تحميل رواية شقة البخاري بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان لازم نعزل من الشقه لأن الرجل صاحب العماره غلى الإيجار علينا، رفعه الضعف وأدانا مهله شهر نشوف شقه تانيه. وكنت بخلص شغل والف على العمارات والسماسره احاول اشوف شقه حنينه وكل يوم مش برجع غير وانا مهدود وتعبان. سماح مراتى غلبانه وطيبه ودا إلى خلانى احس بالقلق، لأن أهلها كانو رافضين جوازنا مش ناقص غير دلوقتى كمان نطرد من شقتنا. سماح قالتلى انها ممكن تكلم اخوها نقعد فى شقة باباها شويه لكن انا رفضت خالص وكنت كل يوم اقول هلاقى شقه بكره والشهر قرب يخلص ومفيش فايده كل الشقق غاليه جدا. فقدت امل والموضوع...
رواية شقة البخاري الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
كان لازم نعزل من الشقه لأن الرجل صاحب العماره غلى الإيجار علينا، رفعه الضعف وأدانا مهله شهر نشوف شقه تانيه.
وكنت بخلص شغل والف على العمارات والسماسره احاول اشوف شقه حنينه وكل يوم مش برجع غير وانا مهدود وتعبان.
سماح مراتى غلبانه وطيبه ودا إلى خلانى احس بالقلق، لأن أهلها كانو رافضين جوازنا مش ناقص غير دلوقتى كمان نطرد من شقتنا.
سماح قالتلى انها ممكن تكلم اخوها نقعد فى شقة باباها شويه لكن انا رفضت خالص وكنت كل يوم اقول هلاقى شقه بكره والشهر قرب يخلص ومفيش فايده كل الشقق غاليه جدا.
فقدت امل والموضوع ده عملى تعب فى اعصابى وخلانى عصبى جدا.
وفى اخر يوم فى مهلة الشهر قلت فى نفسى انت بتلف بقالك شهر من غير فايده، معقول هتلاقى شقه النهرده؟
ودا خلانى اتحبط واقعد على أول قهوه فى وشى بعد ما لفيت حوالى ساعه على بوابين العمارات.
قعدت اشرب شاى وانا شارد ومهموم وكل شويه ابص على التليفون خايف سماح ترن عليه ومش عارف هقلها ايه.
وانا سرحان فى ملكوت الله محستش غير وراجل قاعد على الكرسى إلى جنبى.
وشكله كان قعد كتير من غير ما اخد بالى لحد ما قال: خليها على الله يا استاذ ربك موجود.
اخدت بالى فقلتله: بتكلمنى انا؟
قال: ايوه هو فيه حد قاعد هنا غيرك؟ اصل شايفك قاعد كده ومهموم يمكن لو حكيتلى ترتاح شويه.
ورغم ان الموضوع على بعضه غريب ومش عارف الرجال ده طهر ازاى من غير ما اخد بالى ولا اشوفه وانا اصلا معرفوش الا انى قولتله: انا بدور على شقه إيجار ومش لاقى بقالى شهر.
قال: هو دا إلى مخليك مهموم كده اوى!؟
قولتله: ايوه دى مشكله كبيره.
قال: ان شاء الله خير انا ممكن اساعدك.
قولتله: عندك شقه؟
ابتسم وقال: لا معنديش شقه بس ممكن ابعتك لشخص يلاقيلك شقه.
كنت فاكره بيهزر، لكنه قال: روح لواحد اسمه على السعدى، العنوان بتاعه كذا كذا كذا قله انك جاى من طرف البخارى وهو هيقوم معاك بالباقى.
دخلت الحمام افك ميه ورجعت لقيت الراجل مشى وكان الوقت اتأخر لكن بكره كان لازم نعزل من الشقه ودا خلانى اروح على العنوان إلى الراجل ادهولى.
كنت عارف انها ممكن تكون خدعه لكن مكنش قدامى طريقه تانيه.
روحت على العنوان وهناك لقيت على السعدى وقولتله: انا جايلك من طرف البخارى عايزك تشوفلى شقه الليله.
البخارى؟ سألنى الراجل يأكد على الاسم.
قولتله: ايوه.
قال: غريبه.
قولتله: ليه؟
قال: البخارى عمره ما قصدنى فى خدمه شخصيه وبعدين انا ليه زمان اووى مشفتوش واضح انك شخص عزيز اوى عليه.
قولتله: يعنى هتشوفلى شقه؟
قال: طبعاً.
قلتله: امتى؟
قال: دلوقتى.
وطلع من جيب الصديرى بتاعه مفتاح وشاور لفوق، الشقه فى الدور الاخير لكن فيه شرط.
قولتله: شرط ايه؟ رغم انى كنت هوافق على اى شرط.
قال: هتدفع شهر مقدم.
قولتله: ماشى.
وفيه غرفه فيها كراكيب هتسيبها زى ما هى.
قولتله: امين.
قال: تمام اتفقنا.
ادانى المفتاح بعد ما اخد الشهر وانا مش مصدق نفسى، ومن غير حتى ما اشوف الشقه كلمت سماح وطلبت منها تجهز كل حاجه عشان نعزل.
الصبح جيبنا عربيه حملنا فيها العزال وروحنا على العنوان.
على السعدى مكنش موجود العمال طلعو الاثاث وبعدين طلعت انا وسماح.
الشقه كانت كبيره وواسعه وجميله جدا و سعرها كان على قد الايد حتى سماح مكنتش مصدقه ان ايجارها قليل كده.
رتبنا كل حاجه وقلت لسماح: الغرفه إلى هناك دى مش هفتحها ولا نغير فيها حاجه دا شرط صاحب العماره.
سماح قالت: احنا مش محتاجين الغرفه دى فيها اربع غرف غيرها واحنا يدوبك شخصين بس.
رواية شقة البخاري الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
أخدنا وقت طويل واحنا نضبط في الشقة لحد ما حيلنا اتهد، حتى الليل وصل واحنا كنا لسه شغالين واتعشينا وسط الكراكيب اللي باقية.
الساعة 11 بالليل كنا بنشطب خلاص.
سماح صعبت عليا، قولتلها: "خدي انت دوش ونامي، وأنا هكمل شوية الحاجات اللي باقية." شوية رفايع كانت هتترص وكام لوحة بتحبهم سماح هتتعلق على الجدار.
وقبل ما أخلص، وصلتني رسالة من الشغل شغلتني شوية وكان لازم أرد عليها.
ببص في الساعة لقيتها واحدة بالليل. "ياخبر؟ الوقت جرى بالسرعة دي؟ وأنا عندي شغل بكرة..."
دخلت الحمام جرى، قلعت هدومي وأنا باخد شاور. الميه قطعت، في نص الاستحمام بالظبط. قولت: "هو يوم باين من أوله." ولسه هخرج من الحمام، الدش اشتغل مرة تانية. وقبل ما أنزل تحته لاحظت إنه منزل ميه مصدية ولونها غامق.
قولت: "دا أكيد بسبب المواسير، ميه متخزنة من زمان، شقة مقفولة وكده يعني." بس من لحظات الميه كانت عادية، وبعدين سماح استحمت ومشتكتش من حاجة. ولحظة فكرت إن سماح مكنتش عايزة توجع دماغي أو تشتكي من حاجة هايفة. انتظرت أكتر من دقيقة لحد ما الميه ما نضفت وخلصت استحمام ودخلت غرفة النوم نمت فورًا.
مصحيتش إلا على صوت سماح بتصحيني: "فوق يا أحمد، هتتأخر على الشغل."
غيرت هدومي بسرعة وجريت على الباب. بس سماح وقفتني: "استنى يا أحمد لحظة." ولقيتها بتقرب مني ناحية ضهري: "فيه بقعة دم على رقبتك، أنت اتعورت؟"
قولتلها: "يمكن، بس مش فاكر." سماح نضفت بقعة الدم وأنا بصيت في نفسي مكنش فيه جروح. سماح قالت: "مفيش جرح ولا حاجة، أنا نضفتها."
روحت الشغل. وبعد ما حصل، عديت على البقالة اشتريت حاجات نحطها في التلاجة وفاكهة، الحاجات اللي كانت ناقصانا.
اتغديت أنا وسماح. وإحنا بنشرب الشاي، سماح قالت لي: "انت فنان الصراحة يا أحمد." ولأني شخص سمج، قولتلها: "أمال ده كنز مواهب مدفونة." ومسألتش عن السبب لأني دخلت نمت على طول أريح شوية.
صحيت قبل المغرب وأنا قاعد في الصالة وسماح في المطبخ.
بقلها: "الله، بصراحة فكرة رص الحاجات دي وتعليق اللوحات في المكان ده فكرة عبقرية ومتناسقة."
سماح ضحكت وقالت: "خلاص بقى، عرفنا إنك فنان."
قولت: "لأ بجد، برافو عليكي، ده أنتي تنفعي مهندسة ديكور."
"أحمد؟" وسكتت سماح شوية. "لو كنت منتظر إني أمدحك تاني تبقى غلطان، هو فعلاً شكلهم حلو وعقلك شاطر، بس خلاص يا عم، متصدعناش."
وهنا فهمت إن سماح بتقصدني أنا. قولت: "لكن أنا ما عملتش الحاجات دي يا سماح؟"
"بطل هزار." رفعت سماح صوتها. "أنا قمت الصبح لقيت كل حاجة مترتبة."
لكن أنا اشتغلت في رسالة وصلتني من الشغل وسبت كل حاجة مكانها. صرخت وأنا بحاول أتذكر اللي حصل.
قالت سماح: "يمكن عملتها وانت ناسي." أنا قولت برضه: "استحالة تكون في كامل قواك العقلية وتخرج حاجة تحفة زي كده."
قمت من مكاني وقربت. واللوحات والزهور والكتب والتحف الصغيرة مترتبة بطريقة رائعة. لكن اللي لفت نظري بقعة دم على لوحة والد سماح ووالدتها الله يرحمهم.
كشطت بقعة الدم بضفري ورجعت قعدت مكاني.
رواية شقة البخاري الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
الشقة
سماح: هي صورة والدك ووالدتك دي كانت إمتى وكان عندهم كام سنة؟
أحمد: بعد ما خلفونا يا أحمد، كان عندي 14 سنة وقتها.
أحمد: غريبة.
قلت في سري وأنا لسه ببص على الصورة: لكن في الصورة شكلهم صغيرين جدا، اللي يشوفهم يقول لسه مخطوبين أو أول شهر جواز.
سماح: هي والدتي قمر من يومها ووالدي ده كان حتة سكرة.
طلعت سماح شايلة كوباية الشاي وحطتها على الترابيزة وبصت على صورة والديها بعفوية.
سماح: يا أختي قمر.
سماح مكملتش الكلمة وقربت من الصورة ووقفت مدهوشة.
أحمد: في إيه؟
سماح: مفيش، أصلي ملاحظة إن الصورة اتغيرت، حاسة إنها مش نفس الصورة اللي أنا كنت محتفظة بيها.
أحمد: تقصدي إيه؟
سماح: الصورة دي كانت في شقة بابا وماما الله يرحمهم اللي ساكن فيها أخويا محسن. الصورة اللي كانت معايا مختلفة ومش عارفة الصورة دي وصلت هنا إزاي؟
فتشت سماح في الخردة وبقايا الأشياء اللي جبناها معانا، مكنش فيه صور تانية.
أحمد: قلت يمكن إنتي غلطتي يا سماح.
سماح: أحمد، إنت عارف زي ما أنا عارفة إن الصورة اللي كانت متعلقة في شقتنا القديمة وبنشوفها كل يوم مش نفس الصورة دي.
ورغم إن الموضوع غريب، لكن محبتش أديله أكبر من حجمه، لأن فيه بعض الحاجات اللي الإنسان بتكون قدامه ومش بيركز فيها، ولما بيركز بيشوف تفاصيل تانية وكتيرة.
قلتلها: ابقي كلمي محسن أخوكي وهتلاقي الصورة الأصلية هناك، أنا متأكد. جايز اتغيرت من غير ما تحسي.
سماح: محسن كان عندنا قبل ما نعزل بيوم.
وأنا نازل الشغل بعدها بكام يوم شفت علي السعدي وصبحت عليه.
علي السعدي: صبح عليك.
وقال: البخاري بيسلم عليك، وبيقول إن شاء الله الشقة اللي اديتهالك تكون عجبتك، ومتنساش اللي قولته لك عليه.
قلت له: الحمد لله الشقة تمام والله، متخافش يا عم علي الغرفة هتفضل مقفولة زي ما طلبت.
علي السعدي: أستاذ أحمد، ابقى سلم لي على البخاري لما تقابله ووصيه عليه بعد إذنك.
قلت له: حاضر يا عم علي.
وأنا مكنتش أعرف البخاري ساكن فين ولا هو مين أصلاً، لكن لما شوفت الراجل عمال يترجى فيه وفاكر إن لي علاقة بالبخاري، اتحرجت أقول له أنا معرفوش.
وكمان خفت لو عرف إن مليش علاقة بالبخاري ياخد الشقة تاني أو يزود الإيجار.
بس عرفت لحظتها إن البخاري ده شخص مهم، واضح كده.
حتى إني فكرت أروح القهوة اللي أنا كنت قاعد فيها لما قابلت البخاري وأسأل عليه.
ومكدبتش خبر.
وأنا راجع عديت على القهوة وسألت عن البخاري، مكنش فيه حد يعرفه.
ولما حاولت أفكر القهوجي بيه، مفتكرش.
سكت قلت موضوع وعدى خلاص.
أخدت مشترياتي ومشيت على الشقة، اشتريت شوية حاجات كانت ناقصة.
وأنا طالع السلم، أوضة علي السعدي كانت مفتوحة، ببص جواها مكنش موجود، الأوضة فاضية مفيهاش غير قط أبيض قاعد على السرير.
طلعت السلم في الدور التاني سمعت زعيق طالع من الشقة.
الظاهر راجل ومراته كانوا بيتخانقوا مع بعض.
كملت على الشقة، وهفتني ريحة الطبيخ اللي يفتح النفس.
الله ينور عليكي يا سماح، أنا ميت من الجوع.
رصت سماح الأطباق على الطاولة.
واحنا بناكل قالت: أنا كلمت محسن وبيقول إن الصورة الأصلية متعلقة عنده.
أحمد: تقصدي الصورة اللي إنتي كنتي فاكرة إنها معانا؟
سماح: آه، بس هو كمان كان مستغرب ومش عارف الصورة وصلت عنده إزاي.
أحمد: يعني هو ما بدلش الصورة قبل ما نعزل؟
سماح: لا.
أحمد: يلا عادي، دي مجرد صورة، ابقوا بدلوها مع بعض ومش لازم وجع الدماغ ده كله.
ضحكت سماح وقالت: حاضر، بكرة إن شاء الله أبدلها مع محسن.
وخلاص المشكلة اتحلت والأمور مشيت لحد تاني يوم.
وأنا في الشغل لقيت سماح بتكلمني.
أحمد: خير يا سماح؟
سماح كانت بتنهج: الصورة مش راضية تطلع من الحيطة يا أحمد، إنت ثبتها إزاي؟
رواية شقة البخاري الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
وانا وسط الشغل دلوقتى؟
هى صورة الملك فاروق؟
خلاص يا سماح انا هتصرف.
وانا راجع من الشغل، قولت اشترى حاجة لسماح أراضيها بيها بعد انفعالي وقولي كلام مستفز يخلي أي حد يزعل.
مراتى من النوع الرومانسي وشغوفة بالقراءة، قلت أشترى لها رواية أو أي كتاب.
فدخلت على سور الأزبكيه، ولأني مش من هواة القراءة بحثت عن عنوان كتاب ملفت وشكله حلو أو غريب.
كان كل قصدي مظهر سطحي وهايف قدام مراتى.
كنت بشوف أسماء كتاب أول مرة أسمع عنها، أحمد خالد توفيق، حنان لاشين، منى سلامة، ديستوفيسكي.
الاسم الوحيد اللي كنت أعرفه نجيب محفوظ.
وأنا واقف كده منبهر متلخبط، شفت البخاري قاعد قدام كومة كتب على الرصيف.
سبت كل حاجة في إيدي ومشيت عليه وأنا مبتسم.
عم بخاري؟ إزيك؟
أهلاً وسهلاً، همس البخاري وهو بيرتب الكتب.
قولتله هو انت مش فاكرني يا راجل يا طيب؟
طبعًا فاكرك يا أستاذ أحمد، أتمنى تكون الشقة عجبتك؟
عجبتني جدًا، دا أنت جيتلي نجدة من السما، أنا مش عارف أشكرك إزاي؟
الشكر لله يا ابني، هو اللي يستحق الحمد، إحنا مجرد أسباب.
أنا شايفك كده محتار وعمال تدور بين الكتب، بتدور على نوع معين؟
الصراحة يا عم البخاري أنا عايز أشتري كتاب لمراتى بس ميكنش كتاب عادي لأنها قارئة نهمة، كتاب يوضح ثقافتي وميخلينيش أحس بالحرج.
طلبك عندي، همس البخاري وهو بيطلع كتاب من تحت كومة كتب قديمة.
غلاف الكتاب كان ملفت واسمه غريب، نفس طلبي بالظبط.
شكرت البخاري ودعوته يشرفني على الغدا.
بس البخاري قال إنه مش فاضي ووراه شغل كتير.
ورغم إن البخاري ساعدني زي كل مرة، بس أنا حسيت إنه مش سعيد أو فيه حاجة مضايقاه.
وبعدين وأنا ماشي افتكرت علي السعدي ووصيته ليه أسلم له على البخاري.
ودا خلاني أرجع من على سلم المترو وأرجع لفرشة البخاري، لكنه مكنش موجود.
بس فرشة الكتب بتاعته موجودة وقاعد فوقيها طفل صغير.
بقوله فين الراجل اللي كان قاعد هنا من شوية؟
الطفل قالي بابا راح مشوار وهيرجع بعد شوية.
ورغم إن الطفل كان شغله مختلف عن البخاري، إلا إني مفكرتش أسأله عن أي حاجة.
رجعت البيت لقيت سماح قاعدة مستمرة في الصالة وشها مكشر.
رميت السلام ومن غير كلام، طلعت على الكرسي وشيلت الصورة من على الجدار وقولتلها أنا آسف إني اتغصبت عليكي.
أدي الصورة يا ستي اللي كانت مطلعة عينك.
نزلتها بسهولة.
سماح فضلت باصة على الصورة وساكتة.
آخر النهار محسن أخويا هيعدي عليا ياخدها ويجيب الصورة الأصلية.
قولت تمام، أمال مالك كده زعلانة وحزينة؟
قالت أصل وصول الصورة دي هنا بالشكل ده مخليني مترددة ومأثر فيه أرجعها بيت أخويا.
قولت بسيطة، اتصلي بمحسن وقوليله احتفظ بالصورة اللي عندك، وبكده كل يبقى فلة.
سماح قالت مينفعش، الصورة دي لازم تمشي من هنا.
ولقيت نفسي هدخل في مهاترات وأنا حافظ نفسية المرأة.
فطلعت الكتاب من الكيس وقولت بابتسامة سمجة:
تفضلي.
إيه ده يا أحمد؟
قلت هدية.
خرجت سماح الكتاب وبصت عليه.
شكله كتاب قيم؟
همست: أمال أنا مش ممكن أشتري أي حاجة والسلام، لازم تكون فريدة وذات قيمة.
سماح فتحت الكتاب وقلبت صفحاته.
واضح فعلاً إنه كتاب قيم.
في الأيام الأخيرة أنت بتبهرني يا أحمد، من أول ترتيب الصور والتحف والانتيكات، إلى حد شراء كتاب باين إنه قيم.
ورغم ما تحمله الكلمة من سخرية مبطنة وتلميحات مزعجة.
إن سماح مشفتش حاجة مبهرة فيه من يوم الجواز إلى الآن.
إلا إني كنت سعيد وفرحان.
مش عارفة إيه المواهب اللي نزلت عليك فجأة، لا والثقافة كمان.
أصل مش معقول شخص عادي هيشتري كتاب زي ده.
شكرت البخاري في سري، هو السبب في كل المديح اللي أنا نلته.
مش عارف من غيره كنت هعمل إيه.
سماح قالت: أحمد، أنا حاولت أفتح الغرفة المقفولة لكن مقدرتش.
وكانت نبرتها معتذرة.
الغفير حذرني أقرب من الغرفة دي يا سماح، دا كان شرط عشان الإيجار يتم.
وهو يعني هيشوفنا يا أحمد؟ مش ممكن يكون فيها مصيبة ولا مخدرات؟
بطلي هبل، أنا اديت الراجل كلمتي ولازم أحفظ وعدي.
مخدرات إيه ومصيبة إيه؟ إحنا ما صدقنا نلاقي شقة تلمنا.
وطلبت من سماح توعدني إنها متقربش من الغرفة تاني.
الساعة 11 بالليل دخلت نمت، وسماح كانت قاعدة في الصالة.
وتاني يوم الصبح لما فتحت عيني سماح كانت قاعدة في الصالة بتقرأ في الكتاب.
قلت صباح الخير يا سماح.
يعني صاحية بدري؟
أعطتني سماح نظرة مصدومة وردت التحية وقامت تجهز الفطار.
رفعت صوتي بقلها: مالك كده مصدومة وأنا بصبح عليكي؟
أصل أنا منمتش أصلًا يا أحمد، وكنت فاكرة الساعة يدوبك اتنين ولا تلاتة.
للدرجة دي كنت مشغولة؟
رواية شقة البخاري الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
مكنتش مشغولة ولا حاجة، سرحت مع الكتاب اللي انت اشتريته وماخدتش بالي غير دلوقتي.
شعرت بسعادة تغمرني، كون الكتاب أعجب زوجتي سماح ده يعد نجاح منقطع النظير.
"تصوري يا سماح الابتسامة على وش والدك تجنن."
"ابتسامة إيه يا أحمد؟" وصل صوت سماح من المطبخ.
"صباح الابتسامة الغريبة دي يا سماح، تعرفي بيضحك ولا زعلان؟"
تركت سماح الفطار على الترابيزة، "تصدقي أول مرة آخد في بالي يا أحمد؟"
بعدها سماح تسمرت قدام اللوحة وعنيها طرفت، وأنا ببلع لقمة قلت لها: "فيه إيه؟"
بصدمة ونوع من التشتت همست سماح: "الابن."
"ابن مين؟" قلت بلا مبالاة.
"الابن يا أحمد في لوحة رمبرانت كان راكع، رأسه في صدر الأب، مغمض العينين.
لكن دلوقتي؟ كأن إحدى عينيه مفتوحة شوية. مجرد فتحة رفيعة، كأنه بيراقب، مش بيبكي."
رفعت وشي مش فاهم حاجة.
"بينما أردفت سماح: "اليد اليمنى للأب. في الأصل، رامبرانت رسمها أكبر من المعتاد، قوية، ذكورية، على كتف الابن.
لكن دلوقتي؟ الإيد كانت أنحف… شديدة الأناقة، طويلة الأصابع، شبه يد امرأة."
"الرجل الجالس على اليمين. الأخ الأكبر. كان بملامح متحجرة، جالس بصمت.
لكن وجهه اتغير. الزاوية نفسها، العينين نفسهم، لكن فيهم سخرية. مش ألم. مش صدمة.
ضحكة مكتومة، مش ظاهرة في الفم… ظاهرة في التوتر بين عظام الخد والعين."
"وأسفل قدم الابن، قرب الحذاء الممزق… هناك ظل. لم يكن موجودًا من قبل.
ظل شخص رابع، يقف خارج إطار الضوء، قريب جدًا من العتبة، وكأن هناك من ينتظر دوره في الدخول."
اللقمة وقفت في بوقي، "ده اللي بيضايقني في سماح، عندها ثقافة مزعجة وأنا مش بعرف أجاريها."
قلت: "سماح أنا مش فاهم حاجة، لـ رامبرانت مين وابن مين؟"
وكأن سماح ما كانتش سامعاني، استندت بين الصورة وبيني.
وتبعت عين الابن في اللوحة اللي كانت بتبص على الغرفة المغلقة، قبل ما ترجع لصورة والديها وترجع تبص على الغرفة.
كان فيه سكون وحذر وصمت غريب، ما قطعوش غير صوت الكتاب اللي وقع على الأرض وخلاني أرتعش.
"أنا شفت اللوحة دي كتير، مستحيل أكون بتخيل يا أحمد، فيه تغيرات طفيفة جوه تفاصيل اللوحة، لكن مش قادرة أمسكها.
تحس إنها بتهرب مني."
مبهور قلت: "تصوري يا سماح، والله المفروض أعملك معرض فني. أنا كنت قربت أقتنع إن اللوحة اتغيرت بجد."
"طيب أنا لازم أروح الشغل، يا سماح، هتأخر. وسيبك من موضوع اللوحات دي، فيه متخصصين بيفهموا في الحاجات دي.
وبعدين دي مجرد لوحة مش أكتر، مفيش لوحة هنقعد نتغير من نفسها كل يوم والتاني، إلا لو كان بقى السيد رامبرانت رجع من تربته وحمل فرشاته وأضاف بعض الرتوش الثانوية."
غير مقتنعة، تخلت سماح عن فكرتها وودعتني بقبلة طويلة على الباب.
"صباح الخير يا عم علي السعدي!؟"
"صباح الخيرات يا أستاذ أحمد."
"أنا بلغت سلامك للبخاري ذي ما طلبت مني."
"هو أنت قابلته تاني يا أستاذ أحمد؟"
"قولت له آه، امبارح في سور الأزبكية."
"طيب والله أنت إنسان محظوظ، ده أنا نفسي أقابله من زمان. قم تيجي أنت تقابله مرتين في بحر أسبوع؟"
"قولت له طيب ما أنت عارف عنوانه، تروح تسلم عليه بدل ما تتعب نفسك كده."
بص لي علي السعدي بصة غريبة كأني غبي أو مش فاهم حاجة.
واداني ضهره، "البخاري ملوش عنوان محدد يا أستاذ ومش بيظهر غير لما يحب يظهر."
وكنت لسه هـ هبد وأقول له: "انت شفت ابنه وكده" لقيتني خدت بعضي ومشيت على الشغل.
وأنا بهمس في سري: "واحد عايز يقابل واحد ما يروح يقابله ويخلص نفسه، إيه الهبل ده."
وأنا في المواصلات افتكرت كلام سماح عن اللوحة، وكنت لسه منبهر لحد اللحظة بحدة تركيزها مع التفاصيل وذكائها.
وزعلان إني مش مثقف زيها ولا حاجة، فطلعت الفون وبحثت عن صورة رامبرانت ده وقعدت أقرأ عنها وأطالع التفاصيل بدقة زي سماح.
مكنتش فاهم حاجة أوي، لكن حفظت الحركات اللي في اللوحة عشان لو سماح اتكلمت عنها أعرف أرد.
وصلت الشغل الممل واتخانقت مع مديري اللي رفض يديني إجازة وسبت الشغل قبل ميعادي، ومكنش عندي رغبة أرجع البيت.
فمرت على القهوة أشرب حاجة قبل ما أرجع الشقة.
وسبحان الله فجأة كده افتكرت نظرات العيون في اللوحة وأقارن بينها وبين نظرات العيون في اللوحة اللي عندنا.
وكيف كانت بتبص بانحراف طفيف ناحية الغرفة المغلقة ذي ما مراتي بتقول.
رواية شقة البخاري الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
لما رجعت الشقة عملت نفسي شيرلوك هولمز.
جبت كرسي ووقفت قدامه أبص على تفاصيل الصورة، عشان أبهر سماح بثقافتي.
سماح كانت بتضحك، مستنية تعليقاتي السخيفة وغير الموضوعية.
لكن الحقيقة إني اتسمرت قدام اللوحة.
عندي ذاكرة حديدية، وكل الكلام اللي قالته سماح امبارح، أو معظمه، مكنش موجود.
الصورة دي أدت نمط جديد وكشفت عن اختلافات.
"مالك ساكت ليه يا دافنشي؟" خاطبتني سماح بسخرية.
قلت: "هو انتي شوفتي الصورة دي النهاردة؟"
سماح قالت: "لا."
قلت: "تمام، ماشي."
بصيت على خط البصر اللي كان مصوب ناحية الغرفة المقفولة.
نزلت من الكرسي في سكات.
سماح قالت: "ها، مش هتبهرني؟"
قلت: "لا، انتي عارفة إني مش من هواة الرسم واللوحات."
بس كان فيه حاجة في عقلي مش مطمنة، ويا ريتني اتحركت ساعتها.
كل يوم الصبح كنت بطلع الصورة، وكنت بلاحظ الاختلافات اللي فيها قبل ما أروح الشغل.
عقلي كان بيسجل كل حاجة.
لحد ما جه اليوم اللي لقيت الفواصل بين شخصيات اللوحة بتشكل صورة إنسان كامل.
"ده انت بقيت بتبص على الصور أكتر مني يا أحمد، هو انت اتحولت ولا إيه؟"
قلت: "لا، مفيش حاجة، أنا رايح الشغل."
وأنا في الطريق، عاتبت نفسي على انشغال عقلي بحاجات كنت بصنفها في الماضي بالتافهة.
وعاهدت نفسي مبصش تاني ولا أشغل بالي بالصور.
لكني كذبت.
ما إن رجعت من الشغل، والشمس نازلة على استحياء، لقيت نفسي واقف تاني قدام الصورة.
كأن فيها مغناطيس بيشدني.
مش من عينيّ، لأ.
من حاجة أعمق.
من جوا دماغي.
اللي مش ممكن يسيب حاجة مفتوحة.
كنت فاكر إن الاختلافات خلاص خلصت، أو إن عقلي بدأ يتعب ويهلوس.
بس الصورة، اللي المفروض إنها فوتوغرافيا عادية لوالد سماح، كانت بتشتغل في الخلفية.
كانت بتتغير، بس بهدوء، بذكاء، ببطء يخليك تشك في سلامتك العقلية.
ربطة العنق.
في أول مرة شفت الصورة، والد سماح كان لابس كرافتة زرقاء سادة.
لكن دلوقتي؟
فيها نقوش صغيرة جدًا، كأنها طلاسم، أو خيوط بتتتشابك في شكل ما.
قربت بالموبايل وعملت زوم.
حسيت إني باشوف خريطة.
خريطة بمسارات متقاطعة.
ولما دماغي فكرت تربط بينها وبين تخطيط الشقة.
قلبي وقع.
نفس التوزيع.
الممر الطويل.
الغرف الجانبية.
الحمام في آخر الممر.
لكن كان فيه غرفة زيادة في الخريطة.
غرفة مش موجودة في الواقع.
رجعت للصورة تاني، حاولت أقول لنفسي إنها مجرد صدفة.
لكن وش الراجل، والد سماح، كان بيبصلي.
يعني مش بيبص للكاميرا، زي أي صورة تانية.
لأ.
بيبص للمكان اللي أنا واقف فيه.
وشه هادي، لكنه ساخر ومستفز ومنتقم.
والفواصل اللي كانت بين الأشخاص في صورة رمبرانت وعملت نمط شخص وشاحي بقت أكتر وضوح.
"أحمد، فيه إيه؟ أنا بدأت أقلق بجد؟" سألت سماح بنبرة كلها قلق.
قلت بلا مبالاة: "مفيش حاجة."
"إزاي مفيش حاجة، وانت من ساعة ما وصلت وانت متسمر قدام الصورة كأنها كتاب بتقراها."
استدرت، "سماح، هو انتي ملاحظتيش حاجة غريبة في الصور دي؟"
"يعني انتي فنانة، تعرفي التفاصيل أكتر مني."
"الصراحة يا أحمد، أنا مش بفضي من شغل البيت. وبعدين دي مجرد صورة، ممكن تكون منسوخة ومش أصلية. عادي يعني تلاقي اختلافات فيها لأنها مضروبة."
ابتسمت بلا اقتناع.
وخدت حمام، واتغديت، وخرجت بره.
روحت مشوار، ورجعت بالليل متأخر.
سماح، وهي نايمة في الأوضة، كانت بتكلم في نومها.
بتقول: "بابا… لا… متقفليش الباب ده… متقفليش…"
وفجأة، من غير ما أشعر، تذكرت كلمات والدي سماح قبل موته.
لأنه كان بيهذي كتير.
لكن جملة "خلي الباب مفتوح" كانت بتتكرر كتير على لسانه.
"سماح،؟ سماح فوقي، انتي بتهذي وانتي نايمة."
سماح اتقلبت وكملت نوم.
ولعت سيجارة، وقلت بعدها: "هنام."
وأنا قاعد في الصالة، تحت مراقبة نظرة والد سماح في اللوحة.
حسيت إن الشخص ده بيراقبني.
إن الصورة حية، بتتنفس.
قربت من الصورة وقتها.
شميت ريحة غريبة.
ريحة تراب قديم، وترمس متحمص، وسجاير مشتعلة من سنين.
ريحة مش ممكن تيجي من صورة.
قدامي كان كتاب البخاري مرمي على الطاولة.
سماح قربت تخلصه.
فتحت الكتاب، اتفحصته.
كلمات غريبة، وسرد غامض.
الفكرة الرئيسية بيحكي عن غرفة افتراضية في بعد موازي، بتلعن كل اللي يحاول يقرب منها.
رواية شقة البخاري الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
كل يوم الصبح وأنا رايح الشغل بلاقي على السعدي، غفير العمارة، قاعد على دكة جنب المدخل قدام غرفته، ماسك سبحة وبيذكر الله. وعلى ما اتذكر، عند عودتي من العمل بيكون مكانه فاضي، وفي غرفته المفتوحة، الهرة البيضاء ذات الشعر الناعم.
"صباح الخير يا عم علي..."
"صباح الخير يا أستاذ أحمد."
في صوت علي السعدي نبرة تذكرك بأيام الأجداد، وعلى وجهه ابتسامة خاطفة مسروقة من جنازة ميت.
وأنا في الشغل فكرت أقابل البخاري، مش عارف ليه جه على بالي وشغل جزء من تفكيري. وأنا كده كده رايح مشوار قرب سور الأزبكية، وبالمرة أسلم عليه.
لأني عارف مكانه، مشيت على طول وسط الباعة ورائحة الكتب ومحبي القراءة، ناس مش من شبهي حتى لو كان لي أربعين نسخة.
البخاري مكنش موجود، وعلى النصابة بتاعته مكنش فيه طفل صغير ولا حاجة. كان راجل مسن بلحية جميلة بيقرأ كتاب.
قربت منه، "لو سمحت ممكن أسأل حضرتك سؤال؟"
"اتفضل يا ابني..."
"أنا مرة اشتريت كتاب من شخص اسمه البخاري كان قاعد على كومة الكتب دي."
"مفيش شخص أعرفه اسمه البخاري من اللي بيبيعوا الكتب، لكن لو كان فيه حاجة أقدر أساعدك فيها مش هتأخر."
قلت: "الصراحة كنت استعرت منه كتاب وعايز أرجعه." خلقت أول كذبة جت في بالي عشان مظهرش مريب.
"مفيش إنسان قارئ حقيقي ممكن يعير كتابه لشخص تاني. الكتاب زي الزوجة يا أستاذ، مستحيل تفرط فيه لشخص تاني. لو كان اداك الكتاب يبقى مش عايزه."
"طيب سؤال تاني معلش، استحملني شوية. هو أنت عندك طفل بيقف على فرصتك بعد ما تروح؟"
"لا يا أستاذ، أنا بس اللي بقف على فرصتي. معنديش أولاد ذكور، ربنا كرمني بتلت بنات زي الفل، كلهم في الجامعة."
قدمت شكري للرجل على صبره وتفهمه وأنا راحل. همس: "لو مش عايز الكتاب، ابقى هاته يا أستاذ، أنا بحب الكتب."
قلت: "إن شاء الله حاضر." وأخدت بعضي ومشيت.
في المقهى مكنش حد يعرف البخاري. على سور الأزبكية محدش يعرفه ولا شافه. كملت سور الأزبكية كله. فكرت يمكن البخاري غير مكانه، أصله مش معقول شخص يختفي من مكان عمله فجأة كده. ملقتش البخاري. ركبت المترو ورجعت على البيت.
مرّيت على غرفة علي السعدي الفاضية. ومعرفش ليه دخلت الغرفة المفتوحة وأنا بهمس: "هو الراجل ده مش بيخاف حاجة تسرق من غرفته؟"
القطة كانت قاعدة على السرير بتبص عليا وأنا داخل. عاينت الغرفة بسرعة. ولأني مش من محبي القطط، اكتفيت بلمسة على ضهر القطة.
القطة اللي معجبهاش تحرشي بيها قفزت بعيد عني وسابت جوايا رعشة. ملمس القطة كان بارد وغريب. ونظرتها تشي بتحفز غير معلن.
فتحت باب الشقة ومن غير ما أبص على الصور، مشيت على صوت سماح اللي كانت بتغني. ومن فتح باب يسيده.
"غريبة الأغنية دي يا سماح، أنا معرفهاش."
"دي أغنية كانت موجودة في الكتاب يا أحمد، ودايماً كلماتها بتدور داخل عقلي."
الأغنية بتقول إن اللي يفتح باب لازم يكون عنده القدرة يغلقه.
وإن كل باب بيفتح حكاية داخلها تفاصيل كتيرة.
وإن فيه حكايات من المستحب إننا منسمعهاش.
رغم إنه كلام عادي، إلا إني حسيت بقلق. ليه كل حاجة داخل الشقة وجوه الكتاب بتتكلم عن غرفة وأبواب؟
حتى الصور اللي أنا مش عارف حكايتها إيه بتشير تجاه باب الغرفة المغلق. ولأول مرة يراودني فضول ملح، ليه الغرفة دي مغلقة وممنوع حد يقرب منها؟
مستحيل يكون داخلها فلوس أو آثار أو دهب. ومن رابع المستحيلات العقلية إن يكون داخلها تحف أو أثاث ومقتنيات بتحمل ذكرى لدى صاحب الشقة. محتمل يكون داخلها جثة متعفنة؟ جريمة قتل في الحي الهادئ؟
"شارد ليه يا أحمد؟" همست سماح لما طال سكوتي وسهادي.
بعفوية سألت سماح: "أنتي فتحتي الغرفة دي يا سماح؟"
"لا، مفتحتهاش يا أحمد، رغم إن فكرة وجودها مغلقة مريبة داخل عقلي. في كل مرة بقرب منها بأتذكر إنك اديت الراجل وعد، واحنا مش ممكن نكسر وعدنا."
"رغم إني أول امبارح في طريقي تجاه الحمام كأني لمحت ظل بيتحرك تحت الباب."
"ظل إيه بس يا سماح؟ كيف شخص يعيش دون أكل أو طعام أو حمام الفترة دي كلها؟"
"ما أنا عارفة يا أحمد وفاهمة، هو بس العقل بيحب يخلق مبررات للحاجات العصية على الفهم."
"طيب إيه رأيك نفتحها ولا مين شاف ولا مين دري؟"
"في الأول كانت عندي رغبة أفتحها، لكن بعد ما قرأت الكتاب الرغبة دي اختفت يا أحمد. أنا عارفة إن الممنوع مرغوب، لكن لازم نحارب رغبتنا في الاقتراب من حاجة متخصناش."
"سامح، إنتي كلامك غريب ومخيف ليه كده؟ دي مجرد غرفة." وقربت من الباب.
"مش مخيف ولا حاجة، لكن دي حاجة إحنا وافقنا عليها وكانت من شروط تأجير الشقة ولازم نلتزم بيها."
"أحمد، إياك تفتح الغرفة." بعد إذنك، بنبرة آمرة أردفت سماح وقلق بادٍ في عيونها.
حطيت إيدي على مقبض الباب ومش في نيتي أفتحه. "سماح، مش شايفة إنها غريبة شوية إن غرفة مهمة عند صاحب الشقة وشرط إن محدش يفتحها ولا يدخلها، مش عليها قفل معدني؟ مجرد مقبض باهت عفى عليه الزمن؟"
"بعدين إيه النقوش الغريبة دي؟ دي نقوش تركمانية وجرمانية أنا اتأكدت منها..."
استدرت في مواجهة سماح. "يعني إنتي لاحظتيها قبل كده؟"
"أنا محبوسة بين أربع جدران ومش بخرج من الشقة. عايزاني أعيش مع حاجة مش فاهماها إزاي؟"
"لكن النقوش والرسومات دي مريبة وغريبة جداً."
"صناع الأبواب القديمة وأصحاب الحرف بيكون عندهم مهارة بيعبروا عنها في رسم الأخشاب، حاجة عادية يعني."
"سيبك بقى من الغرفة والباب وتعالى ساعدني في الغدا."
شباك الشقة انفتح، دخل منه ريح جامد خلت أوراق الكتاب تتقلب. وفجأة ثبت.
قفلّت الشباك بسرعة. وأنا راجع بصيت بطرف عيني على صفحة الكتاب. كان رقمها ٩٩.
رواية شقة البخاري الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
الرقم ٩٩… كان مجرد رقم في البداية. صفحة توقفت عندها الرياح فجأة، كأنها اختارتها بالاسم.
لكن لما رجع أحمد للكتاب وبدأ يقرا، لاحظ إن الصفحة ٩٩ مش زي باقي الصفحات. الخط فيها مختلف، الحبر أغمق، والسطور متباعدة بشكل مريب.
وفي آخر الصفحة، تحت سطر خافت بالكاد يُرى، كان فيه نص صغير جدًا:
"إذا وصلت إلى هنا، فقد اقتربت. تسعة وتسعون. لا تكمل. الباب رقم مائة لا يفتح."
أحمد ما فهمش، أو بالأحرى، رفض يفهم. لكن لما قرأ السطر ده، حس إن فيه شيء اتحرك جواه. شيء قديم، أعمق من ذاكرته، كأن الرقم نفسه بينادي عليه.
رجع للصفحات الأولى، دَوّر على أي ذكر للرقم ٩٩، ولقاه مذكور مرتين:
مرة في بداية فصل بعنوان "المدخل الآخر".
ومرة في هامش مكتوب بخط مختلف: "٩٩ هو رقم الحاجز. من بعده لا يبقى شيء كما هو."
لكن الغريب مش كده، الغريب إن الرقم ٩٩ كان محفور على إطار الباب المغلق، مش ظاهر للعين العادية، لكن بعد ما قرب أحمد منه كويس ولاحظ النقوش، شاف الرقم منحوت جوه الخشب كأنه سِرّ محفور مش مقروء إلا لمن شاف الصفحة.
وكل ما أحمد يقرا، كان الرقم يظهر له في حاجات تانية:
رقم البناية اللي ساكن فيها هو ٩٩ شارع الشيخ حسنين.
رقم الصفحة اللي سقطت من الكتاب أول يوم فتحه… كانت ٩٩.
حتى الأغنية اللي غنتها سماح، كان عدد كلمات المقطع المتكرر فيها ٩٩ كلمة.
كأن الرقم بيطارد أحمد، أو بيحضّره لشيء. شيء هيبدأ لو تجاوز الرقم ده. هو الخط الرفيع بين الحقيقة والهوس، بين العقل والباب المفتوح على الآخر.
سماح كانت قاعدة على الأرض، بتقشر بطاطس فى طبق استانلس لما لمحت أحمد واقف ساكت عند باب الغرفة، مش بيبص له مباشرة، لكن عينه معلقة فى الفراغ حوالين الباب كأن فيه شيء مش مرئي بيحاول يتشكل.
رفعت راسها وغمغمت:
"أحمد… إنت كويس؟"
ما ردش، كأن صوتها كان بعيد، جاى من حته تانية، من عالم تاني. فمسحت إيدها فى فوطه المطبخ وقامت، وقفت قدامه، ولما شافت وشه، اتأكدت: ملامحه مش هنا. عيونه زايغة، وعضلات وشه مرتخية، كأن جزء منه تايه… أو تائه متعمد.
"أحمد، أنا بتكلمك."
"هاه؟ آه... آسف، سرحت شوية."
"سرحت؟ ولا بتغرق فى دماغك؟"
قربت أكتر، وبتوتر خفيف قالت:
"بصلى كده، بصلى كويس… إنت اليومين دول مش طبيعي. كل شوية سرحان، بتكلم نفسك، وتطالع الصور كأنها بتكلمك، وفى الآخر تقولى مشغول فى الشغل؟"
سكت. معرفش يرد. فهى كملت، بصوت فيه رجاء مش تهديد:
"أحمد، الشك ساعات بيخلق واقع ملوش وجود. وإحنا هنا لوحدنا، فى شقة مش بتاعتنا، فى عالم ملوش قواعد ثابتة. لو سبنا عقلنا يمشى ورا كل تفصيلة مريبة، هنضيع…"
"بس فى حاجات بتتغير فعلاً يا سماح… حاجات ماكنتش كده…"
"يمكن… بس مش كل حاجه تتغير تبقى لعنة أو فخ. انت ممكن تبقى تعبان، أو بتتوتر، أو بتخلط بين اللى شوفته فعلاً واللى عقلك رسمه… افتكر بس إن إحنا اخترنا المكان ده بمزاجنا، واحنا اللى وافقنا على الشروط."
"وسبنا الغرفة مقفولة زى الأغبيا؟"
اتنهدت، وقربت منه أكتر، بصوت واطي:
"أحمد، الشك زى البحر. أول ما تغطس فيه، مش بيبقى عندك شط ترجع له. ومش كل باب لازم يتفتح، ولا كل رقم لازم نفهمه، ولا كل ظِلّ لازم نواجهه. لو بدأت تفكر إن كل تفصيلة حوالينا مقصودة… هتضيع. وهتضيعني معاك."
كان ممكن يرد. بس هو حس إن كلماتها كانت شبه طوق نجاة، مش مجرد جملة. شيء يحاول يتمسك بيه قبل ما تيجى الصفحة ١٠٠.
رواية شقة البخاري الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
مرت الأيام، وعادت الحياة تأخذ إيقاعها الرتيب داخل الشقة، كأن شيئًا لم يحدث. الصمت عاد يسود أرجاء المكان، لا يُكسره سوى صوت المعلقة وهى تخبط جدران الكوب الزجاجي، أو غناء سماح الخافت وهى تطبخ، أو تقليب صفحات الكتاب حين يعود أحمد من العمل.
أحمد كل يوم بيصحى فى نفس التوقيت، يلبس هدومه بسرعة، ياخد رشفة قهوة على السريع، وينزل.
وعند مدخل العمارة، كان على السعدى، بواب العمارة، زى التمثال، قاعد على دكته الخشبية جنب غرفته، مسبحته فى إيده، ونظراته دايمًا فيها شيء ساكت، كأنه شايف أكتر مما بيحكي. صوته، وهو بيقول "صباح الخير يا أستاذ أحمد"، كان دايمًا بنفس النبرة، كأن الزمن ما بيعديش عليه.
لكن الغريب إن أحمد، لما يرجع من شغله، ما بيلاقيش الراجل. الدكة بتبقى فاضية، والباب الخشبى لغرفته بيكون موارب، والقطّة البيضا نايمة جوه، بتهرش فى فراءها برتابة، كأنها بتعد ساعات الغياب.
حياة الشقة استقرت، أو تظاهرت بالاستقرار. سماح رجعت تكتب خواطرها على الهامش الخلفي من الجريدة، وبتجهز الأكل فى مواعيده، وأحمد بقى يتهرب من قربه للباب المغلق، رغم إنه ساعات كان يحس إنه بيميل ناحيته من غير ما يقصد، كأن جاذبية خفية بترشده ليه.
وفى أحد الأيام، وهو بيقفل باب العمارة وناوى يطلع، شافه… البخاري.
واقف قدام العمارة، لابس نفس الجلابية، وبيبتسم، ابتسامة مألوفة لكن غريبة، زى صفحة اتقلبت ورجعت بعد ما اتشالت.
قال بهدوء:
"إزيك يا أحمد؟"
أحمد ما عرفش يرد فورًا، اتفاجئ من وجوده، وسأله:
"إنت جيت هنا إزاي؟ وإزاى عرفت مكانى؟"
البخارى ضحك، ضحكة قصيرة، وقال:
"أنا اللى بلاقى، مش اللى بيتلاقى. بس ما تقلقش، ما جتش أدوّرك على حاجة… متنساش انا الى بعتك هنا. وصل سلامى لمراتك يا استاذ احمد."
وغاب وسط الزحام، كأن الظهور كان لمهمة محددة… وانتهت.
وقف أحمد مكانه شوية، لسه بيحاول يستوعب اللي حصل. البخاري… جه لحد هنا؟ وقال إنه اللي بعته؟ وبعدين… يوصي بسلام مخصوص لسماح؟
الموضوع كله ما دخلش دماغه بسهولة، وحاجة جواه بدأت تدق، دقة خفيفة بس ملحّة، كأن خيط قديم بيتسحب من نسيج الهدوء المصطنع اللى لفّ حوالين الشقة في الأيام اللي فاتت.
طلع السلم بخطوات بطيئة، والمفتاح اتأخر وهو بيفتح الباب، كأن القفل نفسه مش عايز يتفتح النهاردة. دخل، لقى سماح قاعدة على الأرض، بتفرد غسيل صغير فوق فوطه نظيفة، وشعرها ملموم على جنب، وموسيقى هادية طالعة من الراديو.
بصّ لها، وحس بحاجة غريبة… زى ما البخاري لسه واقف ورا ضهره، بيتفرج.
قالها بصوت حاول يخليه عادي:
"قابلت البخاري تحت."
رفعت راسها فورًا، ملامحها اتبدلت للحذر:
"البخاري؟ هنا؟"
"آه… ظهر فجأة، وقاللي… أوصّل سلامه ليكي."
سكت. كان منتظر رد فعلها. ملامحها اتجمّدت لثواني، وبعدين ضحكت، ضحكة قصيرة مش من القلب:
"هو يعرفني؟"
"ده اللي محيرني… إنتي عمرك شفتيه؟"
"ولا مرة."
سكت تاني، بس المرة دي كانت السكون أهدأ من اللازم، زى صفحة قبل ما يتكتب فيها شيء تقيل.
أحمد قعد على طرف الكرسي، بصّ لها تاني، وقال:
"يعني هو لا يعرفك، ولا إنتي تعرفيه… ليه يرسل سلامه دلوقتي؟ ليه دلوقتي بس؟"
ما جاوبتش، ومكانش واضح إذا كانت مش عارفة، ولا مش عايزة تقول.
بصّت للغسيل، وبعدين للراديو، ومدّت إيدها ووطّت الصوت، وقالت وهي بتتجنب عينيه:
"أوقات الناس بتقول حاجات من غير ما تفكر. يمكن قالها وخلاص…"
لكن أحمد ما اقتنعش.
لأول مرة، بدأ يفكر إن فيه حاجة ما بين البخاري وسماح… مش معرفة، لكن رابط… خيط.
وإن الرقم ٩٩، والباب، والكتاب… مجرد إشارات حوالين شيء أعمق، شيء لسه ما انكشفش.
والليل كان بيبدأ ينزل، ومعاه ظل الباب المغلق بقى أطول شوية من المعتاد.
أحمد ساب السؤال معلق في الهواء، لكن نظرته ما سابتش سماح. كانت بتتظاهر بالهدوء، بترجع تكمّل فرش الغسيل، لكن إيدها ما كانتش ثابتة. كانت بتتحرك بحذر، كأنها بتتجنب حاجة ما.
هو نفسه ما كانش عارف إذا كان بيدوّر على تأكيد لشكه، ولا على نفي. لكن اللحظة كانت غريبة، تقيلة، زى ما الوقت اتباطأ فجأة، وبقى كل شيء حواليهم بيمشي على أطراف أصابعه.
"عمرك شوفتيه في حِلم؟ أو سمعتي اسمه قبل كده؟"
سماح رفعت عينيها ليه، فيها لمحة ضيق:
"بقولك معرفوش، لا شفته، ولا سمعت عنه… هو إيه حكاية البخاري دي؟"
وفجأة، وهم الاتنين في وسط الصمت، لمع شيء خفيف… وامضى، زي شرارة صامتة.
أحمد لمح البريق بطرف عينه، لفّ بسرعة ناحيته.
الباب المغلق.
النقوش اللي عليه، اللي كان بيمر جنبها كل يوم ومبيفكرش فيها، لمعت لجزء من الثانية، كأن الضوء تسلل من وراها، أو كأنها تنفّست فجأة… ومجرد ما نطق اسم "البخاري".
وقف أحمد، ببطء، مش مصدق، عينه مثبتة على الخشب المنحوت.
لكن البريق اختفى… كأن مفيش حاجة حصلت.
سماح قالت بتوتر:
"في إيه؟"
"شفتي؟ الباب… النقوش فيه لمعت… لما قلت اسمه."
"ما شفتش حاجة."
"بس أنا شفت… ودي مش أول مرة."
قرب من الباب، حط إيده عليه، حس بحرارة خفيفة، مش سخونة… لكن نبض. زي ما الباب بقى كائن، مستيقظ، ومستني.
رجع يبص لسماح:
"أنا مش مجنون… فيه حاجة حوالين الباب ده، حوالين البخاري، حوالين الرقم ٩٩… وكلهم متصلين، حتى لو إحنا مش فاهمين إزاي."
سماح بَصّت له، ولأول مرة، الخوف ظهر في عينيها بوضوح.
"احمد من فضلك بلاش تدخل فى دوامه ملهاش أصل."
بس أحمد، في اللحظة دي، ما كانش بيتهمها… كان بيدوّر على باب ليفهم.
وحس إن اسم البخاري… مش مجرد اسم بل قصه غير مكتمله.
رواية شقة البخاري الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
هناك حدود فاصلة بين الحقيقة والخيال، وبينها تفاصيل صغيرة. تحذيرات متوارية تطرق عقلك باستمرار. الباحثون خلف الحقيقة، أكثر وقوعًا في الأخطاء.
هناك أبواب ليس عليك فتحها لأنك غير مستعد، لأنك بالأحرى لا تعرف ما ينتظرك في الجهة الأخرى. لكن الفضول لعنة. بقاء الغرفة مغلقة كان لعنة تلاحق عقل أحمد في حركاته داخل الشقة، عندما يذهب للحمام، عندما يكون في المطبخ، وعندما يجلس وحيدًا في الصالة. كان هناك شيء يناديه، شيء يقول: "اقترب، إنها مجرد غرفة". وقبل كل شيء، قبل البداية، كان هناك تحذيرات: "لا تفتح الغرفة، لقد تم اختيارك بعناية".
كان بقاء الغرفة مغلقة أمرًا يؤرق عقل أحمد. إنها مجرد غرفة في النهاية، باب خشبي ومجموعة من الأحجار ونقوش غريبة قد توجد على أي باب. لم يكن أحمد، رغم كل شيء، شخصًا متهورًا. لذا، عندما ذهب إلى العمل، قرر أن يفاتح علي السعدي عن الغرفة المغلقة.
ولأول مرة منذ شهور، لا يجد علي السعدي في مكانه. كأن هناك من يقول له: "لا تفعل".
دخل أحمد غرفة علي السعدي ووجد قطته هناك. جلس على طرف السرير.
"أين سيدك؟"
"لما لا أراه اليوم بالذات؟"
ولم يجد من القطة إلا كل ود ووداعة. لم تهرب، لم تقفز لبعيد، ولم تقترب.
عندما عاد أحمد من العمل، قصد غرفة علي السعدي على الفور. ولما لم يجده، عاد إلى شقته مهمومًا.
عندما سألته سماح، همس: "لم ألق علي السعدي في مكانه".
سماح، التي لا تعرف عن أي شيء يتحدث زوجها، ولا ما المشكلة إن كان الغفير في مشوار أو عنده ظرف طارئ، هونت الأمر.
"عادي يا أحمد، فين المشكلة؟"
دار أحمد داخل الشقة. "المشكلة أن مفيش مشكلة". ثم قصد غرفته بعد أن حمل الكتاب معه. رقد على السرير يقرأ، وبعد ساعة، فتح نافذة الشقة وألقى نظرة على غرفة علي السعدي. ثم تحرك وهو يهز رأسه. ارتدى تي شيرت وبنطال وحذاء منزلي.
عندما فتح الباب قاصدًا الشارع، وجد الهرة أمام الباب. قطة علي السعدي التي دخلت فورًا إلى الشقة وقفزت على الأريكة.
مرت القطة بخفة إلى داخل الشقة، كأنها تعرف المكان أكثر من ساكنيه. ثم جلست في وضع هادئ، تنظر إلى أحمد بعينين واسعتين… فيها إدراك أعمق من مجرد نظرة حيوان أليف.
أغلق أحمد الباب خلفها ببطء، وكل شيء فيه كان متوترًا. شيء ما في دخول القطة كسر توازن اللحظة. وقف في منتصف الصالة، ينظر إلى الأريكة… ثم إلى الباب المغلق.
قال لنفسه، بصوت مسموع:
"كل حاجة بتشدني للباب ده… حتى القطط."
سماح خرجت من المطبخ، تنشف يديها في فوطة:
"في إيه تاني يا أحمد؟ مش ناوي تهدى بقى؟"
بصّ لها، صوته هادئ لكن عقله مشغول:
"القطة… جات لحد الباب، دخلت كأنها راجعة بيتها."
"يعني؟ عادي. الحيوانات بتتبع الريحة، أو يمكن كانت جعانة."
"ما شردتش، ولا خافت، كأنها متعودة على المكان… كأنها كانت مستنية تدخل."
سماح زفرت، قربت منه وقالت:
"بص، أنا هقولك حاجة، ومش عايزاك تزعل… أنت بقيت بتفسّر كل تفصيلة حواليك كأنها لغز. القطة دخلت؟ عادي. علي السعدي مش موجود؟ عادي. الدنيا مش دايمًا غريبة، أوقات إحنا اللي بنغوص زيادة."
ما ردش. راح لغرفته، رجع الكتاب مكانه، ولما خرج لقى القطة واقفة قدام الباب المغلق.
لم يقترب… لكنه لاحظ شيئًا.
لمعة خفيفة. بريق لحظي في أحد النقوش على خشب الباب. كأن الضوء اتجمع في نقطة، وانعكس، وراح.
اقترب ببطء، وقلبه بدأ يدق أسرع.
مرر أصابعه على المكان، كان سطح الخشب دافيء… مش طبيعي.
الكتابة الغائرة في الباب، اللي عمره ما قدر يقرأها كاملة، بدت وكأنها تغيرت.
كان في خط خفيف، بالكاد يُرى، وكأنه حُفر للتو:
"المُرسِل وصل. المُتلقي يفتح."
تراجع أحمد خطوة.
تنهيدة خرجت منه، أقرب للاختناق، كأن الغرفة نفسها بترقبه.
نظر للباب، ثم التفت للقطة… التي كانت لا تزال تنظر له، بهدوء غريب، كأنها تنتظر اختياره.
ثم ساد الصمت.