الفصل 3 | من 24 فصل

رواية شد عصب الفصل الثالث 3 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
22
كلمة
5,232
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

بأقصى أطراف البلدة، منزل من الطوب اللبن يُشبه العش، تفوح منه رائحة كريهة، رائحة مكان يُعقد فيه عهود مع شياطين الجان، وهناك أيضًا شياطين البشر التي لا تفكر سوى في الطمع. ألقت بعض الرمال فوق ذاك الموقد حتى تهدأ نيران الفحم المتأججة. زفرت نفسها قائلة: "صالح الأشرف، من زمان رجليك ماخطتش لعشتي، جاي كيف العادة عشان مصلحتك، أرض الجميزة."

إستغرب صالح، الذي شعر بغثيان من رائحة المكان الكريهة، أخرج منديلًا معطرًا من جيبه ووضعه فوق أنفه. إستهزأت به قائلة: "الأرض راقدة على كنز كبير، بس كل شيء بآوانه، ولسه آوان خروج الكنز ماجاش." لمعت عيناه بطمع وإنبسط وجهه بظفر في البداية، ثم سأم وجهه متهجمًا يقول: "ومتى بقى آوان خروج الكنز يا غوايش؟ ألقت غوايش بعض الرمال فوق الموقد قائلة:

"لما أعرف طلبات مارد المقبرة، بس قبلها لازم تحوط الأرض دي بسور خرساني عشان لازم نحفر الأرض، الكنز في جب غويط، ولو حفرت كده في العلن ألف يد هتتمد عالكنز المدفون." لمعت عين صالح بطمع متسائلًا: "بس أنا ليا جزء في الأرض مش كلها ملكي، صلاح له فدان وصفية نص فدان، كيف هحوط على نصيبهم بالأرض، ومش معقول هأقول لهم إن في كنز تحت الأرض، صلاح ولاده الاثنين لابسين توب العفة، وصفية هتمشي وراء صلاح وولاده."

زفرت غوايش نفسها ونفخت في ذاك الموقد ليشتعل الفحم قائلة: "بس تقدر تحوط نصيبك، مش قليل، فدان صحيح، الكنز راقد تحت الأرض كلها، بس سهل نسحبهم من نصيبك في الأرض بعد الحفر." تنهد صالح بطمع قائلاً: "تمام، بس هيسألوني عن سبب إني بحوط الأرض دي؟ زفرت غوايش نفسها بضيق قائلة:

"سهل الجواب، قول لهم إنك هتبني عليها مصنع فخار، كيف جاويد ولد أخوك ما عنده مصانع، هتستغل الأرض وإنها قريبة من النيل وأكيد طميها هينفع المصنع، وكفاية أسئلة عاد دلوقت، وكل سؤال له جواب بعدين، دلوقت إلحق حوط الأرض بسور سميك وبلاش تستعجل عالكنز، له آوان يخرج فيه، لما يتم طلب مارد المقبرة... ودلوقت هملني وأنا هبقى أشيع لك، كيف ما حصل سابق، هتغرف من كنز ثمين مدفون، مش بس دهب مساخيط، كمان فيه اللي أهم من دول."

برقت عيناه بجشع مبتسمًا يقول باستفسار: "وإيه اللي بالمقبرة أهم من الدهب والمسخوط، بترول إياك؟ نظرت له غوايش بعين تحولت إلى وهج نيران مستعرة تقول: "لأ مش بترول، ده سر قديم، تركيبة ترجع الشايب شاب من تاني ويعافر مع صبية مش يبلع حبتين وآخره يحسس بيده." فهم صالح مغزى حديثها، شعر في البداية بخزي، لكن لمعت عيناه وبرقت باشتياق واهتز جسده برغبة قائلاً: "قصدك الزيبق الأحمر." ردت غوايش:

"لأ مش الزيبق الأحمر، ده ترياق تاني مخلوط ومعزم عليه بجوه مارد المقبرة، ودلوقت كفاية أسئلة، جلت هملني لحالي. وحط اللي في جيبك على الكرسي اللي قاعد عليه." وقف صالح وأخرج من جيب جلبابه ظرف وضعه على المقعد مكان جلوسه وخرج من العشة، تاركًا غوايش التي ازداد توهج عينيها نيرانًا وهي ترى خيال مارد شيطاني كبير ومخيف يقف على الحائط أمامها.

نهضت سريعًا واقتربت من الحائط، شعرت بيد قوية توضع فوق رأسها تغصبها أن تسجد بالفعل، سجدت أمامه مشركة بالله، تبيع روحها لشيطان طالبة قوة خفية تساعدها في أعمال شريرة تؤذي بها الآخرين، تعتقد أنها تعطيها سطوة كي تأخذ بثأر الماضي. *** منزل مؤنس القدوسي.

رغم أن الغرفة مظلمة، لكن جافى النوم مرقده بسبب هو يعلمه جيدًا، الشوق والحنين. لفتاة كانت مدللة، ربما أفرط في تدليلها ليكون هذا الدلال سبب هلاكها. لا يعلم سبب لتذكره لها اليوم، لكن سأل قلبه: هل نسيتها يومًا بل لحظة بحياتك؟

تخليت عنها وتركتها تذهب خلف هلاكها بعيدًا لتعود لك في يوم جثة دفنتها دون عزاء، واعتقدت أن هذا كان عقابًا لها، بل كان لك. قلبك يأن بكل لحظة، تتمنى لو كنت سبقتها إلى القبر وانقلب الوضع وهي من أخذت عزائك.

نهض من على فراشه وأشعل الضوء وأخذ عباءة عربية وضعها على كتفيه وخرج من الغرفة، لو ظل بالغرفة يتذكر أكثر سيجن عقله. خرج إلى حديقة المنزل، حتى قدميه ساقته نحو ذكراها وهو ينظر إلى شجرة التوت التي بالحديقة، رأى تساقط أوراقها بسبب الخريف، حين تسلط ضوء شبه منير من القمر الأحدب. للحظة ابتسم وهو يتذكر صبية يافعة تتسلق فروع شجرة توت مثل هذه، كانت تتسلق بحذر كأنها فراشة تتنقل بين الأغصان. وقفت بحذر على أحد الفروع تقذفه بحبات

التوت الأحمر قائلة بغنج: "افتح حجرك يا أبوي وخد دوق توت أحمر كيف ما بتجول عليه خد الجميل، متخافيش الجلابية اللي عليك غامقة وكمان قديمة ولو بقعت أمي ما هتصدق وتعملها خلجات تمسك بيها الطناجر من على الباجور."

كان يضحك لها ويفعل مثلما تقول، يفتح حجر جلبابه ويتلقط حبات التوت التي تقذفها من فوق الشجرة وينتظرها حتى تهبط من فوق الشجرة، تجلس جواره أسفل الشجرة يستمتعان بتذوق التوت، وحين يرى ذاك الماء الأحمر حول فمها وخديها يضحك قائلاً: "كلي واحدة واحدة بلاش بالحفان، خدودك وشفايفك بتاكل معاكِ بقى لونهم أحمر." كانت تضحك بدلال قائلة: "ده لونهم الطبيعي يا أبوي، ناسى إنك بتنادي عليا مسك خد الجميل."

"مسك خد الجميل"، ترددت تلك الجملة في رأسه مع دموع حسرة على شبابها الذي ذهب سريعًا. جلس على جذع شجرة قريب من تلك الشجرة. لا يعلم سبب لهذا الشعور الذي يتوغل بقلبه، يشعر برائحتها في نسمة الهواء الخريفية، يشعر أنها قريبة منه، ربما لو عاود النظر لأغصان الشجرة يراها واقفة على أحد أغصانها، لكن غص قلبه، هذا وهم، فالراحلون لا يعودون، فقط يتركون ذكريات وآسى بالقلوب.

بنفس اللحظة شعر مؤنس بيد على كتفه، بلهفة جفف دموع عينيه بيديه ونظر خلفه، للحظة ظن أنها مسك وأن ما حدث كان كابوس، حتى أنه قال بلهفة: "مسك." ابتسم محمود وهو يظن أنه يعتقد أنه ابنته قائلاً: "مسك من وقت ما عاودت مع صفية من دار خالها دخلت لمقعدها، وزمانها في سابع نومة، إيه اللي مسهرك يا أبوي...

أنا خدت نعسة وقمت من النوم عطشان ملجتش ميه في المقعد نزلت للمطبخ لمحتك باب الدار مفتوح وكنت هقفله بس لمحتك في الجنينة، إيه اللي شاغل بالك كده يا أبوي من صباحية ربنا وإنت شارد."

تنهد مؤنس يتنفس الهواء يشعر بآسى في قلبه. محمود ظن أنه يتحدث عن ابنته، بينما هو قصد "خد الجميل" التي رحلت وتركت مكانتها في قلبه لم تهتز. لكن بداخله ندم، لو عاد الزمن مرة أخرى لن يتركها ترحل بعيدًا عنه حتى لو ألزمها بالزواج برجل تبغضه، لكن فات الأوان وأصبح كل شيء ماضي مؤلم. تنهد يحبس تلك الدمعة التي تترك قلبه أشلاء قائلاً بكذب:

"أنا مش شارد يا ولدي ولا حاجة، بس يمكن تقلت في الأكل، والنوم طار من عيني جلت أتمشى هبابة أهضم الأكل، وها أنا جايم أدلي على مقعدي وإنت كمان مش شربت يلا ادلي على مقعدك." قبل أن ينهض مؤنس من على جذع الشجرة، جلس محمود على جذع آخر قائلاً: "في موضوع يا أبوي عاوز أتحدث فيه وياك وأخد بشورتك، بصراحة كده، صالح الأشرف عرض عليا إني أشتغل وياه وأبيع له بضاعة الفخار اللي عم بصنعها وهو يبيعها في البازار بتاعه للأجانب."

زفر مؤنس نفسه بسأم قائلاً بتحذير:

"لأ يا ولدي، ابعد عن سكة صالح الأشرف، سكته وعرة وآخرها الندم، إنت مش ربنا رازقك وبتشتغل مع بازارات تانية في الأقصر غير زباينك اللي واثقين في جودة صنعتك، بلاها يا ولدي وبلاش تسمع حديث مراتك الفارغ، بالك لو كان جالك العرض ده من صلاح أو جاويد كنت جلت لك وافق بدون ما تفكر، حتى إنت يمكن ما كنتش هبقى محتار وتسألني. آخر حديث يا ولدي خلينا بعيد عن سكة صالح الأشرف، كفاية اللي حصل منه بالماضي، لسه مكان الجرح لغاية دلوقتي بينزف."

*** بغرفة مسك. خلعت ذاك المئزر الحريري من على جسدها وبقيت بثوب نوم نسائي شبه عارٍ. ذهبت وجلست على مقعد أمام المرآة، جذبت قلم حمرة للشفايف وبدأت بتلوين شفاها منه بكثرة حتى أصبحت شفاها شبه دموية ومغرية. أطبقت شفاه أكثر من مرة ثم وضعت قلم الحمرة ونظرت لانعكاس وجهها وجسدها بالمرآة.

نهضت واقفة تدور حول نفسها بإعجاب من جسدها الغض وشفاها المثيرة. تخيلت لو جاويد رآها بكل تلك الفتنة ماذا سيكون رد فعله. ذهبت نحو الفراش وألقت بظهرها عليه تُغمض عينيها تتخيل لو تحققت تلك الأمنية. تخيلت أن جاويد نصف عارٍ فتح باب غرفتها ودخل وأغلق خلفه باب الغرفة مبتسمًا ينظر لها بافتتان ورغبة تضخ من عينيه وهو يقترب من الفراش. نهضت قليلًا وبدأت يديها تسير على منحنيات جسدها بإغواء، تبتسم له وهو ينحني على الفراش عليها وشعرت بيديه فوق وجنتيها، شعرت بأنفاسه القريبة من شفاها، قلبها يدق بصخب تنتظر أن تشعر بشفاها بين شفتيه.

لكن هنا فاقت من تلك الغفلة التي يتمنى قلبها قبل عقلها تحقيقها. فاقت بعد أن شعرت بخواء وأن ذلك كان مجرد وهم لذيذ تحيا من أجله أن يتحقق يومًا ما قريبًا وتصبح ملك يمين جاويد. تلك هي الأمنية التي تحيا من أجلها. تعشقه منذ نعومة أظافرها، هو فارس أحلامها. رغم أنه لم يعطِ لها يومًا اهتمامًا أكثر من كونها ابنة عمته. ذمت نفسها قائلة بلوعة:

"لحد متى يا مسك هتتحملي جفاء جاويد. إنتِ سمعتي بودانك الليلة حديثه على الموبايل مع مرات خالك بتسأله هو فين، وإن عمته في الدار ونفسها تشوفه، اتحجج أنه مشغول ومجاش." جاوبت على نفسها بلوم قائلة: "واه يا مسك هتتخيلي وترسمي قصص من خيالك عاد. أكيد جاويد حداه شغل مهم، هو عنده مسؤوليات كتير. إيه اللي هيخليه يتهرب وما يجيش على العشا؟ من متى وجاويد بيهمه حاجة أو يستحي؟

وكيف ما جالت أمي لو مش رايدني كان ولا همه واتجوز زمان من بنت غيري. بس هو عامل نفسه تقيل حبتين، بس بعد عمل المحبة اللي أمي دسّته له في المرتبة أكيد هينسى التُقل ويبوح باللي في قلبه، ويتم المراد." تنهدت بأمل تُغمض عينيها ترسم وهم لذيذ، لديها إحساس أنه اقترب تحقيقه. *** بمحطة القطار.

"ساعة القدر يعمي البصر"، هذا هو تفسير ما لا تشعر به، كأنها فقدت الإدراك تمامًا. لا تشعر بشيء، رغم ذلك، تدافع الهواء القوي الذي لولا تشبث جاويد بعضديها لدفعها ذاك الهواء أسفل عجلات القطار. بينما جاويد المتشبث بها، كان أول شيء وقعت عيناه على شفاها المرسومة بحمرة طبيعية. سار بقلبه رغبة قوية في تقبيلها. للحظات تنحى العقل وكاد يقترب من شفاها ويحقق تلك الرغبة، لكن فاق من ذاك الانسياق على صوت إحداهن تصرخ وتقول:

"القطر دهس بنت تحت عجلاته."

فجأة عم الصخب بين نزلاء القطار وتوقف القطار للدقائق. البعض ينظر إلى أسفل عجلات القطار يرى تطاير ملابس. منهم من يجزم أن هناك من فرمتها عجلات القطار، وآخر يقول أن تلك حقيبة ملابس فقط. تأكدوا حين عاود القطار السير، واقترب البعض من مكان وقوف جاويد المتشبث بعضدي سلوان التي بدأت تشعر بعودة الإدراك. هناك من ظن وابتسم أن هذان الاثنان عاشق يستقبل معشوقته الآتية من السفر. وآخر استهزأ من ذلك واعتبره وقاحة لا داعي منها أمام أعين الغرباء. وهناك آخر من رأى الموقف من البداية وفهم أنه كان عمل إنساني من جاويد، لكن استغرب حين رأى تقارب جاويد منها يضمها أكثر وكاد يقترب من شفاها.

بينما جاويد، رفع رأسه قليلاً نظر لوجهها الخالي من أي رد فعل، لكن لفت بصره وطن برأسه وصف امرأة المعبد حين همست له قائلة: "العلامة في وشها شامة عالخد واتنين عالشفايف وخصلة غجرية ثائرة على شفايفها." هذا بالفعل ما يراه أمامه. بنفس اللحظة سقط ورقة العشق وأيقن أن تلك المرأة لم تكن تقول له خزعبلات، بل كأنها قرأت الطالع والمكتوب على قلبه.

كذلك سلوان التي بدأت تشعر بإحساس عودة الحياة مرة أخرى. تلاقت عيناها مع عيني جاويد، دخل إلى قلبها شعور لا تعلم ما هو، لكن شعور بقبول غريب عليها. كذلك بدأت تشعر بيدي جاويد الممسكين بعضديها. ببديهية منها تراجعت للخلف خطوة، لكن ما زال أثر الخضة وكذاك يدي جاويد يحطان بها. إلى أن اقترب ذاك الرجل الذي رأى كل شيء من البداية ومد يده بزجاجة ماء نحو سلوان قائلاً: "خدي يا بتي، بلي ريقك بشوية ميه."

مدت سلوان يدها بضعف تُمسك زجاجة المياه، لكن قبلها نظرت لجاويد قائلة بهدوء: "سيب إيديا."

بتردد شعر جاويد بالخزي وترك عضديها، لكن ما زال ينظر لها بتعجب وإعجاب في نفس الوقت. بينما ارتشف سلوان بعضًا من الماء ثم نظرت نحو قضبان القطار، رأت بقايا حقيبتيها وملابسها التي ذهبت أدراج الرياح، لم يبقَ شيء سوى قطع ممزقة من كل شيء. كذلك جسدها واهن، بصعوبة ذهبت نحو إحدى الأرائك تسير بوهن إلى أن جلست عليها، ما زالت تائهة الوجدان. بتلقائية ذهب جاويد إلى مكان جلوسها وجلس بجوارها فقط ينظر لها. صمت غريب حل على المكان واختفى المارة.

شردت سلوان وهي تنظر إلى بقايا أشلاء ثيابها بين قضبان القطار. لو لم يتغير القدر وانزلقت مع حقيبتيها أسفل عجلات القطار، كانت ستصبح أشلاء كهذه، ولن يتعرف أحد على جثمانها. شعرت ببرودة تسري في جسدها. بتلقائية ضمت يديها تمسد عضديها بكفيها، تود أن تبكي لكن حتى الدموع تحجرت في عينيها. لكن شعرت بمعطف ليس ثقيل يوضع على كتفيها. رفعت نظرها، رأت ذاك الرجل الذي أعطاها المياه قبل قليل يبتسم لها قائلاً: "متخافيش، الجاكت نضيف."

ابتسمت له بوهن وامتنان وارتدت المعطف فوق ثيابها، شعرت بدفء. بينما جاويد نظر لذاك الرجل وشعر بالغيرة حين ابتسمت له سلوان، رغم أنه يعلم أن بسمتها له مجاملة منها. زفر نفسه قويًا ونظر نحو قضبان القطار، رأى لمعان شيء يضوي. دخل إليه فضول ونهض من جوارها وقفز بين القضبان وذهب نحو ذاك الشيء اللامع، وجذبه من بين بعض الأشلاء، كانت بطاقة هوية. نظر نحو سلوان وكاد يتحدث لكن الفضول جعله يود قراءة اسمها. اقترب من أحد أعمدة الإنارة

بالمكان وهمس اسمها بذهول: "سلوان هاشم خليل راضي." بينما جلس الرجل بجوار سلوان متسائلاً: "إنتِ زينة يا بتي." ردت سلوان على سجيتها بتلقائية: "اسمي سلوان، مش زينة." ابتسم لها الرجل قائلاً: "عاشت الأسماء يا بتي، أنا قصدي إنك بخير." ردت سلوان: "الحمد لله بخير، بس مش عارفة هعمل إيه دلوقتي وهروح فين بعد كل حاجة ما ضاعت تحت عجلات القطر." ابتسم الرجل قائلاً: "ربك هيدبرها يا بتي، متقلقيش، زي ما أنجدك من شوية."

صمتت سلوان وهي ترى جاويد يقترب من مكان جلوسها مرة أخرى حتى وقف أمامها ومد يده لها قائلاً: "أنا لقيت بطاقتك الشخصية بين قضبان القطر، اتفضلي." أخذت منه بطاقة الهوية بانشراح وهي تنظر للرجل الجالس بجوارها قائلة: "إنت راجل مبارك، قولت لي ربنا هيدبرها وأهو بطاقتي الشخصية والأستاذ لقاها، كده تقريبًا اتحل جزء مشكلتي." ابتسم لها الرجل قائلاً: "سلمي أمرك دايمًا لله يا بتي، بس زي ما جلتِ اللي اتحل جزء من المشكلة، وأيه الباقي؟

ردت سلوان: "أنا كنت حاجز هنا في الأقصر في أوتيل عن طريق النت، حتى كمان كنت حولت جزء تحت الحساب، بس أنا مش عارفة هروح للاوتيل ده إزاي دلوقتي." ابتسم الرجل وهو ينظر نحو جاويد قائلاً بمكر وهو يرى نظرة خاصة من جاويد لها قائلاً: "بسيطة يا بتي، ممكن تاخدي تاكسي ولما توصلي للأوتيل خلي الأوتيل يحاسبه ويضيف الحساب على فاتورتك... أو... صمت الرجل، بينما قالت سلوان باستفسار: "أو إيه؟ نظر الرجل نحو جاويد قائلاً:

"أو الأخ ده لو معاه عربية يجدر يكمل معروفه ويوصلك للأوتيل." نظرت سلوان لجاويد تشعر نحوه بشعور غريب، لا تستطيع تفسيره وكادت تسأله لكن صمتها حياؤها منعه، فعرض جاويد: "معايا عربية بره محطة القطر، ولو فاكرة اسم الأوتيل خليني أوصلك له." نهضت مبتسمة تقول له: "آه فاكرة اسم الأوتيل، بس معرفش هو قريب من محطة القطر أو لأ." ابتسم الرجل قائلاً: "مش هتفرق يا بتي، خلي الأستاذ يوصلك، دلوقت ساعة ونص الليل والله أعلم بمين عالطريق."

دب الخوف في قلب سلوان لكن شعرت بالأمان ناحية ذاك الرجل، قائلة برجاء: "تعالى معانا، أنا حاسة ناحيتك إنك راجل طيب وتشبه بابا." ابتسم لها قائلاً: "واضح إن قلبك طيب يا بتي، بس أنا هنا عشان هستلم بضاعة جاية في القطر من أسوان، وهي تقريبًا وصلت عالرصيف، والأستاذ كمان شكله طيب وولد حلال." نظرت سلوان لـ جاويد تشعر ناحيته بأمان، ربما أكثر من ذاك الرجل، وشعور آخر، لكن تخشى الثقة الزائدة، وكادت تقول برجاء لذاك الرجل

الذي قاطعها قبل أن تتحدث: "عمك بليغ له نظرة في الناس يا بتي، روحي مع الأستاذ، متأكد إنه أمين." كأنها كانت بحاجة لسماع ذاك الكلام من بليغ لتذهب مع جاويد. بالفعل أومأت برأسها بموافقة وسارت بعض الخطوات أمام جاويد الذي اقترب منه بليغ قائلاً: "شكلي جيت في الوقت المناسب، ادلي مع الصبية وصلها للفندق، ومتحملش هم البضاعة، أنا هستلمها وأدخلها للمخازن." ابتسم جاويد له قائلاً:

"لو مش اللي حصل الليلة كان هيبقى ليا رد فعل تاني إنك تكسر كلمتي وتيجي تستلم البضاعة وإنت مصاب ولازمك راحة." ابتسم بليغ وهو ينظر لسلوان التي توقفت عن السير تنظر لهما قائلة: "أعتقد إنك هتكافئني إني جيت في الوقت المناسب، روح وصل سلوان... شكلها محتاجة لراحة بعد اللي شافته الليلة، لو مش إنت اللي جيت في الوقت المناسب يمكن... ربنا بيسبب الأسباب، أشوفك بكرة في المصنع يا جاويد."

سار جاويد نحو سلوان التي أشارت بيدها لـ بليغ بالسلام، ثم سارت أمامه إلى أن وصلا إلى خارج محطة القطار. أشار لها على سيارته وفتح لها الباب الأمامي وذهب هو إلى الناحية وجلس خلف المقود. كان الصمت بينهم، كل منهم يود سؤال الآخر لكن هناك شيء يمنعه، إلى أن وصلا إلى مكان الفندق توقف جاويد بالسيارة أمام مبنى ضخم، قرأت اسم اللوحة الإعلانية الكبيرة علمت أنه الفندق.

فتحت باب السيارة وترجلت منها، توجهت نحو باب الفندق، لكن قبل أن تبتعد عن السيارة سمعت صوت إغلاق باب السيارة. نظرت خلفها ورأت ترجل جاويد، فقالت له باختصار: "شكرًا." أومأ لها برأسه صامتًا وظل واقفًا أمام سيارته إلى أن دخلت إلى داخل الفندق. ظل قليلًا ثم دخل إلى الفندق وذهب إلى مكان الاستقبال سائلًا عن غرفتها ثم غادر الفندق...

عائدًا عقله يفكر كل ما حدث الليلة، الذي لو سرده عليه أحدًا لقال أن هذا قصة خيالية، يحكيها راوي بأحد الموالد الشعبية... يضحك بها على عقول السذج. ***

دخلت سلوان إلى داخل تلك الغرفة، التي من الجيد أنها أكدت الحجز بتحويل جزء تحت الحساب إلى الفندق. ألقت بمفتاح الغرفة وبطاقة هويتها فوق الفراش ثم ألقت جسدها فوق الفراش تنظر إلى سقف الغرفة، عقلها يسترجع ما حدث لها الليلة، عقلها كأنه مثل شريط فيديو سجل ما حدث دون إرادة منها. دمعة سالت من عينيها، للحظة كان بينها وبين موت محقق خطوة واحدة. لولا... لولا من هذا؟ وما هذا الشعور الغريب الذي بداخلها؟

مرة لأول مرة تشعر بألفة تجاه أحد من أول لقاء لها معه. فما عاشته سابقًا بسبب كثرة تنقلاتها من مكان لآخر علمها التريث في إعطاء الأمان لمن أمامها. هي آمنت لذاك الشاب الذي أنقذها، ليس هو فقط، ذاك الكهل الآخر. نظرت إلى جسدها وذاك المعطف الذي وضعه فوق كتفيها وهي بمحطة القطار. إحساس غريب يغزو عقلها، هي حذرت سابقًا من المجيء إلى هنا بالأقصر، لكن انقسم تفكيرها، بين ما كاد يحدث لها وبين ما قابلته هنا منذ البداية. بداخلها تمنت

رؤية ذاك الشاب مرة أخرى، لا تعلم سبب لذلك. لكن نهضت من على الفراش تشعر بإرهاق وخلعت ذاك المعطف، لكن شعرت بشيء معدني بداخل أحد جيوب المعطف. بفضول منها أخرجته، كان سوار فضي به بعض النقوش الفرعونية. أعجبها تصميمه كثيرًا، لفت نظرها حفر كتابة باللغة العربية داخله.

قرأته بصعوبة قائلة: "جلال الدين." وضعت السوار بجيب المعطف مرة أخرى، قائلة: "كان فين عقلي؟ كان لازم أسأل عم بليغ ده عن عنوانه عشان أرجع له الجاكت بتاعه، أكيد الأسورة دي غالية عليه." زفرت نفسها قائلة: "حاسة جسمي بيوجعني، هدخل آخد شاور وبعدها هيكون في طريقي أرجع بها الجاكت والخاتم ده... كويس إن البطاقة بخير، أكيد فيه فرع للبنك هنا في الأقصر أروح أطلع كريديت جديد وأبقى أشتري لي هدوم وموبايل جديد." *** منزل صلاح الأشرف.

خلع جاويد بعض ثيابه وظل بالبنطال فقط وذهب يجلس على الفراش. تنهد بانشراح قلب. أغمض عينيه لثوانٍ. سكن وجه سلوان خياله. ابتسم بشوق وهو يتذكر نظره لشفاها. سارت رغبة قوية بقلبه وهو يتخيل لو كان أكمل وقبل شفاها بما كان سيشعر وقتها. لعق شفاه. لكن فتح عينيه على صوت طرق على باب الغرفة. نهض بتكاسل يرتدي قميصًا قائلاً: "إدخل." دخلت يسرية ببسمة قائلة بعتاب حازم:

"إيه اللي آخرك لدلوقت، كل ده عشان جلت لك على الموبايل إن عمتك صفية هنا، بتتهرب عشان ما تشوفش مسك." تنهد جاويد قائلاً: "موضوع مسك إنتِ عارفة رأيي فيه من الأول، مسك زي حفصة، والتخاريف القديمة بتاعة زمان اللي لسه عمتي متمسكة بيها، 'إن جاويد لـ مسك' من وهي في اللفة حتى لو أنا اللي وجتها كنت واخد الموضوع لعبة طفولة مش أكتر، لما كبرت عرفت حقيقة مشاعري، مسك في نظري زي أي بنت عادية ومستحيل أقبلها زوجة ليا."

تنهدت يسرية بسأم قائلة:

"وإنت عارف زين إن عمتك حاطة أمل في قلب بتها والله بتصعب عليا أحيانًا، أنا مقدرش أغصب عليك تتجوزها، وبعد كده لو محصلش بينك وبينها وفاق ترجع تلومني. بص يا ولدي كل شيء قدر وربنا هو اللي بيسره وبيدخل الألفة في القلوب. أنا كل اللي خايفة منه هو حفصة أختك، مسك ليها تأثير كبير عليها، وعمتك طلبت الليلة نحدد ميعاد كتب كتابها هي وابنها، وأبوك وافق إن كتب الكتاب يتم كمان أسبوعين، والجواز في إجازة نص السنة." تفاجأ جاويد قائلاً:

"وليه الاستعجال ده عاد، ما يتجوزوا بعد امتحانات نهاية السنة حتى تكون حفصة خلصت دراستها قبل ما ترتبط بمسؤولية جواز." تنهدت يسرية بقبول قائلة: "جلت كده بس عمتك جالت إن حفصة كيف بتها مسك والجواز مش هيأثر على دراستها، وأبوك وافق كمان." تثاءب جاويد قائلاً: "تمام، طالما أبوي موافق يبقى على بركة الله." نهضت يسرية من جوار جاويد قائلة: "هسيبك ترتاح، شكلك هلكان، بس لسه لنا حديث عن سبب تأخيرك لدلوقت بره الدار."

ضحك جاويد قائلاً: "ليه هو أنا بنته وممنوع أتأخر بره الدار بعد العشا." تنهدت يسرية قائلة: "لأ مش بنته بس أنا بفضل قلقانة لحد ما تعود، أنا وأخوك للدار، هو كمان زمانه راجع من المستشفى ومعاه وكل من الشارع، طول عمره بيحب الرمرمة." ضحك جاويد.

نهض من فوق الفراش بعد خروج يسرية، ذهب نحو حمام غرفته وأخذ حمام دافئ، وارتاح بجسده فوق الفراش كي ينام، لكن سهد النوم وطار من عينيه رغم أنه كان قبل قليل يتثاءب ويشعر بالنعاس، وعاود خيال وجه سلوان يشغل عقله وقلبه. خرج من غرفته وصعد إلى تلك المضيفة التي بأعلى المنزل وذهب نحو تلك الطاولة وبدأ بممارسة هوايته المفضلة التي ورثها، وهي تشكيل الفخار...

حاول الانهماك، لكن عقله وقلبه يرفضان أن يبتعد عنه وجه سلوان، وتذكر آخر كلمة سمعها من امرأة المعبد وتحذيرها له: "حاذر تكذب أو تخدع، لوعة العشق مكتوب على القلوب."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...