد قلبك يفضل يشتاق إليه. المكان ده هو أوضتي اللي في دار أبويا الحاج مؤنس. الأوضة دي شهدت كل ذكرياتي حتى قصتي مع باباكِ كنت بقعد على كنبة جنب شباك الأوضة وأبص عالسما وأشوف النجوم والقمر وأدعي ربنا يكون هاشم من نصيبي، وربنا استجاب لي صحيح التمن كان غالي، بس إنتِ عندي أغلى من أي شيء في الوجود يا سلوان. بتمنى في يوم لو مرجعتيش لبيت أبويا أبقى روحى مكاني يا سلوان هتحسي بمشاعري اللي بحكيلك عنها."
شعرت سلوان بيد مؤنس فوق كتفها، حبست تلك الدمعة بعينيها ورسمت بسمة باهتة له. رد مؤنس ببسمة قائلاً: "الوقت لسه بدري، دوب الفجر أذن من شوية. هروح أتوضى وأصلي الفجر، وإنتِ... قاطعته سلوان قائلة: "أنا هتوضى وأصلي الفجر وبعدها محتاجة أنام شوية." ابتسم لها مؤنس واقترب من رأسها وقبلها قائلاً: "على راحتك... هسيبك دلوقتي تستريحي ولينا حديث مع بعض وقت تاني."
غادر مؤنس وترك سلوان بالغرفة. توجهت نحو ذلك الشباك الخاص بالغرفة، نظرت نحو السماء. نور الشمس بدأ يسطع ويبدد الظلام وكذالك تلك النجوم بدأت تتوارى تترك مكان لنور الشمس. لكن هناك ما لفت نظرها حين نظرت نحو بوابة المنزل الخارجية ورأت سيارة جلال. شعرت براحة كبيرة ولم تغلق الشباك لكن ذهبت نحو الفراش وتمددت عليه وتحتضن تلك الوسادة. سرعان ما غفت عينيها. [عودة]
عاد جاويد منهداً، على صوت طرق باب غرفته. نهض من فوق الفراش مبتسمًا ثم وضع الهاتف على طاولة بجوار الفراش ونظر نحو باب الغرفة وابتسم لـ يُسريه التي قالت له: "صباح الخير يا جاويد، فكرتك لسه نايم." ابتسم لها جاويد قائلاً: "لأ يا ماما أنا صحيت وكنت هستحمى وبعدها أنزل أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم." ابتسمت يُسريه قائلة: "خير يا جاويد." ابتسم جاويد قائلاً: "خير يا ماما متأكد إن الموضوع اللي هتكلم فيه مع حضرتك هيبسطك جوي."
توجس قلب يُسريه، تشعر برهبة لكن رؤية تلك السعادة على ملامح جاويد جعلتها تنسى تلك الخرافات، وهي تسمع لـ جاويد: "بصراحة يا ماما أنا اتفقت مع عمال تشطيبات عشان يجوا يعدلوا تشطيب الجناح القبلي اللي في الدور التاني، وكمان أنا خلاص هتجوز، كتب الكتاب بكرة بعد صلاة العشا، وإشهار عقد الجواز والدخلة بعد بكرة." تعجبت يُسريه كثيرًا لكن ازدرت حلقها الجاف تشعر برهبة متسائلة بترقب: "مين العروسة؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!