إنزوت مِسك بغرفتها منذ أن عادت إلى المنزل. جلست فوق الفراش تقضم أظافرها تشعر بثوران يسري بجسدها. ما زال منظر صعود امرأة إلى سيارة جاويد يطارد عقلها. بداخلها شعور سيئ للغاية، يحدثها عقلها بتساؤل: "مين اللي ركبت العربية جنب جاويد؟ من شكل حجابها وملابسها العصرية، إنها "بندرية"، ويمكن مش من هنا. أجاب قلبها بخداع لنفسها: "أكيد زي ما قالت حفصة، يمكن واحدة ليها شغل معاه. بس ليه ركبت معاه في العربية؟
ليه ما تقابلش معاها في مكتب؟ وكمان كأنه كان مستنيها... يمكن زبونة وجاب لها صدفه وعرض يوصلها ذوق منه، أو... تفسيرات عقلها يفسر الأمر وعكسه، وقلبها تائه بعشق تغلغل وامتزج بكل عصب بجسدها، أصبح هوسًا. تخشى من لحظة تستطيع أخرى أن تستحوذ على عقل جاويد، وتبدد حقها بالزواج منه. لديها شبه يقين أن جاويد يعلم بمكنون قلبها، وهو الآخر يبادلها نفس المشاعر لكن يحتفظ بها بخفاء في قلبه. بالتأكيد سيأتي يومًا ويبوح بذلك المكنون.
اهتدى عقلها وقلبها لسلام كاذب. جاويد من حقها فقط، هي الأجدر بنيل القرب منه. بنفس اللحظة دخلت إلى الغرفة صفية مبتسمة تسأل: "مِسك، مالك إكدِه من وقت ما رجعتي من عند حفصة دخلتي لأوضتك وما خرجتيش منها؟ حتى الأكل قولتي للخدامة مش جعانة... ونايمة إكده ليه؟ أوعي تكوني مرضانه ومخبيه علي." اعتدلت مِسك جالسة على الفراش تتنهد بضجر قائلة:
"لاه يا ماما، أنا زينة بس حاسة بشوية إرهاق إكده، يمكن من اللف في المحلات مع حفصة الفترة اللي فاتت." جلست صفية جوارها على الفراش ونظرت لها بتمعن قائلة:
"لاه من ده السبب، يمكن زعلانة عشان حفصة أصغر منكِ، وأهو خلاص هينكتب كتابها. بس متجلجيش، الولية الغجرية اللي سوت العمل آخر مرة قالت لي إن العمل ده مفعوله قوي قوي، وأن فيه بشرى جايه عن قريب. بس هيكون فيه مرتبط بجواز، فـ أنا قولت نقرب البعيد ونقدم كتب كتاب أمجد وحفصة، أهو برضه كتب الكتاب نص جواز...
تعرفي أنا قولت للغجرية لو صدق حديثها هيكون ليها مكافأة كبيرة مني، حتى لو طلبت مني مليون جنيه. طمعتها عشان تعمل العمل بضمير، ويجيب مفعوله بسرعة." تنهدت مِسك قائلة: "يارب يجيب مفعول وما يبقاش زي اللي جبليِه، أنا عندي شك من الأول في الولية الغجرية دي، مفيش عمل من الأعمال اللي سوتها قبل كده جاب نتيجة." تنهدت صفية قائلة:
"لاه الغجرية مش خرفانة، يُسرية هي اللي حويطة حبتين وعارفة تحوط على ولادها. مشفتيش الحجاب اللي بصدر جاويد دائمًا لابسه؟ يمكن حتى وهو نايم. أكيد فيه تعويذة خاصة. لما جولت للعرافة عليه، قالت لي لو قدرت أجيبه لها وجتها هيبقي سهل تعمل العمل عليه تتحكم في قلبه. بس كيف ما جولت لك، مش بيقلعه من رجابته." تنهدت مِسك بهدوء قائلة: "لاه أكيد بيقلعه، شوفته مرة كان قالعه وسيبه على الكومودينو اللي جنب سريره."
نظرت لها صفية بخيبة قائلة: "خايبة! طب كنتِ هاتيه." ردت مِسك بتفسير: "كنت هجيبه وخلاص. إيدي كانت عليه بس حفصة دخلت الأوضة وأنا كذبت عليها وجتها إني دخلت للأوضة أجيب لـ مرات خالي الخلاجات اللي مش نضيفة." تنهدت صفية بسؤال: "وحفصة صدقتك بسهولة إكده؟ ردت مِسك: "إنت عارف حفصة بتصدق حديثي دايمًا. ده حتى ممكن أقول لها تجيب الحجاب ده بأي حجة." تسرعت صفية بالنهي قائلة: "لاه أوعكِ!
حفصة لسانها زالف، ممكن يزلف قدام يُسرية وتاخد حذرها. وأهو إحنا مستنيين نتيجة العمل اللي دسيته في قلب المرتبة تحت راس جاويد كيف ما الغجرية جالت لي. بس هي كانت جالت لي بلاش أستعجل، النتيجة هتاخد وقت." تنهدت مِسك بنرفزة قائلة: "هتاخد وقت قد إيه؟
أنا بجيت بخاف يا ماما إن في لحظة واحدة تضحك على عقل جاويد وتلهفه مني. بالك بعد العصر لما كنت مع حفصة بنجيب الفساتين، شفت واحدة ركبت العربية جار جاويد بس مشفتش وشها، كانت بظهرها ليا. ولما سألت حفصة عنها، جالت لي يمكن زبونة عندي." للحظة انخضت صفية متسائلة: "غريبة فعلًا، بس إنتِ ما خدتيش بالك من وشها؟ يمكن زبونة أجنبية؟ ردت مِسك:
"لاه مش أجنبية، فيه زبونة أجنبية هتبقي لابسة حجاب على راسها. وكمان من نوعية لبسها دي، بندرية بتلبس زيي أنا وحفصة إكده. حتى الطقم اللي كانت لابساه أنا كنت اخترت زيه لـ حفصة وبعد ما كان عجبها، جالت لي لاه لونه مش داخل مزاجها. أنا خايفة يا ماما الولية الغجرية دي يطلع كل كلامها وأعمالها فشنك، وفي الآخر جاويد... قطعت مِسك حديثها، لم تستطع حتى تكملة الجملة خشية أن يحدث حقًا تكهنها. كذلك صفية التي قالت بلهفة وتسرع:
"لاه أنا من بكرة هروح للولية الغجرية دي وأقول لها عالحديث ده. لو هي واحدة بتنصب خايبة علي، تشوف طريق تبعدها عني." *** منزل صلاح. بغرفة النوم. رفع صلاح الوسادة ثم اتكأ بظهره عليها، ينظر لانعكاس يُسريه وهي جالسة أمام المرآة تمشط شعرها الأسود. ابتسم قائلاً: "شعرك لسه غجري أسود كيف الليل." وضعت المشط بين خصلات شعرها تفرده قائلة: "لاه الليل بدأ يغزيه النور، فيه خصلات شابت منه أهي."
نظر صلاح لتلك الشعيرات التي فردتها أمامه، رأى بها لون المشيب، لكن قليلة تلك الشعيرات حتى أنها لا تلاحظ إلا بالتمعن. ابتسم قائلاً: "أنا فاكر أمي الله يرحمها لما شعرها بدأ يبشيب، كانت بتجيب الحنة من عند العطار وتحني شعرها." ابتسمت يُسريه قائلة: "أنا كمان فاكرة كذا مرة كنت أنا اللي بحط لها الحنة على راسها. ولما سألتها في مرة، قالت لي: الشعر الشايب بيضعف النظر (البصر) . بصراحة، وجتها عقلي اتحير، إيه علاقة الشعر بالنظر؟
حتى سألت أمي، وجتها هي كمان كان شعرها بقى شايب وابيض منه جزء كبير. جالت لي إن كان الناس الكبار بيحنوا شعرهم الأبيض عشان خايفين يأثر على عينيهم. بس دي خرافة أو بدعة. إن الشعر الأبيض لما الهوا يطيره على عينيكِ بيبقي شفاف فمش بتشوفيه وبيطرف عينيكِ، عكس الشعر الأسود أو الأصفر. بعد الحنة اللون بيخليكِ تاخدي بالك منه وبتبعديه عن عينيكِ قبل ما يطرفها." تنهد صلاح بحزن:
"أمي كانت موسوسة زيادة عن اللازم، ومحدش اتحمل طباعها ومشي على هواه غيرك. كانت تجولي: بالك يُسرية عندي أعز من صفية بت بطني. بتهاودني دائمًا. بدعي لها وأنا ساجدة ربنا يراضيها ويرضى عنها ويرزقها بِر أولادها." نهضت يُسرية وذهبت إلى الفراش وتمددت جوار صلاح قائلة: "لما
اتجوزتك أمي جالت لي: خالتك عاشت عمرها مغلوبة على أمرها، بس هي مش إكده، هي مشيت بكلمة 'حاضر'. مش بتعارض بشيء. خليكِ في ضلها، كل اللي تجولك عليه جولي لها طيب وحاضر. بالك كلمة حاضر بتعيش صاحبها في راحة. الأجل مش بيفوت اللي يضايجه. الكلمة الطيبة في وقت الشر بتهدي الأعصاب. جوز خالتك صحيح طبعهُ جاسي، بس خالتك بتسمع حديثه مش عشان معندهاش شخصية، لاه عشان راضية بقدرها." شعر صلاح بغصة قائلاً:
"وإنتِ عمرك ما في يوم وقفتي جدام أبوي واتحملتي طباعه الجاسية؟
كنتِ راضية. أنا كنت بعشقك يا يُسرية من قبل ما نتجوز. كنت عارف إن صالح بيضايجك أوقات كتيرة وكنت أتصدي له. ويمكن قبلتي بالجواز مني عشان كده تتجنبي غلاسة صالح. لما تبقي مرة أخوه هيبعد عن طريقك. بس الطبع غلاب وصالح فضل يضايجك لفترة من غير ما يراعي إنك مرة أخوه، وهو اللي المفروض يكون حامي لشرفك. إنتِ خابرة إني بعد أبوي ما مات، أنا اللي طلبت من صالح يبيع لي نصيبه في الدار، واشتريته منه بضعف ثمنه عشان يبعد شره عنينا إحنا وولادنا."
تنهدت يُسرية قائلة:
"صالح طول عمره منزوع منه الأخلاق والشرف، بس متزعلشي مني يا صلاح. السبب في ده ضعف شخصية خالتي الله يرحمها. الأم لازم تكون قوية في تربية ولادها وتوجههم للصواب. صالح ورث طباع كتير من جوز خالتي. يمكن جوز خالتي ما كانتش عينيه فارغة عالحريم كيف صالح، بس الاتنين اتشاركوا في طبع جسوة وجبروت القلب. إنت خابر إنه قتل مرته أم زاهر، وكلنا دارينا على جريمته وشاركناه في الوز ده. كان بيصعب عليا زاهر جوي، وخوفت إنه يورث طباعه، وكنت
بحاول أبعده عن ولادي. بس في الحقيقة زاهر انظلم كتير. كان أوقات كتير بيصعب علي، وأخده في حضني أحاول أغفر عن الوز اللي ساعدت فيه لما سكتت عن جريمة صالح اللي كان يستحق عليها الإعدام. صالح، الطمع والفجور اتوغلوا وامتزجوا جواه، هما عصبه اللي بيزيده في طغيانه. حتى رغم إنه عمره كبر والمفروض يتوب عن الطباع المنحطة دي، بجد. بس هو ماشي في طريق مزينة له شيطانه. كل يوم برجع وش الفجر بيتمطوح من الهباب والحرام اللي بشربه...
أنا كل يوم بحمد ربنا إنه خرج من الدار هنا وبعد عنا بلعنته." تنهد صلاح بآسى معترفًا:
"أبوي فعلًا هو اللي ساهم في زيادة شر صالح. كان بيتغاضى عن أخطاؤه وبيطمسها. وده اللي حاولت أتجنبه مع ولادنا، رغم إنك إنتِ اللي كنتِ مسؤولة عن تربيتهم معظم الوقت. وهما كمان الحمد لله، الاتنين كان براسهم هدف يوصلوا ليه. فاكرة جواد لما جاله جواب التنسيق بتاع جامعة الطب في القاهرة، وجتها كنت معارض. جولت هيتلم على أخوه جاويد اللي بيدرس في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وهيبقوا بعيد عن عيني الاتنين. ومصر بحورها غويطة،
والتنين مطمع. بس الاتنين ما كانش في دماغهم غير دراستهم وبس. وجاويد كمان كان عنده هدف يوصله، يحول شهرتنا في صناعة الفخار لمصنع كبير. وبدأ فعلًا، أخد قرض من البنك بضمان حتة الأرض بتاعتك اللي ورثتيها عن جوز خالتي، وبدأ بأول مصنع قبل ما يخلص دراسته. كان المصنع صيته كبير واتعامل مع بازارات مشهورة هنا وفي أسوان كمان، وبدأ ينشأ مصنع ورا الثاني بمجهوده. بس فيه حاجة ملاحظها الفترة الأخيرة على جاويد."
شعرت يُسرية بفخر، تذكرت حين طلب منها جاويد أن تعطيه أوراق ملكيتها لقطعة أرض صغيرة كانت تمتلكها. سألته لما عليه أخذ قرض من البنك بضمان أرضها هي، ومن السهل أن يأخذ من إرث أبيه. قال لها: "أنا عندي شك إن أساس الإرث ده حرام، وأنا مش عاوز أبدأ مستقبلي بمال مشكوك في مصدره." وقتها طاوعته مرحبة بطموحه. تساءلت يُسرية: "وأيه اللي ملاحظاه على جاويد في الفترة الأخيرة؟ تنهد صلاح ببسمة:
"بجاله كم يوم كده بيسيب شغله من بعد العصر، معرفش بيروح فين. حتى سألته، جالي أشغال بخلصها." ردت يُسرية ببساطة: "طب ما هو جالك أشغال أهو." ابتسم صلاح قائلاً: "أشغال إيه دي اللي هيدريها عني؟ كمان كذا مرة موبايله رن قدامي، وكان بيستأذن مني ويبعد عني يرد عليه. ولما يرجع، يحول لي: نتحدث بعدين، لازم أخرج دلوقتي... مش خابر ليه حاسس إن فيه حاجة هو مداريها وهيفاجئنا بيها عن قريب." تساءلت يُسرية:
"وإنت عندك شك بالحاجة اللي هتظن أنه هيفاجئنا بيها؟ رد صلاح: "جاويد هيتجوز." استغربت يُسرية من ظن صلاح قائلة: "ودّي فيها إيه يفاجئنا؟ هو شاب ولازم هيتجوز." رد صلاح يشعر بتوجس قائلاً: "مش مفاجأة إن جاويد يتجوز. المفاجأة مين اللي هيتجوزها جاويد. عندي يقين إنها مش هتكون 'مِسك'." ازدرت يُسرية ريقها تشعر بتوجس هي الأخرى قائلة: "كل شيء نصيب. أنا عرضت عليه مِسك أكتر من مرة، وهو كان بيجول لاه، هي كيف حفصة زي أخته."
شعر صلاح بتوجس قائلاً: "ما أنا عارف رد جاويد على مِسك. أنا بنفسي لمحته كذا مرة وكان بيتهرب مني. بس صفية أختي، عندي أمل كبير، ولمحت كذا مرة إن مِسك بيجيها عرسان وهي بترفضهم." ردت يُسرية بحسم:
"أنا كمان حاسة بكده، وعشان كده كنت عاوزة آجل كتب كتاب حفصة شوية. صفية من البداية في دماغها 'البدل'. حفصة لأمجد، ومِسك لجاويد. بس هي بدأت باللي تعرف تسيطر عليه، أمجد وحفصة. عشان إحنا ناخد الخطوة الثانية ونطلب مِسك لـ جاويد. بس النصيب هو اللي هيحكم في النهاية، مش بيدنا شيء." *** بعد منتصف الليل. بالمشفى. خلعت إيلاف معطفها الأبيض وعلقته، وهي تنظر إلى تلك الممرضة قائلة:
"دي أول نوبتجية سهر ليا في المستشفى. حاسة بإرهاق كبير يا وفاء." ردت وفاء: "فعلًا الليلة كان الشغل الليلي بالمستشفى كتير، بالذات حالات التسمم اللي جتنا المسا. عيلة بأكملها اتسممت بسبب الأكل الفاسد. بس الحمد لله إنتِ والدكتور جواد قومتوا بالعلاج بسرعة وكلهم بقوا بخير. عالصبح هيخرجوا من المستشفى." ردت إيلاف بتساؤل: "مش غريبة شوية إن عيلة كلها تتسمم؟ ردت وفاء:
"لاه مش غريبة. الست قالت لي إن الأكل كان بايت وهي نسيت تغليه، ولما جه المسا كان فسد. ويمكن كانت سايباه مكشوف وحاجة بخت فيه. ربنا قدر ولطف بيهم." علقت إيلاف معطفها الأبيض على علاقة خشبية خلف باب الغرفة قائلة: "فعلًا ربنا لطف بيهم، بس هلكنا معاهم. دلوقتي مش عارفة بقى بصفتك من هنا، هلاقّي مواصلة توصلني لـ بيت المغتربات اللي ساكنة فيه." ردت وفاء:
"لاه اطمني يا دكتورة، هتلاقي مواصلة. الأقصر زي القاهرة مش بتنام. هنا السياح بيسهروا للصبح. بس الأجرة بقى في الوقت ده سياحية." قطبت إيلاف حاجبيها باستفسار قائلة: "قصدك إيه بالأجرة سياحية؟ ردت وفاء ببسمة: "قصدي أجرة هتبقي مضاعفة في عشرة، زي السياح. يعني ممكن سواق التاكسي يقول لك: هاتِ ميت جنيه." استغربت إيلاف قائلة: "كم! أنا كده مرتبّي مش هيتحمل نوبتجيتين سهر بعد كده. أمال إنتِ بتروحي إزاي؟ ضحكت وفاء قائلة:
"لاه أنا ساكنة هنا في عمارة قريبة من المستشفى، باخدها مشي." ابتسمت إيلاف مازحة: "يبقى أنا كمان بقى آخدها مشي لحد بيت المغتربات، المسافة مش بعيدة، ساعة بس مشي." ضحكت وفاء قائلة: "أنا كنت زيكِ كده لما كنت عايشة في دار حماتي. كان مرتبّي كله ضايع على أجرة مواصلات أيام النوبتجيات." ابتسمت إيلاف متسائلة: "آه يعني إنتِ بدلتي السكن عشان أجرة المواصلات." ردت وفاء: "لاه والله، السبب حماتي ربنا يصبحها بنيتها بقى."
استغربت إيلاف قائلة: "قصدك إيه بحماتك السبب؟ ردت وفاء:
"حماتي ربنا يسامحها، ست شديدة قوي. ما كنتش مرتاحة معاها في دار العيلة واتوقفت أنا وجوزي عالطلاق أكتر من مرة. بس أنا معايا ولد وبنت. آخر مرة طردتني من دارها، حلفت إني مش راجعة دارها تاني. بس جوزي صعب عليه العيال يتشردوا لو سمع حديث أمّه وطلقني كيف ما كانت رايدة. وبعت يصلحني. بس أنا اتشترطت عليه لو عاوزني أنا والعيال، يبقى نبعد عنها. إن شاء الله نسكن في عشّة فراخ. وسكنا هنا في عمارة قريبة من المستشفى. هو كمان موظف في شركة الكهربا، ومرتبّه على مرتبّي معيشنا كويس وارتحنا. حتى العيال نفسيتهم ارتاحت. واللي كنت بصرفه على المواصلات، بدفع بيه جزء من إيجار الشقة، وباخد نوبتجيات بالليل كتير عشان بيبقى فيها حوافز أكتر من نوبتجيات النهار."
ابتسمت إيلاف قائلة: "ربنا يرزقك، ويهدي حماتك." ردت وفاء: "آمين، ويسترك يا دكتورة، شكلك بنت حلال." شعرت إيلاف بغصة لكن رسمت بسمة قائلة: "بس أنا دلوقتي لازم أشوف تاكسي يوصلني، وأنا أمري لله في المرتب اللي هيطير من قبل ما أقبض أول قبض." *** بينما في غرفة جاويد. وضع يديه حول عنقه يقوم ببعض الإيماءات كي يفك ذلك التيبس الذي يشعر به، وتثاءب بإرهاق وهو يخلع معطفه الأبيض. ثم علقه قائلاً:
"خلاص مبقيتش قادر أفتح عينيا أكتر من كده. وبكرة عندي عملية المسا، ولازم أبقى فايق. أروح الدار أمدد جسمي." علق جاويد معطفه، ثم مد يده على المكتب وأخذ هاتفه ومفاتيح سيارته وخرج من الغرفة. أثناء سيره في الممر الخارجي للمشفى، تقابل مع إيلاف وتلك الممرضة. ابتسم لهن ونظر لـ إيلاف متسائلاً: "إنتِ لسه في المستشفى يا دكتورة؟ مع إن ورديتك المفروض خلصت من ساعة ونص." ردت إيلاف:
"فعلًا ورديتي خلصت، بس واجبي الطبي هو اللي فرض نفسه عليا." ابتسم جاواد لها. لاحظت الممرضة بسمة جاواد فقالت بخباثة: "فعلًا الدكتورة تعبت جوي الليلة في النوبتجية، ودلوقتي، هتتعب على ما تلاقي مواصلة توصلها لمكان سكنها. إنت مش معاك عربية يا دكتور؟ ما توصلها في سكتك وينوبك ثواب." نظرت إيلاف لـ وفاء بذم وكادت ترفض. لكن سبق حديثها جاواد قائلاً: "أيوا معايا عربية، ومكان سكن الدكتورة في سكتي وأنا راجع للبيت، ويشرفني أوصلها."
تلعثمت إيلاف قائلة: "لاء، أنا هاخد تاكسي يوصلني." ردت وفاء: "وتاخدي تاكسي ليه والدكتور قال إن سكنك على طريقه؟ وفري أجرة التاكسي لمرة تانية." كادت إيلاف أن ترفض، لكن تحدثت وفاء: "أنا كمان هركب مع الدكتور. أنا مش كمان حاسة بإرهاق شديد، مش هقدر أمشي المسافة من المستشفى للعماره اللي ساكنه فيها." على مضض وافقت إيلاف وذهبت مع وفاء إلى مكان ركن سيارة جاواد. كادت إيلاف أن تصعد للمقعد الخلفي للسيارة، لكن سبقتها وفاء قائلة:
"لاه خليني أنا أركب في الكرسي اللي ورا عشان معايا شوية مستلزمات للبيت كنت شرياها... هحطها عالكرسي جنبي." بخجل صعدت إيلاف إلى المقعد المجاور لـ جاواد، الذي قاد السيارة. ظل الصمت قليلاً، إلى أن تجاذبت وفاء الحديث مع إيلاف عن بعض أمور المشفى. كان جاواد صامتاً يستمع لهن فقط، إلى أن طلبت منه وفاء التوقف أمام العمارة التي تقطن بها. ترجلت من السيارة مبتسمة وشكرت جاواد قائلة: "شكرًا يا دكتور، تصبحوا على خير."
أومأ لها جاواد برأسه صامتاً، بينما ردت إيلاف عليها: "وإنت من أهل الخير." عاود جاواد قيادة السيارة. ظل الصمت لدقائق، إلى أن فجأة شعرت إيلاف برجّة قوية وكادت تصدم رأسها بتابلوه السيارة. نظرت لـ جاواد. قبل أن تتحدث، اعتذر جاواد قائلاً: "آسف، ده مطب عالطريق معرفشي ليه دايمًا بنسى مكانه." ردت إيلاف وهي تلتقط نفسها قائلة: "فيه حاجة اسمها بتنسى؟ لازم تنتبه للطريق كويس." رد جاواد: "فعلًا، عالعموم متأسف." ردت إيلاف بحياء:
"لاه محصلش حاجة، بس إبقى انتبه بعد كده إن فيه مطب عالطريق، ولازم تهدي سرعة العربية وإنت معدي من عليه." ابتسم جاواد يومئ برأسه لها بموافقة. ظل بينهم حديث مقتضب من ناحية إيلاف، بينما جاواد استمتع بالحديث معها، إلى أن توقف بالسيارة إلى أمام دار المغتربات. وضعت إيلاف يدها فوق مقبض باب السيارة ونظرت لـ جاواد قائلة: "متشكرة يا دكتور، تصبح على خير." رد جاواد: "العفو يا دكتورة، وإنتِ من أهل الخير."
ترجلت إيلاف من السيارة، وتوجهت إلى باب الدار، وقامت بقرع جرس الباب ووقفت قليلاً إلى أن فتحت لها إحدى النساء العاملات بالبيت. لكن لفت بصرها على وقوف سيارة فخمة أمام البيت. لم تسير إلا بعد دخول إيلاف إلى داخل الدار. هزت رأسها لـ جاواد الذي لم يأخذ باله. لاحظت ذلك أيضاً مديرة الدار. كذلك رأت سيارة أخرى سارت خلف سيارة جاواد. *** اليوم التالي. صباحًا.
فتحت سلوان عينيها تشعر بأرق بسبب نومها المتقطع بليلة أمس، بسبب هاتف والداها وإخباره لها عن موافقته على طلب إيهاب الزواج منها. هذا مستحيل، لن يتم. تمطت قائلة: "متأكدة إن بابا عمره ما هيجبرني على شيء أنا رافضاه. هو بس متعصب مني، بس لما هرجع للقاهرة هعرف أتفاهم معاه. بس دلوقتي لازم أزور قبر ماما قبل ما أرجع للقاهرة تاني. أما أتصل على جلال أسأله عرف مكان البلد دي من صاحبه؟
فتحت هاتفها، لكن نظرت إلى ساعة الهاتف، الوقت لا يزال باكرًا. للحظة ترددت في الاتصال على جلال، قائلة: "الوقت لسه بدري أوي، ويمكن زمانه نايم." زفرت نفسها بأرق، لكن قالت: "هو سبق قال لي إنه بيصحي بدري، يمكن يكون صاحي. وبصراحة أنا مبقاش عندي صبر. وبابا لو طولت عليه أكتر من كده ممكن الحية دول تملأ دماغه من ناحيتي وتخليه يجبرني أقبل طلب أخوها لإيدي." بلحظة قررت سلوان مهاتفة جلال. وقفت تسمع رنين الهاتف.
على الجهة الأخرى، كان جاويد مازال نائماً واستيقظ على رنين هاتفه. رفع رأسه من فوق الوسادة ونظر ناحية الهاتف، وتثاءب وهو يجذب الهاتف. فتح عينيه ينظر لشاشته، ابتسم كما توقع من التي تتصل عليه بهذا الوقت الباكر. المده القصيرة التي عرف بها سلوان، عرف أن بها صفة التسرع. فتح الهاتف وقبل أن يرد، سمع قول سلوان المتلهف: "صباح الخير." ابتسم جاويد بخباثة وقام بالرد عن قصد منه: "صباح النور يا حبيبتي."
استغربت سلوان رد جلال، وبعدت الهاتف عن أذنها ونظرت لشاشته تتأكد من هاتفها. تأكدت أنها هاتفت جلال، وضعت الهاتف مرة أخرى على أذنها، قائلة بنبرة ارتباك: "جلال، أنا آسفة إن كنت أزعجتك وصحيتك من النوم بدري." ابتسم جاويد قائلاً بتلاعب: "لاه، مفيش إزعاج. أنا كنت صاحي. آسف، كنت برد على أختي." تلعثمت سلوان قائلة: "لاه، مفيش مشكلة. المهم إنت كنت قولت لي ليك صديق من البلد اللي اسمها الأشرف دي، وصف لك مكانها فين بالظبط؟ رد جلال:
"أيوا، أنا حتى روحتها قبل كده." انشرح قلب سلوان قائلة بحياء وترقب: "طب كويس، ممكن توصف لي مكانها فين؟ ابتسم جاويد بمكر قائلاً: "لو وصفت لك مكانها مش هتعرفي توصلي ليها. أنا عندي شوية مشاغل ممكن أخلصها عالظهر ونتقابل أوصلك للبلد دي، بدل ما تتوهي." ردت سلوان بتسرع: "لاه بعد الظهر مش هينفع. قول لي إنت مكانها وأنا آخد تاكسي يوصلني." رد جلال: "ممكن سواق التاكسي ما يعرفش البلد دي. أنا ممكن أوصلك." شعرت سلوان بانشراح قائلة:
"طب وشغلك؟ هتتأخر عليه." رد جلال: "لاه قدامي وقت نص ساعة وهكون قدام الأوتيل، بس إنتِ بلاش تتأخري." ابتسمت سلوان قائلة: "لاه، هتوصل تلاقيني بنظرك قدام باب الأوتيل. سلام عشان معطلكش." أغلقت سلوان الهاتف تشعر بغصة لا تعلم سببها، أو تعلم السبب لكن لا تريد التفكير. كيف سيكون استقبال جدها لها؟ لم تفكر كثيرًا بهذا. بعد قليل ستعرف ذلك...
لكن عاد رنين صوت جلال حين قال "صباح الخير يا حبيبتي". أشعلت الجملة وهج خاص بقلبها. للحظة تمنت أن يقول تلك الجملة لها هي. وضعت يدها على قلبها تشعر بزيادة خفقان، بررته أنه مجرد أمنية لا أكثر. بينما جاويد أغلق الهاتف ونهض من على الفراش يشعر بشعور خاص ومميز. تمنى فعلًا لو يرى سلوان جواره حين يفتح عينيه صباحًا. وضع الهاتف على طاولة جوار الفراش، وبرأسه اتخذ القرار الذي أصبح يريده قلبه. لا خرافات تلك العرافة. *** بعد قليل.
بسيارة جاويد. أخفى جاويد معرفته بأمر سلوان. نظر لها يتساءل: "إنتِ تعرفي حد من البلد اللي دي؟ قرايب ليكِ راحة تزوريهم." ارتبكت سلوان قائلة بنفي: "لاه... دول قرايب صديقة ليا طلبت مني أزورهم." بعد قليل. أمام تقاطع طريق ترابي، توقف جاويد بسيارته. لكن بنفس اللحظة صدح رنين هاتفه. رد عليه بتمثيل قائلاً: "تمام، نص ساعة وأكون عندك." أغلق جاويد الهاتف ونظر لـ سلوان. قبل أن يتحدث، تحدثت سلوان:
"آسفة إني عطلتك، بس ممكن بس توصلني لأول البلد دي، وأنا هسأل بعد كده على الناس اللي عاوزاهم في قلب البلد، وروح إنت لشغلك." رد جاويد بمراوغة: "لاه مش لازم الشغل، لو ما روحتش مش هيجري حاجة. ممكن تتوهي في البلد دي ومين هيوصلك وإنتِ راجعة." ردت سلوان: "لاه متخافش، مش هتوه. البلد شكلها صغيرة، ووأنا راجعة ممكن أطلب من أي حد من اللي رايحة أزورهم يوصلني للأوتيل."
حاول جاويد المراوغة، لكن أصرت سلوان على أن يعود لعمله ويتركها هي ستدبر أمرها. امتثل جاويد لطلبها بتمثيل مُرغماً قائلاً: "تمام، إحنا وصلنا لأول طريق البلد دي. هخلص شغلي بسرعة وأتصل عليكِ لو ما كنتيش رجعتي للأوتيل، هاجي لك هنا أوصلك للأوتيل." ردت سلوان: "تمام، بشكرك." ابتسم جاويد قائلاً: "على إيه؟ كفاية إني مش هوصلك لقرايب صديقتك." ردت سلوان: "لاه كفاية، وصلتني لحد هنا. يلا بلاش تعطل نفسك أكتر."
ابتسم جاويد لها. ترجلت سلوان من السيارة. وقفت إلى أن غادر جاويد. توجهت إلى الطريق الذي أشار لها عليه جاويد بأن آخر هذا الطريق الترابي بداية البلدة. وقفت قليلاً سلوان تنظر أمامها للحظة، تراجعت وكادت تعود. لكن سمعت امرأة تصعد بعض السلالم الجيرية التي تنحدر إلى ذلك المجرى المائي المجاور للطريق، تقول لها: "خدي بيدي يا بتي."
وقفت سلوان للحظات تنظر لها برهبة وتردد، لكن عاودت المرأة نفس القول برجاء أكثر، مما جعل سلوان تقترب منها وأمسكت إحدى يديها، تساعدها على صعود بقية السلالم. إلى أن وصلت لنهاية السلم. وقفت المرأة تلتقط نفسها، قائلة بلهجة صعيدية، لكن فهمت سلوان من قولها:
"قدركِ على بُعد خطوة واحدة رجلكِ تخطيها. بعدها كل خطوة هتمشيها عالأرض هنا بتقرب بينك وبين ولد الأشرف. المستقبل مش هعيد الماضي، الحاضر العشق زاد وزواد القلوب. القدر بيشد صاحبه على أول طريق النصيب."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!