وقفت تنتظر قدومها تبحث بعينيها بين المارة. مرت ساعة، ثم اثنتين، ولكنها لم تأتي. شعرت بيد رامي على كتفها. التفت بعيون دامعة وهتفت بصوت حزين: "شفت مجتش بردو، قلبي واجعني يا رامي، رغم كل الرسايل إلي بعتهالها هي وسلمى." أزال دموعها بطرف إبهامه: "خلاص يا شهد كفاية، انتي استنيتها كتير أوي خلينا ندخل، الشهود والمأذون زهقوا."
أومأت له دون التحدث، سارت معه وبداخلها حزن يكفي العالم بأكمله. تمت مراسم الزواج، وأصبحت هي زوجته شرعًا وقانونًا. تمناها هو في ليلة، وكانت أقصى أمانيه أن يراها مرة أخرى، يشبع نظراته ونفسه بها وبملامحها التي تشعل بداخله شعورًا لم يعهده من قبل مع أميرة أو غيرها. وها هي الآن زوجته، ولكن لوقت محدد. هل سيخلف وعده مع أميرة؟ هل سيسيطر على مشاعره تجاهها؟
من الآن وهو يريد أن يعانقها، يقبل شفتيها، يردها ملكه. متى ستصبح شهد الحياة حياته؟ ولكن يجب عليه أن يكبح ذلك الشعور ويسيطر على مشاعره التي تزيد الضعف تجاهها يومًا بعد يوم. هي من هي؟
هي التي تركتها أمها وحيدة وسط هذه الغابة. هي التي ضحت بنفسها وآمالها من أجل إسعاد أمها وأختها، ومع أول عقبة باعوها. تتعامل مع الناس بصخب، بقوة، ومن داخلها ضعيفة هشة تريد البكاء في كل لحظة. غريبة هذه الدنيا، لم ترى منها سوى الآلام، القهر، والظلم. يتردد على ذهنها دائمًا
جملة: "الدنيا زي ما بتدي زي ما بتاخد". ولكن معها هي، "الدنيا بتاخد بس". رفعت بصرها للسماء تناجي ربها، وحده يعلم ما بها، وما مخاوفها، وبما تشعر به. أعطها القوة والصبر يا الله. *** بمنزل حسني. فتحت سميحة الغرفة باندفاع قائلة بغضب: "خلاص يا حسني، البت زمانها اتجوزت. اديني التليفون أكلمها وأقولها أي حجة." رمى هو لفافة التبغ من يديه ودهس بقدمه عليها قائلاً بسخرية: "مالوش لازمة يا أختي، أنا قمت بالواجب." قطبت بين
حاجبيها وهتفت بعدم فهم: "قصدك إيه إنك قمت بالواجب؟ ابتسم بمكر مردفًا: "هقولك عملت إيه. نزلت للواد عادل بتاع السايبر، خليته يكتب رسالة للحلوة بنتك ويقولها: معلش يابنتي أصل أنا مش هقدر أجي، أصل حسني محرج عليا ومش موافق. وبس، أكيد شفتها وفهمت." ضربت بكفيها على صدرها مردفة بصراخ: "ليه يا حسني؟ عملت كدا ليه؟ ليه يا راجل؟ عاوزها تكرهني؟ مش كفاية طردتها؟ مش كفاية مشافتش يوم حلو منك؟
ده علامات الحرق لسه في جسمها لغاية دلوقتي. لييه؟؟ حرام عليك يا أخي، ارحمها بقى. البت بعيدة وبعدت عنك وعن شرك وغلك، وبردو مش عاوز تسيبها في حالها." اندفع هو صوبها ثم غرس أظافره في جلدها قائلاً بغل: "عارفة ليه؟ علشان هي بنته من صلبه. بنت مصطفى اللي حبسني زمان. مصطفى اللي راح وشهد ضدي في القسم واتحبست سنة واتبهدلت في السجن." نفضت يديها بعيدًا عنه بعنف مردفة بعصبية: "مش أنت اللي سرقت أنت ومتولي الحاج مسعد؟
وبعدين احمد ربنا إنك خدت سنة وخففوا الحكم." ضحك هو بسخرية: "ولما أنا سرقت، اتجوزتيني ليه؟ انهارت في هذه اللحظة وجلست مكانها على الأرض وبكت بكاءً مريرًا:
"كنت غبية مغفلة. بنت الحاج مسعد قالتلي إن انت ومتولي مش سرقتوا، وإن مصطفى ظلمكم، وهو مكنش بيحب يحكي عنك ولا يجيب سيرتك. بعد ما مات، أنت ومتولي خرجتوا. هي اتجوزت متولي، قولت مفيش واحدة تتجوز سارق أبوها، وقولت بس أكيد مصطفى ظلمكم. جتلي وقعدت تلف وتدور عليا علشان جوازي منك، صدقتها وصدقتك ووافقت." ثم رفعت بصرها ونظرت له نظرات توحي بالغل والكره:
"بس بعد كدا، وبعد ما مرت السنين وجبت سلمى، جت منال مرات متولي قبل موتها تعيطلي من قسوة متولي وإنه متجوز عليها اتنين غيرها، وإنها كانت عارفة إنكم السارقين، بس من كتر حبها في متولي وافقت على كلامه ونشرت إنك بريء ومصطفى ظلمك أنت ومتولي." انحنى هو بجذعه الأعلى نحوها وهتف بحقد دفين: "وأنا أنسى؟ لما اتحايلت عليه
يشهد إن مسرقتش وهو قالي: الساكت عن الحق شيطان أخرس، وأنت سرقت يا حسني ولازم تتعاقب. أهو مات، وأنا بكمل انتقامي في بنته." أزالت دموعها بقوة مردفة بغضب: "أنا بكرهك يا حسني، بكرهك وبكره اليوم اللي شوفتك فيه واتجوزتك. بضرب نفسي بالجزمة إني وافقت عليك."
أثارت تلك الكلمات الغضب في نفسه. استقام في وقفته واتجه صوب الخزانة، أخرج الحزام الجلدي منها وقام بلفه حول يديه عدة مرات واندفع اتجاهها يذيقها العذاب. نزل بذلك الحزام الجلدي على جسدها الضئيل، ارتفع صوت صراخها، وكلماتها وهي تطلب منه الرحمة. ولكن الرحمة قد تجردت من قلب ذلك الرجل. سمعت سلمى صراخ أمها. انتفضت من جلستها، وباتت تطرق الباب بعنف هاتفة بقوة: "بابا، حرام سيبها، أبوس إيدك، سيبها." ارتفع
صوته من الداخل وهتف بغلظة: "لمي نفسك يابت وروحي اتنيلي على أوضتك، أصل والله جاي وآنزله على جسمك أنتِ." ارتعدت هي، بعض خطوات للخلف، انكمشت على نفسها، شعرت بالضعف والخوف. صمتت، ولكن بداخلها قلبًا يصرخ وينزف. صمتت، ولكن عينيها رفضت الصمت وتمردت وسالت دموعها بغزارة. ***
وقفت تنظر للمبنى الشاهق بخوف ورهبة، حتى شعرت بيد كريم الممسكة بيديها يجرها خلفه بهدوء. سارت معه بخطوات بطيئة. استقلوا المصعد وبداخلها شعور بالخوف تجاه ما تقدم عليه. وقف المصعد في الطابق المنشود. تحركت هي خلفه وبداخلها مشاعر متضاربة. تحدثت ببعض الكلمات لسكرتيرة، ثم أخذها وجلس. نظرت حولها في وجوه الموجودين، زادت وتيرة القلق في نفسها. شعر بها، حاوطها بيده هامسًا في أذنيها:
"متخافيش، هي مش هتاكلك. أنا مسمحش لحد ياكلك أصلًا، أنا اللي هاكلك بعد كدا." اصطبغت وجنتاها باللون الأحمر القاني عقب كلماته تلك. أخفضت بصرها أرضًا ثم قالت بهمس: "عيب يا كريم كدا." ضغط بيديه أكثر على جسدها وهو يبتسم بمكر. وما هي إلا دقائق معدودة حتى أتت السكرتيرة وأبلغتهم أن الطبيبة في انتظارهم. جذبها من يديها باتجاه غرفة الطبيبة. في هذه اللحظة تريد الهرب مما تقدم عليه. *** في منزل حسني. جلست بجانب والدتها تضع لها
( المرهم المخصص للكدمات) . بدأت سميحة تأوه تحت لمسات يديها. هتفت سلمى بحزن: "معلش يا ماما، استحملي، إن شاء الله المرهم هيريحك." هتفت سميحة ببكاء: "آه ياني، بنتي زمانها بتكرهني. اتصرفي يا سلمى، لازم تعرف، مش كفاية كرهها ليا." أغلقت سلمى عينيها بضيق ثم هتفت بنفاذ صبر: "أعمل إيه يا ماما؟ ما أنتي شوفتي قدامك كسر تليفوناتنا. وكمان حلف علينا ما إحنا طالعين من باب البيت إلا على معاد فرحي." ازداد بكاء
سميحة ثم هتفت بحقد دفين: "ربنا ياخدك يا حسني الكلب، ربنا يذلك. زمانها يا حبة عين أمها مقطعة نفسها من العياط." *** ظلت تنظر إلى غرفة الطبيبة وتتفحصها جيدًا. لم تنصت لحرف واحد ينطقه كريم مع الطبيبة حتى انتبهت لصوت الطبيبة الجاد: "طيب يا دكتور كريم، ممكن تسيبنا شوية نتكلم."
أومأ كريم دون التحدث. أمال على ليلى وطبع قبلة رقيقة على مقدمة رأسها ثم خرج من الغرفة. كانت هي تتبعه بنظراتها حتى خرج، ثم حولت بصرها للطبيبة. كانت امرأة في الأربعينيات، هادئة، ملامحها بسيطة، صوتها دافئ. من ينظر إليها يشعر بالراحة. ابتسمت الطبيبة قائلة بلطف:
"بصي يا ليلى، مبدئيًا أنا اسمي الدكتورة هدى. ثانيًا، أنا عاوزاكي تتأكدي إن أي كلمة هتقوليها عمرها ما تطلع برا الأوضة دي. أنا عاوزاكي تحكي عن كل حاجة جواكي، إن شاء الله باللخبطة، مش عاوزة ترتيب. قولي اللي أنتِ حاساه دلوقتي أو قبل كدا، قولي شعورك سواء كان خوف أو قلق أو أي حاجة. أنا معاكي وهسمعك. كل جلسة هانقعد ساعتين مع بعض، هانحكي فيهم كل حاجة."
عم الصمت بالغرفة عقب حديث الطبيبة. أخفضت ليلى بصرها أرضًا ثم تساقطت بعض الدموع من عينيها مردفة بنبرة يتخللها البكاء: "بابا مات بسببي...... *** في منزل رامي المالكي.
جالسة على السرير تبكي وتشهق بصوت عالٍ، وحولها أكوام من المناديل. يجلس بجانبها حمزة ممسكًا بعلبة المناديل، كلما رآها تنتهي من منديلًا يخرج آخر بسرعة معطيًا إياه. وأمامها رامي يزم شفتيه بضيق. وبجانبه صفاء تنظر لها بحزن. نظر حمزة لوالده وهتف باسمه بهمس شديد. حول رامي بصره نحو حمزة مضيقًا عينيه بتركيز، حتى هتف حمزة بتحريك شفتيه دون إصدار صوت: "شهد خلصت المناديل."
ابتسم رامي بشدة على براءة ابنه. رأته شهد على تلك الحالة، اندفعت واقفة على الفراش مردفة بانفعال: "جرى إيه يا رامي؟ مفيش إحساس؟ أنت بتضحك وأنا بعيط." وضعت صفاء يديها على رأسها ثم قالت لنفسها: "يالهوي، هانبدأ المشاكل." رفع رامي بصره نحوها مردفًا بهدوء: "انزلي يا شهد كملي عياط، الفقرة لسه مخلصتش." اتسعت عيناها بصدمة ثم هتفت بغيظ: "أنت بتتريق عليا يارامي؟ بتتريق على مشاعري." حمحمت صفاء بصوت عالٍ:
"احم، أنا رايحة آخد دوا الضغط والسكر، يالا بينا يا حمزة ساعديني." هتف حمزة بنبرة طفولية: "اقعدي يا تيتة، خلينا نتفرج." قطب رامي بين حاجبيه مردفًا بصرامة شديدة: "تتفرج على إيه يا ولد؟ أنت اتجننت." هتفت شهد بصوت عالٍ: "أنت بتزعقله ليه؟ أنت هاتجيب غيظك مني فيه." أشارت صفاء بيديها لحمزة بخفة ثم تسلل حمزة هو وصفاء خارج الغرفة. بينما وقف رامي بطوله الفارع وأردف باستفزاز: "عاوزة إيه يا شهد؟ هي أمك كبستك ومجتش؟
هاتجيبي ضيقك عليا أنا ولا إيه؟ انسابت الدموع مرة ثانية من عينيها عقب جملته الحادة المستفزة وتعالت شهقاتها. لم يعلم أنه بهذا الحديث قام بالضغط على جرح عميق بقلبها. رآها هو على تلك الحالة، استغفر ربه بصوت عالٍ، ثم اقترب منها وجذبها من يديها وأجلسها على السرير مرة أخرى وجلس بجانبها. أعطاها بعض المناديل، ثم هتف بضيق: "أنتِ اللي بتخليني أتعصب وأقول كلام يزعلك ويضايقني من نفسي." هتفت هي بكلمات متقطعة إثر بكائها الحاد:
"محدش حاسس بيا، مش عارفين أنا حاسة بوجع قد إيه، والله كلمة قلبي مكسور دي قليلة أوي على اللي حاساه." ألمته تلك الجملة كثيرًا (قلبي مكسور دي قليلة) . جذبتها لاحتضانها، معانقًا إياها بقوة، دفن وجهه في عنقها مستنشقًا رائحة الورد التي دائمًا تفوح منها كلما اقترب منها أو جلس بجوارها. ثم هتف بنبرة حنونة: "سلامة قلبك من الكسرة يا شهد، أوعي تنطقيها تاني أبدًا، فاهمة؟ ابتعدت قليلاً عنه وأصبح وجهها مقابلًا لوجهه،
ثم هتفت بنبرة حزينة: "إزاي قلبي مش يوجعني يا رامي؟ إزاي قلبي مش يتكسر وأقرب الناس ليا خذلوني؟ أمي يا رامي، عارف يعني إيه أمي؟ يعني المفروض كل حاجة في حياتي. أنا مش عارفة هي بتعمل معايا كدا ليه؟ ليه تبيع بنتها علشان خاطر جوزها؟ ده بيهينها وبيضربها. أنا كنت بطلع من أوضتي آخد مكانها الضرب، كانت بتشوفه بيحرقني وتبقى ساكتة مش قادرة تتكلم. أنا طلبت منها إيه؟ طلبت حاجة بسيطة، عاوزاها تيجي تحضر معايا جوازي."
وضع يده على إحدى وجنتيها قائلًا بغضب: "كان بيضربك وبيحرقك." هتفت هي بنبرة طفولية: "اممممممم." عانقها مرة أخرى بقوة. شعرت هي بقوة عناقه. طبع قبلة رقيقة على عنقها من فوق وشاحها مردفًا بصرامة: "إياكي أسمعك تجيبي سيرةتهم تاني، انسيهم خالص يا شهد، دول مش موجودين في حياتك. أنا بس، أنا وأمي وحمزة، إحنا من النهاردة حياتك الجديدة، فاهمة ولا لأ." بادلته هي عناقه، فهي في أشد الحاجة لذلك الحنان والدفء. ثم هتفت بهمس:
"حاضر، هأنسهم وانتو من النهاردة حياتي الجديدة." *** في العيادة النفسية. مرت الساعتان وكأنهم دهر على ليلى. كانت تجيب بكلمات بسيطة. ابتسمت الطبيبة ثم هتفت: "خلاص يا ليلى كدا كفاية، باذن الله هاستناكي الأسبوع اللي جاي في نفس المعاد." أومأت ليلى لها دون التحدث. فحديثها مع الطبيبة أرجعها لأحداث تحاول جاهدة نسيانها أو عدم التفكير فيها. دقت الطبيبة الجرس ثم دلف كريم مع السكرتيرة. هتفت الطبيبة بجدية:
"خدي مدام ليلى، خليها تملى شوية بيانات بس، وعرفيها المواعيد كويس وشوفي الأول مناسبها ولا لأ." خرجت ليلى مع السكرتيرة تائهة شاردة. فور خروجها، اندفع كريم بالحديث: "هي مالها وشها باهت ليه كدا ومبتتكلمش؟ ابتسمت الطبيبة واردفت بحكمة: "عادي يا دكتور، دا طبيعي إنه يحصل في أول جلسة. على فكرة، هي اتجاوبت معايا بس يعني بنسبة ٤٠٪." هتف كريم بتعجب: "٤٠٪ نسبة حلوة." أومأت الطبيبة مؤكدة ثم هتفت بتوضيح:
"طبعًا يا دكتور، متنساش هي اتعرضت لأزمة نفسية صعبة ومش سهل تعدي منها. صحيح هي اتكلمت معايا على موت والدها ومجبتش سيرة اغتصاب خالص، بس دي خطوة كويسة. بس في حاجة
في وسط الكلام قالت جملة: أنت مصر على إنك تسرع في علاقتكم، وده شيء غلط. لازم ليلى تاخد وقتها ومتتسرعش أبدًا. ليلى لازم تتخطى مرحلة اغتصابها. هي عمرها ما تنسى أبدًا، بس الأثر النفسي بيقل مع الوقت لو قدرت تثق في حد وتفتح قلبها له. بس ده مبيحصلش بين يوم وليلة. أهم حاجة يا دكتور إنك تتحلى بالصبر." قام كريم من جلسته ثم مد يديه لكي يصافح الطبيبة قائلًا برسمية:
"شكرًا أوي يا دكتورة هدى، وإن شاء الله هاجبهالك الأسبوع الجاي في نفس المعاد." *** مر الأسبوع سريعًا على أبطالنا، وجاء اليوم المحدد لزفاف سلمى وزكريا. جلست أمام المرآة في صالون التجميل المسمى بـ (الكوافير) تضع لها الفتاة اللمسات الأخيرة. كانت في غاية الجمال والبساطة بفستانها الرقيق. تعالت الزغاريط وأبواق السيارات معلنة عن وصول زكريا. زادت دقات قلبها. تسرب الخوف رويدًا لقلبها. انتهت الفتاة من وضع الطرحة ثم أطلقت زغرودة
عالية مردفة بعدها بحماس: "يالا يا بنات افتحوا الباب للعريس خليه يدخل يشوف عروسته القمر." وبالفعل دلف زكريا يبحث في وجوه الفتيات عن سلمى حتى وجدها بفستانها البسيط وملامحها الرقيقة، ولأول مرة يدق قلبه بشعور غريب لم يشعر به من قبل مع ليلى. اتسعت ابتسامته تدريجيًا ثم اقترب منها قائلًا بصوت منخفض للغاية: "بسم الله ما شاء الله، قمر بدر منور يا سلمى."
نظرت له نظرات خالية من التعبير، حتى احتدمت نظراتها مع ظهور مديحة من الخلف. اقتربت منها مديحة بابتسامة مصطنعة مردفة: "الله أكبر، إيه الحلاوة دي يا مرات ابني." ثم تابعت قائلة: "يالا علشان الفرح هايبدأ والناس بتستعجلنا."
ذهبت معهم وكأنها دمية يحركوها كما يشاءون. تفاجأت هي بكم الأضواء والناس الحاضرين. تعالت الأغاني وبدأ الرقص. نظرت لأمها الجالسة وحدها حزينة، وجهها متورم ونظرات الشفقة من نساء الحي وهمسات مديحة للنسوة. طأطأت رأسها لأسفل، تمنت أن الأرض تنشق وتبتلعها، تمنت أن تختفي من الوجود. مرت الساعتان ببطء حتى أمرت مديحة بإنهاء حفل الزواج. صعدت هي الدرج مع زكريا تبكي حتى وصلت أعتاب شقة زكريا. وقفت ثم استدارت لعناق والدتها تحت أنظار السخط من مديحة وحسني. جذبتها مديحة عنوة من
أحضان سميحة مردفة بسخرية: "ما خلاص يا أختي، هو حوار ولا إيه؟ نكدتو على الواد في ليلة دخلته." ثم تابعت بصرامة: "خد عروستك يا زكريا، يالا وأنا وأمها وأبوها قاعدين هنا نستنى الخبر الحلو." اتسعت عينا سميحة بصدمة: "قصدك إيه بالخبر الحلو يا مديحة؟ أنتِ بتتكلمي جد؟ لا يمكن يحصل أبدًا! أنتِ مش شايفة البت خايفة إزاي." رفعت مديحة حاجبيها باعتراض:
"قصدي عاوزين نعرف هي بنت ولا لأ، آه لتطلع مغشوشة يا أختي، يبقى أبوها ياخدها يقتلها هو حر." ترنحت هي عقب حديث مديحة. رآها زكريا، مد يديه يحاوطها بخوف حقيقي، ثم هتف: "أنتِ بتقولي إيه يا ماما؟ مينفعش اللي أنتِ بتقوليه دا." جلست مديحة ثم هتفت بمكر: "اتكلم أنت يا أبو سلمى، أنا مش هاتكلم." جلس هو الآخر على الكرسي مردفًا بخشونة: "بقولك إيه يا جوز بنتي، أنت تنفذ اللي أمك قالتهولك عليه. إحنا هانستنى هنا وناخد البشارة."
صرخت سميحة: "حرام عليك يا راجل، دي حتى بنتك، اتقي الله بقى." قاطعها حسني بصفعة على وجهها مردفًا بغلظة: "لو مش سكتي هاموتك أنتِ، فاهمة." خرج صوت سلمى بضعف: "خلاص يا بابا، حاضر، هأنفذ كل حاجة." ابتسمت مديحة بسخرية: "شاطرة يا مرات ابني، بتسمعي الكلام." ثم استطردت: "وبقولك إيه يا زكريا، أنا عاوزاك تدخل عليها يا حبيبي علشان آخدها بكرة عند دكتورة أطمن عليها، بلاش ضحك على الدقون. أنا مستنية أهو."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!