بمشفا حكومي بالأقصر. أثناء دخولها، ذهبت إلى مكان الاستقبال بالمشفى للاستفسار. لكن قبل أن تستفسر على ما تريد، دخل رجل يستنجد وهو يسند رجلاً آخر ينزف من ذراعه بغزارة. رغم وجود وشاح رجالي (شال) أبيض أحمر لونه من غزارة الدماء حول يده، لكن ما زال الدم ينزف. بحكم مهنتها، توجهت إلى ذلك الرجل وفكت ذلك الوشاح ونظرت ليد الجريح. شعرت بألم كأن هذا الجرح بجسدها.
قالت: "الجرح اللي معصم إيد الحاج كبير ولازم يتخيط مش أقل من خمسة عشر غرزة." رد الموظف الذي يقف في الاستقبال قائلاً: "بس الدكتور جواد مش في المستشفى، قدامه نص ساعة ويوصل، هو مواعيده مظبوطة ومفيش ولا دكتور هنا. إديني يا عم أي مستشفى خاصة أو مستوصف، أو حتى عيادة دكتور." لم تستغرب إيلاف رد موظف الاستقبال، لكن تنهدت بيأس قائلة: "والراجل المصاب ده هيستنى على ما الدكتور يوصل؟
أنا دكتورة منتدبة لتأدية التكليف هنا، وأقدر أخيط للحاج إيده، بس قول لي مكان أوضة الإسعافات الأولية اللي هنا في المستشفى." شعر موظف الاستقبال بالحرج قائلاً: "آسف يا دكتورة، اتفضلي معايا." لفت إيلاف يد الجريح بالوشاح مرة أخرى قائلة: "تمام اتفضل يا عم الحاج، متخافش. أنا صحيح لسه متخرجة من كلية الطب بس والله عندي خبرة أعرف أخيط جروح." رغم شعور الألم لديه، لكن تبسم لها قائلاً: "الخبرة مش بالسن يا بتي، ربنا يزيدك علم."
ابتسمت له. دخلت إلى غرفة الإسعاف بالمشفى، لكن قال موظف الاستقبال: "من فضلك يا دكتورة اكتبي للأخ المرافق للجريح على المستلزمات اللي هتحتاجيها عشان يروح صيدلية المستشفى يجيبها." ابتسمت إيلاف بتفاجؤ قائلة: "غريبة، أنا قولت هتقوله يشتري المستلزمات من أي صيدلية بره المستشفى. والله كويس إن المستشفى فيها صيدلية فيها علاج."
رد الموظف: "لأ، إحنا عندنا هنا في المستشفى صيدلية فيها أدوية. البركة في الدكتور جواد، هو المسؤول المباشر عن الصيدلية وموفر العلاج، بس إحنا عندنا نقص في الدكاترة، كلهم ما يصدقوا يشتغلوا في مستشفيات الحكومة اللي في الأرياف عشان يدخلوا ويطلعوا براحتهم من غير ضبط ولا ربط عشان مواعيد عياداتهم الخاصة. حتى المستشفى دي رغم إنها في البندر بس بالنهاية برضك مستشفى حكومي يا دكتورة وأنتِ عارفة بقى الرزق يحب الخفية."
تنهدت إيلاف صامتة، بينما قال الجريح: "الرزق على حساب الغلابة، هي دي رسالة الطب دلوقتي. بس واضح إن الدكتورة في قلبها رحمة." ابتسمت له قائلة: "أنا من الناس الغلابة يا عم الحاج. على العموم أنا كتبت المستلزمات أهي، خدها وروح هاتـها بسرعة لأن الحاج نزف دم كتير وده مش كويس على صحته." بعد قليل. نزعت إيلاف ذلك الوشاح من على يد الجريح ونظرت ليده باستغراب قائلة: "إنت إيدك كانت محروقة قبل كده."
رد الجريح: "أيوه، كنت بشتغل في مصنع لحرق الطوب وإيدي اتحرقت وأنا بدخل الطوب في الفرن عشان يتحرق. نصيب عمك بليغ دايمًا كده منصاب." ابتسمت له قائلة: "وأيه سبب الإصابة الكبيرة دي بقى يا عم بليغ." ابتسم بغصة قائلاً: "أنا رئيس عمال في مصنع الأشرف بتاع الخزف ومخدتش بالي وأنا بمر على العمال، وجعت فازة كبيرة من واحد من العمال واتكسرت وأنا اتحزلجت على إيدي... الحمد لله ربنا لطف وإنصابت إصابة خفيفة بمعصم إيدي." ابتسمت
له إيلاف باستغراب قائلة: "إيدك على الأقل هتاخد خمسة عشر غرزة وبتقول إصابة خفيفة." تنهد بليغ قائلاً: "يا بتي جرح البدن سهل يداوى، لكن جرح كسرة النفس مالوش دوا." أومأت له رأسها بتوافق، فهي أكثر من تعرف وجع جرح كسرة النفس الذي لا دواء له. بعد قليل انتهت من تقطيب جرح بليغ وقامت بوضع ضماد طبي عليه مازحة: "الحاج اللي كان معاك طلع جبان ومستحملش يشوفني وأنا بخيط إيدك وطلع لبرة الأوضة."
ابتسم بليغ قائلاً: "هو رشاد كده، يخاف من منظر الدم والمستشفيات. أنا لو مش غالي عليه مكنش وقف جاري من الأول. بتشكرك يا دكتورة على معروفك معايا." ابتسمت له قائلة: "ده مش معروف يا عم بليغ، دي واجبي اللي أقسمت عليه إني أداوي حتى عدوي طالما محتاج لمساعدتي." ابتسم لها بتقدير قائلاً: "ربنا يحفظك ويحميك يا بتي ويزيدك علم."
ابتسمت له بتأمين قائلة: "يارب، اشرب عصاير كتير عشان تعوض نزف الدم، أنا هكتب لك على مضاد حيوي وشوية أدوية وبلاش المية تمس الجرح." قالت هذا ثم ابتسمت مازحة: "الحق اصرف العلاج من صيدلية المستشفى."
ضحك بليغ قائلاً: "بقولك أنا رئيس عمال، وجاويد بيه لو عرف إني جيت لمستشفى حكومي هيلوم عليا، خلي علاج الحكومة لناس تانية تحتاج له أكتر مني يا بتي. بس عشم مني أنا هاجي عشان إنتِ اللي تغير لي عالجرح هنا، بصراحة يدك خفيفة ومحستش بأي ألم." كلمة "يدك خفيفة" طنت برأسها تذكرها بتهجم إحداهن عليها يومًا ما ونعتتها بالكذب "لصة وإيدك خفيفة زي باباك اللص القاتل". تبدل حالها
وعبست للحظات ثم قالت: "متنساش تاخد المضاد الحيوي، هيسكن الألم بعد ما مفعول البنج يروح، ومرة تانية حمدلله على سلامتك." قالت هذا وابتعدت قليلاً وخلعت قفازي يديها وألقتهم بسلة المهملات ثم خرجت من الغرفة. استغرب بليغ ذلك، لكن ظن أنه ربما تجاوز معها بالحديث، ندم على ذلك، وكاد يذهب خلفها معتذرًا ربما أخذه العشم الزائد.
لكن حين خرج من الغرفة وجد صديقه رشاد يقترب منه قائلاً: "أنا اتصلت على جاويد بيه ولما عرف باللي حصل وإنا هنا في المستشفى دي زعل وجالي ليه منروحناش مستشفى خاصة، حتى جالي إنك تتصل عليه وإنك في إجازة والبضاعة اللي جايه من أسوان الليلة هو هيستلمها مكانك ويدخلها للمخازن." تنهد بليغ قائلاً بلوم: "وليه بتتصل عليه، ده جرح بإيدي مش مستاهل. على العموم أنا هتصل على جاويد بيه تاني وأقول له إني زين وأنا اللي هستلم البضاعة الليلة."
نظر له رشاد بلوم قائلاً: "إنت مش شايف وشك ولا إيدك اللي مبطلتش نزف لأكتر من ساعة، وبعدين دي فرصة استغلها شوية وتعالى معايا أسهرك سهرة تنسيك وجع الدنيا بحالها." تنهد بليغ يهز رأسه بأسف قائلاً: "سهرة عند الغوازي يا رشاد مش هتبطل الداء ده بقى بيتك وولادك أولى باللي تصرفه عند الغوازي وتكسب بيه كمان سيئات 'من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته'، خاف على بنتك وأهل بيتك. وبعد عن خلقتي مشوفتش الدكتورة راحت في أي اتجاه."
رد رشاد بنزق: "الدكتورة دلت ناحية الاستقبال." تنهد بليغ وترك رشاد متجهًا ناحية الاستقبال، لكن حين وصل لم يجد إيلاف، كاد يسأل موظف الاستقبال لكن أجل ذلك للغد بالتأكيد سيأتي لتغيير ضماد جرحه ويسأل عليها ويعتذر إن كان أخطأ دون انتباه منه. بينما حين خرجت إيلاف من الغرفة توجهت ناحية الاستقبال وسألت الموظف عن غرفة مدير المشفى، ودلها عليها قائلاً: "أوضة المدير آخر الممر ده على يدك اليمين." توجهت إلى حيث أرشدها الموظف.
فتحت باب الغرفة بعد أن سمعت السماح لها بالدخول، لكن توقفت خلف باب الغرفة بخطوة تشعر بالحرج قائلة باعتذار: "متأسفة واضح إني غلطت في الأوضة، أنا فكرت دي أوضة مدير المستشفى." نهض من خلف المكتب مبتسمًا
يقول: "لأ، حضرتك مغلطيش في الأوضة، دي فعلًا أوضة مدير المستشفى، وللأسف المدير مصدق جاب سن المعاش وسلم كل مسؤلياته حتى قبل ما وزارة الصحة تبعت مدير جديد للمستشفى وللأسف اضطريت أنا أبقى المدير بالنيابة لحد ما المدير الجديد يوصل بالسلامة." ازدرت ريقها بهدوء قائلة: "يعني أنا جايه أقضي مدة التكليف في مستشفى مفيهاش دكاترة ولا مدير كمان." ضحك جواد قائلاً
بآسف: "بس فيها مرضى مش قادرين على مصاريف العلاج حالتهم المادية متسمحش يتعالجوا في المستشفيات الخاصة. بس حضرتك متعرفناش، أنا الدكتور جواد صلاح، هو المفروض تخصصي جراحة قلب وأوعية دموية، بس أنا بشتغل هنا في المستشفى تخصص عام حتى أحيانًا أطفال." ابتسمت إيلاف دون رد. بسمتها لفتت نظر جواد إلى ذلك الحزن الذي يسكن ملامحها رغم ابتسامها. لكن تنحنح قائلاً: "أنا عرفتك على نفسي وحضرتك... ردت إيلاف وهي
تمد يدها بملف ورقي قائلة: "أنا الدكتورة إيلاف التقي، وده الملف الخاص بتاعي وفيه جواب التكليف بتاعي في المستشفى هنا." ابتسم جواد وأخذ من يدها الملف بفضول وبدأ بقرائته بتأنٍ صامتًا لدقيقة. شعرت إيلاف للحظات بالتوجس من صمته وهو يقرأ اسمها: "إيلاف حامد التقي." شعرت برعشة بداخلها من نطقه اسمها، دخل إليها شك إن كان يعلم أنها ابنة ذلك اللص القاتل، فوالداها كان حديث الإعلام في إحدى الفترات.
لكن بداخلها حسمت جوابها لو سألها ستقول تشابه أسماء. لكن خاب ظنها حين قال جواد: "اسم إيلاف ده غريب، تقريبًا أول مرة أسمع عنه." ابتسمت إيلاف قائلة: "'إيلاف' مش اسم غريب، هو اسم من القرآن الكريم ومعناه من التألف." نظر لها مبتسمًا لا يعلم ذلك الشعور الذي دخل إلى قلبه مباشرةً. فعلًا شعر اتجاهها بالتآلف. مد يده لها بالمصافحة قائلاً: "أهلاً بيكِ يا دكتورة إيلاف، ينتظرك عمل شاق بالأقصر بلدنا." ... ــــــــــــــــــــــ
دار صالح الأشرف. بين العصر والمغرب. للتو استيقظ من النوم يشعر بصداع برأسه، نهض من على الفراش بكسل يضع يده على بطنه قائلاً: "حاسس بجوع، أما أقوم أستحمى بشوية ميه فاترة عشان أفوق وبعدها أبقى آكل." بعد قليل خرج من الغرفة توجه نحو المطبخ، رأى إحدى النساء عمرها يتخطى الأربعين كانت تقف ظهرها له، نظر لجسدها يزدرد ريقه باشتهاء. رغم أنها سيدة بدينة لحد ما، تسحب بهدوء وكاد يمد يده على مكان حساس بجسدها لكن تراجع
حين سمع صوت يتحدث بتعسف: "سيدة خلصتي الأكل اللي طلبته منك." انخضت الخادمة واستدارت لتفاجئ بصالح خلفها، زادت خضتها، تستعيذ بالله. تهكم صالح قائلاً: "بتستعيذي بالله في وشي إيه، شفتي شيطان؟ فين الأكل يا وليه، المغرب جرب يأذن ولسه أكل الغدا مش جاهز، بقيتي تجيلي جوه شوفي بنته خفيفة تشتغل معاكِ بالدار." استهزأ زاهر قائلاً بتلميح: "كلامك صحيح، بس يا ريت تعمل إنت بيه أولاً وتعيش زي اللي في سنك." نظر صالح له باستهجان قائلاً
باستهزاء: "واللي في سني عايشين كيف يا زينة الشباب." تجاهل زاهر الرد عليه ونظر للخادمة قائلاً: "جهزي الأكل في السفرة." قال زاهر هذا للخادمة ثم نظر لصالح قائلاً: "هتفضل واقف في المطبخ كده كتير يا... أبويا." تنهد صالح بسأم وضيق قائلاً: "لأ هدلى عالسفرة، وإنتِ يا وليه خفي لحمك إشوي وجهزي الأكل." بعد دقائق بغرفة السفرة كان لا يسمع سوى صوت ارتطام الملاعق بالأطباق إلى أن صدح رنين هاتف.
أخرج زاهر الهاتف من جيبه وقام بالرد على المتصل إلى أن أنهى الاتصال قائلاً: "معرفش مشكلة الأرض دي، هقول لعمي صلاح وهو اللي يتصرف بقى." أغلق زاهر الهاتف ووضعه على طاولة السفرة، بينما تساءل صالح بفضول: "أرض إيه اللي كنت هتتحدث عليها ع الموبايل." تنهد زاهر بسأم: "دي أرض الجميزة، المستأجر اللي كان مأجرها عاوز يسيبها." تساءل صالح: "ليه، دي أرض عفية وجريبه من مية النيل بينها وبين النيل مشايه صغيرة."
رد زاهر: "معرفش، ده تالت مستأجر يأجر الأرض وقبل السنة يقول إنه هيسيبها. ولما سألت المستأجر الأخير قالي، إن على راس الأرض قراطين أو تلاتة كده الأرض بتهور والأرض بتهبط لتحت وتسحب الميه عن بقية الأرض وتبخس محصول الزرعة، بيقول أنا بقول يمكن السبب في ده جدر شجرة الجميز يمكن مخوخ وهو السبب إن الأرض بتهور." تهكم صالح قائلاً: "ما شاء الله مهندس وفاهم، جدر شجرة الجميز هييجي على تلات جراريط." فهم زاهر أن صالح
يستهزي به فرد بلا وعي: "خبرني جنابك أنت يمكن اللي فاهم وعارف سبب إن الأرض بتهور وتهبط لتحت، هيكون تحتها كنز إياك." رنت كلمة كنز برأس طامع وفكر لما لا، ربما هذا تفسير صحيح، فتلك الأرض قريبة من النيل، ربما ترقد على كنز آن الأوان أن يحصل عليه. ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالعودة للمعبد. ذهل جاويد قائلاً: "قصدك إيه بالحديث اللي بتقوليه."
ردت المرأة: "كل سر وله أوان مكتوب يظهر فيه يا ولد الأشرف، إنت مكتوب عليك عشق متمردة، هتطلع نجمة بتسكن مدار الجمر في السما وباقي النجوم هتتواري في الغيوم وجتها... فيها علامة مميزة." كاد جاويد أن يتساءل لكن صدح رنين هاتفه بنفس اللحظة. همست المرأة بوصف سمعه جاويد بوضوح ثم قالت له: "رد على الجدر اللي عينه بتنادم على صاحبه."
استغرب جاويد ذلك وأخرج الهاتف ونهض واقفاً يرد على المتصل إلى أن أنهى اتصاله آمراً: "لأ استريح أنت وأنا اللي هروح أستلم البضاعة من محطة القطر مش معضلة هي، ومرة تانية سلامتك." أغلق جاويد الهاتف وعاود النظر خلفه لكن ذهب حين لم يرى المرأة بالمكان كأنها اختفت كما حدث بالأمس. ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بين المغرب والعشاء. بالحديقة التي بين منزلي صالح وصلاح الأشرف.
كانتا مسك وحفصة تجلسان على أرجوحة يتحدثان. كانت مسك تحاول إقناع حفصة بما أمرتها به والدتها صباحاً، أن تحاول إقناع حفصة بالموافقة على عقد قرانها على أخيها أملاً منهن أن تكون تلك فرصة تقرب زواج جاويد من مسك. بسهولة أقنعت مسك حفصة ووافقت. تنهدت مسك بينما اقترب من مكان جلوسهن زاهر مازحاً: "طول عمري أعرف إن الكرة الأرضية فيها قمر واحد بس الليلة أنا اتأكدت إن ده كذب قدامي جمرتين." ابتسمت
حفصة له قائلة بسذاجة: "وفين الجمرتين دول؟ السما فيها قمر واحد حتى أحدب مش كامل." تمركزت عين زاهر على مسك قائلاً: "إنتِ ومسك الجمرين." شعرت مسك بالبغض من نظرات زاهر لها، بينما ابتسمت حفصة قائلة بمدح في مسك: "مسك جميلة وأجمل من القمر كمان بس أنا على قد حالي، بس هصدقك، تعالي اقعدي معانا نتسامر شوية، واحكي لينا قصص من اللي بتسمعها في الموالد... أنا بحب القصص دي جوي جوي."
تهكمت مسك قائلة: "دي قصص سخيفة واللي يصدقها هما السذج." كادت حفصة أن تعترض لكن سمعت نداء والدتها عليها فنهضت قائلة: "هروح أشوف ماما عاوزاني ليه وهرجع تاني بسرعة."
نهضت حفصة وتركت مسك، تجرأ زاهر وجلس جوارها على الأرجوحة، حتى أنه ضرب قدمه بقوة في الأرض فأهتزت الأرجوحة قويًا، مما سبب استهجان مسك وكادت تنهض من جواره لكن أمسك زاهر معصم يدها قائلاً: "القصص اللي بتستهزئي منها دي، قصص ناس فهمت معنى الحب والعشق ومعاشتش في وهم إن مفيش غير البطل بس هو اللي فارس وحارب عشان يظفر بحبيبته، كمان كان في أبطال تانيين فهموا الحقيقة وسابوا وهم هما بس اللي عايشين فيه." نفضت مسك يد زاهر عن معصمها
بقوة واستهجان قائلة: "سبق وحذرتك تمسك إيدي، وجلت لك إني ماليش في القصص السخيفة دي ومش فاهمه قصدك إيه من وراء كلامك البايخ ده." اضطجع زاهر بظهره على الأرجوحة ونظر إلى السماء قائلاً: "في نجمة واحدة هي اللي هتسكن مدار الجمر وباقي النجوم هتتواري خلف الغيوم قدامها." رفعت مسك رأسها بتلقائية تنظر للسماء، حدث بالفعل ما قاله زاهر. تهكمت باستهزاء عليه قائلة: "كان حقك تشتغل مشعوذ ولا مع اللي بيقروا الفلك الطالع."
غص قلب زاهر مجاوباً: "ده مش شعوذة ولا له علاقة بقراية الفلك والطالع ده الحقيقة اللي بتنكريها يا مسك، جاويد لو كان رايدك كان اتكلم من زمان بس إنتِ عايشة وحدك في وهم الطفولة." نهضت مسك بغضب قائلة بتعسف بلا إحساس: "سبق وجلت لك انسى اللي براسك يا زاهر، أنا مستحيل أحبك، وقصص المجانين اللي بتسمعها في الموالد دي خرافية صعبة تتحقق."
قالت مسك هذا وغادرت المكان، شعر زاهر بحريق في صدره، لو ترك العنان لخروج ذلك الحريق لكانت مسك هو أول من طالتها تلك النيران وما تركتها سوى رماداً، ربما يصير مثل قصة العنقاء التي تولد جديداً من الرماد، ربما بالولادة الثانية كانت وقعت بعشقه. ...... *** بداخل منزل صلاح. انتهزت صفية انشغال زوجة أخيها بتحضير العشاء وتسحبت دون أن يراها أحد إلى أن وصلت أمام غرفة جاويد.
وقفت تتلفت بكل اتجاه تتأكد بعدم رؤية أحد لها، ثم فتحت باب الغرفة بهدوء وسريعاً دخلت وأغلقت خلفها باب الغرفة. وقفت تلتقط أنفاسها، لكن للحظة شعرت باختناق بسيط غريب بعد أن سمعت صوت مذياع بالغرفة يقرأ "القرآن الكريم". لكن تحاملت وتجاهلت ذلك بصعوبة وذهبت إلى غايتها، فراش جاويد.
رفعت تلك الوسائد ثم أزالت فرش الفراش وأخرجت سكين صغير وقامت بشق جزء جانبي صغير من مرتبة الفراش وسحبت من بين طيات تلك المرتبة ذلك الحجاب الذي كان بصدرها، حتى وصل بالمكان التي قالت لها عليه المشعوذة، أسفل رأس جاويد. ثم أخرجت إبرة وخيط وحاكت مكان ذلك القطع الجانبي، عادت المرتبة مثلما كانت. لكن بسبب تسرعها سقطت منها الإبرة الموصولة ببقايا الخيط.
انحنت تبحث عن الإبرة لكن سمعت صوت نحنه رجالية من خارج الغرفة فارتعبت وذهبت خلف باب الغرفة سريعاً تنتظر تتمنى أن لا يكون جاويد ويفتح باب الغرفة ويسألها لماذا هي بغرفته. بالفعل أنقذها القدر بعد أن ظلت لدقائق خلف باب الغرفة حتى شعرت بالأمان. ثم فتحت باب الغرفة بمواربة ونظرت للخارج، تنهدت حين رأت الطريق خالياً، خرجت سريعاً تلتقط أنفاسها إلى أن دخلت إلى غرفة السفرة. وقع بصرها على مسك التي كانت تجلس على أحد مقاعد السفرة.
غمزت لها، ابتسمت مسك لها بتفهم. بينما تحدث صلاح قائلاً: "كنتِ فين يا صفية، بسأل عليكِ يُسرية قالت لي إنها كانت مشغولة في تحضير العشاء." جلست صفية على أحد المقاعد قائلة: "كنت في الحمام، معرفش بقى لي كام يوم بطني بتوجعني." رد صلاح قائلاً: "سلامتك، اكشفي، أقولك اعملي كيف ما عمل جواد مع يُسرية هي كمان قعدت فترة بطنها بتوجعها، لحد ما جواد أخدها معاه للمستشفى وعمل لها فحوصات كاملة وأها اتحسنت بعدها."
ردت صفية: "لأ مالوش لزوم، ده برد في معدتي وأخدت تحويجة من عند العطار، وأها الحمد لله بقيت زينة كتير، بس جالي أمشي عالأكل المسلوق لفترة. وبعدين فين جاويد بقى لي أكتر من أسبوع مشوفته ولا جالي عمي اسأل عليها." تنهد صلاح قائلاً: "جاويد مشغول جوي الأيام دي عنده طلبية كبيرة هيصدرها لـ روسيا، ادعي له ربنا يوفقه."
دعت صفية قائلة: "بدعي له دايماً في كل صلاة وأنا ساجدة، ربنا يوفقه ويوسع رزقه، ويرزقه ببت الحلال اللي تعمر دار الأشرف." آمن صلاح على دعائها غير منتبه لفحوى التلميح بحديثها وهي تنظر ناحية مسك. بينما يُسرية فهمتها جيداً، لكن بداخلها شعرت بالتوجس حين تذكرت لقائها مع "وصيفة" صباحاً. [فلاشـــــــــــــــــــــ/باك] في الصباح الباكر بالكاد كانت تشرق الشمس.
نزلت يُسرية إلى مياه النيل عبر بعض سلالم جيرية صغيرة، وبدأت بملء تلك الزجاجة البلاستيكية متوسطة الحجم. لكن فجأة ظهر انعكاس امرأة بمياه النيل، في البداية انخضت يُسرية وتركت الزجاجة تسير بمياه النيل. لكن قبل أن تبتعد عنها جذبتها مرة أخرى. بينما تحدثت المرأة قائلة: "لسه بتفتكري الماضي يا يُسرية." تنهدت يسريه بآسى قائلة: "قولي لي طريقة أنساه بها يا وصيفة، عشان قلبي يخف من الألم."
ردت وصيفة: "لو كنت أعرف طريقة كنت على جتها بها نفسي من سنين يا يسريه." قالت وصيفة هذا ونظرت إلى السماء ترى انسحاب القمر وسطوع الشمس قائلة: "مسك مش من نصيب جاويد، نصيبه جاي في الطريق، بس لعنة العشق تحرق قلبه." نهضت يسريه تشعر بآسى قائلة باستفسار: "وجاويد ذنبه إيه." ردت وصيفة: "دي لعنة الجد ولازم توصل للنسل الثالث... مكتوب 'أخوة الدم والروح' الأخ يفدي أخوه."
انصرعت يسريه بتسرع سائلة: "قصدك مين باللي هيفدي أخوه، جواد ولا جاويد!؟ سارت وصيفة بعيداً عن يُسريه تتمتم ببعض الكلمات لم تفهم منها يسريه غير "الدم هو اللي هيفك اللعنة". ثم تمتمت ببعض الكلمات لم تفهمها يسريه، شعرت بتوجس للحظات لكن رأت انعكاس شروق الشمس تلمع فوق مياه النيل. شعرت بأمل تدعو بالنجاة. [عودة] عادت يسريه من
تلك الذكرى على قول صفية: "بص بقى يا صلاح، بقى حفصة في آخر سنة في الجامعة وأنا بقول كفاية كده فترة الخطوبة طولت، ومش هيجري حاجة لو كملت حفصة باقي السنة اللي باجيه ليها في داري، أنا بقول نكتب كتاب حفصة على آخر الشهر ده ونتمم الجواز في إجازة نص السنة." كادت يسريه أن تعترض لكن وافق صلاح قائلاً: "أنا موافق لو حفصة موافقة هي صاحبة الرأي." نظرت يسريه نحو حفصة تنتظر منها الرد بالرفض لكن انصهر وجه حفصة وظلت صامتة، مما جعل
صفية تنتهز الفرصة قائلة: "أها بيحولوا السكات علامة الرضا، أنا بحول على بركة الله، ويمكن ربنا يزود أفراحنا ونفرح بـ جاويد وجواد." تنهد صلاح ببسمة قائلاً: "آمين." بينما سخرت يسريه بداخلها تفهم قصد صفية، لكن صمتت تدعو لولديها أن يخلف قول "وصيفة" لها صباحاً. ........ , ــــــــــــــــــــــــــــــــ منتصف الليل. أمام الباب الخارجي لمحطة قطار الأقصر. توقف جاويد بسيارته للحظة تذكر حديث تلك المرأة التي كانت بالمعبد.
تهكم على نفسه قائلاً: "بقينا نص الليل واللي جالت عليها الست دي مظهرتش، مين اللي هتكون لحد دلوقتي بالطريق، عقلك جن يا جاويد من امتى بتصدق في الخزعبلات دي." زفر جاويد نفسه يذم عقله الذي صدق تلك التخاريف، لكن رأى انعكاس القمر فوق زجاج سيارته الأمامي. ترجل من السيارة ونظر إلى السماء، كما قالت تلك المرأة نجمة وحيدة بمدار القمر وباقي السماء غيوم، فعلاً يرى هذا بوضوح.
لكن سرعان ما تهكم على نفسه لائمًا تصديقه لخرافات لا وجود لها، فكثيراً يحدث هذا بالسماء. نفض عن عقله التفكير ثم دخل إلى محطة القطار. ....... ــــــــــــــــــــــ بالقاهرة. بشقة هاشم. وقف يضع الهاتف على أذنه يسترجي أن ترد عليه سلوان، لكن أعطى الهاتف إشارة عدم وجود الهاتف بمكان به شبكة هاتف. زفر نفسه بقلق قائلاً: "قربنا على نص الليل وسلوان مرجعتش للشقة وبتصل عليها يا مش بترد يا الهاتف خارج التغطية." حاولت
دولت إشعال غضبه قائلة: "هي سلوان كده دايماً، أنا فاكرة لما كانت في الجامعة وقاعدة عند عمتها شادية كانت أوقات تتأخر ساعات، مانت تيجي تبات هنا في الشقة دي لوحدها وشادية كان بيبقى عقلها هيطير منها، هي سلوان كده معندهاش تقدير لمشاعر قلق غيرها طالما في الآخر بتلاقي دلع." نظر هاشم لها بغيظ قائلاً: "أنا مش ناقص كلامك السخيف ده، ومعرفش إزاي خرجت من الشقة ومعاها شنطة هدوم وإنت مشوفتهاش."
ارتبكت دولت قائلة: "سهتني، إنت مفكر لو أنا شوفتها وهي خارجة بشنطة هدوم مكنتش هسألها هي رايحة فين؟ سلوان من وقت ما اتجوزتك وهي بتعاملني على إني مش موجودة وطول الوقت بتتجنبني، غير كمان طول الوقت حابسة نفسها في أوضتها وقاعدة عالتليفون يا ع الابتوب بتاعها، معرفش بتعمل إيه، حاولت أتكلم معاها بس هي تقريبًا مش بترد عليا غير بالقطارة على قد السؤال. هي ممكن تكون معذورة، أنا برضوا مرات باباها."
زفر هاشم نفسه بقلق وضيق وعاود الاتصال على سلوان، لكن تنهد قائلاً: "تليفون سلوان بيرن." شعرت دولت بغلظة لكن رسمت بسمة تتنهد براحة كاذبة حين ردت سلوان. بالقطار. كانت سلوان تجلس تشعر بألفة بين ركاب القطار تنجذب أحياناً الحديث مع من يجلسون جوارها، وأحياناً تنظر خارج شباك القطار ترى أماكن جديدة وتقرأ أسماءها، منها ما هو غريب ومنها ما هو مألوف. حتى سمعت رنين هاتفها التي تجاهلت الرد عليه سابقاً مرات.
زفرت نفسها بضيق شديد وهي تنظر إلى شاشة هاتفها تعلم من الذي كان وما زال يتصل عليها، فهي شبه علاقاتها مع الآخرين محدودة فقط مجرد زمالات دراسية وقتية وتنهي، فهي منذ طفولتها لا تشعر بالانتماء لأي مكان. قضت معظم حياتها بالتنقل مع والدها سواء في مصر أو حتى فترة بقائها برفقة والدها سنوات بالخارج. فكرت للحظات بعدم الرد لكن بلمسة خطأ فتحت الخط، اضطرت الرد لتسمع من يقول بلهفة واستخبار: "سلوان...
إنت فين بقينا نص الليل ولسه مرجعتيش للشقة." تهكمت سلوان ساخرة تهمس لنفسها: "أخيراً حسيت إني سايبة البيت من الصبح، طبعاً عايم في العسل مع العروسة هتفتكر إن ليك بنت." عاود سؤالها مرة أخرى. ردت سلوان بنزق: "أنا قلت بلاش أبقى عزول حضرتك عريس جديد، وقررت أسافر كام يوم سياحة وكمان أسيبك تتهنى مع..... طنط." تساءل مرة أخرى باستفسار وتعجب: "سلوان سافرتي! إزاي بدون ما تقولي لي وكمان سافرتي فين؟
ردت بلا مبالاة وسخرية: "لما أسحب فلوس من الكريديت أكيد هتعرف أنا فين، سلام يا بابا ابقى سلم لي على طنط، وبالرفاء والبنين." كاد يتساءل مرة أخرى، لكن رأت عبر زجاج القطار لوحة مكتوب عليها "محطة الأقصر". وشعرت أن القطار يستعد للوقوف. أغلقت الهاتف ونهضت، شعرت بتيبس بساقيها سببه بقاءها جالسة لمدة طويلة.
تهكمت قائلة: "المفروض القطر بيطلع من محطة مصر الساعة اتناشر الضهر يوصل أسوان اتناشر بالليل، لكن كويس إنه وصل للأقصر الساعة اتناشر وتلت، حاسة إن رجليا زي ما تكون متشنجة مش رجليا بس ده جسمي كله، هانت أوصل للأوتيل وأخد شاور دافي يفك جسمي." على رصيف القطار. وضع الهاتف على أذنه يرد على سؤال والده: "إنت فين يا جاويد لدلوقتي، الساعة قربت على اتناشر ونص وإنت لسه معودتش للدار. أمك سألتني إن كنت بعرف مكانك، جلت لها مخابرش."
رد جاويد: "أنا في محطة القطر، وخلاص كلها نص ساعة وجطر البضاعة يوصل أشحن البضاعة على محجر المصنع وأعاود للدار، يعني ساعة ساعة ونص بالكتير." تنهد والده قائلاً: "إنت اللي هتستلم البضاعة بنفسك كنت خليت أي حد من المصنع يستلمها مطرحك." رد جاويد: "وفيها إيه لما أستلمها أنا، أنا فاضي دلوقتي."
تنهد والده باشتياق وتقدير قائلاً: "ربنا يديك طول العمر بتشبه جدك الله يرحمه كان دمه حامي كده ويعمل كل شيء حتى الحاجة الصغيرة بيده. بلاش تتأخر عشان إنت عارف أمك عندها جلج (قلق) عليك بزيادة." تنهد جاويد قائلاً: "مش عارف إيه سبب الجلج ده، أنا خلاص كبرت وكلها أجل من شهر وأكمل واحد وثلاثين سنة." تبسم والده قائلاً: "هي بتقول مش هنطمن عليك غير لما تتجوز ويكون لك مرة تاخد بالها منك."
ضحك جاويد قائلاً: "كنت بنتها إياك وهيفوتني القطر، وبعدين يعني العرايس قدامها كتير." رد والده ببساطة: "العرايس كتير، ومنهم اللي في انتظار كلمة منك." فهم جاويد تلميح والده قائلاً بتوهية: "نتكلم في الموضوع ده بعدين، خلاص القطر اللي جايه فيه البضاعة أنا سامع صوته بيقرب من المحطة." أغلق جاويد الهاتف وكاد يضعه بجيبه لكن. بسبب تيبس جسدها ومكان مقعدها بمنتصف إحدى عربات القطار تأخرت في النزول من القطار.
بمجرد أن وضعت إحدى قدميها على رصيف القطار اندفع القطار سيرًا وكاد يجذبها تحت عجلاته لكن وقعت منها حقيبة يدها كذلك حقيبة ملابسها، أسفل تلك العجلات. بينما اختل توازن جسدها وانعدمت جاذبيته وأخذت تدور وتدور لا تستطيع السيطرة على جسدها كأنه مثل الهلام، تتخبط بين بعض النزلاء من القطار، حتى أنها تصادمت بكتف جاويد وما زالت أيضاً تدور. إلى أن اقتربت رصيف القطار المقابل وكادت تسقط على القضبان.
لكن سريعاً حين رآها جاويد أمسكها بقوة من إحدى عضديها وجذبها عليها، ثم أمسك عضد يدها الأخرى يثبتها بمكانها قبل خطوة واحدة من السقوط على قضبان القطر، ثبتها قوياً وهي شبه دائخة. وحين يشاء القدر يكون اللقاء الذي سيجمع بين العصب والوتين. بـ "أرض مازالت تحمل لعنة خيانة الجدود لـ عهد قديم يدفع ثمنه الأحفاد".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!