بظهيرة اليوم التالي، في حوالي الواحدة والنصف، بكافيه. نظر لساعة يده ثم زفر نفسه بضجر، فقد طال وقت انتظاره. لكن تفاجأ بمن تقف أمامه مبتسمة تتسأل بتخمين: "أمجد القدوسي؟ نظر لها، شعر بخفقان في قلبه ونهض واقفًا يقول: "أيوه." ابتسمت له قائلة: "انت مش فاكرني، أنا 'إيمان المحمدي'، كنا سوا في الجامعة، حتى كنا في نفس سكشن العملي دايمًا سوا." ازدرد ريقه، يشعر بزيادة الخفقان. كيف ينسى حبه الأول؟
لكن ادعى التذكر: "آه بصراحة آسف، مأخدتش بالي، فعلًا افتكرتك. إزيك يا إيمان، أخبارك إيه؟ سئم وجهها وقالت باختصار: "الحمد لله كويسة. وانت أخبارك إيه؟ كنت من المتفوقين بتوع الدفعة." ابتسم لها قائلاً: "الحمد لله. بعد التخرج اتعينت معيد في كلية الزراعة، ودلوقتي بقيت دكتور."
ابتسمت له قائلة: "تستاهل. انت متفوق وكان عندك طموح كبير. فاكر لما كنا نوقف قدامنا نقطة صعبة في المنهج كنت بتشرحها لينا بطريقة مبسطة. بس إيه آخر أحوالك الشخصية؟ اتجوزت ولا لسه؟ قبل أن يرد أمجد، ردت من أتت وشعرت بضيق: "لسه، بس كتب كتابنا بعد بكرة والجواز في أجازة آخر السنة." ابتسمت إيمان لها قائلة: "ربنا يتمم بخير. أكيد انتِ العروسة، بصراحة أمجد طول عمره ذوقه حلو." نظرت حفصة لها ثم لأمجد،
سألته بغرور: "طبعًا عندك حق، بس أنا معرفش مين حضرتك." شعر أمجد بالإحراج قائلاً: "أستاذة إيمان المحمدي، كنا زملاء في الجامعة. الآنسة حفصة... سبقت حفصة بتعريف نفسها: "حفصة صلاح الأشرف أبجى، بنت خال أمجد وكمان خطيبته." ابتسمت إيمان قائلة: "يعني أهل خطوبتكم بقى حب من الطفولة." ردت حفصة بثقة وهي تنظر لأمجد: "أيوه." صمت أمجد، بينما شعرت إيمان بالإحراج
من نبرة حفصة الجافة قائلة: "واضح فعلًا. عالعموم مبروك، وآسفة إن كنت أزعجتكم. عن إذنكم." أومأت حفصة برأسها دون رد، بينما قال أمجد بتبرير: "لأ أبدًا مفيش إزعاج." ابتسمت إيمان قائلة: "تمام. عن إذنكم." غادرت إيمان، وتركت حفصة تشعر بضيق وغيرة من نظر أمجد الذي ما زال مسلطًا على تلك الدخيلة بنظرها. تحدثت باستهجان: "خلاص مشيت، مين دي يا أمجد؟ انتبه أمجد قائلاً: "زي ما قالت، كانت زميلتي في الجامعة."
تهكمت حفصة بسخرية قائلة: "آه كانت زميلتك، ولسه فاكراك، وعينك منزلتش عنها." ازدرد أمجد ريقه بإحراج قائلاً: "قصدك إيه؟ دي صدفة غير مقصودة، أنا مشوفتهاش من وقت ما اتخرجنا من الجامعة." لا تعرف حفصة لما شعرت بضيق من ذاك الموقف، أو ربما أُحِي لديها شعور تحاول التغافل عنه، أن أمجد ليس مرغومًا على قبولها كزوجة، ولابد من إيضاح لهذا، وهذا هو الوقت المناسب لمعرفة حقيقة مشاعر أمجد. تساءلت بمفاجأة: "أمجد، انت مشاعرك إيه ناحيتي؟
تعجب أمجد قائلاً: "مش فاهم قصدك إيه!؟ وضحت حفصة سؤالها: "يعني انت اللي اخترت تتجوزني، ولا كانت رغبة عمتي؟ ارتبك أمجد وشعر بتوتر وصمت قليلاً. زفرت
حفصة نفسها باستعلام قائلة: "زي ما كنت متوقعة، خطوبتنا من البداية كانت رغبة عمتي. بص يا أمجد، إن كنت مفكرني معدومة الشخصية ومش بعترض تبقى غلطان. أنا بس بحب أريح نفسي من المجادلات، متفكرش إني ساذجة زي ما واضح عليا. بقبل كلام ميسك، أنا صحيح بهاودها يمكن في كل حاجة، بس لأني عارفة إن الحاجات دي مش هتضرني. لكن في جوازي أنا وانت بس المسئولين عنه، لإني احنا مع الوقت هيجمعنا طريق واحد وهدف واحد. إن جوازنا يكون حقيقي ناجح
ومستقر. مش هقبل بالمنظر الخارجي، ولا هقبل عمتي أو ميسك يدخلوا في حياتنا. لو كان نصيبنا مع بعض، ودلوقتي بقولها لك صريحة وعاوزة منك رد مباشر، وسكوتك هعتبره نهاية خطوبتنا. انت بتحبني وعاوز تتجوزني ونكمل طريقنا سوا، ولا بتنفذ رغبة عمتي صفية؟
صمت أمجد للحظات، كادت حفصة أن ترد على سؤالها، لكن رد في اللحظة الأخيرة: "الإتنين يا حفصة." استغربت حفصة رده قائلة: "قصدك إيه بالاتنين!؟ فسر أمجد جوابه: "قصدي إن خطوبتنا مش بس قرار أمي، أنا كنت أقدر أرفض، لو مكنتش حاسس إنك مناسبة لي." تهكمت حفصة بغرور، تعيد كلمته الأخيرة: "مناسبة لك، معناها إيه الكلمة دي بقى؟ هوفر عليك وأقولك أنا معناها إيه. طبعًا نسب عيلة الأشرف وكمان بنتهم الوحيدة، يعني مفيش امتيازات أكتر من كده."
نهضت حفصة واقفة وقامت بخلع ذاك الخاتم من إصبعها قائلة بثبات قوي: "أنا مقبلش أكون مجرد زوجة لشخص معندوش مشاعر قوية ليا، شخص سلبي. وأعتقد ده الأفضل دلوقتي قبل ما نكتب الكتاب ويتحسب على جوازه فاشلة. عالعموم هتفضل على وضعك الطبيعي بالنسبة لي 'ابن عمتي'."
وضعت حفصة الخاتم على الطاولة أمام أمجد وغادرت، تكبت دمعتها وغصة قلبها القوية. هي لديها مشاعر أخرى تجاهه، لكن لا تريد أن تجد نفسها مقيدة بزواج من شخص سلبي، هي بالنسبة له فقط مجرد "زوجة مناسبة" لطموحات والداته.
بينما استغرب أمجد فعلة حفصة، ومد يده وأخذ الخاتم يديره بين أصابعه. للغرابة، شعر بغصة قوية لم يكن يتوقع أن يشعر بها تجاه حفصة. حقًا لم يخترها من البداية، لكن بعد هذا الموقف منها، استغرب تغير شعوره هذا نحوها. ربما أعجبته الصورة التي كانت عليها قبل قليل، صورة أخرى قوية، صاحبة قرار، عكس ما كان يظن سابقًا أنها بلا قرار مثله. لكن هي أثبتت أنها ربما تساير من أمامها، لكن ليس على حساب نفسها. لكن تحير ماذا سيفعل الآن وماذا سيقول لعائلته، وعقد القران باقي عليه يومين فقط.
أمام ذاك المنزل المملوك لحسنى. ترجل زاهر من السيارة وتوجه إلى باب ذاك المخزن المفتوح على مصراعيه، يخرج منه بعض العمال يحملون بعض الأغراض القديمة. لكن ربما لسوء حظه أنه أتى الآن وسمع حديث حسنى لأحد العمال بطريقة بسيطة، تتجاذب معه الحديث وتقوم بالمرئسة على العمال الآخرين بين لحظة وأخرى قائلة: "الهمة يا رجالة، عاوزين ننتهي ونفضي المخزن."
تقول لهم هذا وتعاود الحديث لذاك العامل الذي يبدو رئيسهم. استغفر ربه ثم دخل إلى المخزن ملقيًا السلام. تركت حسنى رئيس العمال وتوجهت نحوه ترحب به قائلة: "أهلًا يا أستاذ زاهر، أهو كيف ما جلت لك عشية، أنا على رأس العمال من صباحية ربنا، حتى مدوّجتش الفطور ولا الزاد لحد دلوك، عشان نفضي المخزن. معرفش إنت ليه مستعجل كده، مع إن لسه كام يوم على أول الشهر."
تنهد زاهر بضيق قائلاً: "والله معاك العقد ابقى اقريه. أنا دافع الإيجار من يوم ما مضينا العقد، ومحتاج للمخزن بأسرع وقت وقبلها كمان قبل ما أدخل البضاعة فيه لازمة شوية تعديلات وتشطيب." ردت حسنى: "خلاص أها العمال قربوا يفضو نص المخزن، واللي مش هينتهي النهارده بكرة بالكتير المخزن هيكون فاضي وتستلمه... والمخزن ده كان مبيضه قبل ما يموت بشوية صغيرين، صحيح البوية بهتت، بس أقل تعديلات هتخلي المخزن زين، و...
قاطعها زاهر بحسم قائلاً: "أنا عاوز المخزن يفضى النهارده حتى لو العمال سهروا يطلعوا الحاجات اللي فيه، وأنا اللي هدفع لهم الأجرة. متخافيش." نظرت له حسنى قائلة: "الحكاية مش حكاية أجرة، الحكاية إن العمال دول لهم طاقة تحمل، يعني يرضيك يفرهدوا، ومجتش من يوم يعني و... قاطعها هذه المرة دخول امرأة تحمل على رأسها "سبت خوص" قائلة: "غدا العمال أها يا ست حسنى هانم كيف ما طلبتِ."
اقتربت حسنى من تلك المرأة وأخذت منها "السبت" ووضعته أرضًا ونظرت بداخله وذمت شفتيها بضيق تقول: "تسلم يدك يا مرت أبوي، بس اللحمة مش قليلة شوية، أنا كنت جايبة أكتر من كده. هي اللحمة صحيح بتكش في السوا، بس مش بتنسخط كده." ردت المرأة: "أنا مأخدتش منها حاجة ليا، كل اللي خدته حتتين لابوكي وخواتك، ولا هما العمال ياكلوا وخواتك وبوكِ يجوعوا."
زفرت حسنى قائلة: "لأه ميرضنيش يجوعوا، بس اللحمة دي كنت جايباها عشان العمال الغلابة دول، وأبويا وخواتي كنت جايبة لهم لوحدهم. كمان الطبيخ قليل عالعمال." زفرت زوجة أبيها بسام قائلة: "أنا معرفش ليه كلفتينا وكل العمال... هما مش هياخدوا أجرة، إحنا مش ملزمين بوكلهم، دي حاجة ذوقية منينا، والجودة بالموجود."
ردت حسنى: "أها قولتي حاجة ذوقية منينا، يعني المفروض كنتِ تزودوا أشوي. هما أجرتهم فيها قد إيه عشان يضيعوها عالوكل، وإحنا هنكسب فيهم ثواب." مصمصت زوجة أبيها شفاها بسخرية قائلة: "وماله، هما يستاهلوا الوكل ده برضك. هنكسب فيهم ثواب." قالت هذا ونظرت إلى زاهر الواقف قريب من حسنى قائلة: "ثواب إيه اللي يستاهلوه العمال، ما باين أهو من رئيس العمال مش شايفه ده لابس قميص ومنطلون بالشئ الفلاني." نظرت حسنى لزاهر
ثم لزوجة أبيها قائلة: "ده مش رئيس العمال، ده الأستاذ زاهر اللي أجر المخزن يا مرت أبوي." زاغت عين زوجة أبيها تنظر لزاهرتمعن شديد، يبدو عليه الثراء. للحظة جاء لها خيال وحسنى تقف جواره وهما عروسان. لمع الطمع بعينيها، فزواج حسنى من شخص ثري كهذا قد يكون له فائدة كبيرة عليها، ولما لا. لكن فجأة عبس وجهها وعقلها يقول: "افرضي إنه متجوز يا 'عواطف'... وإيه هتخسري إيه؟ اسأليه." بالفعل رسمت الخزي ومدت
يدها لمصافحة زاهر قائلة: "معلش، متأخذنيش. فكرتك رئيس العمال. أهلًا وسهلًا بيك، المخزن نور، لأ البيت كله والمنطقة نورت." نظر زاهر ليد عواطف للحظة ثم مد يده وصافحها، لكن تعجب حين رفعت عواطف يده تنظر لها وهمست بشيء لم يسمعه. بينما تنهدت عواطف براحة قليلاً وهي تنظر ليده الأخرى وجدتها خالية من أي إثبات زواج، لكن ليس هذا الإثبات الوحيد. لم تستحي وهي تسأله: "هو سيادتك متجوز؟ نظرت
لها حسنى باستغراب قائلة: "واه يا مرت أبوي، وإنتِ مالك متجوز أو لأ. عندك له عروسة؟ نظرت عواطف له قائلة: "هو بس يأشر."
رغم تعجب واشمئزاز زاهر من عواطف، لكن جاوبها قائلاً: "لأه مش متجوز، وشاكر أفضالك. أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي، وكمان أنا كنت جاي أشوف المخزن إن كان فضي أو لأ، ودلوقتي عندي ميعاد مهم في البازار ولازم أرجع له. بس ياريت العمال يسهلوا شوية، وبلاش لكاعة، عشان أنا خلاص اتفقت مع الصنايعية اللي هيعدلوا ويشطبوا المخزن." ردت حسنى: "لأه متخافيش، إن شاء الله على بكرة المسا بالكتير هيكونوا خلصوا، وتستلم مفتاح المخزن."
رد زاهر: "تمام، بكرة المسا هفوت هنا عشان آخد مفاتيح المخزن. يلا سلاموا عليكم." ردت السلام عليه حسنى وعواطف التي تلمع عينيها بطمع وجشع. بينما زمّت حسنى معها بالحديث قليلاً، لم تنتبه له. عقلها يمني لها ويزين لها فرصة وضرورة زواج حسنى من ذاك الثري حتى لو كان غصبًا بفكرة شيطانية. ..... مساءً قبل المغرب بالقاهرة.
بشقة هاشم، زفر نفسه بضيق وهو يضع هاتفه فوق الطاولة قائلاً: "برضوا سلوان مش بترد على اتصالي ودلوقتي بيقولي خارج نطاق الخدمة، مع إن كان المفروض دلوقتي تكون وصلت محطة 'رمسيس'، على الأقل يعني وصلت القاهرة." تهكمت دولت تقول بتورية: "يمكن القطر اتأخر في الطريق، وموبايلها فصل شحن... أو يمكن غيرت رأيها والجو في الأقصر عجبها وقررت... قاطع حديث دولت نهوض هاشم واقفًا يشعر بضيق قائلاً
بتعسف: "قررت إيه، هي امبارح أكدت لي إنها جاية لأن الفلوس اللي كانت معاها تقريبًا خلصت." تنهدت دولت قائلة: "طالما هي قالت لك كده يبقى اطمن. يمكن زي ما قلت موبايلها فصل شحن. وبعدين أنا مستغربة، إنت إيه اللي معصبك كده من وقت ما عرفت إن سلوان في الأقصر؟ عادي يعني، اللي أعرفه إنها سافرت كتير قبل كده لوحدها. تفرق إيه الأقصر عن أي مكان سافرت له قبل كده؟
نظر هاشم لها قائلاً: "الأقصر تفرق عن أي مكان سافرت له قبل كده. عارفة ليه؟ عشان الأقصر بلد أمها، يعني أهل أمها هناك، وخايف سلوان تكون راحت لهم." استعجبت دولت قائلة: "أول أعرف إن مراتك الأولانية من الأقصر. اللي أعرفه إنها كانت من الصعيد وبس. وبعدين فيها إيه لو راحت لأهل أمها؟ عادي." جعّد هاشم بين حاجبيه بضيق قائلاً: "لأ مش عادي. ومن فضلك سيبني لوحدي دلوقتي." شعرت دولت
بالحقد لكن أخفته قائلة: "تمام، بس ياريت تهدي أعصابك. مش بعيد نلاقي سلوان بتفتح باب الشقة دلوقتي. هروح أتصل على 'مدحت' أطمن على ابني أنا كمان." غادرت دولت وتركت هاشم الذي جذب هاتفه وعاود الاتصال على هاتف سلوان، لكن نفس الرد: غير متاح بالخدمة. زفر نفسه يشعر بشعور سيء، وهو يتذكر قول العرافة. ماذا لو فعلًا سلوان ذهبت إليهم؟ لن يستطيع تحمل خسارة سلوان. -❈ ❈ بنفس الوقت بمنزل القدوسي.
سيدخل مؤنس إلى المنزل ناديًا على الخادمة التي لبت نداؤه سريعًا تقول: "نورت يا حج مؤنس، تؤمرني بأيه؟ ابتسم لها مؤنس قائلاً: "الأمر لله يا بتي، الضيفة فين؟ ردت الخادمة: "الضيفة من وقت ما سيادتك سبتها في المجعد وهي مخرجتش منه أصلًا، حتى خبطت عليها ومردتش عليا." تعجب مؤنس قائلاً: "طيب روحي انتِ حضري صنية أكل وهاتيها لي عند أوضة الضيفة." ردت الخادمة: "حاضر من عنيا."
تنهد مؤنس براحة وذهب نحو تلك الغرفة وطرق على الباب أكثر من مرة لكن لم يأتيه رد. فتح باب الغرفة، شعر بوخزات قوية تصعق قلبه. هذه الغرفة كانت مغلقة لسنوات طويلة. تقابل بظلام الغرفة، ازدادت الوخزات. الغرفة كانت قديمًا دائمًا بها نور حتى ليلاً.
أشعل ضوء الغرفة وجالت عيناه بها. ابتسم حين وقعت عيناه على الفراش ورأى تلك النائمة. اقترب من الفراش ينظر لها، لكن زالت تلك الوخزات، حل محلها انشراح قليلاً، وهو يتأمل تلك الغافية التي تنام مثل الملاك، تشبه والداتها "ميسك". حقًا يليق بها لقب "خد الجميل" بوجهها الملائكي الجميل وتلك الخصلات المتمرده فوق جبهتها مثل خصلات والداتها كانت متمردة هكذا. ظل يتأملها لبعض الوقت.
بينما بالمطبخ، دخلت صفية ورأت تلك الصنية الموضوعة والخادمة تضع فوقها بعض الأطباق المليئة بالطعام. سألتها باستفسار: "صنية الأكل دي لمين؟ ردت الخادمة: "دي للضيفة اللي جات الفجرية مع الحج مؤنس، هو اللي قالي من بدري، أحضر صنية أكل وأخدها لحديها بالمجعد." تهكمت صفية بضيق وغِل قائلة: "وهي الضيفة على رجليها نقش الحنة؟ إياك ما تيجي لإهنه تاكل، ولا حتى تستني شوية. كلها كام ساعة ونتعشى بالسفرة."
ردت الخادمة: "الحج مؤنس هو اللي قالي." تهكمت صفية باستهزاء: "الحج مؤنس هو اللي قالي، طب يا أختي شيلي الصنية وروحي بيها لمجعد السنيورة، كيف ما جالك." حملت الخادمة الصنية وغادرت المطبخ، بينما قطبت صفية
حاجبيها بضيق قائلة بحقد: "شكلها بت حرباية وسُهلة ومسهوكة كيف أمها، وعرفت تتلاعب بعقل الراجل الخرفان وجرى وراها وجابها لإهنه. بس بعينها توصل للي هي عاوزاه، وقبل بس ما تفكر تضحك على عقله لازمن أخليها تغور من إهنه مطرودة وملعونة كيف أمها قبل كده."
بينما بغرفة سلوان، كانت نائمة ترى نفسها طفلة للتو عادت من المدرسة. ألقت حقيبتها أرضًا بمجرد أن دخلت إلى الشقة وجلست على أحد مقاعد الردهة بإرهاق. رأتها والداتها، ابتسمت لها وانحنت تحمل تلك الحقيبة قائلة: "كده بترمي شنطتك على الأرض؟ مش دي المدرسة اللي كان نفسك تروحيها؟
ردت بتذمر طفولي: "لأ يا ماما، أنا خلاص رجعت في كلامي، مش عاوزة أروح للمدرسة تاني. أنا بكرة الصحيان بدري، كمان المدرسين اللي في المدرسة بيقعدوا يزعقوا لينا طول الوقت." ضحكت والداتها قائلة: "طب يلا قومي ادخلي الحمام اتوضي عشان تصلي، زمان بابا راجع عشان نتغدى مع بعض." ابتسمت سلوان ونهضت، لكن خلعت حذائها أثناء سيرها وتركته قائلة: "أنا هقول لبابا إني مبقتش أحب المدرسة وعاوزة أروح اشتغل معاه."
ابتسمت والداتها وهي تنحني تحمل حذائها، تجري خلفها قائلة: "وأنا هقول لبابا سلوان بتزهق وتمل بسرعة، واخدة على الانتخة والدلع... وعاوزة تنام طول الوقت كيف الدبة." تبسمت سلوان بخيالها الذي عاد بها لذكريات الطفولة القليلة والبعيدة. .....
بينما مؤنس ظل يتأملها بشوق وضنين. لكن يبدو أن الضوء بدأ يزعج سلوان، أو ربما حان وقت استيقاظها. تمطت بيديها قبل أن تفتح عينيها. ابتسم مؤنس، فعلًا سلوان ورثت الكثير من "ميسك"، حتى بعض الأفعال البسيطة. بسمة ميسك وهي نائمة، كذلك كانت تفعل ذلك سابقًا حين كانت تستيقظ من النوم، وبالأخص بأيام الدراسة. كانت لا تود النهوض من النوم ولا الذهاب إلى المدرسة. فتحت سلوان عينيها حين
سمعت صوت مؤنس يقول بمودة: "مساء الخير يا خد الجميل، الشمس خلاص غابت." للحظة شعرت سلوان بالتوجس ونهضت جالسة على الفراش، تنظر نحو باب الغرفة ثم إلى تلك الخادمة التي بالغرفة، ثم قالت: "إنت إزاي دخلت للأوضة؟ ابتسم مؤنس ونظر للخادمة قائلاً: "حطي الصنية اللي بيدك عندك وروحي شوفي شغلك." فعلت الخادمة مثلما أمرها مؤنس وتوجهت نحو باب الغرفة، لكن فعلت مثلما قال لها مؤنس: "اقفلي باب الأوضة وراكِ."
نظرت سلوان إلى باب الغرفة الذي أغلقته الخادمة، ثم إلى مؤنس الذي جلس على طرف الفراش قريب منها يبتسم على ذاك التوجس الواضح على وجهها، قائلاً: "الدار فيها رجالة وميصحش تشوف شعر خد الجميل الغجري." وضعت سلوان يديها على رأسها تضم خصلات شعرها بين يديها وقامت ببرمها ولفها كعكة عشوائية. ابتسم مؤنس قائلاً: "نورتِ دار جدك يا خد الجميل، كنت في انتظارك." استغربت سلوان قائلة: "مش فاهمة قصدك يعني إيه كنت في انتظاري."
برر مؤنس قوله: "كان قلبي حاسس إنك هتجي لإهنه، وهشوفك قبل ما أسلم أمانتي، وأرحل وألحق باللي سبقوني." تهكمت سلوان قائلة: "بجد! كنت حاسس إنك هتشوفني غريبة مع إن مفيش مرة سألت عني. مش يمكن كنت متت زي ماما، وخاب إحساسك ده." رد مؤنس سريعًا بلهفة: "بعيد الشر عنك ربنا يطول بعمرك. أنا عارف إنك واخدة على خاطرك مني، بس يمكن كنت غفلان وربنا رايد قبل ما أرحل يزيح عني الغفلة دي." تهكمت
سلوان قائلة باستغراب: "كنت غفلان لأكتر من تلاتين سنة؟ تعرف أنا ليه جيت لهنا دلوقتي؟ أنا صحيح كنت جاية عشان أزور قبر ماما، بس كمان كان فيه عندي سؤال نفسي تجاوبني عليه." شعر مؤنس بندم قائلاً: "وأيه هو سؤالك يا خد الجميل؟ تهكمت سلوان قائلة: "برضوا بتقول 'خد الجميل'. اسمي سلوان." ابتسم مؤنس. بينما
أكملت سلوان حديثها بسؤال: "ليه وافقت بابا زمان لما طلب منك إن ماما تندفن هنا مع إنك كنت غضبان عليها وعمرك ما رديت على رسالة بعتتها لك، حتى يمكن مقريتش الرسايل دي وقطعتها أو حتى حرقتها." شعر مؤنس كأن سلوان بيدها سكين وقطعت قلبه وهو ما زال حيًا. تدمعت عيناه وصمت. استغربت سلوان تلك الدموع التي رأتها بعين مؤنس، ثم قالت: "ليه مش بترد عليا؟ ليه سمحت إن ماما تندفن هنا؟
رد مؤنس سريعًا وأخفى أنه وافق على استقبال جثمان ميسك حتى دون أن يعرف أن هذه وصيتها. أنه أراد استردادها وبقائها جواره حتى لو كانت متوفاة، رغم أن ذاك آخر ما أراده. لم، حتى لم يكن يريده نهائيًا، لكن يود أن يشعر بها عادت قريبة منه. لكن قال: "عشان دي كانت أمنيتها الأخيرة مني... والمثل بيقول 'القبر مش بيرد حد'." سالت دموع سلوان هي الأخرى وندمت لما سألته وسخرت من جوابه
مؤنس القاسي بنظرها قائلة: "فعلًا القبر مش بيرد حد، هو ده جوابك. بكده يبقى وجودي هنا انتهى يا.... يا حج مؤنس. كويس إني لحقت أبدل تذكرة القطر بغيرها. شكرًا على استضافتك ليا الكام ساعة اللي فاتوا هنا في دارك."
قالت سلوان هذا ونهضت من فوق الفراش وأخذت ذاك الوشاح الذي كان على أحد المقاعد وقامت بلفه حول رأسها وبحثت بعينيها بأرضية الغرفة حتى عثرت على مكان حذائها. ذهبت باتجاهه، وكادت تضع قدميها به، لكن نهض مؤنس سريعًا وتوجه نحوها، وجذبها بقوة عليه يضمها بين يديه بشوق وحنين وضنين، كل تلك المشاعر بقلبه.
يداه كانت قوية رغم كبر عمره، شعرت سلوان بأنه يكاد يكسر عظامها، حتى حين ضعفت يديه حولها شعرت كأنه يستند عليها. عادت برأسها للخلف ونظرت لوجهه، رأت خطوط تلك الدموع التي تسيل بين تجاعيد وجهه. رجف قلبها بلا شعور منها، رفعت يديها وضعتهم على وجنتيه تزيل تلك الدموع. ابتسم لها مؤنس وضمه مرة أخرى لكن بحنان. كذلك هي لفت يديها وعانقته ثم قبلت إحدى وجنتيه قائلة: "ماما زمان قالت لي إنك كنت حنين عليها، ليه قلبك قسى عليها؟
رد مؤنس بلوعة قلب: "كان قدر مرسوم عالجبين." ....... ليلاً بالمشفى. بالاستقبال، كان هنالك زحام وشجار قوي. وصل صوته إلى غرفة جواد. نهض سريعًا وتوجه ناحية الاستقبال. تفاجأ بوقوف إيلاف بالمكان، لكن توجه ناحية أحد اللذين يفتعلون الشجار وتحدث معه بجسارة: "فيه إيه؟ المفروض دي مستشفى مش شارع عشان تتخانقوا بالشكل ده." رد أحد الشباب
ينظر له باستعطاف ثم قال: "أمي عيانة والدكتور اللي كشف عليها قال لازمها جلسات استنشاق أكسجين وجينا هنا الاستقبال بيقولوا لينا، مفيش ليها مكان، وإحنا منقدرش على مصاريف مستشفى خاصة. نسيبها تموت." رد جواد قائلاً: "لأ، بس لو انت هدفك صحة والداتك صحيح مكنتش هتفتعل الشر وتعمل الجلبه دي كلها وفين الست والداتك دي؟ رد الشباب: "أمي أهي قاعدة عالكرسي مش قادرة تاخد نفسها."
نظر جواد نحو مكان إشارة الشاب ورأى سيدة تقترب من الخمسين، فعلًا تبدو مريضة. فنظر إلى موظف الاستقبال قائلاً: "بسرعة الحجة تدخل الاستقبال وتعملوا لها جلسة استنشاق."
أومأ له الموظف رأسه بخزي. بينما ابتسم الفتى لجواد وذهب يساعد والداته على النهوض، ثم ذهب معها. وانفض التجمع. لكن ما هي إلا ثواني قبل أن يدخل شاب آخر يبدو عليه أنه متكسع وهو يشهر سلاح أبيض كبير، يسب بألفاظ سوقية بذيئة وتهجم على أحد الموظفين وكاد يضربه بالسلاح الذي بيده لولا أن عاد للخلف قبل أن يصيبه السلاح. لكن ذاك المتسكع لم يهاب وشعر بانشراح وهو يرى تجنب الجميع من أمامه. ثم نظر إلى جواد قائلاً: "انت يا حلو يا أبو بلطو أبيض، جولف فين أجزة المستشفى؟
معايا روشتة وعاوز أصرفها حالا." رد جواد بجسارة: "نزل السافوريا اللي في إيدك دي، وروشتة إيه اللي معاك دي؟ وبعدين صيدلية المستشفى قافلة، روح اصرف الروشتة من أي صيدلية بره." نظر المتسكع لجواد بغضب واقترب منه يهدده بالسلاح، لكن جواد أبدى الجسارة مما جعل المتسكع يهابه، فنظر ناحية إيلاف كاد يقترب منها وهو يقرب السكين من وجهها قائلاً بتهديد: "افتح لي أجزة المستشفى آخد منها الدوا اللي في الروشتة ولا هفسخ لك الحلوة دي نصين؟
تعصب جواد واقترب منه قائلاً: "زي ما توقعت، انت شارب مخدرات ومش في وعيك. بلاش تضر نفسك أكتر من كده ونزل السافوريا اللي معاك، بدل ما تزود جرائمك."
بينما إيلاف شعرت برعب بسبب اقتراب ذاك المتسكع منها وهو يشهر سلاحه وكاد ينفذ تهديده ويضربها بالسلاح لولا أن تلقى الضربة عنها جواد الذي طعنه المتسكع بالسلاح بمعصم يده، لكن جواد كان أقوى منه وقام بوضع يده وضغط على العرق النابض بعنقه بقوة أفقدته وعيه بلحظة. تردى أرضًا وسقط من يده السلاح أمام أقدام إيلاف التي ترتجف رعبًا. نظر لها جواد ثم نظر إلى أحد العاملين بالمشفى قائلاً
بحسم: "شيلوا الحيوان ده، قيدوه في سرير واطلبوا لي البوليس وكمان عاوز أفراد أمن المستشفى عندي في مكتبي حالًا، بسبب التسيب كان ممكن يحصل مجزرة في المستشفى. إزاي يسمحوا لمتسكع زي ده يدخل أساسًا من باب المستشفى، ولا دخل هما نايمين." أومأ له الموظف برأسه، بينما إيلاف ما زالت تقف مكانها متسمرة. لأول مرة بحياتها تشعر أنها كانت أمام موت محقق على يد متكسع يتهجم على المشفى. اقترب منها جواد سائلاً: "إيلاف إنتِ بخير؟
هزت إيلاف رأسها بـ "لا" صامتة، ثم نظرت إلى يده الذي يضعها فوق معصم يده الذي ينزف بغزارة. فاقت من ذاك الذهول وقالت بلهفة: "إيدك بتنزف، خليني أخيط لك الجرح." ابتسم جواد قائلاً: "تمام، بس أتمنى إيدك مترتعش وإنتِ بتخيطي لي الجرح." شعرت إيلاف بحرج وفهمت تلميحه ثم قالت: "لو معندكش ثقة فيا تقدر تخلي أي دكتور تاني في المستشفى يخيط إيدك." ابتسم جواد قائلاً: "أنا واثق فيكِ يا إيلاف، خلينا نروح مكتبي."
بعد قليل انتهت إيلاف من تقطيب يد جواد، الذي ابتسم قائلاً: "ممتاز، شفتي إيدك مرتعشتش." قبل أن ترد إيلاف دخل ناصف بلهفة مصطنعة: "إيه اللي حصل يا دكاترة؟ أنا كنت بمر على بعض المرضى و... قاطعه جواد قائلاً بسخرية: "اللي حصل حصل يا دكتور. عالعموم أنا بلغت البوليس يحقق في اللي حصل وكل اللي اتسبب في التسيب ده هيتحول للتحقيق من أول أمن المستشفى لحد المتسكع اللي اتهجم عال مستشفى."
توتر ناصف قائلاً: "بس دي مش أول مرة يحصل الهجوم ده على مستشفيات الحكومة. وحذرنا منه قبل كده، وفرد الأمن ماله هو كمان إنسان وعنده مسؤوليات وخايف على عمره... إنت قلت متسكع يعني مش واعي هو بيعمل إيه."
ردت إيلاف: "لأ، النوعية دي لازم التعامل معاها بشدة وكمان الأمن مسؤول. مفيش حاجة اسمها خايف على عمره. العمر واحد والرب واحد، وأمن المستشفيات لازم يكون أقوى من كده. إحنا هنا أرواح ناس، كان ممكن بسهولة المتسكع ده بدل ما يطعن الدكتور جواد في إيده يطعنه في مكان تاني طعنة خطيرة والأمن واقف يتفرج."
رد ناصف بحرج: "فعلاً لازم عقاب للأمن. هروح أنا، كنت بعاين مريض وسيبته لما سمعت إن الدكتور جواد اتصاب، بس الحمد لله عدت على خير." تهكم جواد قائلاً بمغزى: "فعلًا عدت على خير، لكن واضح إن البوليس وصل يحقق في اللي حصل كله." ازدرد ناصف ريقه قائلاً: "المفروض اللي زي المتسكع ده يتعدموا فورًا. هستأذن أنا." غادر ناصف، بينما نظرت إيلاف لجواد قائلة: "ليا عندك سؤال: ليه لما إيدي ارتعشت يوم العملية ما تكلمتش والليلة....
لم تكمل إيلاف سؤالها حين دخل أحد أفراد الشرطة. نظر لها جواد قائلاً: "الشرطة وصلت نتكلم في الموضوع ده بعدين."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!