ينهي مدحت المكالمة مع مازن وقال: الحمدلله يا أمي وجدنا سكناً مجانياً وفي منطقة راقية جداً، ولكن هناك شيء هام وسري سأخبرك به بعد أن نصل هناك. قالت سعدات: الحمد لله يارب، ولكن أهداب أختك لا تعرف بما حدث، فكيف ستعرف مكاننا؟ قال مدحت: سأتصل بها وأخبرها بما حدث ومكان بيتنا الجديد حتى تأتي إلي هناك. ثم يخرج الهاتف. قالت سعدات: بالمناسبة، من أين حصلت على هذا الهاتف؟
قال مدحت: أعطاني المدير الجديد، لا تقلقي سأخبرك بكل شيء، فأنا لم أعتد أن أخفي عنك شيئاً. والآن سأتصل بأختي قبل أن أنسى. ألو أهداب، هل ستأتين الليلة؟ قالت أهداب: لا، فعندي دورة ليلية في المشفى. لماذا تسأل؟ هل هناك شيء جديد؟ قال مدحت: الحقيقة نعم، لقد وجد صاحب العقار المال ناقصاً فطردنا من الشقة وأخذ العفش كتخليص حق بدلاً من الألف جنيه. قالت أهداب: يا للهول! وأين ستذهب الآن أنت وأمي؟ هل ستنامون في الشارع؟
قال مدحت: لا تقلقي، لقد وجدت عملاً جديداً شامل السكن وسننتقل إلى هناك الآن. سأرسل لك العنوان والتفاصيل في رسالة لتأتي إلى هناك. سأنهي المكالمة فقد جاء السائق ليأخذنا. سلام. هيا يا أمي، اركبي أنت هنا في المقعد الخلفي ريثما أضع أغراضنا في السيارة. بعد نصف ساعة، تدخل السيارة التي تقل مدحت وأمه فيلا كبيرة. قال مازن: لقد كنت في انتظارك. قالت سعدات: ما هذا الشبه الكبير بينك وبين مدحت ابني؟
قال مدحت: سأخبرك بكل شيء أمي، ولكن ليس الآن. أين السكن سيد مازن؟ قال مازن: هناك، في الجهة الخلفية للفيلا. ثم يفتح لهم باب الاستراحة قائلاً: المكان مهجور من فترة ويحتاج لتنظيف، ولكنك ستجد فيه كل الاحتياجات الأساسية. قالت سعدات: إنه أوسع من الشقة التي كنا نعيش فيها، ولا تقلق سانظفها، فهذا عملي أساساً أن أنظف المنازل.
قال مازن: جيد، لأني سأخبر أمي أنك هنا لتساعديها في عمل المنزل. ولكن أرجو ألا تذكري موضوع شبهي الشديد بمدحت، لأنه سيعمل بدلاً مني في الشركة مقابل راتب مجزٍ. قالت سعدات: طبعاً يا بني، فأنا كبيرة في السن ولكني ذكية وأفهمها وهي طائرة. قال مازن: شكراً لك. لقد وضعت لك بعض ملابسي التي ستحتاجها للذهاب للعمل لحين شراء بعض الأطقم المتشابهة. قالت سعدات: إنها بدل فخمة.
قال مازن: طبعاً، فابنك سيمثل دور مازن ابن واحد من أكبر رجال الأعمال في البلد، ويجب أن يكون في أفضل حالاته في الشركة. قال مدحت: طبعاً طبعاً، ولكن أريد أن أعرف ماذا سأعمل بالضبط. قال مازن: أنا نفسي لا أعرف، ولكنك ستقابل أبي في الشركة وتستطيع أن تعرف منه كل شيء تحتاجه. ولا تنسَ أن تناديه أبي، وإياك أن تناديه مجد، وإلا سيكشفك. قال مدحت: حسناً سأفعل. ولكن هناك مشكلة أخرى، أنا لا أعرف القيادة.
قال مازن: أنا سأعلمك في وقت فراغي، ولكن في الأسابيع الأولى ستذهب في سيارة أبي، فقد أخبرته أنني لن أذهب بسيارتي لأنها تحتاج لصيانة، بينما سأتركها في جراج قريب وعندما أحتاجها سآخذها. قال مدحت: وماذا لو طلب مني والده القيادة؟ قال مازن: أنا أعاني من شد عضلي أحياناً، فلو طلب منك القيادة تحجج بذلك. قال مدحت: ماذا لو رأتني أسرتك بينما أنا في الشركة؟
قال مازن: سنكون على تواصل مستمر. وسأغلق غرفتي عندما أنام، وعادة لا يدخل أحد الغرفة وأنا في الخارج إلا لتنظيفها، وأمك ستقوم بهذا الدور. ولو وجدتني نائماً فلن تخبر أحداً. وفجأة يطرق باب الاستراحة، ويسمع مازن صوت جدته حبيبة. قال مازن: يا للمصيبة! لو رأت جدتي وجهك ستفشل الخطة. وقبل أن يكمل حديثه، تفتح الجدة الباب وتدخل. فيقوم مدحت بإطفاء النور، حيث يجد أن القارئ بجواره تماماً، ثم يختفي في غرفة مجاورة.
قال مازن: جدتي، مرحبا بك. تعالي للخارج فقد انقطع التيار هنا. قالت حبيبة: ولكن المنزل كله مضاء، لماذا انطفئ النور هنا؟ قال مازن: يبدو أنه حدثت قفلة، فأنت تعرفين أن المكان مهجور من فترة وابن السيدة سعدات سيصلحها الآن. قالت سعدات: أهلاً، أنا سعدات وسأقيم أنا وابنائي هنا. قالت حبيبة: أهلاً بك. هيا يا مازن، تعال معي أريد أن نتحدث. تخرج حبيبة من الاستراحة هي ومازن ويتجهان للمنزل. قالت حبيبة: من السيدة سعدات هذه؟
ولماذا ستقيم عندنا؟ قال مازن: لقد رأيت أنك وأمي متعبتان من أعمال التنظيف منذ أن مرضت أم سعد، فأحضرتها لتساعدكم. بالإضافة أن ابنها صديق قديم لي وقد هدم منزلهم ولم يجدوا مكاناً يقيمون فيه، فقلت أضرب عصفورين بحجر واحد، أساعدهم في إيجاد سكن وتساعدكم السيدة سعدات في أعمال المنزل. قالت حبيبة: غريبة، ومن متى وأنت تصادق أشخاصاً بسطاء؟ فعلى حد علمي تستهزئ بأمثال هؤلاء ولا تتعامل معهم.
قال مازن: لقد كان ذلك أيام الطيش، أما الآن فلدي أصدقاء من مختلف الطبقات. يدخلان المنزل. قالت شجن: غريبة، مازن وجدّته معاً ويتحدثان مع بعضهما، هذه عجيبة من عجائب الدنيا. قالت حبيبة: هو حفيدي، وطالما يمشي على الصراط المستقيم فأنا افتخر به. وبصراحة أنا سعيدة اليوم فقد وصلتني نتائج التحليل وكانت كما تمنيت. قالت شجن: ولماذا لم تخبريني بذلك؟
قالت حبيبة: لقد أرسلوها على الإيميل منذ دقيقة، وكنت سأخبرك، ولكن رأيت الاستراحة مضاءة فذهبت لأرى ماذا يحدث. قالت شجن: وماذا يحدث هناك؟ لماذا كانت مضاءة؟ قال مازن: ستخبرك جدتي بكل شيء. وأنا سأخرج لأرفه عن نفسي قليلاً فقد تعبت اليوم في الشركة. تضحك حبيبة: فعلاً، لقد بقيت في الشركة لساعتين، وهذا يعد إنجازاً تاريخياً بالنسبة لك.
قال مازن: أنا سأذهب لأقابل أصدقائي، وأنت اسخري براحتك، ولكن لا تشمتي بي كثيراً، فغداً ستتغير نظرتك لي. فقط انتظري وترى. ثم يتجه نحو الباب ليغادر. بينما تقول الجدة: سنرى حفيدي المدلل، إن غداً لناظره قريب. قالت شجن: أمي، لا تضغطي عليه، فهو جديد في العمل وغداً سيصبح أفضل، أنا واثقة. قالت حبيبة: أتمنى ذلك. وعلى كل حال، لقد فاجأني اليوم بصراحة وأحضر سيدة لتساعدنا في عمل المنزل.
قالت شجن: غير معقول، أنا لا أصدق، مازن يحمل هم تنظيف المنزل ويحضر من يساعدنا. قالت حبيبة: أنا استغربت مثلك، ليس من إحضار السيدة فقط، بل لأنه يريد أن يساعدهم لأن منزلهم هدم، يبدو أنه يتمتع بقدر من الإنسانية. قالت شجن: طبعاً يا أمي، هو طيب وحنون، ولكنه يحتاج من يفهمه. قالت حبيبة: أنا ما يهمني في كل ذلك كله أنه لا يتعاطى، فأنا أشك فيه منذ فترة، والحمد لله أن ظني ليس في محله.
قالت شجن: حسناً، سأذهب لغرفتي فقد تأخر الوقت. تصبحين على خير. في الاستراحة، قال مدحت: الحمد لله لم ترني العجوز، وإلا كشفت اللعبة باكراً. قالت سعدات: جيد أنك تصرفت بسرعة وأطفأت النور. ليتك بقيت بالكمامة والكاب. قال مدحت: الجو حار، وبمجرد دخولي خلعتهم ووضعت الكمامة في السلة، فلم أتوقع حضور أحد في مثل هذا الوقت المتأخر. قالت سعدات: هناك حل، أترك ذقنك وشاربك ينمو وسيتغير شكلك.
قال مدحت: لن أستطيع أن أغير شكلي لأني سآخذ دور مازن في الشركة ويجب أن أكون مثله تماماً. قالت سعدات: حسناً، افعل كما يفعلون في الأفلام البوليسية، اشتري شارباً وذقناً وضعهما وقت اللزوم. يضحك مدحت: فكرة جيدة يا أمي، متى تعلمتي التخطيط؟
قالت: لا تنسَ أنني عشت فترة من حياتي أعمل في التسول في ذلك الوكر الذي تملكه عطيات حتى داهمته الشرطة بعد أن أبلغت عنها، والحمد لله أنا وأنت وأهداب نجانا الله من شرها، ومن وقتها قررت التوبة وتربيتك أنت وأختك بالحلال. قال مدحت: لماذا ذكرتني بتلك الأيام يا أمي؟ لقد كانت ذكرى سوداء في حياتي، وكلما تذكرت أنني مددت يدي لأتسول في يوم من الأيام أحزن كثيراً وودت لو محوت هذه الأيام من ذاكرتي، ولكن للأسف لا أستطيع.
قالت سعدات: لقد كنت طفلاً صغيراً في الرابعة من عمرك وقتها، ولقد مضت تلك الأيام بخيرها وشرها، والآن قد كبرت وأصبحت مديراً لشركة كبيرة، يا لسعادتي. قال مدحت: لو حضرت أهداب غداً وأنا في الشركة، اشرح لها كل شيء حتى لا تخطئ بكلمة أمام أصحاب المنزل وينكشف أمري. قالت سعدات: طبعاً يا بني، لا تقلق، هي لديها وردية ليلية في المستشفى هذه الليلة، وعندما تحضر غداً سأخبرها بكل شيء.
قال مدحت: حسناً، هيا ننظف المكان، فهو مليء بالتراب ولن نستطيع النوم فيه هكذا، فأنا أريد النوم باكراً، فوراءنا يوم شاق غداً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!