في منطقة شعبية حيث تسكن سعدات، قالت: "ما أخبار العمل الجديد يا مدحت؟ قال مدحت: "لقد طردت للمرة الثانية يا أمي." قالت سعدات: "فلماذا يا بني؟ أنت تعمل بجد في أي مكان تشتغل فيه؟ قال مدحت: "لقد نقلت بضاعة بآلاف الدراهم من السيارة للمخزن، ولكني أخطأت خطأ بسيطًا وأنا أنقل البضاعة، فقد زلت قدمي وسقطت مني كرتونة بها بعض الكئوس وتكسرت. فخصم صاحب العمل مني ثمنها من راتبي وأعطاني الباقي وطردني فورًا."
قالت سعدات: "وكم أعطاك من الراتب؟ مدحت: "ألف درهم فقط." قالت سعدات: "حتى أنا فقدت رأس مالي كله اليوم. لقد جاءت سيارة المرافق وصادرت قفص الخضار التي أجلس لأبيعها في الشارع. وتراكمت علينا الديون ولم ندفع الإيجار ولا نقود البقال منذ شهور. هذا غير فاتورة الكهرباء والماء. وماذا ستفعل الآن؟ ومن أين سنحضر النقود التي سننفق منها طوال الشهر؟
قال مدحت: "اصبري يا أمي، فرج قريب. وغداً سأقدم في مسابقة للتربية والتعليم وأعمل معلم للحاسب الآلي. ولكن المشكلة أن غداً آخر يوم في التقديم. فلم أعرف بالمسابقة إلا من أحد الطلاب الذين يأخذون درساً لدي. وأتمنى أن يقبلوني، فهناك أعداد كبيرة تتقدم لمثل هذه المسابقات." قالت سعدات: "جيد يا ولدي، أول الغيث قطرة. ومن يدري، قد تعطي دروسًا خصوصية وتزيد دخلك."
قال: "أمي، إنها مادة غير مضافة للمجموع ولا أحد يأخذ دروسًا فيها. والأولاد لا يهتمون بإكمال المنهج، فقط يحفظون بعض الدروس وينجحون. وكان الله بالسر عليم." قالت سعدات: "وما أخبار دروس الرياضيات التي تعطيها لأولاد الحي؟
قال مدحت: "معظم الأولاد يحضرون الحصص طوال العام ثم يتهربون في الشهر الأخير من الدفع. ومعظمهم لا يدفع لي من الأساس. وأنا لا أطالب أسرهم بالمال لأنهم مثلنا فقراء ولا يملكون شيئًا. فأتغاضى عنهم. على كل حال، سأقدم في وظيفة التدريس هذه مع أنني أعلم أن راتبي لن يكفي عشرة أيام من الشهر. ولكن على الأقل ستكون لدي وظيفة ثابتة ودخل ثابت. وسوف أعمل عملاً إضافياً بجانبها في وقت فراغي. والحمد لله، أهداب أختي في سنة الامتياز ولم تعد تحتاج مصاريف كالسابق."
طرق الباب، فيفتح مدحت: "أهلاً أهداب، جئت باكراً اليوم." قالت أهداب: "الحمد لله، انتهى دوامي في المستشفى وعندي عطلة باقي النهار وهذه الليلة أيضاً. فقد تعبت اليوم كثيراً." قالت سعدات: "هل حدث شيء جديد؟
قالت أهداب: "نعم، لقد كانت أمس ليلة متعبة. فقد كنت وحدي في الدوام وجاء للمشفى ضابط مصاب بطلق ناري هو وبعض المساعدين. فأسعفناهم جميعاً. دخل الضابط لغرفة العمليات وأسرته كانت قلقة عليه، لذلك بقيت مع المريض حتى استعاد وعيه منذ قليل."
قالت سعدات: "الحمد لله. عندما تقولين ذلك أشعر أنني فعلت شيئاً جيداً في حياتي. فبعد هذا التعب أرى ابنتي طبيبة كبيرة. وأتمنى من الله أن تصبحي في يوم ما مثل الأطباء المشهورين الذين نسمع عنهم في التلفاز." قال مدحت: "يكفي مديحاً في أختي أهداب، وهيا أكملي الطهو فقد جعت كثيراً يا أمي ويجب أن آكل لأخرج وأبحث عن عمل جديد لبعد الظهر." تدخل سعدات ثم تنادي مدحت: "مدحت."
قال مدحت: "نعم يا أمي، هل انتهيت من إعداد الطعام بهذه السرعة؟ قالت: "لا، لقد نفذت اسطوانة الغاز ولم ينضج الطعام بعد. هات الاسطوانة الممتلئة وغيرها." يذهب مدحت ليحضر أنبوبة الغاز، ولكنها تسقط على قدمه في المطبخ وتكسر ظفر قدمه الكبير. قال مدحت: "آه يا قدمي، لقد فقدت ظفري." قالت أهداب: "اهدأ يا أخي، تعالي معي لخارج المطبخ، سأزيل لك الظفر نهائياً وأطهره، فلدي حقيبة الإسعافات خاصتي."
يجلس مدحت فوق كرسي في غرفة المعيشة وترفع له أهداب قدمه على الطاولة التي أمامه، ثم تنظف له الجرح بعد أن تزيل له ظفر الإصبع الكبير وتربطه بالشاش. قالت أهداب: "ها قد انتهينا يا بطل. أنت صبور جداً يا أخي، لقد أزلت لك الظفر دون بنج ولم تتوجع." قال مدحت: "عزيزتي، الألم أصبح رفيق دربي، فلا تقلقي علي." يطرق باب الشقة بعنف، فتذهب سعدات وتفتح الباب. يدخل صاحب
العقار وهو يصرخ في سعدات: "لقد جئت حتى تعطوني الإيجار أو تغادروا الشقة. فأنا عندي التزامات ومصاريف مثلكم، وقد صبرت عليكم ستة أشهر كاملة، ولكنكم تضعون أيديكم في الماء البارد ولم تعطوني شيئاً. والآن، إما أن تدفعوا الإيجار أو تغادروا غداً، فهناك مستأجر يريد الشقة. وهذا آخر كلام عندي، مفهوم؟ قالت سعدات: "معي ألف درهم، خذها مؤقتاً حتى أدبر باقي المبلغ." قال صاحب العقار: "ثمانية آلاف، تعطيني منها ألف فقط بعد ستة أشهر؟
لا، أنا لن أصبر عليكم أكثر من ذلك." يسمع مدحت صوت الرجل وهو يصرخ على أمه فيلبس حذاء مكشوفًا بصعوبة ويخرج من الغرفة قائلاً: "أرجوك يا عم حماد، اصبر علينا بضعة أيام فقط حتى أدبر المال، فلن نستطيع تدبيره بين ليلة وضحاها."
قال صاحب العقار: "سأصبر لمساء الغد فقط، وأقسم بالله، إما أن تحضروا لي السبعة آلاف المتأخرة عليكم صباح الغد، عداً ونقداً، سألقي بكم خارج الشقة ولن أشفق عليكم. فقد نفذ صبري، فأنا أحتاج مالي، فلا يعقل أنكم مدينين لي بكل هذا المبلغ ثم أذهب لأقترض من الناس." قال مدحت: "ومن أين سأحضر المال بهذه السرعة؟ اصبر علي قليلاً."
قال عم حماد: "لا شأن لي من أين تحضره، هذا أمر يخصك. أسرقه، استدنه، المهم أن يكون المال عندي في صباح الغد. لقد صبرت عليكم كثيراً، ولكن اصبر يوماً آخر." ثم يخرج ويغلق الباب بقوة. قال مدحت: "للأسف، الرجل معه حق، هو يريد ماله." قالت سعدات: "دعك منه، إنه يقول هذا كل مرة ولا يفعل شيئاً. لقد أعطيته الألف درهم التي كانت معك حتى نتصرف في الباقي. هيا، لقد ركبت الاسطوانة ونضج الطعام، تعال لتأكل."
قال مدحت: "لم يعد عندي شهية بعدما سمعته من عم حماد. فهو يريد ماله وإن لم نعطه له سنصبح في الشارع غداً. وقد أقسم على ذلك، وهذا الرجل يحافظ على أيمانه ومعنى أنه حلف فقد ينفذ تهديده، وعلي تدبير المال بأي شكل." قالت أهداب: "ماذا ستفعل؟ فليس لدينا مال ولا حتى معنا شيء لنبيعه، وهذا الرجل يطلب سبعة آلاف. من أين نحضر كل هذا المبلغ؟
قال مدحت: "سأخرج لأتمشى، لعلي أجد أحداً أقترض منه جزء من المبلغ ثم نصبره حتى نجمع الباقي." ثم يخرج ويذهب لأكثر من صديق ويطلب منه قرضاً، ولكن لا أحد يقرضه. فيمشي مدحت في الشوارع دون هدى ويقول لنفسه: "ماذا أفعل الآن؟
لم أجد أحداً يقرضني أي مبلغ. لم أكن أود أن أفعل ذلك، ولكنه الحل الوحيد. ليس هناك حل سوى السطو على منزل من منازل الأغنياء وأخذ ما خف حمله وغلا ثمنه لأسدد الدين. للأسف، حاولت أنا وأمي أن نبتعد عن هذا المجال، ولكن للأسف الظروف أجبرتني على ذلك، وستكون أول مرة وآخر مرة." ثم ينتظر حتى ينتصف الليل، ويذهب لمنطقة يعرف أهلها بالثراء، ثم يتمشى في الشوارع وهو يضع القناع على رأسه.
ويقول لنفسه: "هذه الفيلا عليها حراس كثر، وهذه سورها عال جداً ولن أستطيع تسلقه. هذه الفيلا مناسبة، اسمها فيلا مجد. سألف حولها لأعرف كيف سأدخل. جيد، لا توجد عليها حراسة غير البواب وهو غارق في النوم، وهي مظلمة في الجهة الخلفية وسورها منخفض. ولو كنت محظوظاً لن أجد أصحابها بالداخل."
"هيا مدحت، جمد قلبك. سأقفز داخلها عبر السور الخلفي حتى لا يراني أحد." ثم يدخل عبر السور الخلفي ويتسلل لداخل الفيلا عبر شباك المطبخ المفتوح ويدخل لصالة المنزل بهدوء، وينظر هنا وهناك لعله يجد شيئاً ذا قيمة. وفجأة ينير المكان كله وتنادي شجن من خلفه: "مازن، هذا أنت؟ ماذا تفعل في هذا الظلام الدامس؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!