طوى مؤنس الجوابات ووضعها بداخل الصندوق مرة أخرى وأغلقه وتركه جواره. لكنه احتفظ بصورة تلك الطفلة بين يديه يتأمل ملامحها الصغيرة. فعلًا تُشبه كثيرًا "مِسك" ابنته. لكن بعض الملامح لا تُلاحظ إلا لمن يتأمل كثيرًا. شفاه تلك الصغيرة أكثر سُمكًا، كذلك لون العينين مختلف، وتلك الشامات التي بوجهها. كذلك العين بها نظرة أجرأ.
تساءل عقله: الآن أصبحت تلك الصغيرة صبية. تُرى هل مع الوقت أصبحت نسخة مختلفة تمامًا أم ما زال هناك تشابه كبير بينهما؟ الحنين والندم يُبكيان القلب، وأسئلة تجول بالرأس. هل؟ وهل؟ وهل؟
ولا جواب غير بالتأكيد، تلك الصغيرة مثله لا تعلم عنه شيئًا. سوى أنه كان لوالدتها أبًا جحد قلبه عليها، حين خالفت أمره ورفضت الزواج بأكثر شخص كانت تبغضه بحياتها. كما قالت له. لو آخر ربما كانت تخلت عن من هوى قلبها له وامتثلت لأمره، لكن هذا مستحيل أن تقبل الزواج منه لو قتلها في الحال. لكن لم يقتلها، كان العقاب أقوى من القتل بالنسبة لها. أن يتبرأ منها كأنها ليست تلك المدللة التي كان لها مكان ومكانة قوية في قلبه حتى أكثر من أخيها. لم يكن عقابًا لها وحدها، بل العقاب شمل الجميع. أدمى قلوبًا مزقتها الندم والآسى.
اهتدى قلبه بلحظة: لما لا؟ تنحى عقله عن الكبرياء والجحود. وجذب هاتفه المحمول ذو الطراز والإصدار القديم قليلاً. واتى برقم خاص قام بالاتصال عليه. رد الآخر عليه بترحيب واحترام. للحظة تردد في إخبار الآخر لماذا هاتفه الآن، لكن بلحظة حسم أمره قائلاً: "جولي، إيه آخر أخبار 'هاشم خليل' و... بنته؟ تنحنح الآخر متفاجئًا
وقال بحرج: آخر حاجة أعرفها عنه كان من ست سنين تقريبًا. إنه عايش في السعودية بيشتغل مهندس اتصالات هناك. والبنت كانت معاه. تنهد مؤنس قائلاً: أكيد بينزل مصر عشان أخته. مش كان جوز أخته زميلك في الجيش؟ رد الآخر: كان زميلي بس من فترة العلاقة بينا شبه انقطعت. بنتكلم على فترات متباعدة. الدنيا تلاهي يا حج مؤنس. بس نمرة تليفونه عندي. لو في حاجة مهمة ممكن أتصل عليه وأسأله بأي حجة؟
شعر مؤنس بغصة ندم قوية في قلبه. فمن يريد أن يسأل عنها كان من المفترض هو من يكون على دراية بأحوالها. ابتلع تلك الحسرة في قلبه قائلاً: "سلوان هاشم خليل" عايز أعرف إيه آخر أخبارها. *** بالفندق.
استلقت سلوان على الفراش تتنهد بشعور مختلف عليها. تشعر بانشراح وصفاء غريب يسيطر عليها. جذبت هاتفها وقامت بفتحه على ملف الصور. ترى تلك الصور القليلة التي التقطتها لنفسها وهي بذلك المنتجع بعد أن زالت الرهبة عنها وشعرت بصفاء الجو حولها واستمتعت بتلك الرحلة القصيرة. أجل، كانت قصيرة. تصفحت تلك الصور التي التقطها لها "جلال" أيضًا. تنهدت بشعور خاص. لا تعلم لماذا بحثت بين الصور علها تجد له صورة بينهم، لكن لا يوجد.
ذمت نفسها قائلة: مالك يا سلوان؟ إيه الأفعال الطفولية دي؟ بدور على صورة لشخص اتعرفتي عليه بالصدفة، ومتعرفيش عنه غير اسمه. عقلك جن. لكن سرعان ما ابتسمت بنشوة خاصة قائلة: فعلًا عقلي جن. ومعرفش إزاي وثقت في الشخص ده بالذات. رغم إني عمري ما كنت بحذر من أي شخص غريب عني. حتى كمان في قريبين مني وعارفهم كويس وبحذر منهم بعد ما ظهروا على حقيقتهم الوقحة معايا. بس "جلال" إيه المختلف فيه؟ إيه الشيء اللي بيجذبني له جوايا؟
إحساس قوي بالثقة تجاهه. رغم إننا يا دوب ثلاث مرات اللي اتقابلنا فيهم. لو حد بيحكي لي عن اللي بيحصلي ده كنت هقول فيلم رومانسي خيالي، وصعب يحصل في الواقع. تنهدت سلوان تزفر نفسها بقوة قائلة: ده كأنه شيء من السحر بيجذبني أثق فيه وأتخلى عن التحفظ. وأنا معاه. أكيد الثقة دي بسبب إنه هو اللي أنقذني من الموت على محطة القطر. *** بغرفة نوم جاويد.
اضطجع على أريكة بالغرفة يتنهد يشعر بنشوة ممتعة لاول مرة بحياته. يشعر أن شيئًا غريبًا يحركه يغزو قلبه. شعور جديد لم يكن في حساباته سابقًا. أجل، حساباته هو دائمًا كان يحسب قيمة كل خطوة قبل أن يخطوها بعقله. إلى أين تذهب به هذه الخطوة؟ لكن الآن تنحت تلك الحسابات. ترك خطواته هي من تسحبه إلى أين؟
لا يعلم. لكن يشعر بحرية كأنه مثل ذلك الطائر الذي يسمعه، يشدو بصوته الليلي في الأفق الهادئ الآن. هدوء خاص يشعر به. لكن فجأة غص قلبه حين تذكر جوابه حين سألته عن اسمه "جلال". سأل نفسه: لماذا يقول لها إن اسمه "جاويد الأشرف"؟ جاوب عقله: يمكن عشان اسم "جاويد الأشرف" مشهور هنا وسهل تعرف عنه أي شيء. لم يقتنع عقله بهذا الجواب. سكت للحظات وهو يضع يده فوق مكان ذلك الندب الذي بموضع قلبه. وزفر نفسه يشعر بغصة ووخز في قلبه...
ربما لأن هذا الاسم لم ينسه صاحبه يومًا. وتمنى لو كان انقلب الماضي. وكثيرًا ما كان يتمنى لو كان هو من رحل بلا عودة. *** ببيت المغتربات. تقلبت إيلاف بالفراش تشعر بأرق. تذكرت حين كانت بغرفة العمليات تشارك بتلك العملية الخطيرة. للحظة أثناء تقطيبها للجرح ارتشت يديها. لم يلاحظ ذلك سوى جواد الذي نظر لها وأخذ منها الملقط وبدأ يُقطب هو مكان الجرح. تحير عقلها لماذا لم يتفوه لها بكلمة بغرفة العمليات.
اهتدى عقلها: ربما لم يرد إحراجها أمام الموجودين بالغرفة. لكن كذلك لم يتفوه بشيء بعد خروجهم من غرفة العمليات. اهتدى عقلها: بس أنا بعد العملية مفضلتش كتير بالمستشفى. وكمان ماما اتصلت عليا بعدها وتحججت بيها ومشيت من قدام الدكتور جواد. أكيد مستني فرصة أو يمكن بعد كده يقول عليها منفعتش دكتورة جراحة. زفرت نفسها تذم نفسها: إيه اللي كان حصل وخلى إيديكِ ترتعش أول مرة تخيطي جرح؟
دي أسهل خطوة في الجراحة كلها. أكيد دلوقتي هيستنى فرصة عملية تانية. ولو طلبت أشارك فيها ممكن يقول لي لأ، إيديكِ بترتعش.
نظرت ليديها بنفس اللحظة شعرت أنهما يرتعشان بالفعل. تذكرت تلك الحالة التي أصابتها فترة من حياتها حين كان أحد ينظر لها ترتعش من داخلها. تتمنى الاختفاء عن كل البشر حتى لا تسمع منهم إهانة. بداخلها كثيرًا تمنت أن تقول لهم إن تلك أكاذيب وافتراءات على والداها. فكيف لم يكن يُوقظها بعز أيام الشتاء الأكثر برودة فجرًا كي تصلي الفجر وتنتظره مع أختها ووالدتها حتى يعود من صلاة الجماعة بالمسجد. تعلم جيدًا أنه لم يكن مرائي. كيف تمتد يديه إلى خزينة مال شركة النسيج الذي كان يعمل بها. وكيف يقتل أقرب صديق إليه. لكن القانون والبشر لديهم العدالة التي تأخذ بالأدلة حتى لو كانت مجرد بصمات الشخص. حتى إن لم تصدق لم تقدر على المواجهة ولا عن الدفاع عنه.
*** بالمشفى بغرفة جواد. اضطجع بظهره على المقعد خلف المكتب. لكن سرعان ما سمع طرقًا على باب الغرفة. سمح له بالدخول وابتسم له حين قال: "القهوة سكر زيادة يا دكتور كيف ما بتحبها وكمان في الماج اللي جبته سيادتك. بس حاول يا دكتور تخف من القهوة شوية مش زينة على صحتك." ابتسم جواد له قائلاً: قهوتك إدمان يا عم خلف. ومتخافش على صحتي الحمد لله بمب. بس القهوة بشربها عشان تفوجني شوية وأنا سهران هنا في المستشفى.
ابتسم خلف له قائلاً: والله يا دكتور لو مش حضرتك في المستشفى دي، كانت بقت خرابة. مفيش فيها دكاترة تشوف العيانين الغلابة اللي هنا في المنطقة. كل الدكاترة تمضي حضور وبعديها بتهرب على عياداتهم الخاصة. ومنهم اللي بقى عنده مستشفى خاصة. ربنا يرزق الجميع. رد جواد: تعرف يا عم خلف لو كل دكتور بس فضى نفسه يوم وقال هشتغل اليوم ده زكاة عن نفسي وأكشف على ناس تستحق العلاج ببلاش ربنا هيرزقهم أكتر ويبارك لهم أكتر. أومأ له خلف مبتسمًا
يقول: ربنا يزيدك رضا يا دكتور. هسيبك تشرب القهوة. آه نسيت أقول لك إن وأنا بنضف مكتب الدكتورة الجديدة اللي جات هنا تكليف لقيت الكيس الورق ده. فيه "نبق". خوفت أسيبه في المكتب يلم نمل وكنت هشيله في الثلاجة اللي عندي في البوفيه لبكرة. بس الثلاجة بتاعتي صغيرة وفيها حاجات كتير. وفي هنا ثلاجة في أوضة المدير خالية. جولت أشيل الكيس فيه لبكرة لحد ما تعود الدكتورة.
ابتسم جواد ومد يده نحو الثلاجة قائلاً: تمام حطه في الثلاجة. بس متنساش تبقى تاخده ليها بكرة. ذهب خلف ووضع الكيس قائلاً: لأ مش هنسى. هسيبك تشرب قهوتك. وأروح أنا بقى. معوزش مني حاجة قبل ما أمشي. رد جواد: لأ متشكر تسلم عالقهوة.
غادر خلف. مد جاويد يده وأخذ كوب القهوة من فوق المكتب. ارتشاف منه بعض القطرات ثم وضعه واعتدل في المقعد. يشعر بفضول تجاه تلك الطبيبة صاحبة الاسم الغريب "إيلاف". هي الأخرى تبدو شخصية غريبة بالنسبة له. تذكر رعشة يديها أثناء تقطيبها لذلك الجرح. لم يتفوه وقتها بشيء أمام الموجودين بالغرفة حتى لا تتوتر وتشعر بافتقار أمام زملائها بالغرفة. هو حدث معه ذلك مرة، لكن وقتها وبخه الطبيب أمام زملائه. وحين خرج من غرفة العمليات
ذهب إلى الطبيب وسأله: لما قلت لي ذلك وأنت تعلم جيدًا مدى مهارتي كطبيب جراح. أجابه الطبيب وقتها: كي تتعلم من أخطائك ولا تفعل هذا مرة أخرى. كذلك لسبب آخر ستعلمه يومًا ما. اليوم علم السبب الآخر. لم يفعل مثل ذلك الطبيب ويلفت نظر الآخرين إلى إيلاف حتى لا تشعر مثلما هو شعر ذات يوم أنه يفتقر للإجادة التي تؤهله ليكون يومًا مسؤولاً عن حياة شخص ما. ربما لو ارتشت يداه بلحظة أضاع حياته. *** بعد مرور أسبوع.
والشمس بدأت تبدد ذلك الظلام من بعيد. نزلت يُسريه على تلك السلالم الجيرية ووضعت عنق تلك الزجاجة البلاستيكية كي تملأها بالمياه. لكن فجأة شعرت كأن شيئًا بالمياه يسحب منها تلك الزجاجة بقوة وفلتت منها. تسمع صوت فقاعات المياه وتلك الزجاجة تغرق بالمياه. استغربت ذلك. كذلك ساد الظلام مرة أخرى كأن الشمس التي كانت تستطع توارت خلفه. وقفت مخضوضة حين سمعت صوتًا غليظًا من خلفها تقول: "جاويد، مهما عملتي المكتوب عليه هيشوفه."
ازدرت يُسريه ريقها الجاف ونظرت للسماء. رأت تلك الغربان تحوم وتنعب بصوت مرهب. لكن نظرت إلى تلك المرأة قائلة بتحدي: "وأديكِ قلتي يا غوايش المكتوب عليه. مش اللي انتِ كتبتيه عليه." تنرفزت غوايش قائلة: في الماضي ساعدتي في حرقة جلب عاشق. جاويد هيتحرق قلبه زيه. ردت يُسريه
بثقة: أنا كل اللي عملته وجدتها إني وعيت صبية وساعدتها تهرب من مصير مجهول مع جبروت عيستناها. وياريت اللي عملته بالماضي يجعد لجاويد. بعدت ملاك من طريق شيطان. تنرفزت غوايش أكثر قائلة: هتشوفي جاويد وهو بيتعذب قدامك ومش هتقدري وقتها تداوي جرحه كيف ما حصل بالماضي. جرح العشق ملوش دوا. ردت يُسريه
بتحدي: وأنا فين هشد عصب جاويد وقتها كيف ما حصل في الماضي. هيلاقي إيدي تطبطب على ضهره تقويه وصدري يضمه يسليه. الضنا. بعدي شرك عن جاويد يا غوايش. تهكمت غوايش وهي تنظر نحو السماء. شعرت برعب حين ابْتعدت تلك الغربان وعاد شعاع الشمس يستطع مرة أخرى. شعرت يُسريه بأمل حين عاود جزء من نور الشمس. ونظرت
نحو غوايش بثقة قائلة: النار مهما كان وهجها المي والتراب قادرين يطفوا لهيبها. المي والتراب طاهرين مهما كان الدنس حواليهم. نور الشمس بيطهرهم وقادرين على رجم لهيب نار السموم اللي بتشرك بالله وبتسجد لشيطان عبد مطرود من رحمة الله. وضعت غوايش ذلك الوشاح الأسود فوق وجهها قائلة بغيظ: اللي انكتب بالدم مش هيمحيه غير الدم يا يُسريه. والطريق ابتدى واتجمع "الشتيتين" هنا على نفس أرض البداية هتكون النهاية.
قالت غوايش هذا وغادرت المكان بخطى مسرعة. بينما نظرت يُسريه إلى المياه ورأت تلك الزجاجة تطفو مرة أخرى فوق سطح المياه. لكن ابْتعدت بداخل المجرى المائي عن متناول يديها. شعرت بريبة. فظهور غوايش نذير شؤم. تنهدت ونظرت لأعلى وجدت الشمس بدأ نورها يستطع والظلام يتبدد. وتلك الغربان ابْتعدت وصمت نعيقها. تنهدت تشعر بتوجس لكن لا فرار من القدر الذي بلحظة قد يتبدد مثل الظلام الذي أباده شعاع شمس بسيط. *** بأحد البازارات السياحية.
رد زاهر على من يحدثه قائلاً: تمام هستني الشخص اللي جاي من طرفك وهمضي عقد الإيجار وهديه المبلغ اللي اتفقنا عليه.
أغلق زاهر الهاتف وظل لوقت يقرأ تلك الأوراق التي أمامه. قرأ ذلك الاسم الموجود بالطرف الثاني للعقد "حسنى إبراهيم النحاس". بعد وقت سمع صوت طرق على باب غرفة الإدارة. سمح له بالدخول. دخلت فتاة بطول متوسط يميل قليلاً للقصر وجسد صغير أيضًا. وجهها ملامحه بريئة وضاحكة بنفس الوقت. نظر لها بتعجب قائلاً: أهلًا بحضرتك، تحبي أخدمك بأيه؟ استغربت منه قائلة: أنا أبويا بعتني عشان أقابل الأستاذ زاهر الأشرف.
استغرب زاهر متسائلاً: أنا زاهر الأشرف، بس مين والد حضرتك! ردت عليه: أنا "حسنى إبراهيم النحاس". استغرب زاهر قائلاً: مين سيادتك؟ ردت حسنى بتأكيد: كيف ما جلت لك، أنا حسنى بت الحاج إبراهيم النحاس اللي هتأجر المخزن منه. هو جالي كده. تعجب زاهر قائلاً: بس الحاج إبراهيم قالي هبعت شخص من طرفي و مكتوب بالعقد "حُسني إبراهيم النحاس".
جاوبت حسنى: حَسنى، مش حُسني. الحاء بالفتحة مش بالضمة. هقولك أنا أمي الله يرحمها لما ولدتني تاني يوم أبويا راح السجل المدني عشان يسجلني في المواليد. جاب الموظف بتاع السجل المدني سأله عن نوع المولود. أبويا جاله بنته كيف الجمر. جاب موظف السجل جاله وهتسمي البنت دي إيه يا حي. أبويا جاله على اسم أمي. جاب الموظف جاله وإسم أمك إيه جاله "حَسنا". جاب الموظف كتب اسمي حَسنى، بس بدل ما يكتب اسمي (حَسنا) بالألف كتبها (حسنى)
بالياء. ومن يوميها وأنا كل ما حد ينطق اسمي يفتكرني ولد. يعني غلطة موظف السجل المدني. زي ما بنقول خطأ ارتكبه الآخر اللي هو موظف السجل المدني. ارتسمت بسمة على محيا زاهر قائلاً: تمام أنا فهمت. خلاص إن اسمك حسنى، بنت مش ولد. اتفضلي اجعدي عشان نتفاهم ونمضي عقد إيجار المخزن زي ما اتفقت مع الحاج إبراهيم. جلست حسنى على مقعد
مقابل لمكتب زاهر قائلة: لأ انت لازم تتفق معايا أنا لأني أنا صاحبة الدار اللي المخزن واخد الدور الأرضي منها. هقولك الدار دي كانت بتاعة جدي أبو أمي الله يرحمهم الاتنين. وجدي قبل ما يموت سجل الدار دي باسمي بس أنا كنت قاصر وقتها وأبويا كان الوصي عليا وهو اللي كان بيأجر الشقق الأربعة اللي في الدار دي. بس المخزن كان مقفول عشان فيه شوية نحاس من اللي جدي كان بيشتغل فيهم. أصل جدي ده كان بيشتغل "مبيض نحاس" بس كان عليه جلوه
للنحاس مجولكش كان النحاس يطلع من تحت إيديه بيلمع كيف الدهب كده. وأبويا بقى كان بيفهم مع المستأجرين. بس أنا خلاص كبرت وبلغت سن الرشد من تلات شهور وبقيت عندي واحد وعشرين سنة. جولت لأبويا أنا اللي أدير أملاكي بنفسي والدار أنا اللي بقيت بتفاهم مع المستأجرين اللي فيها. هقولك في اتنين من المستأجرين نفسي أكرشهم مش بيدفعوا الإيجار بانتظام. بس برجع وأقول إنهم غلابة حداهم عيال بلاش يتشردوا. و...
شعر زاهر بالملل من كثرة حديث حسنى قاطعها قائلاً: متخافيش أنا هدفع إيجار المخزن كل شهر في ميعاده. خلينا نتفق ونمضي العقود. نظرت حسنى
بتتمعن حولها للمكان قائلة: لأ أنا واثقة إنك مش هتتأخر في دفع الإيجار. صلاة النبي البازار على مساحة واسعة وفي منطقة قريبة من المعبد. وأكيد السياح بييجوا لهنا عشان يشتروا المساخيط هدايا وهم راجعين لبلادهم. بس أنا ليا ملاحظة كده على المكان. البياع اللي واقف بره بيبع للسياح لما اتحدثت معاه كش فيا. بس لما جولت له إني جاية من طرف الحاج إبراهيم النحاس جالي ادخل المكتب. ابقى قول له يبتسم شوية. البياع الشاطر يكون مبتسم كده عشان يقنع الزبون يشتري.
قاطعها زاهر قائلاً: تمام هقول له وهلفت نظره. خلينا نمضي العقود. نظرت حسنى لـ زاهر وهمست لنفسها قائلة: العيب مش في البياع ده. العيب في صاحب البازار. شكله كشري كده. وأنا مالي فخار يكسر بعضيه. أنا جولت اللي يخلص ضميري. رأى زاهر شفاه حسنى التي تتحدث بهمس لم يسمعه لكن شعر بضيق ووضع أمامها على المكتب ورقة عقد قائلاً: العقد أهو مكتوب عند محامي وناقص بس على الإمضا بتاعتنا. أخذت حسنى العقد ونظرت لـ
زاهر قائلة: قبل ما أمضي لازم أقرأ العقد. ده حاجة ميتعزلش. أومأ لها زاهر رأسه بتمام. قرأت حسنى العقد ثم نظرت لـ زاهر قائلة: العقد تمام. أوعاك تكون زعلت مني. المثل بيقول العقد شريعة المتعاقدين. وكمان ده حقي ولازم أضمنه. أومأ لها زاهر رأسه قائلاً: تمام اتفضلي إمضي العقد. نظرت حسنى للعقد ثم لـ زاهر قائلة: فين القلم اللي همضي بيه. كبت زاهر ضيقه ومد يده لها بقلم قائلاً: اتفضلي القلم أهو.
أخذت القلم من يده ووضعت الورقة على فخذها لكن لم تعرف أن تضع توقيعها. نظر لـ زاهر قائلة: مفيش كراسة أو دفتر أحط الورقة عليه عشان أعرف أمضي. تنهد زاهر بنرفزة حاول كبتها قائلاً: اتفضلي دفتر أهو حطيه تحت الورقة. وأمضي عشان نخلص لأني عندي ميعاد كمان نص ساعة. أخذت حسنى الدفتر ووضعته أسفل الورقة ووضعت توقيعها وهي تهمس لنفسها: معرفش إيه الراجل اللي خلقه ضيق ده. بياع إزاي؟ أكيد بينفخ على الزباين ويطفشهم. وأنا مالي.
أنهت حسنى توقيعها ومدت يديها بالدفتر والورقة والقلم قائلة: أها أنا مضيت تحت اسمي. تنهد زاهر وأخذهم من يدها ووضع توقيعه هو الآخر قائلاً: تمام كده. اتفضلي ده العربون اللي اتفقت مع الحاج إبراهيم عليه. وياريت تفضوا المخزن من الخردة اللي فيه عشان أبتدي أجدده قبل ما أخزن فيه البضاعة. أخذت
حسنى المبلغ المالي قائلة: تمام أنا هقول لأبويا وهو يجيب كم شيال يشيلوا الحاجات اللي في المخزن يطلعوها في الأوضة اللي جنب عشة فراخ أم سندس اللي ساكنة في الدور التاني. عنديها كم فرخة وكم بطة وديك وشوية رومي مربياهم في عشة على السطوح. بتقولي يلموا بقايا الأكل اللي بتفيض منينا وكمان بتسترزق من بيع البيض والفراخ والبط وكمان عنديها حمام. أبويا كان عاوز يطردها بس أنا جولت حرام بتصرف على ولادها تساند جوزها على المعيشة.
قاطعها زاهر ونهض واقفًا يقول: تمام حطي الخردة مكان ما انتِ عاوزة. أنا اللي يهمني المخزن يفضى. نهضت حسنى واقفة هي الأخرى قائلة: تمام. بس ليا سؤال. هو المبلغ اللي في الظرف ده هو هو المبلغ اللي اتفقت مع أبويا عليه ولا هو هيخنسر كيف عادته معايا. ويقولي مبلغ أقل من الإيجار الحقيقي.
نظر لها زاهر بغضب قائلاً: لأ ده نفس المبلغ اللي اتفقت مع الحاج إبراهيم عليه. وياريت تستغلي الوقت من دلوقتي وتبدأي في شيل الخردة من المخزن لأني محتاجه في أسرع وقت. وكمان أنا لازم أمشي عندي ميعاد مهم دلوقتي. تهكمت حسنى وهمست قائلة: صحيح الجواب بيبان من عنوانه. البياع أتم ومقابلته ناشفة يبقى صاحب البازار إيه؟ أكيد جلف زيه.
تنهد زاهر الذي لم يسمع همسها وأشار بيده لها نحو الباب قائلاً: هستنى تليفون من الحاج إبراهيم إن المخزن بقى فاضي. كبتت حسنى غيظها من جحافة زاهر وسارت نحو باب الغرفة لكن توقفت قبل أن تخرج منها ونظرت لـ زاهر قائلة: نصيحة مني ابقى اضحك في وش الزباين دول. سياح وضيوف عندنا. بلاش الخلقة الكشرة دي. بتقطع الرزق. قالت حسنى هذا وغادرت.
زفر زاهر نفسه بقوة يتنفس قائلاً: إيه الرغّاية دي. دي لو فضلت كمان دقيقتين كنت هشُل من رغيها. ودي زي مدفع واتفتح عليا. *** عصرًا. بذلك المحل الخاص ببيع الملابس خرجت كل من حفصة ومِسك. التي نظرت لـ حفصة مبتسمة تقول: كويس أهو خلاص كده خلصنا شراء الفساتين. الست جابت لينا فستانين زي ما طلبنا منها بالظبط. كانت فكرتي إننا ننزل نلف عالقحلات أولاً فكرة كويسة. أهو الفساتين حسب ذوقنا. ابتسمت
حفصة قائلة بالتأكيد: فعلاً كانت فكرتك. عجبال ما أتعب معاكِ كده عن قريب. أنتِ كيف أختي. ادعت مِسك الخجل قائلة: ربنا يتمم بخير. ويمكن يكون كتب كتابك انتِ وأمجد أخوي. فال خير وتهل الأفراح من بعديه. خلينا نشوف فين السواق راكن العربية. أها هناك أهي. خلينا نروح عنده. ونحط الفساتين في العربية. في محل عطور زميلة ليا في المدرسة جالت لي عليه. عندهم برفانات ومساحيق تجميل بماركات عالمية.
ابتسمت حفصة قائلة: مساحيق تجميل. ما انتِ عارفة جاويد أخوي مش بيحب المساحيق دي. بيقول لي بقرف منها. ردت مِسك: وانتِ هتحطي الحاجات دي قدام جاويد؟ انتِ هتحطيها لعريسك. وكمان خلاص دلوقتي كل البنات ماشية بالمكياج على وشها. وجاويد يمكن كان بيقول لك كده عشان كنتِ صغيرة. دلوقتي بقيتي عروسة. يلا بلاش تفكري كتير. دي صاحبتي جالت لي على ماركات أصلية عندهم. وانتِ عارفة إني بحب المكياج والبرفانات قوي.
وافقت حفصة مِسك وتوجه الاثنان إلى مكان ركن السيارة. لكن توقفت مِسك فجأة قبل أن تصعد للسيارة حين رأت سيارة جاويد تقف بمكان قريب منهن. لكن صعق قلبها حين رأت فتاة تدخل لسيارة جاويد. لم تر وجهها لكن شعرت بغصة قوية في قلبها. بينما نظرت لها حفصة من السيارة قائلة: مِسك واقفة كده ليه؟ اركبي خلينا نروح محل العطور. الوقت المغربية قربت وماما منبهة علينا منتأخرش. نظرت مِسك لـ حفصة قائلة: العربية اللي هناك دي مش عربية جاويد.
نظرت حفصة نحو إشارة يد مِسك قائلة: أيوا هي. تساءلت مِسك: وجاويد بيعمل إيه هنا؟ وكمان مين اللي راكبة جنبه العربية دي؟ نظرت حفصة بتمعن لسيارة جاويد قائلة بتبرير: معرفش. يمكن في له شغل هنا. واللي راكبة جنبه ممكن تكون واحدة بيتعامل معاها في الشغل. اركبي بقى خلينا نلحق نرجع للدار قبل الضلمة. وأنا هبقى أسأل جاويد بعدين.
تنهدت مِسك تشعر بوخزات قوية في قلبها يكاد يحترق. ثم صعدت للسيارة جوار حفصة. صمتت قليلاً إلى أن وضعت حفصة يديها تقرص خدود مِسك بمزح منها قائلة: يا عيني عالغيرة. لو جاويد شاف خدودك الحمرة اللي كيف قشرة الرمان دي هيقول لك بعد كده وإنتِ في الشارع تلبسي نقاب يداري خدود الرمان. نظرت مِسك لحفصة قائلة تهكم: بتهزري.
ردت حفصة قائلة: لأ مش بهزر. بس انتِ وشك قلب من وقت ما شوفنا جاويد ومعاه واحدة ست بالعربية حتى مشفناش وشها. والغيرة اشتغلت يا بنتِ. نصيحة مني الرجالة مش بتحب الست اللي غيرتها بتظهر على وشها. بيستغلوها نقطة ضعف. خليكِ زيي كده حتى لو غيرة على أمجد بداري غيرتك. خليكِ تقيلة. وأنا متأكدة إن جاويد مش من النوع اللي يركب واحدة ست معاه في العربية بدون ما يكون بينه وبينها مصلحة خاصة بشغله.
رسمت مِسك بسمة على شفاها لكن تشعر بلهيب حارق يغزوا قلبها وجسدها بأكمله. *** بينما بسيارة جاويد. زفرت سلوان نفسها وهي تنظر بضيق واستغراب إلى تلك البطاقة الائتمانية التي تضعها بداخل حقيبة يدها. لاحظ جاويد سأم وجه سلوان تسأل قائلاً: في إيه، واضح من ملامح وشك إنك مضايقة. تنهدت سلوان قائلاً: لأ مفيش. يمكن من الحر. الجو النهاردة حر شوية. رد جاويد: بالعكس دي أحسن فترة للجو في السنة هنا. الخريف في الأقصر.
ردت سلوان: يمكن. بس ده بالنسبة للي عايش هنا في الأقصر. أنا هنا سياحة ويعتبر الجو ده حر بالنسبة لي. عالعموم ممكن ترجعني للأوتيل. تعجب جاويد قائلاً: بس إحنا قريبين من معبد حتشبسوت. مش كنتِ عاوزة تدخلي تشوفيه. ردت سلوان: مش النهاردة. حاسة بشوية صداع. خلينا لبكرة الصبح. ولو مش فاضي أنا ممكن أجي لوحدي. معايا كتالوج خاص بيوضح الأماكن الأثرية هنا خدته من الفندق.
شعر جاويد بأن هناك شيئًا ضايق سلوان فجأة ليس صداع مثلما قالت له. لكن لم يُصر عليها وتوجه بالسيارة نحو الفندق. كان يتحدث مع سلوان وهي ترد باقتضاب عكس عادتها معه الأيام السابقة التي كان بمثابة مرشد سياحي خاص لها يستمتع برفقتها لأكثر وقت. كذلك سلوان كانت تشعر بازدياد الألفة تجاهه وأصبحت تأمن له كثيرًا. بعد قليل ترجلت سلوان من السيارة قائلة: شكرًا يا جلال.
ابتسم جاويد لها وكاد يقول لها أن اسمه جاويد وأن أخطأ حين أخبرها باسم آخر. لكن دخلت سلوان إلى الفندق دون انتظار. *** بعد قليل. بغرفة الفندق. نظرت سلوان إلى بطاقة الائتمان قائلة: البطاقة حطيتها في ماكينة السحب كذا مرة من كذا كابينة سحب ونفس الجملة بتظهر لي: لا يوجد رصيد. مش معقول يكون ده غلط من كابينة السحب. عالعموم في طريقة أتأكد منها. أكلم بابا. بس هيزعق لي زي كل مرة بكلمه. بس مفيش قدامي غير كده.
فتحت سلوان هاتفها وضغط على رقم والدها الذي رد عليها. تساءلت سلوان: بابا أنا بحط الكريديت في ماكينة السحب بيقول لي لا يوجد رصيد بالبطاقة. رد هاشم بتعسف: أنا ألغيت الفيزا دي وحولت الرصيد كله لحساب تاني. شعرت سلوان بالضيق قائلة: ليه يا بابا. من فضلك رجع الرصيد تاني للفيزا. رد هاشم بتعسف: لأ. وارجعي للقاهرة فورًا. وكمان "إيهاب" اتقدم وطلب إيدك مني وأنا وافقت. واعملي حسابك إن كتب الكتاب والجواز هيكونوا في أقرب وقت.
ردت سلوان بعصبية: بس أنا مش بطيق اللي اسمه إيهاب ده. شخص سمج ودمه تقيل على قلبي. ومستحيل أتجوزه. من فضلك يا بابا رجع رصيد الفيزا وأوعدك أرجع للقاهرة. بس مستحيل أوافق على الجواز من إيهاب. رد هاشم بتحدي وأمر: لأ هتوافقي على الجواز من إيهاب ومش هرجع رصيد الفيزا. انتهى خلاص ده آخر كلام عندي عشان أنا دلعتك كتير وعطيتك ثقة بس إنتِ مقدرتهاش.
قال هاشم هذا وأغلق الهاتف بوجه سلوان التي فرت الدمعة من عينيها لاول مرة والدها يحدثها بتلك القسوة. ألقت الهاتف على الفراش بعصبية كبيرة ووضعت كفيها حول وجهها تتنهد بغضب. لكن سرعان ما قررت موافقة والدها والعودة إلى القاهرة. لكن قبل العودة عليها زيارة قبر والدتها هنا. لكن هي لا تعرف كيف تصل إلى تلك البلدة. للحظة فكرت بسؤال عامل الاستقبال في الفندق ربما يدلها على تلك القرية.
لكن فجأة تذكرت قائلة: مفيش غير جلال هو اللي ممكن يعرف لي قرية الأشرف دي فين. وأهو بالمرة أشكره قبل ما أرجع للقاهرة تاني. جذبت هاتفها من على الفراش وقامت بطلب رقمه. بينما جاويد عاد إلى أحد المصانع الخاصة به. وقبل أن يجلس آتاه اتصال هاتفي قائلاً: أنا حولت لك على الإيميل ملف خاص عن البنت اللي قولت لي أسألك عليها. تنهد جاويد قائلاً: وأيه اللي في الملف ده؟ مينفعش تقول لي كده شفهوي؟ يعني مثلاً هي مرتبطة أو مخطوبة.
رد الآخر: لأ هي مش مرتبطة ولا مخطوبة. وفي في الملف تفاصيل دقيقة عنها. انشرح قلب جاويد قائلاً: تمام متشكر جدًا. جلس جاويد سريعًا وفتح حاسوبه وآتى بذلك الملف المحول له وبدأ بقراءته بتتمعن بكل حرف. لكن لفت نظره اسم والدة سلوان. همس الاسم: "مِسك مؤنس القدوسي". استغرب قائلاً بحيرة: مش معقول يكون فيه تشابه أسماء للدرجة دي.
بنفس اللحظة صدح رنين هاتفه. نظر للشاشة الهاتف ورأى اسم سلوان. سرعان ما رد عليها. سمع صوتها الذي شعر كأنه مخنوق قليلاً. لكن قبل أن يسألها تحدثت سلوان: جلال أنا متأسفة إني بتقل عليك. بس اعتبر ده آخر طلب مني ليك. بس مفيش قدامي غيرك ممكن يفيدني في الطلب ده. شعر جاويد بغصة قائلاً: وأيه هو الطلب ده؟ ردت سلوان: في قرية، أو نجع هنا اسمه "الأشرف". كنت عاوزة أعرف مكانها فين.
لم يستغرب جاويد وسألها بفضول قائلاً: والقرية أو النجع ده عاوزة تعرفي مكانها ليه؟ تنهدت سلوان قائلة: أمر شخصي. من فضلك لو مش هتعرف مكانها أنا ممكن... قاطع جاويد حديثها قائلاً: لأ ليا صديق من القرية دي. وسهل أسأله على مكانها فين. تنهدت سلوان براحة قائلة باختصار: تمام هنتظر منك اتصال تقول لي مكان البلد دي فين. سلام.
أغلق جاويد الهاتف ووضعه على المكتب. الآن تأكد مما هو مذكور بالملف. سلوان لديها نصف ينتمي لهنا بالأقصر. بنفس اللحظة شعر بحيرة. عقله بدأ يفهم معنى قول تلك العرافة التي قالت له قبل أيام: الدائرة تدور لتلتقي وتنسجم. نهاية الماضي مع بداية الحاضر والمستقبل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!