استيقظت سلوان بفزع قليلًا على صوت رنين هاتفها. نهضت جالسة على الفراش تنظر حولها بإستيعاب. كان نور النهار تقريبًا يُغادر. نظرت لوميض ذالك الهاتف الذى كان قريب منها على الفراش. وضعت يدها فوق الهاتف، تشعر كأنها كانت تائهه ليست نائمة. فجأة، مثلما صدح صوت الهاتف، صمت لثوانٍ لا أكثر. تنهدت وبدأت تعود لإدراك ما حولها قبل أن يصدح رنين الهاتف مرة أخرى. رفعت الهاتف ونظرت للشاشة. زفرت نفسها تتوقع حديث والداها الجاف.
لكن خاب توقعها حين قامت بفتح الهاتف، حدثها بهدوء ولهفة: "مساء الخير يا سلوان، أيه آخرك في الرد على اتصالي." شعرت بهدوء قليلًا قائلة: "كنت نايمة يا بابا، انت عارف إني القطر هيطلع من الأقصر بعد الفجر، وانت عارف لما بكون مسافرة مش بعرف أنام في الطريق، قولت أنام ساعتين وصحيت على رن الموبايل، على ما جيت الرد كانت مدة الرنين خلصت، وكنت لسه هتصل عليك." تنهد هاشم براحة قائلاً:
"تمام، يعني هتكوني هنا في القاهرة على بكرة المسا." ردت سلوان: "أيوا يا بابا، بس قبل ما أرجع أهو بقولك انسى موضوع إيهاب ده، مستحيل يحصل." ابتسم هاشم وتلاعب بها قائلاً: "أما توصلي للقاهرة لينا كلام بعض، الموضوع ده مينفعش الكلام فيه عالموبايل." تنهدت سلوان بضجر:
"لأ يا بابا، مستحيل ده يحصل ومش عاوزة حتى أما أرجع بكرة نتكلم في سيرة إيهاب ده خالص، أنا مش بطيقه من الأساس من أيام ما كنت ساكنة مع عمتو شادية كنت بستغلس دمه هو و.... صمتت سلوان قبل أن تقول، هو وزوجته التي تزوج بها. لكن لا تريد إشعار والدها بأنه أخطأ بالزواج من امرأة لا تحبها. وهل كانت ستحب أي امرأة زوجة لأبيها؟ لكن أصبح عليها القبول بذلك الأمر والتعامل معه ببساطة حتى لا تثير الإزعاج لوالدها.
بينما شعر هاشم بغصة في قلبه وهو يعلم أن سلوان قطعت استكمال قولها، أنها أيضًا لا ترحب بزوجته. لديها الحق، هي تظن أنه وضعها أمام الأمر الواقع وتزوج بامرأة تأخذ مكان ومكانة والدتها الراحلة. وربما تستطيع أن تسيطر على قلبه وتجعله يقسو عليها. لكن هي مخطئة، فلا يوجد أحد يستطيع أخذ مكانتها بقلبه، لا هي ولا والدتها. لكن الحياة فقط تستمر. تنهد هاشم قائلاً بتهديد مباشر:
"تمام يا سلوان، اللي عاوزاه بس اعملي حسابك لو اتأخرتي يوم واحد زيادة عندك في الأقصر، أنا وقتها هوافق على طلب إيهاب حتى لو غصب عنك." تنهدت سلوان براحة وفرحة قائلة بتأكيد: "لأ اطمن يا بابا، راجعة بكرة. كده كده الفلوس اللي معايا خلاص تعتبر خلصت، يدوب على قد رجوعي لعندك تاني." ابتسم هاشم قائلاً: "تمام، هسيبك تنامي تاني عشان عندك سفر طويل، بالسلامة." أغلقت سلوان الهاتف ووضعته على الفراش بجوارها.
تشعر بمشاعر مختلفة لا تعلم تفسير لها. بقلبها ضيق. لما سافرت إلى أماكن كثيرة سابقًا حين كانت تغادر لم يكن يسيطر عليها أي شعور. أحيانًا كانت تريد المغادرة بعد لحظات من الوصول. لكن هنا شيء غريب يجذبها للبقاء. ما هذا الشيء؟ لا تعلم. هي تود البقاء فقط. لكن لا مفر، تحتم عليها المغادرة. -❈❈ -❈❈ بينما أغلق هاشم الهاتف ووقف يتنهد مبتسمًا، يشعر براحة بعد قلق عاشه الأيام الماضية. سلوان ستعود بالغد وينتهي هذا القلق.
لاحظت دولت بسمة هاشم. اقتربت منه سألته بصوت يشوبه السخرية: "إيه، سلوان رجعت في وعدها وآجلت رجوعها من الأقصر." رد هاشم: "لأ، سلوان راجعة بكرة." قال هاشم هذا وترك دولت تقف وحدها وذهب نحو غرفة سلوان ودخلها وأغلق خلفه الباب. بينما زفرت دولت نفسها بغضب وحقد قائلة:
"كانت شؤم سودة بقالي خمس سنين أرملة كنت عايشة مرتاحة مع ابني، معرفش إيه اللي خلاني أتهفت في عقلي ووافقت على الجوازة دي. واحد عنده بنته أهم من أي شيء تاني، كأن مفيش غيرها في الحياة. عقله ناقص يطير منه عشان يرجعها كأنها طفلة وهتوه. رغم من تعاملي معاه قبل كده متأكدة إنها خبيثة ودلوعة." بينما دخل هاشم إلى غرفة سلوان. جلس على طرف الفراش وجذب ذالك البرواز الصغير الموضوع على طاولة جوار الفراش. نظر له بقلب منفطر.
يرى صورة سلوان بالمنتصف بينه وبين "مِسك". تلك الرائحة الطيبة التي عاشت معه ثلاث عشر عامًا. بدأت معه من الصفر. عاشت معه وتحملت إمكانياته البسيطة لسنوات. تتحمل ضيق المعيشة. بل وأحيانًا كانت هي من تواسيه بعد يوم عمل شاق قضاه وأن الآتي سيكون أفضل. كانت تنتظره كل مساء مع طفلتهم التي ورثت جمالها. انقضت الأيام والسنين معها سريعًا. حتى بعد أن آتت إليه فرصة العمر وعقد عمل بدولة الإمارات رحلت معه.
لكن كان القدر إذا أعطى شيئًا أخذ شيئًا ثمينًا بالمقابل له. توفر المال براتب خيالي استطاع به شراء شقة بمكان أفضل وتبدل الحال بـ سلوان لتدرس بمدارس أجنبية خاصة هناك بالإمارات. لكن هذا لم يدوم ذلك كثيرًا. فجأة مرضت مِسك وأخفت آلامها لفترات إلى أن تغلب عليها اللعين. وعرف هاشم أنها بالمرحلة النهائية لمرض خبيث نهش جسدها. رغم ذلك لم يؤثر على جمال ملامحها. تذكر وصيتها الأخيرة:
"أنا عارفة إني هموت يا هاشم، المرض خلاص اتمكن من جسمي. بس ليا عندك أمنية ووصية، بتمنى أنك تقدر تحققهم. الأمنية... إني بعد أموت أندفن في الأقصر في بلدي اللي عشت فيها واتقابلت معاك كمان هناك. الوصية... بنتي سلوان، أنا عارفة إنك هتتجوز من بعدي، بس وصيتك سلوان، بلاش تسمع للي هتتجوزها من بعدي وتأسي على سلوان... سلوان عاشت مقفول عليها بسبب ظروف جوازنا... بتخاف تثق في اللي حواليها. حافظ عليها."
دمعة فرت من عين هاشم وأنامله تتلمس وجه مِسك الرقيقة. كانت مثل اسمها "رائحة طيبة". لكن لم يزل عبقها من حياته. تركته بـ سلوان التي حاول دائمًا توفير الراحة لها. اكتفى بها هي وعمله لسنوات. انغمس في العمل حتى يستطيع التحكم في ألم قلبه الذي مازال يحمل العشق فقط لـ "مِسك". لكن فجأة شعر أنه أصبح مثل الترس الذي بدأ يتآكل، فقط يعمل ويجني المال من أن يجعل سلوان تعيش بمستوى راقي جدًا يليق بها.
لكن سلوان كبرت وأصبحت شابة جميلة تتهافت عليها العرسان. حقًا كانت ترفضهم بلا أسباب. لكن ذلك لن يطول. ربما يأتي من يخطف قلبها وتذهب معه، ويظل هو وحيدًا. أنهى عقد عمله وأنهى مرحلة سفره الطويل وقرر المكوث بمصر نهائيًا. لكن بلحظة شغلت أخته عقله أن عليه أن يجد زوجة ليس شرطًا أن يحبها، وهذا من حقه أن يجد أنيسة له. فسلوان لن تظل معه طوال العمر، سوف يأتي وقت وتتزوج وتبتعد عنه وتبني حياة خاصة لها.
لما يظل وحيدًا وهو مازال بصحة جيدة. قابل دولت جارة أخته الأرملة ووجدها مناسبة له عمريًا، وقريبة من نفس ظروفه، فقط تريد زواج ونس. تزوج بها بعد أن أخبر سلوان التي لم تبدِ أي معارضة. رغم أنه شعر أن معاملتها مع دولت فاترة حتى من قبل أن يخبرها أنه سيتزوجها. ربما لم تعترض سلوان حتى لا يقول عنها أنانية. تحملت زواجه، الذي أحيا بداخلها ذكرى والداتها الراحلة. لكن هي مازالت وستظل الأولى والأغلى بحياته.
بعد حوالي ساعة بمنزل القدوسي. نهض جاويد مبتسمًا يقول: "تمام، هنتظر رأيك يا حج مؤنس، أتمنى يكون في أقرب وقت." أومأ له مؤنس برأسه وكاد ينهض. لكن جاويد قال له: "خليك مرتاح، أنا مش غريب، هستأذن وهنتظر ردك. سلاموا عليكم." غادر جاويد من باب الغرفة المطل على الحديقة. رأت مغادرته مِسك من شرفة غرفتها الواقفة بها، ظاهرة بوضوح للرؤية. لكن رغم ذلك لم يرفع جاويد رأسه وينظر إليها.
لكن لم تهتم ونزلت من غرفتها سريعًا، كي تأخذ البشارة التي تنتظرها بقلب منشرح. بالمندرة. رغم أنها تشعر ببعض الخزي، لكن الفضول جعلها لا تهتم لما قالته قبل قليل. ودخلت إلى المندرة بلهفة، سائلة بخبث: "إيه ده، هو جاويد مشي بسرعة كده ليه؟ كان جاي في إيه؟ نظر مؤنس لها بتهكم. هل تظن أنه أحمق بعد كل تلك السنوات الذي عاشها وعلمته التمييز بنوايا البشر جيدًا؟ لكن ادعى عدم الانتباه لنواياها ورد ببساطة:
"الأمر اللي كان عاوزني فيه كان بسيط وانتهى بسرعة." رغم فضول صفيه، هي تعلم خبث ومكر مؤنس جيدًا. لكن قالت: "طب كنت امسك فيه على العشا حتى، هو جاويد غريب." رد مؤنس: "لأ، جاويد مش غريب وفعلاً طلبت منه يتعشى معانا، بس هو جال وراه شغل مهم." تهكمت صفيه: "شغل إيه دلوقت؟ دي المغربية حلت والعشا فاضل عليه ساعة بالكتير." رد مؤنس بتهكم:
"والله مسألتوش عن أشغاله، هو جالي اللي كان جاي عشانه وسابلي، وجت أفكر قبل ما أرد عليه، وبعدها استأذن. همسك فيه غصب عني." شعرت صفيه بالضجر ثم قالت بسؤال: "إلا، هو جاويد كان عاوزك في إيه؟ نظر لها مؤنس وتخابث قائلاً: "مش فاكر، نسيت أصلي كبرت والذاكرة عندي بجت بعافية. أنا رايح الجامع ألحق أصلي المغرب، ومش هعاود غير مع محمود بعد صلاة العشا، بدل وجفتك دي، روحي تتمي على الأكل." غادر مؤنس الغرفة وترك صفيه تشعر تنفخ أوداجها.
تشعر بالغضب، لكن دخلت مِسك إلى الغرفة بلهفة قائلة: "فين جدي؟ ردت صفيه: "جدك خرج راح الجامع." استغربت مِسك من ضيق صفيه وتسألت: "مالك يا ماما مضايجة ليه كده؟ هو جدي جاله حاجة زعلتك؟ ولا يكون اتحدت مع جاويد بطريقة كويسة بعد ما سمع كلامك عليه." ردت صفيه: "لأ، معرفش. جدك حاويط، وبيعرف يداري مشاعره زين. وقبل ما أسأله جاويد كان عاوز إيه، قال رايح الجامع، ومش هيرجع غير مع أبوكِ بعد صلاة العشا." زفرت مِسك نفسها بغضب قائلة:
"ولسه هنستنى لحد ما يعاود هو وبوي بعد صلاة العشا، وممكن كمان يتأخروا كيف عادتهم. ياريتني ما سمعت حديثك وكنت وقفت جار باب المندرة، يمكن كنت سمعت جاويد وعرفت هو كان عاوزه في إيه؟ ردت صفيه:
"افرضي جاويد بدل ما كان خرج من باب المندرة اللي على الجنينة كان خرج من الباب ده وشافك، كان هيقول إيه وياخد عنك فكرة إنك بتتصنتي. وأنا متأكدة إن عندي إحساس إن جاويد طلب إيدك من جدك، بس هو كده عنده مكر ولؤم، ومليش في إيدنا غير الصبر لحد ما يعاود ونعرف ونتأكد من إحساسي." تنهدت مِسك بأمل رغم أن الانتظار الآن هو أسوء حل. قبل صلاة العشاء بقليل. أمام المشفى.
أثناء خروج إيلاف من المشفى بعد أن أنهت وقت عملها، رأت جلوس بليغ مع فرد الأمن الواقف على باب المشفى. نهض حين رآها تقترب من مكانه، يبتسم هو الآخر إلى أن تقابلا بالقرب من بوابة المشفى. مد يده بكيس ورقي قائلاً: "من حظك لحقتك قبل ما تمشي من المستشفى، جبتلك شوية فول سوداني مقلي طازة وسخن." أخذت إيلاف من يده الكيس مبتسمة تقول: "متشكرة يا عم بليغ، والله أنا بقيت بنتظر حضورك لهنا قدام المستشفى زي الطفلة اللي بتنتظر......
توقف الكلمة بلسان إيلاف. فماذا تقول؟ "منتظرة أبيها يعود لها بالحلوى". شعرت بغصة. نظر لها بليغ باستغراب قائلاً: "مالك يا دكتورة، وقفتي حديثك ليه؟ أوعى أكون بضايقك." ابتلعت إيلاف تلك الغصة وأخفت تلك الدمعة بعينيها وتبسمت له: "لأ يا عم بليغ، بالعكس أنا ببقى سعيدة لما بشوفك. تعرف إني قبل كده كان مستحيل آخد أي حاجة من حد غريب عني، وبالذات حاجة الأكل." ابتسم لها بليغ قائلاً: "بس أنا مش غريب يا بتي، أنا عمك بليغ."
ابتسمت له تشعر بشعور مختلف معه، شعور ألفة. ودت أن تقول له لكنك لست بالنسبة لي عم، بل أريد أن أناديك بليغ فقط، لكن الذوق يمنعني. بينما بليغ رفع وجهه قليلاً ونظر لأعلى ليرى ذاك الواقف خلف شباك مكتبه بيده كوب يحتسي منه. لكن تبدو ملامحه غاضبة بعض الشيء. تبسم بداخلها. هو حقًا عاش حياته مثل شريد، لكن أصبح لديه شفافية خاصة يستطيع قراءة العيون ويعلم منها صدق أو كذب المشاعر. بينما بمكتب جواد.
لم ينتبه لمن كان يتحدث معه إلا حين وضع كف يده على كفه ينظر إلى ما ينظر إليه عبر الشباك. وتخابث قائلاً: "سرحت فين يا دكتور جواد؟ بكلمك مش بترد عليا." انتبه جواد له قائلاً: "مش سرحان ولا حاجة، بس شوية إرهاق. على العموم، هفكر في عرضك وهرد عليك في أقرب وقت يا ناصف." ابتسم ناصف بمكر قائلاً:
"دي تبقى فرصة عظيمة لو قبلت تنضم لينا يا دكتور جواد. في النهاية إحنا غرضنا صحة الأهالي. المستشفى الجديدة اللي بقولك عليها هي خاصة صحيح، بس هيبقى فيها جزء خيري لعلاج المحتاجين مجانًا. يعني غرضنا مش الربح فقط. المستشفى مفتوحة للجميع، اللي قادر يدفع قصاد علاجه، واللي مش قادر ومحتاج ومعندوش إمكانية انتظار مكان يفضى بمستشفى الحكومه." رد جواد: "تمام، قُلتلك هفكر. بلاش طريقة إلحاحك دي." تبسم ناصف بخبث قائلاً:
"تمام، هنتظر ردك. ودلوقتي أنا خلاص ورديتي خلصت، هروح بيتي أرتاح شوية." أماء له جواد برأسه دون حديث حتى خرج من المكتب. جلس جاويد يزفر نفسه بقوة، يشعر بضيق من بليغ الذي يتقارب من إيلاف وينتظرها شبه يوميًا أمام المشفى. لكن بنفس الوقت صدح رنين هاتفه. نظر إلى الشاشة. ابتسم وقام بالرد مازحًا: "من الواضح كده إن مصانع الأشرف قربت تعلن إفلاسها ورئيس عمالها يوميًا بشوفه المسا هنا قدام المستشفى... يا جاويد باشا."
ابتسم جاويد قائلاً: "لأ، اطمن. الحمد لله المصانع شغالة كويس، بس رئيس العمال يمكن يكون بيجي المستشفى يطمن على صحته، ناسي إن إيده كانت مجروحة. على العموم مش متصل عليك عشان تقر عليا، أنا محتاج لاستشارة خاصة." مزح جواد قائلاً: "بصفتك من عيلة الأشرف ومقتدر ماليًا، فالاستشارة هتتحول للقسم الاقتصادي بالمستشفى. قولي نوع الاستشارة عشان أحدد قيمة المبلغ." رد جاويد:
"لأ، مش هينفع نتكلم عالموبايل. أنا قريب من المستشفى، ربع ساعة وأكون عندك." رد جواد: "تمام، بس اعمل حسابك مبلغ الاستشارة هيتحدد حسب الوقت اللي هتاخده." ابتسم جاويد قائلاً: "تمام يا دكتور يا استغلالي، هدفعلك التمن مضاعف متخافيش. سلام." أغلق جواد الهاتف ووضعه على المكتب ثم جلس على مقعده يحتسي القهوة مرة أخرى، يشعر بمشاعر تغزو قلبه تجعل عقله يحتار، رغم أنها أشياء بسيطة. بينما بخارج غرفة المكتب تقابل ناصف مع أحد
الأطباء الذي تلهف بالسؤال: "ها، جواد وافق يشتغل في المستشفى؟ رد ناصف: "لأ، قال سيبني أفكر. بس سيبك من الموضوع ده دلوقتي. شفت الدكتورة الجديدة اللي جات هنا تكليف في المستشفى." تعجب الطبيب الآخر قائلاً: "مالها دي كمان؟ عاوز تجيبها تشتغل معانا في المستشفى؟ بس دي لسه دوبها متخرجة وكمان ده تكليف وبعد السنة أكيد هترجع للمكان اللي جت منه، يعني مش هطول هنا." رد ناصف بضيق:
"مش فاهمني، أنا مقولتش إننا نجيبها تشتغل معانا في المستشفى. أنا بقولك مش ملاحظ نظرات جواد ليها؟ واضح كده إن كيوبيد ضرب سهمه في قلب جواد. أنا لاحظت نظراته ليها أكتر من مرة فيها إعجاب." تنهد الطبيب الآخر قائلاً بسخرية: "آه، وعاوزني بقى أشتغل خاطبة وأروح أخطبها له." زفر ناصف نفسه بضيق قائلاً:
"لأ طبعًا. أنا عاوز نقرب الدكتورة دي مننا وتبقى جدع لو قدرت تقنعها إنها تشتغل معانا في المستشفى الجديدة، بأي تسهيلات هي عاوزها. لأن وقتها جواد هيوافق يشتغل معانا عشان يبقى قريب منها طول الوقت." تنهد الطبيب الآخر متفهمًا: "آه فهمتك، وماله ميضرش، بس دي مهمتك بقى، إنت اللي بتفهم في الجنس اللطيف وبتعرف تتعامل معاه. يلا بلاش وقفتنا دي لا جواد يشوفنا ويفكر إننا بنضيع وقت، المرضى أولى بيه. بالسلامة." بنفس الوقت بمنزل صالح.
على درج السلم. تقابل هو وزاهر الذي يتحدث بالهاتف وسمعه يقول بتعسر: "أنا نص ساعة وأوصل لمكان المخزن، عاوز حد يجابلني بالمفاتيح." قال هذا زاهر وأغلق الهاتف يشعر بضيق وهو ينظر لـ صالح الذي يصعد بالمقابل له. كاد يتجاهله ويكمل نزول السلم، لكن صالح تهكم عليه قائلاً: "مخزن إيه اللي مضايجك كده؟ وهتعمل بيه إيه؟ وبتتمنظر وتشخط كده ليه؟ آخرك فاشل، بالك لو مش فلوسي كان زمانك شغال أجري." نظر زاهر له باشمئزاز قائلاً:
"فلوسك، وماله لما أتمنظر بفلوسك الحرام؟ مش أنا ولدك واد الحرام برضك. بس مش بعادة أشوف في الوقت ده هنا في الدار، الليل خلاص دخل وده وقت الشيطان، وراجع منين كده مضايج." نظر صالح لـ زاهر بغيظ قائلاً: "وإنت مالك، غور شوف كنت رايح فين واعمل حسابك لما تفشل كيف العادة متجيش تطلب مني فلوس." تهكم زاهر قائلاً:
"بلاش أنت تعيش في الوهم يا أبوي، فلوسك حرام وأنا معوزهاش. أنا اللي خدته منك فلوس أمي اللي قتلتها واستوليت على أرضها ومالها، أنا الوارث الوحيد ليهم وأخدتهم. يعني فلوسك اللي كنت باخدها سابق وبخسرها كانت عن قصد مني خسارتها. لكن مال أمي حلال وهو اللي هيدوم لي. أسيبك لشياطينك. سلام." غادر زاهر يشعر بحسرة وشجن في قلبه. بينما شعر صالح بالبغض لـ زاهر قائلاً:
"واد حرام بصحيح، ضحك علي لحد ما سجلت له أرض أمه ودلوقتي بيتمنظر علي. لكن لأ، مش صالح الأشرف اللي بيتضحك عليه. كفاية مرة اتضحك علي، بس.... توقف صالح لحظات يفكر قبل أن يسأل نفسه: "بس إيه يا صالح؟ البت اللي في الفندق دي مش عارف ليها سكة منين، اتحدت وياها؟ تنهد مشتاقًا يقول:
"بس عينها جريئة قوي. نسيت أسأل عامل الفندق، واد الحرام أخد مني بقشيش قد كده، كان لازم أسأله هي لسه فاضل لها كام يوم هنا. بسيطة، أنا أرجع للفندق من تاني وأسأل بأي حجة، ولو أمكن آخد أوضة جاريها." حسم صالح أمره وقرر العودة للفندق مرة أخرى. بعد صلاة العشاء. بمنزل القدوسي. على طاولة العشاء. الفضول يتآكل بكل من صفيه ومِسك التي فاض صبرها ونظرت لـ مؤنس وحاولت رسم البراءة: "هو جاويد كان عاوزه ليه يا جدي؟
نظر مؤنس لـ محمود ثم نظر لـ مِسك وجاوب: "كان عاوزني بيعرض أنه يشتري الأرض الجبلية بتاعتنا اللي في أول البلد." شعرت مِسك بالصدمة ونظرت لـ صفيه التي استغربت قائلة: "وهو عاوز يشتري الأرض دي ليه بقى؟ ما هو أرضنا في نفس المكان." رد مؤنس: "سألته عن السبب وجالي، إنه بيفكر ينشأ مصنع فخار وخزف هنا ومحتاج لقطعة أرض كبيرة وتكون جار أرضهم، وطبعًا أرضنا هي اللي جنبيهم وهو عرض عليا يشتري بأي سعر أنا أطلبه." تساءلت مِسك
ودمعة تتحجر بعينيها: "وانت وافقت طبعًا يا جدي تبيعها له." رد مؤنس: "لأ، موافقتش وهو عطاني وقت أفكر فيه، بس أنا مش موافق أبيع الأرض دي." تساءل أمجد: "وليه يا جدي مش موافق تبيع له الأرض دي؟ الأرض دي تعتبر سلخة صغيرة وكمان مش متساوية، ناحية واسعة وناحية ضيقة وعشان تتعدل لازم تاخد من الأرض اللي جارها، والأرض اللي جارها بتاع أخوالي. رأيي إنك تبيعها له بس اطلب تمن مناسب لأن الأرض مصلحة لهم أكتر مننا."
زفر مؤنس نفسه بغضب قائلاً: "أنا جولت له قراري خلاص ومش عاوز حديث في الموضوع ده تاني. أنا شبعت وحاسس بشوية إجهاد، هدلي على مجعدي أنام. تصبحوا على خير، وانت يا محمود نام بدري، بكرة عندنا شغل مهم بدري." أومأ محمود له رأسه بتمام. نظرت صفيه ناحية محمود بعد مغادرة مؤنس وتسألت بفضول: "شغل إيه المهم ده؟ وليه متكلمتش وجولت للحج مؤنس إنك يبيع الأرض ونستفاد بحقها." تنهد محمود قائلاً:
"أبوي حر في رأيه وهو مش عاوز يبيع الأرض، وبصراحة كده أنا موافق أبوي بعدم بيع الأرض دي، لأن الأرض دي كنز لينا." تهكمت صفيه قائلة: "الأرض اللي مش مكملة فدان ونص دي كنز لينا ليه بقى؟ علم محمود من نبرة حديثها أنها تتهكم فرد عليها قائلاً: "الأرض دي لازقة في النيل مباشرةً، حتى مية النيل لما بتعلى بتصب فيها، يعني رملتها شديدة من ناحية الزراعة وكمان الطمي بتاع النيل بينفعنا في صناعة الفخار." ... بعد قليل بغرفة مِسك.
كانت تبكي أمام صفيه قائلة: "كنا مفكرين إن جاويد طلب يقابل جدي عشان يطلبني منه، بس طلعنا غلطانين. أكيد الولية الغجرية دي نصابة، مفيش مرة عمل واحد من اللي عملتهم جاب نتيجة. أنا خلاص مبقتش قادرة أتحمل أكتر من كده، أنا خايفة في لحظة ألاقي چاويد بيتجوز من واحدة غيري، ووقتها أموت بقهرتي." ضمت صفيه مِسك بلهفة قائلة:
"بعيد الشر عنيكِ، إن شاء الله اللي ما تتسمى اللي كانت داخلتها علينا قديم النحس. أنا من بكرة هروح للولية الغجرية دي وهقولها على كده، وإن معملتش عمل يخلي جاويد يطلب إيدك في أقرب وقت، هددها إني هبلغ عنها الحكومة." تهكمت مِسك وتنهدت بألم قائلة: "وهي الغجرية دي هتخاف من الحكومة برضك؟
أنا خلاص يا ماما حاسة قلبي هيقف، مبقاش قادرة أتحمل، ومش عارفة هو جاويد ده قلبه إيه، حجر صوان مش بيرق. أوقات بحس من نظرة عينيه إنه رايدني وبيعمل تقيل، وأوقات تانية بحس إني ولا على باله." ردت صفيه:
"كيف مش على باله، هو اللي تقيل. كلنا عارفين إنه اتغير كتير بعد موت جلال. ياريت كان عاش، يمكن كان قلب جاويد مبقاش قاسي كده. لكن القدر بقى هنجول إيه. وحدي الله كده ونامي دلوقتي، وأنا لازم أروح للولية الغجرية وأشوف معاها حل نهائي." تهكمت مِسك وتنهدت بألم قائلة: "والله قلبي حاسس إن الولية دي خرقانة وما بنكسب من وراها غير إننا بنبجي ملعونين، لا بيتقبل مننا صوم ولا صلاة لأربعين يوم." بالفندق.
كانت سلوان تضجع بظهرها على بعض الوسائد فوق الفراش تتصفح بالهاتف، لكن فجأة صدح رنين الهاتف بيدها. لوهلة انخضت وسقط الهاتف من يدها فوق الفراش. سرعان ما تهكمت على نفسها قائلة: "الولية الخرقانة اللي قابلتيها قبل الضهر بالطريق خلت أعصابك خفيفة يا سلوان." جذبت الهاتف ونظرت للشاشة، ابتسمت بانشراح ثم قامت بالرد سريعًا تسمع: "مساء الخير يا سلوان، إزيك دلوقتي؟ بقيتي أفضل." ردت سلوان:
"آه الحمد لله بقيت كويسة، متشكرة لسؤالك يا جلال." ابتسم جلال قائلاً: "طب طالما بقيتي كويسة، أيه رأيك أنا عازمك على العشا." ابتسمت سلوان وفكرت قليلاً، ثم قالت: "تمام وأنا موافقة، حتى تبقى نهاية رحلتي هنا عيش وملح سوا." ابتسم جلال قائلاً: "تمام، أنا قدام الفندق منتظرك. ياريت بلاش تتأخري، إنتِ جميلة ومش محتاجة تقفي قدام المراية كتير،
وكمان سمعت خرافة بتقول: إن اللي بتقف قدام المراية بالليل كتير جسمها بيتلبس من الجان أو بتعنس." ضحكت سلوان قائلة: "مش مهم أعنس بس بلاش جسمي يتلبس، أنا جبانة وبخاف، ومش هتأخر عشر دقايق وهنزل." ابتسم جاويد وشعر بانشراح في قلبه حين سمع صوت ضحكة سلوان. يبدو أنها عادت للصفاء مرة أخرى، وقال لها: "تمام، أما أشوف هتنزلي في ميعادك مظبوط ولا زي العادة، عشر دقايق وفي الآخر تنزلي بعد نص ساعة." ابتسمت سلوان قائلة:
"لأ، هما عشر دقايق بالظبط وهتلاقيني قدامك. بس لو طولت في الكلام عالموبايل ممكن يبقوا أكتر." ابتسم جلال قائلاً: "آه يعني هتاخدي الموبايل حجة، على العموم سلام، أنا في انتظارك." أغلقت سلوان الهاتف وظلت لدقيقة تفكر. ما سر هذا التأثير القوي لـ جلال عليها؟ هي كانت تشعر بسأم وضجر قبل أن يهاتفها، وزال هذا الآن بعد حديثه معها ومدحه بجمالها. لم يكن أول مرة يمدح جمالها، لكن كل مرة تشعر بشعور مختلف.
تذكرت ذاك الحلم الذي راودها وهي نائمة قبل قليل. في البداية الحلم كان مخيف بتلك المرأة، ثم ظهور جلال واقترابه منها بشدة حتى أنه كاد يقبلها لولا... لولا ماذا؟ لولا اتصال والدها. وضعت يدها على فمها سألت نفسها: "ياريت بابا كان اتأخر شوية ومتصلش عليا، يمكن كان جلال باسني. يا ترى كنت هحس بإيه بعدها." ظلت سلوان شاردة قليلاً وهي تلعق شفاها إلى أن فاقت فجأة تذم نفسها قائلة:
"أكيد عقلك جن بسبب اللي شوفتيه هنا من أول الرحلة، خلاص كلها ساعات وتسافري للقاهرة وتنسي كل اللي حصل هنا، حتى جلال نفسه هينساكِ، وكمان العشر دقايق خلاص تقريبًا انتهوا دلوقتي، يتريق ويقولي دايمًا متأخرة عن ميعادك." أخذت سلوان هاتفها ووضعته بحقيبة يدها وغادرت الغرفة مسرعة حتى لا تضيع وقت أكثر. بعد دقائق قليلة. توجهت سلوان نحو عامل الاستقبال وأعطته مفتاح الغرفة قائلة:
"أنا كنت قايلة للحسابات تعملي كشف حساب نهائي لآني هسيب الفندق الليلة قبل الفجر." رد موظف الاستقبال: "فعلاً يا أفندم، وصلنا كشف الحساب بتاع أوضة حضرتك أهو، وأتمنى تكون خدمتنا نالت رضا حضرتك، وهننتظر عودتك لهنا مرة ثانية." ابتسمت سلوان بغصة. فليس هناك مرة أخرى. لكن قالت للعامل: "تمام، أنا دلوقتي ولما أرجع هاخد كشف الحساب." تركت سلوان مفتاح غرفتها وسارت نحو باب الخروج من الفندق.
بنفس اللحظة كان يدخل صالح إلى الفندق ورأى شمخ خطواتها، شعر برجفة قوية اهتز لها قلبه مثلما حدث بالماضي. كأنه أمامه الآن تختال بسيرها كالمهرة الآبية. كاد يتتبعها بالفعل، لكن لسوء حظه تقابل مع أحد معارفه الذي وقف معه على مضض يتحدث إلى أن غابت سلوان عن مدى نظره. سأم وجهه ولعن الواقف معه. ضاعت فرصته في تعقبها الليلة. ...... كان جاويد يجلس بالسيارة وتعجب كثيرًا حين رأى عمه صالح يدخل من باب الفندق.
لكن توقع أن يكون هنا لأجل شيء خاص به. لم يهتم بأمره وظل جالسًا بالسيارة ينتظر سلوان التي رآها تقترب من السيارة. ترجل من السيارة ونظر إلى ساعة يده ثم إلى سلوان قائلاً بمرح: "قولتي عشر دقايق وبالظبط دلوقتي بقوا عشرين دقيقة." ابتسمت سلوان قائلة: "التأخير مش مني، ده من عامل الاستقبال، كنت واقفة معاه عشان أقوله إني هغادر قبل الفجر الفندق." ابتسم جلال بخباثة: "قولي إن شاء الله، اتفضلي اركبي العربية عشان نروح المطعم."
ابتسمت سلوان لفتح جلال لها باب السيارة وصعدت إلى السيارة. تبتسم إلى أن قاد جلال السيارة، قائلاً: "واضح إن نفسيتك هدت كتير عن قبل الضهر. بصراحة أنا خوفت عليكِ وقتها، ومكنتش عاوز أسيبك في الحالة دي." نظرت سلوان لـ جلال ببسمة. ودت سؤاله هل حقًا شعرت بالخوف عليها وما السبب في ذلك. لكن خشيت تفسير ذلك بشكل آخر منه. تبسمت قائلة:
"الحمد لله. بصراحة الولية الخرقانة اللي قابلتني دي خوفتني، كمان قبلها كنت قدام قبر ماما وكنت حاسة إني مخنوقة وكان الأفضل أن أبقى لوحدي." رد جلال: "تمام، خلاص وصلنا للمطعم." نظرت سلوان قائلة: "بس مش ده المطعم اللي جينا فيه قبل كده." جلال وهو يترجل من السيارة: "فعلاً ده مطعم تاني، المطعم ده على ربوة عالية شوية قريبة من المعبد، تقريبًا كده هتشوفي المعبد كله من هنا." ابتسمت سلوان وترجلت هي الأخرى من السيارة.
ودخلت إلى المطعم أمام جلال. جذب لها أحد المقاعد جلست عليه وجلس هو بجوارها مباشرةً وأشار له بيدها: "نور المعبد ظاهر قدامك أهو." جلس الاثنان يتحدثان غير منتبهين للوقت. تحدثا بأشياء كثيرة بود.
سلوان حكت له قليلاً عن طفولتها وأنها كانت طفلة هادئة عاشت بلا صداقات حقيقية بسبب تنقلات والديها الكثير من بلد لآخر، بداية من القاهرة إلى الإمارات ثم نهاية بالسعودية إلى أن عادت لمصر حتى تكمل دراستها الجامعية ثم عودتها للسفر للسعودية مع والديها الذي قرر من بضع أشهر العودة والعيش بمصر بشكل نهائي. يكفي غربة. حتى زواجه بأخرى لم تبدِ لها أي مشاعر أمامه.
كذلك جلال حكى لها عن بعض الأساطير حدثت هنا بالأقصر، جزء منها كانت في البداية خرافات وتحقق جزء منها مع الوقت. لكن لم يحكِ لها أن أكبر مثال للخرافة هي، علم اسمها قبل أن يراها وهمس اسمها بنبض قلبه "سلوان". مضى الوقت حتى اقترب الفجر واقتربت النجوم من تلك الأعمدة. من يراها من بعيد يظن أنها فوق تلك الأعمدة مباشرةً. وقفت سلوان واقتربت من سياج المطعم ووضعت يديها تنظر إلى ذاك المشهد الرهيب والمُهيب بنفس الوقت.
النجوم فوق تلك الأعمدة كأن النجوم تساقطت من السماء، لا يوجد بينهم فاصل نهائيًا. كذلك جلال نهض ووقف لجوارها. وسمع قولها: "ماما كانت بتقولي الأقصر فيها عمدان بتوصل الأرض بالسما، محفور على جدرانها قصص قديمة لعشاق بتهمس للنجوم كل ليلة ترنيمة عشق."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!