تحميل رواية شقة البخاري بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان لازم نعزل من الشقه لأن الرجل صاحب العماره غلى الإيجار علينا، رفعه الضعف وأدانا مهله شهر نشوف شقه تانيه. وكنت بخلص شغل والف على العمارات والسماسره احاول اشوف شقه حنينه وكل يوم مش برجع غير وانا مهدود وتعبان. سماح مراتى غلبانه وطيبه ودا إلى خلانى احس بالقلق، لأن أهلها كانو رافضين جوازنا مش ناقص غير دلوقتى كمان نطرد من شقتنا. سماح قالتلى انها ممكن تكلم اخوها نقعد فى شقة باباها شويه لكن انا رفضت خالص وكنت كل يوم اقول هلاقى شقه بكره والشهر قرب يخلص ومفيش فايده كل الشقق غاليه جدا. فقدت امل والموضوع...
رواية شقة البخاري الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
عندما وضع أحمد يده على مقبض باب الغرفة المغلق، اختفت الهره البيضاء.
سمع صوت طرقات على باب الشقة.
تنهد أحمد بضيق ومشى تجاه الباب.
عندما فتحه، وجد علي السعدي يقف أمامه.
"إزيك يا أستاذ أحمد عامل إيه؟"
تنهد أحمد وهو يرد التحية. بحث عن علي السعدي في كل مكان، ثم ها هو يظهر عندما لا يحتاجه.
"النهاردة إيجار الشقة يا أستاذ أحمد."
أخرج أحمد محفظته ووضع النقود في يد علي السعدي.
ابتسم علي السعدي ثم همس:
"لازم أفكرك بالشروط يا أستاذ أحمد."
"ممنوع تفتح باب الغرفة المغلقة أو تقرب منه؟"
صمت. أحمد لا يعرف كيف يرد.
"أنا عايزك تجدد الوعد ليا حالاً دلوقتي، وإلا هضطر أطلب منك تغادر الشقة."
ابتسم أحمد بسخرية.
"لأ، وعلى إيه أنا بجدد وعدي يا سيدي. أنا ما صدقت لقيت شقة."
"السلام عليكم."
همس علي السعدي وغادر الشقة.
بالداخل، شعر أحمد بصداع جعله يجلس على الأريكة.
وعلى الجدار أمامه، نظر إلى الصور التي كانت تغيرت ملامحها.
كأنها عادت إلى الماضي.
عادت إلى أكثر من شهر مضى.
لما ركز في اللوحات، وجد أن التفاصيل التي كانت اختفت وتغيرت عادت كما كانت.
كأن اللوحات تجدد نفسها كل فترة من الزمن.
"صرخ أحمد: سماح؟ إنتي غيرتي الصورة؟ بدلتي الصورة مع أخوكي؟"
"بتسأل ليه يا أحمد؟"
ارتفع صوت سماح من المطبخ.
"اصل شايف الصورة القديمة رجعت مكانها."
وصلت سماح من المطبخ بوجه متغير.
عاينت الصورة ثم خلقت ابتسامة مريضة وهمست:
"آه، غيرتها."
ثم عادت إلى المطبخ بخطوات سريعة كأنها تهرب من شيء ما.
ألقى أحمد بجسمه على الكنبة.
"جدد الوعد؟ وإلا هطلب منك تغادر الشقة!؟"
ثم أطلق ابتسامة ساخرة.
كأن علي السعدي يعرف أني لم أفتح الغرفة حتى الآن.
ثم نظر إلى جواره.
"فين القطة؟ راحت فين واختفت إزاي؟"
وعندما عاد بذاكرته، اكتشف أن القطة اختفت قبل أن يطرق علي السعدي باب شقته.
كان الباب المغلق إلى جواره بشكل أكبر لغزاً عاصره في حياته.
شيء قريب جداً منه، لكنه لا يستطيع فتحه أو اختراقه.
شعر أن هذا الباب عدو له ورحل السلام من صدره.
"بقى حتة باب يعمل كل ده؟ إيه اللي هيحصل يعني لو فتحته؟"
وكان يقف أمام الباب بتأمل.
عندما ارتفع صوت سماح:
"سيب الباب في حاله يا أحمد. إحنا ما صدقنا لقينا شقة."
بغضب صرخ أحمد:
"يعني تفتكري لو فتحنا الباب علي السعدي هيعرف؟"
"مش هيعرف حاجة. لو سألني هكدب."
"بلاش يا أحمد."
وصل صوت سماح المتعب.
"بلاش إيه؟ إنتي مالك كده؟ كنتي متحمسة أكتر مني نفتح الباب. إيه اللي حصلك؟"
رواية شقة البخاري الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
كنت متحمسة لكن دلوقتي قلقانة. أنا صارحتك بشكوكى من أول لحظة، الصور اللي بتتغير والتفاصيل الصغيرة اللي بتختلف كل يوم عن التاني، بس أنت مكنتش مهتم.
مهتم جداً، وعايز أعرف سر الغرفة المقفولة. أنا هتجنن والله.
الرموز اللي بتلمع فجأة، هو إحنا في فيلم رعب؟
جلست سماح على الكنبة وفي يدها كوب شاي.
اسمع يا أحمد.
أنا كان عندي فضول فعلاً، لكن دلوقتي خلاص رحل.
لازم تعرف إن الغرفة دي في حد ذاتها تحدي خطير لقوة إرادتنا. هنصمد ولا لأ؟
سماح؟ انتي ليه محسسني إنها قنبلة ذرية؟ دي حتة غرفة لا راحت ولا جت.
فيه شقق مسكونة وفيه غرف مسكونة ومرصودة، وفي كل الحالات اللي بيفتح الغرف دي بيتأذى أو تحصل له حاجة.
حاجة إيه؟
يختفي، أو يظهر له كيان مؤذي شرير يحوّل حياته لجحيم.
سماح حبيبتي، إحنا مش في فيلم رعب أمريكي. إحنا قلب مصر في السيدة زينب، اصحى كده وفوقي.
الغرفة دي فيها آثار أو مخدرات، مفيش احتمال تالت.
أحمد، أنا همشي مع كلامك وأفكر معاك بصوت عالي.
زي ما بتقول، الغرفة فيها آثار أو مخدرات، يعني بضاعة بملايين الجنيهات صح؟
صح يا سماح.
طيب، إيه اللي يخلي واحد عنده بضاعة بملايين يخاطر بكل حاجة ويأجرها؟
يمكن عشان يداري العين يا سماح. هو هيلاقي ناس مغفلين أكتر مننا يقعدوا في الشقة ويلبسوا التهمة.
أحمد، كلامك مش منطقي. الراجل صاحب الشقة يقدر يسيبها فاضية لسنين ومحدش هيشك فيه، وفعلاً الشقة كانت فاضية كده طويلة قبل ما نسكن فيها.
يعني كلامك كله فشنك.
وانتي، انتي عرفتي إزاي إن الشقة كانت فاضية كده طويلة؟
على السعدي، غفير العمارة قالي. قابلني صدفة وأنا بنزل الزبالة، وكان بيطمن إن الغرفة لسه مقفولة ومحدش قرب منها.
على السعدي... همس أحمد في سره. بيختفي ويظهر براحته.
ثم سمع خربشة على باب الشقة، وسماح مشيت تشوف فيه إيه.
دخلت الهرة البيضاء الشقة وتوجهت ناحية أقرب مقعد للغرفة المغلقة.
بص أحمد على سماح. مش دي قطة على السعدي؟ جاية تعمل إيه هي كمان؟
يمكن جعانة، هشوف لها حاجة آكلها.
لكن الهرة لم تغادر الشقة تلك الليلة ولا الليلة التي تليها.
قررت أن تسكن داخل الشقة وتصبح واحدة من مالكيها.
وكان أحمد قد فاض به الكيل.
أنا هقابل البخاري وأسأله عن سر الغرفة المغلقة دي.
لحد إمتى هيفضل الواحد قلقان وياكل في نفسه؟
بكرة بعد الشغل هعدي عليه وأسأله عنه.
بعد منتصف الليل، ولأول مرة منذ شهور، في طريقه تجاه الحمام لمح أحمد ظل يتحرك خلف باب الغرفة.
كان أحمد يقف أمام أحد بائعة الكتب في سور الأزبكية يسأله عن البخاري بعد أن تعب من السير والبحث.
كل من سألهم قالوا إنهم لا يعرفون البخاري ولا وجود لبائع بهذا الاسم.
حس أحمد أن فيه حاجة غلط ومشى شارد وسط الشارع.
وقبل ما ينزل سلم المترو سمع حد بينادي عليه.
يا أستاذ، يا أستاذ.
وقف أحمد، استدار تجاه الصوت. كان فيه راجل أسمر واقف وفي إيده كتاب.
انت بتنادي عليا أنا؟
أيوه يا أستاذ، مش انت كنت بتدور على البخاري؟
أحمد قال: أيوه.
ابتسم الراجل بفرح.
قال أحمد: هو انت تعرف البخاري يا حج؟
ابتسم الراجل مرة تانية.
ده أنا كنت بدور عليك من زمان يا أستاذ، انت تعرف البخاري منين؟
همس أحمد وعينه على الكتاب اللي في إيد الراجل.
البخاري ساعدني في موضوع كده.
موضوع إيه؟ استغرب أحمد السؤال. رغم كده قال:
كنت بدور على شقة وهو لقالي شقة.
واصل الرجل ابتسامته.
البخاري بيعمل خير كتير جداً.
بس في كل مكان وراه سر.
سر إزاي؟ سأل أحمد بفضول.
قال الرجل: يعني تلاقيه بيقولك في أوضة بلاش تقرب منها. أو يقولك سيب اللوحة الفلانية مكانها وحاجات زي كده.
صح، في الشقة بتاعتي فيه غرفة مقفولة، البخاري قال متقربش منها.
أطلق الرجل ابتسامة كبيرة.
البخاري غريب شوية، لو معملش كده ميبقاش البخاري.
على العموم، هو أدالك حاجة كده طبعاً، هدية أو كتاب؟
قال أحمد من غير تفكير: تمام.
همس الرجل بوداع.
ده الجزء الثاني من الكتاب، هو قالي أول ما أشوفك أديهولك على طول.
مسك أحمد الكتاب اللي كان نسخة طبق الأصل من الكتاب اللي معاه في الشقة.
فتحه وقلب أوراقه اللي كانت غريبة. ولما رجع بص، كان الرجل اختفى.
رواية شقة البخاري الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
وقف أحمد في مكانه مذهولًا، يحدّق في الفراغ الذي اختفى فيه الرجل، كأن الأرض ابتلعته. كان قلبه يدق بسرعة غريبة، والكتاب لا يزال بين يديه، ثقيلًا كأنه يحمل داخله سرًا لا يجب لمسه.
عاد إلى الشقة في صمت، لم يخبر سماح بشيء. دخل إلى غرفة المعيشة وجلس على الأرض، ووضع النسختين من الكتاب أمامه. الغلافان متطابقان، لكن عندما فتح النسخة الجديدة، لاحظ شيئًا غريبًا: الصفحات تتحرك وحدها، تقلب نفسها ببطء كأنها تستعرض نفسها أمامه.
ثم توقفت على صفحة مكتوبة بلون أحمر داكن، يكاد يشبه الدم. وفي أعلى الصفحة، كلمة واحدة:
الانعكاس
قرأ أحمد السطور تحت الكلمة، وكانت مكتوبة بلغة غريبة.
شعر أحمد بدوار، وأغلق الكتاب بسرعة.
في اليوم التالي، تغيرت الشقة. الجدران بدأت تتنفس، حرفيًا. يسمعها وهو جالس، تتقلص وتتمدد كأنها كائن حي. الغرفة المغلقة أصبح بابها يُصدر طنينًا خافتًا كأنه يهمس له.
وفي الليل، استيقظ ليجد الهرة البيضاء جالسة أمام باب الغرفة، تحدّق فيه بعينين واسعتين، ثم تلتفت ببطء وتنظر نحو رف الكتب.
تبعه نظرها، فرآه.
الكتاب… الذي وُضع الليلة الماضية على الرف.
منذ أن عاد أحمد إلى الشقة ومعه النسخة الثانية من الكتاب، صار الهواء داخل المكان مختلفًا. ليس أثقل، بل كأنه "مراقب". كأن الجدران تسمع. القطة البيضاء لم تعد تترك مقعدها قرب الغرفة المغلقة، وعيناها الزجاجيتان تتبعان أحمد في كل حركة، كأنها تعرف ما جلبه معه.
في البداية، لم يحدث شيء غريب. أحمد وضع الكتاب على المنضدة قرب النسخة الأولى، ونسي الأمر. لكنه استيقظ بعد منتصف الليل، بلا سبب واضح، على همسات.
لم تكن في الغرفة.
كانت بين الصفحات.
قام ببطء، مشى إلى الطاولة. كان الكتابان متجاورين، لكن الجديد انفتح وحده، على صفحة لا تحمل كلمات، بل فقط نقش واحد:
رمز يشبه عينًا نصف مغلقة، وأسفلها خط مائل كأنه جرح.
سماح استيقظت على صوت خافت يشبه "تنفس غريب" داخل الشقة. خرجت من غرفة النوم، رأت أحمد واقفًا أمام الكتاب، شاحبًا، وعيناه تحدقان في الصفحة كأنه لا يراها.
– أحمد؟
لم يرد.
– أحمد!
هزته بقوة، فارتد كأنه كان نائمًا بعينين مفتوحتين. تنفس بسرعة، وتمتم:
– هو جوه… في الصفحة دي… بين الحبر والنقش. بيحاول يخرج.
سماح أمسكت الكتاب ودفعت غلافه ليُغلق، لكنها صُدمت:
الغلاف لم يتحرك.
الكتاب كان دافئًا، كأن له حرارة. وحين حاولت رفعه، شعرت بنبض خافت ينبعث من داخله.
في الصباح، لاحظ أحمد أن النسخة الأولى بدأت تتغير. هناك سطرٌ كان يعرفه جيدًا اختفى. بدله، ظهر نقش باهت مشابه للذي في الكتاب الثاني.
كأن السحر بدأ ينتقل. كأن العدوى بدأت تنتقل من كتاب لكتاب.
في الليلة التالية، أثناء نومه، حلم أحمد بأنه واقف داخل نفس الغرفة المغلقة، رغم أنه لم يدخلها في الواقع.
لكن في الحلم…
كانت الجدران سوداء بالكامل، مكتوبة بحروف تنزف، وكان هناك ظل طويل يقف في الزاوية، لا يتحرك، لكن عينيه مفتوحتين عليه تمامًا.
استيقظ فزعًا، فوجد النسخة الثانية من الكتاب مفتوحة بجواره… والرمز الموجود على الصفحة، لم يكن مرسومًا بالحبر، بل محفورًا فعليًا داخل الورق.
الساكن تحت النقش.
رواية شقة البخاري الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
منذ أحضر الكتاب إلى الشقة تغيرت طباع الهره. أصبحت أكثر عصبية وتحفز.
على السعدي لم يعد يظهر لا صباحًا ولا مساءً.
الصورة المعلقة على الجدار توقفت عن المزاح، ولم تتغير أنماطها، بل بدت ثابتة وعادية.
نقوش الباب المغلق بدت أكثر بريقًا ولمعانًا.
سماح أكثر توترًا، وأحمد غارق في الصمت والتردد.
لم يمضِ سوى أسبوع وبدأت تنمحي صفحات كاملة من الكتاب الأول.
أصبحت أوراقًا بيضاء كأن كلماتها رحلت، بينما الكتاب الآخر بدت كلماته أكثر لمعانًا وقوة.
تلك العلاقة التبادلية لم تمر على سماح مرور الكرام، فقد لاحظت كل ذلك وطلبت من أحمد أن يبحث عن البخاري هذا، لأنها تشعر أن هناك شيء تغير داخل الشقة.
أحمد الذي لم يصدقها كان مأخوذًا بالكتاب الجديد، يقرأ فيه ليلًا ونهارًا.
الغريب أنه يقرأ والكلمات لا تنتهي، يقرأ والكلمات تجدد نفسها.
الجمل يعاد صياغتها بطريقة مختلفة في كل مرة يقرأ فيها الكتاب.
حتى جاءت الليلة التي قرأ فيها أحمد رموزًا غريبة داخل الكتاب.
وفي نفس الليلة، عندما استيقظت سماح لشرب الماء، صدفت وجدت الكتاب مفتوحًا على صفحات معينة.
الكلمات لامعة ورموز الباب لها بريق مختلف، تشعر كأنها تدافع.
تصد هجومًا غير مرئي.
كان هناك تواصل مريب بين الكتاب والباب.
وعندما ظهرت سماح، أغلق الكتاب نفسه وخبت رموز الباب.
لم تتمالك سماح نفسها من الرعب وصرخت.
أحمد الذي ركض مثل المجنون نحو سماح المصدومة التي تشير تجاه الباب والكتاب.
"فيه حاجة مرعبة في الكتاب ده يا أحمد."
"والغرفة إلى هناك والشقة كلها، صدقني إحنا لازم نعزل ونشوف شقة تانية."
ولما أحمد سألها: "حصل إيه؟"
قالت: "الكتاب بيفتح نفسه ويقفل نفسه. فيه حاجة عايشة جوه الكتاب نفسه."
"والباب إلى هناك مش مجرد باب، دا حاجز أو درع بيقاوم حاجة مش قادرة أفهمها ولا أعرفها."
أحمد أخذها في حضنه ووعدها بكرة الصبح يروح يقابل البخاري ويدور على شقة جديدة.
شعرت هالة بالغرابة والدهشة.
أحمد توقف عن قول: "لازم نفتح الغرفة" بل بدأ متفهمًا لمخاوف سماح، كأن فضوله اختفى فجأة.
في رحلته للبحث عن البخاري، لم يجد أحمد البخاري.
لكنه وجد الرجل الآخر الذي أرسل له تحيات وسلامات البخاري ووعده أن يوصل مطالبه للبخاري.
لأن البخاري في سفر طويل وقد لا يعود إلا بعد مدة.
وأكد الرجل على جملة كررها أكثر من مرة: "إنه لا يعلم مكان البخاري ولا موعد عودته، وأن البخاري رغم كل المبررات قد يظهر في أي لحظة."
قال الرجل: "كي أكون صادقًا معك، لا أحد يعرف موعد عودة البخاري، وقد تجده أمامك في أي لحظة."
"أقول لك ذلك حتى لا تتهمني بالكذب، لأن رجلًا مثلي لا يمكنه الكذب."
ثم وعد أحمد أن يبحث له عن شقة أخرى مكان تلك الشقة التي يدعي أحمد أنها مسكونة بالأشباح.
"الأشباح والأرواح والعفاريت قصص خيالية يا أستاذ أحمد. مش ناقص غير تشتكي لي من كتاب مسحور بيتحرك من تلقاء نفسه."
رواية شقة البخاري الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
كتاب بيتحرك؟ ردد أحمد الكلمات بصدمة.
وقبل أن يسأل عن أي شيء، قال الرجل: "الصراحة فيه ناس كتير حكتلي حجات غريبه عن البخاري، لكن الشهادة لله أنا مشفتش منه غير كل خير. أنا من رأيي تبيع في الشقة دي بإيديك وأسنانك، محدش لاقي شقق اليومين دول وأسعارها نار. أنا لازم أرجع عند فرشة الكتب لحسن حد يسرقها. سلام يا أستاذ."
كان أحمد لا يزال يفكر، حتى أنه لم يلاحظ اختفاء الرجل المفاجئ. الغريب أننا نبحث عن الحقيقة في أماكن صعبة، وهي تحت أقدامنا.
تذكر أحمد أنه لم يسأل الرجل عن اسمه، ولم يفهم كيف سيعرف البخاري عنه إذا التقاه صدفة. وعندما رجع لسوق الكتب، لم يلمح الرجل هناك ولا في أي مكان آخر.
"غريبة، البخاري وكل الناس اللي تبعه بيظهروا ويختفوا فجأة؟"
في طريقه، فكر أحمد: "أنا رجل البيت، لا يجب أن أنساق خلف أمور تافهة وأغير مود البيت ونفسية زوجتي. هناك أمور أهم. عدت سنة وأكثر وسماح لم تحمل، ولازم نتعرض على دكتور أمراض ذكورة."
ثم صرخ صوت داخله: "ليه متأكد إن العيب منك؟ مش يمكن، من سماح؟"
هاتف سماح وفاتحها في الفكرة. سماح اعترضت، ولما راحوا للدكتور سوا، الدكتور قال إن فرص الحمل صعبة وقليلة عند سماح وتحتاج علاج طويل.
بطريقته، هون أحمد الأخبار السيئة. كان كل ما يهمه السعادة. السعادة الصافية التي لا يعكرها أولاد من غيره. واقترح على سماح إجازة يومين تلاتة يغيروا جو علشان نفسيتها تتحسن.
أحكموا إغلاق نوافذ وشرفات الشقة، وأجبروا الهرة أن تعود إلى بيتها في غرفة علي السعدي.
وعند عودتهم بعد يومين، وفور وضعه المفتاح في ثقب الباب، ومع أول خطوة، تسمر أحمد وسماح في أماكنهم.
كانت أماكن الأثاث كلها متغيرة، كأن شخصًا ما أعاد ترتيب الشقة.
المذياع الذي ترك على إذاعة القرآن الكريم مغلق.
خلفية اللوحات أصبحت أكثر ضبابية.
شيء آخر ملفت وغريب.
وجد الكتابين على الطاولة إلى جوار بعضهما، رغم أنه يتذكر جيدًا أن الكتاب القديم كان على الرف.
"إيه اللي حصل هنا؟" همس أحمد وهو يفتح الكتاب القديم.
كان الكتابين متجاورين بطريقة مريبة، ووجد صفحات محترقة من الكتاب القديم. بعض النقوش على باب الغرفة المعرفة بهتت أو انمحت تمامًا.
ليس ذلك فقط، الهرة جالسة أمام الباب وعلى جسدها آثار ضرب.
وقبل أن يناقش أو يفكر، صفعه الهواء البارد. وعندما استدار، وجد النافذة مفتوحة، ليس نافذة واحدة، بل كل نوافذ الشقة كانت مفتوحة.
وفي المطبخ، لاحظت سماح أثر قدم غريبة على البلاط.
توجه أحمد صوب خزانة الملابس، وعندما اطمأن أن النقود في مكانها، قال لسماح: "أنا هنزل أشوف علي السعدي، لازم أعرف إيه اللي حصل هنا. يمكن شخص اقتحم الشقة من أجل السرقة."
"سرقة؟" فتحت سماح فمها بشرود. "مين الحرامي المحترم اللي عنده وقت يعيد ترتيب الشقة كلها؟ وانت بتقول إن الفلوس في مكانها. أنا بس اللي صدمني الجروح اللي في القطة حصلت إزاي؟"
"يعني سبتي كل حاجة ومسكتي في القطة يا سماح؟ مسألتيش نفسك القطة وصلت هنا إزاي؟ ولا شبابيك الشقة المفتوحة؟ وصفحات الكتاب المحروقة؟"
"لا حقًا، عندما قابل أحمد علي السعدي، أكد أنه مشافش أي شخص بيطلع شقة أحمد. ولما راجعوا الكاميرات، مفيش أي شخص غريب قرب من الشقة أو مدخل العمارة."
لكن وش علي السعدي اتغير، وكلم أحمد بلطف زائد عن الحد وغير معتاد، وطلب منه "مينساش الوعد، لأن الوعد دين في رقبته. متفتحش الغرفة يا أستاذ أحمد، سيبها مقفولة."
ولأن أحمد كان في حالة من الغضب وانعدام التفكير عندما وصل الشقة، صرخ بكل صوته: "الراجل بقله شخص اقتحم الشقة، يقولي متنساش الوعد وسيب الغرفة في حاله، دا غفير مجنون. لو قال كده لازم تسمع كلامه."
تحدثت سماح فجأة: "علي السعدي أدرى بأسرار العمارة أكتر مننا."
"أسرار ولا يحزنون، أنا هفتح الباب واللي يحصل يحصل."
صرخ أحمد بصوت هادر.
رواية شقة البخاري الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
استنى يا أحمد.
صرخت سماح بأندفاعيه مقلقه، إذا كنت مصر على فتح الغرفة، خلينا نعزل ونسيب الشقة أفضل.
صرخ أحمد:
___
أسيب الشقة عشان حتة غرفة؟
انتي اتجننتي يا سماح؟
متجننتش يا أحمد لكن مفيش اختيار.
صدفة ولا تالت لو انت مش متعايش مع فكرة وجود غرفة مغلقة يمنع الاقتراب منها، نسيب الشقة أفضل على الأقل نكون وفينا بوعدنا.
اها.
ضرب أحمد الطاولة بيده:
هو انتو ليه فاكرينى من الكفار؟
كل ما اكلم واحد فيكم يقولي الوعد والعهد، البخاري، على السعدي وانتي كمان.
___
لأن إنسان بلا عهد إنسان بلا شرف يا أحمد.
عاين أحمد زوجته سماح من فوق لتحت.
لقد تغير موقفها كلياً منذ قرأت الكتاب الأول.
لقد نادت بفتح الغرفة في الماضي لكنه رفض، والآن تدافع بأستماتة لعدم فتح الغرفة.
حاول أحمد يتمالك أعصابه.
قعد على الطاولة وبص لسماح.
سماح؟
انتي مقدرة إننا بنتجادل عشان غرفة؟
غرفة مغلقة حياتنا كلها بتدور حواليها، انتي مستوعبة الصدمة اللي أنا فيها؟
هي كبرت في دماغي يا سماح وأنا هفتح الغرفة.
هفتحه لو أصريت إنك تفتح الغرفة يا أحمد، أنا هسيب البيت قبل ما دا يحصل.
بصدمة أكبر همس أحمد:
انتي بتهدديني يا سماح؟
مش بهددك يا أحمد، أنا بوضح موقفي مش أكتر.
وأنا هفتح الغرفة يا سماح مهما حصل.
يعني في الأخير فضلت الغرفة عليا يا أحمد.
مليش خاطر عندك خالص؟
بصي أنا عارف إن فيه سر ورا الغرفة دي ومش هرتاح غير لما أكتشفها.
افتكر إنك أنت اللي اخترت يا أحمد.
وافتكر إني حذرتك.
وبعد دقائق كانت سماح تجر حقيبتها القديمة.
أنا هروح أقعد عند أخويا يا أحمد.
وفي الطريق قابلت الهرة التي كانت تركض بكل سرعتها نحو الشقة فقالت:
أنا آسفة، حاولت بكل قوتي لكن مقدرش أعمل أكتر من كده.
بعد مغادرة سماح، عمّ صمتٌ غريب في الشقة. ليس هدوء ما بعد الشجار، بل ذلك النوع من الصمت الذي يُراقِب. القطة لم تدخل الشقة مع سماح، لكنها كانت هناك. كانت تعرف.
أحمد جلس وحده. أنفاسه متقطعة، كأنه عبر بوابة، لا شجارًا. على الطاولة أمامه، النسختان من الكتاب، إحداهما سقطت أرضًا، والأخرى انفتحت من تلقاء نفسها، على صفحة لا يعرفها.
لم تكن مكتوبة.
كانت منحوتة.
في منتصف الصفحة: خريطة، صغيرة، مشوهة المعالم، مرسومة على شكل دائرة بها علامات دقيقة. كلما حاول أحمد تتبع الخطوط، انزلق بصره.
ثم لاحظ شيئًا...
في منتصف الدائرة، النقطة السوداء.
تحتها كلمة واحدة:
المرقد.
همس أحمد لنفسه، "يعني إيه؟ إيه المرقد؟"
فجأة، تغير الضوء في الشقة. لم تنطفئ الأنوار، لكن الظلال على الجدران تحركت كأن شيئًا بطيئًا وضخمًا مرّ قربها.
ثم جاء الصوت.
صوت مفاتيح.
صوت مفاتيح تُقلب ببطء في يد لا تُرى، يتردد في الهواء، مصدره… الغرفة المغلقة.
نهض أحمد بخطوات مترددة. قلبه ينبض بقوة، لكنه لم يكن خائفًا. ليس تمامًا. كان مسحورًا.
اقترب من باب الغرفة. هذه المرة، لم يكن الباب ساكنًا كما في السابق.
كان ينبض.
كلحاء شجرة يتهيأ للانقسام.
كأن الخشب نفسه لم يعد خشبًا.
وضع أحمد يده على المقبض.
بارد، لكن تحت البرودة شيء حي. كأنه يُجسّ النبض.
فجأة، سمع صدى صوت خافت، من داخل رأسه، لا في أذنه.
"ليس كل باب يُفتح… يغلق.
ليس كل سرّ يُقال… يُنسى."
صرخة القطة قطعت السكون، قادمة من خلفه، صوتها أشبه بنداء تحذير هذه المرة، لا مجرد مواء.
تراجع أحمد خطوة، وبلحظة، سمع شيئًا يتنفس داخل الغرفة.
ثم… شيء يشهق.
لم يفتح الباب. ليس الآن.
لكنه عرف أن ما خلفه… لم يكن جدارًا، ولا غرفة.
كان شيء ينتظر.
شيء مستيقظ.
منذ زمن بعيد.
وسر الغرفة ليس في أنها مغلقة.
بل في أنها كانت، آخر ما تمكّن أحد من إغلاقه.
كان الليل هادئًا على نحو مخادع، بينما جلس أحمد وحده في الشقة، يتأمل الغرفة التي تنبض كأنها كائن حي. لم يكن قادراً على فتح الباب بعد، لكن الكتاب فتح له بابًا آخر… بابًا نحو الماضي.
في الصفحة التالية، لم تكن هناك كتابة، بل رسم دقيق لوجهٍ مألوف.
بشعر أبيض، وابتسامة نصف ميتة…
البخاري.
لكن الرسم لم يكن عاديًا. كانت ملامحه تتغير كلما أمعن أحمد النظر: أحيانًا شاب، أحيانًا كهل، أحيانًا بلا عينين.
تحت الرسم، ظهرت عبارة بخط مهتز:
"هذا ليس اسمه.
هذا ما تبقّى منه."
منذ أكثر من خمسين عامًا، لم يكن اسمه البخاري. كان شابًا باحثًا في علوم الماورائيات اسمه صادق بهجت. اعتزل الناس بعد أن فقد أخاه في حادث غريب: سقط في غرفة مغلقة لم تُفتح أبدًا، ولم يُعثر له على جثة.
تلك الغرفة، كانت في نفس المبنى… في نفس الشقة…
نفس الغرفة التي يخشاها الجميع الآن.
تغيّر صادق بعد تلك الحادثة. لم يكن يتحدث كثيرًا، لكنه بدأ يجمع الكتب القديمة من أسواق الخردة، ويجري مقابلات مع مشعوذين ومنسيين من التاريخ.
ذات مرة، أحضر مخطوطة بلغة غير مفهومة، يقال إنها كُتبت قبل أن تُخلق الأبجدية، وتحدث عن شيء يُسمّى:
المرقد.
المرقد، كما فسّره في دفاتر لاحقة، ليس مكانًا. بل موقعاً طرديًا داخل الزمان.
نقطة مظلمة طويت فيها الذكريات، الأرواح، والعهود التي لم تُحترم.
قال البخاري ذات مرة لجاره العجوز قبل أن يُجن:
"كل بيت له باب…
إلا بيتنا، له مرقد."
واختفى بعدها لثلاثة أشهر، ثم عاد، مختلفًا.
بلا ظلال.
يهمس دون أن يحرك فمه.
ويقف أحيانًا لساعات أمام باب الغرفة المغلقة، يهمس بكلمة واحدة:
"ما رجعوش."
في نفس الليلة، وبينما كان أحمد يتصفح ما تبقى من الكتاب، لاحظ نقشًا على الغلاف الداخلي، لم يكن مرئيًا سابقًا.
بقايا دم جاف، كُتب بها:
"إن فتحت الباب، لا تتحدث معه.
إن نظر إليك، لا تتنفس.
إن سألك من أنت…
لا تُجب."
ثم خط آخر، مضاف بخط أحدث، كأن أحدهم كتبه بعد قراءة التحذير:
"لكن إن كان هو أخي…
سأفتحه."
وهنا، أدرك أحمد شيئًا مرعبًا.
ربما الغرفة لم تكن لتُفتح من الخارج… بل كانت تنتظر من الداخل.
منذ خمسين عامًا.
رواية شقة البخاري الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
وصلت سماح إلى بيت أخيها قرابة منتصف الليل. لم تكن تبكي، لكنها كانت تحمل التعب في عينيها.
وضعت حقيبتها في زاوية الصالة، ودخلت دون أن تنطق بكلمة.
أختها في القانون سألتها إن كانت جائعة، لكن سماح فقط هزّت رأسها وجلست على الأريكة.
مرت دقائق، ثم أخرجت شيئًا من حقيبتها: الكتاب الأول.
الذي قرأته وندمت.
الذي غير نظرتها لكل شيء.
فتحته، على الصفحة التي كانت تظن أنها حُفرت في ذاكرتها، لكنها وجدت كلمات جديدة لم تكن موجودة من قبل.
"إن تركته وحده، سيفتح الباب.
وإن فتح الباب، لن يعود هو."
انكمشت يدها حول الغلاف، وحاولت أن تقنع نفسها أنها تتخيل.
لكن الصفحة التالية كانت أكثر غرابة.
كانت صفحة بيضاء، ثم بدأت الكلمات تُكتب أمامها، كما لو أن شخصًا ما يمليها.
"مرحبًا، سماح.
أنتِ الآن في بيت أخيك، الدور الرابع، الشباك بجوار شجرة الكافور… أليس كذلك؟
ظننتِ أنكِ تركتِنا؟
الكتاب لا يُترك.
المرقد لا ينسى."
تجمد الدم في عروقها، وسمعت فجأة مواء القطة من خلف النافذة.
لكنها لم تكن قطة.
لم تكن تتنفس.
كانت تُحدق.
قفز قلب سماح حين دقّ أحدهم الباب بقوة مفاجئة.
فتحه أخوها، ثم عاد باستغراب: "مفيش حد؟ بس لقينا دي عند الباب."
أعطاها ورقة مطوية بعناية، كأنها خرجت من زمن آخر.
فتحتها سماح ببطء… وكانت هناك صورة.
صورة قديمة بالأبيض والأسود.
فيها… أحمد.
طفل صغير.
واقف أمام باب مغلق، والرجل الواقف خلفه، يضع يده على كتفه، كان هو نفسه… البخاري.
سماح شهقت بصوت مسموع.
الورقة احترقت من تلقاء نفسها بين يديها، تاركة فقط رائحة غريبة… مزيج من الورق العتيق… والموت.
ثم سمعت الهمسة من مكانٍ ما داخل البيت.
"لو هو فعلاً أخي… هفتحه."
وقف أحمد أمام باب الغرفة، يده تلامس المقبض البارد، والكتاب الثاني مفتوح خلفه، صفحاته ترتجف من تلقاء نفسها.
أغمض عينيه وهمس.
"مرقد البخاري… افتح."
ومع الكلمة الأخيرة، سمع صوت تكة خافتة.
المقبض تحرك قليلاً.
انفتح الباب.
كانت الرائحة أول ما استقبله.
مزيج من الورق المحترق، والحديد الصدئ، والورد الميت.
ثم الظلام… ظلام كثيف ليس فيه جدران واضحة، بل ضباب رمادي يزحف على الأرض.
خطا خطوة للداخل.
سمع همسات متقطعة، كأن الجدران تتنفس.
"أنت متأخر…
العهد كُسر عندما وُضع الكتابان في أيدي البشر.
وأنت… وريث الخطيئة."
تراجع أحمد خطوة، لكن الباب انغلق خلفه.
في شقة أخيها، كان الكتاب الأول يهتز فجأة.
سماح وقفت مذعورة.
صفحة جديدة فتحت بنفسها.
فيها صورة: أحمد واقف وسط غرفة مشوهة، والضباب يلتف حول رقبته.
والجملة الوحيدة.
"لو فُتح المرقد دون طقسه… سيتحرر من لا يجب أن يُحرر."
سماح شهقت، وهمست.
"طقس؟ أي طقس؟"
أجابها الكتاب من تلقاء نفسه.
"الطقس يبدأ باسم، وينتهي بدم.
لكنك تأخرتِ… وها قد فُتح الباب."
لم يكن اسم "البخاري" مجرد اسم مستعار لرجل ظهر واختفى كظل في عمارة غريبة.
كان الاسم ختمًا.
وكان الرجل… وصيًّا على النسيان.
ولد البخاري منذ قرون، لا أحد يعرف اسمه الحقيقي.
كان من أوائل من قرؤوا "الكتاب الأول"، وكان الغرض من الكتاب وقتها بسيطًا: حفظ الأسرار، وردع من يحاول فتح ما لا يُفترض فتحه.
لكنه انقلب.
في أحد الطقوس الممنوعة، قرأ البخاري جملة محرّمة في قلب الكتاب.
"من ينطق اسم النائم في المرقد، يشاركه حتفه… أو يستبدله."
ولأنه كان يسعى للخلود، حاول استبدال روحه بروح "النائم"، وهو كيان لم يكن بشريًا تمامًا، ولا شيطانيًا بالكامل… بل مزيج من بقايا العهود القديمة قبل تقويم الزمن.
فشل الطقس.
لكنه لم يمت.
سُجن في جسده، ودُفن في غرفة أُغلقت بثلاثة عهود: عهد الصمت، عهد الدم، وعهد النسيان.
المرقد لم يكن قبرًا ولا غرفة.
كان تابوتًا واقفًا، يحيط بجسد البخاري المتجمد، المربوط بسلاسل من الحبر القديم.
وكان على من يسكن الشقة أن يحافظ على العهد: لا فتح، لا اقتراب، لا فضول.
لكن الكتاب الثاني… الذي ظهر بعد أن حاولت قوى خفية محو أثر الكتاب الأول… كان يريد العكس.
كان يريد استكمال الطقس.
ولأحمد، كان مجرد فضول.
رواية شقة البخاري الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
في صمت الليل، وبين جدران الشقة التي باتت تتنفس ظلامًا أثقل من أي وقت مضى… كان أحمد جالسًا على الأرض، أمام باب الغرفة المغلقة، والكتاب الثاني مفتوح أمامه. صفحاته كانت تتحرك وحدها، كلمات تتبدل وأشكال تتراقص، ورائحة غريبة أشبه بالمعدن المحترق تفوح مع كل سطر يُقرأ.
في تلك اللحظة… تعالى صدى خافت، صوت أشبه بهمهمة رجل يتلوى بين العدم:
"ما كنت لأحمل الخيانة في صدري… وما كان لي أن أتركه يُحبس وحده…"
كان هذا صوت البخاري.
روح البخاري لم تعد قادرة على الفرار، محاصرة بين الغرفة وبين صفحات الكتاب الأول، تحوم كدخان ثقيل في الأركان، تحاول أن تتكلم.
في الشقة الأخرى، سماح جالسة في غرفة أخيها، الكتاب الأول أمامها، تتصفح صفحاته بإرادة مترددة.
كلما مرّت يدها على صفحة، أضاء الحبر القديم وتلاشت السطور إلا جملة واحدة:
"ومن نكث العهد، كان لعنةً على لعنات، حتى يعود المَرقَد."
عيناها اتسعتا.
لم يكن اسم المَرقَد مجرد رمز — بل اسم الكيان الذي حُبس في الغرفة منذ قرون.
وحينها فقط تذكرت ما حكاه لها البخاري ذات ليلة حين كانت طفلة، عن رجل من أربعة، خان العهد وترك الباب مواربًا لتدخل لعنة من عالم غير هذا.
البخاري كان الخائن.
والآن — المَرقَد يسعى لتحطيم التعويذة وكسر القيد.
فهو لا يريد حريته فقط… بل يريد الانتقام ممن سجنه، سواء من بقوا أو من جاؤوا بعدهم.
وفي تلك اللحظة، اهتزت جدران شقة أحمد.
تصدع خفيف امتد من فوق باب الغرفة المغلقة…
وصوت البخاري ارتفع:
"احذر يا أحمد… الكتابان وُضعا ليحاربا بعضهما… فإن اجتمعا، فُتح الباب الأخير."
احمد شد أنفاسه، حبات العرق تتساقط، والكتاب الثاني بين يديه بدأ يهاجم كلمات الكتاب الأول، صفحات تتقلب وحدها في الشقة الأخرى، نار خفيفة تلتهم الحبر، وسماح تصرخ:
"احمد… اقفل الكتاب… ده مش لعب…"
لكن صوت المَرقَد بدأ يزحف، همسًا قديما كصدى من قاع بئر:
"أعد مفتاحي… افتح بوابتي… وسأجعل الزمن ينحني لك."
والبخاري، روحه الممزقة، معلقة بين الحائط والعدم، تحاول أن تحذر… لكن ليس له سلطة.
كان كل شيء واضحا منذ البدايه وعليك أن تتحمل الإثم والذنب والخطيئه.
تذكر احمد كيف حصل على الشقه وكيف ان البخارى شخص غريب اطوار.
توقفت أنفاسه لحظه، كل ما مر به حتى الآن حقيقى.
الشقه، والغرفه المغلقه، الكتابين.
ورغم ان سماح هناك بعيده عنه الا ان الأرواح التى تساعد البخارى اوصلت الصوت له:
"توقف يا احمد، لا ترتكب اى حماقه."
وضع احمد يده فوق صدره تنهد بصعوبه.
حاول أن يغلق الكتاب لكن الكتاب ظل مفتوح.
حاول أن لا يقراء لكن عينه ولسانه كانتا مجبرتين على القراءه.
كان أحمد مجبر على إطاعة أوامر الكاتب رغم عنه.
وضع الكتاب بين قدميه على الأرض ثم جرح نفسه بسكين احضرها من المطبخ.
وعندما لامس دمه كلمات الكتاب تحولت إلى اللون الاسود.
ارتجت الغرفه ونهض احمد واضعا يده على مقبض الباب.
سماح تركض على السلم وهى تصرخ:
"احمد احمد."
انفتح الباب امام احمد وجر جسده تلقائيا نحو منتصف الغرفه.
يسمع صوت سماح تنادى بأسمه لكنه صدى بعيد قادم من عالم آخر.
وامتلأت الغرفه بالضباب ثم ظهر ظل اسود.
عندما وصلت سماح كان باب الغرفه مفتوح وكان اخر ما رأته قبل أن تفقد وعيها.
جسد احمد يتبخر داخل الضباب ثم فجأه خرج كيان خبيث ولئيم على وجهه نظرة مريبه وابتسامه طافحه بالموت تزين وجهه.
لا تعرف سماح كما مضى وهى فاقده لوعيها لكن عندما فتحت عيونها كان أحمد جوارها يحاول افاقتها بوجه شاحب.
رواية شقة البخاري الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
انت كويسه؟
همس أحمد بقلق.
فتحت سماح عيونها بريق ثم رفعت جسدها.
أحمد؟ انت بخير؟
ابتسم أحمد ابتسامة باهته.
المهم انتي تكوني بخير.
أنا شوفتك جوه الغرفة يا أحمد، شفتك بتختفي.
اختفى اروح بين يا سماح، دي مجرد غرفة.
وقف أحمد أمامها، يبتسم ابتسامة شاحبة.
قال بنبرة هادئة: أنا هنا يا سماح… معاك، وعمري ما هسيبك.
نظرت سماح له مطولًا، شيء مبهم كان في نبرته، مزيج من الدفء البعيد والبرود الغريب، لكنها حاولت أن تتجاهله، لتمسك بكفه البارد، ولثانية شعرت بارتجافة ضعيفة مرت فيها.
مفيش حاجة يا أحمد… كله كابوس وراح.
رفع أحمد يده يتحسس خدها بحركة بطيئة.
قالت سماح وهي تتنفس ببطء: احنا لازم نمشي من هنا، نمشي الليلة.
نظر أحمد لها طويلًا. ثم انحنى ليجمع الكتب المتناثرة.
وقف، والتفت ناحية الغرفة المغلقة، التي لم تعد مغلقة تمامًا — بابها موارب، ظلامها ممتد كلسان من الضباب.
قال: لسه في حاجة ناقصة…
نظرت سماح إليه، لكنها لم تجد ملامح وجهه كما كانت… نفس الملامح، لكنها مكسوة بطبقة لم تفهمها. لم يكن أحمد فقط.
كان شيء آخر يقف بثيابه.
وفي تلك اللحظة، عبر تيار هواء حاد من الغرفة، أطفأ شمعة قديمة في الزاوية، ارتجف معه الحائط الخشبي.
شهقت سماح: في إيه؟
همس أحمد بهدوء مبهم: لسه فيه باب لازم يتقفل… قبل ما نخرج.
وفي صدره، كان الكيان الذي خرج من الغرفة… يسكن الآن جلده وعينيه، يختبر العالم الجديد من خلاله… دون أن يُعلن عن وجوده.
وضع أحمد الكتب فوق الطاولة بعناية شديدة.
لمس غلاف الكتاب الثاني بأطراف أصابعه، ثم فتحه عند الصفحة التي توقفت عندها الحروف من قبل…
خطوط غريبة، أشكال متداخلة، ووسطها رسم لباب محفور عليه رقم (99).
جلس أحمد على طرف الأريكة، يتأمل الغرفة التي بدت هادئة على غير عادتها.
التفت إلى سماح، التي كانت تحتسي ماءً ببطء، ووجهها شاحب.
أنا آسف يا سماح… يمكن كنت عنيد أكتر من اللازم.
نظرت سماح له مطولًا، ثم أطرقت برأسها.
أنا كمان يمكن كنت خايفة بزيادة… بس لو حد غيرك كان هنا، ماكنش هيقدر يوصل للي انت عملته.
ابتسم أحمد ابتسامة دافئة، مسح على يدها، ثم قال: الموضوع كله في الكتاب التاني… زي ما توقعت. هو اللي كان ماسك اللغز كله.
وأشار للكتاب المغلق الآن على الطاولة، وعليه بقعة صغيرة كأنها علامة زمن قديم.
سماح، الكتاب ده مش زي الأولاني… ده أشبه بمفتاح تصحيح. في صفحاته تفاصيل إزاي تقفل المسارات المفتوحة، وتمنع الحوادث اللي حصلت قبل كده.
زفرت سماح بصمت، وقالت: طيب… هتعمل إيه دلوقتي؟
وقف أحمد، وجمع الأوراق والكتب، ثم حملهم ناحية الغرفة المغلقة. نظر بداخلها للمرة الأخيرة.
وضع أحمد الكتب فوق المرقد، وأغلق الباب بهدوء.
ثم عاد إلى سماح: هنمشي من هنا، سماح. خلاص… البيت ده مش لينا.
عقدت سماح حاجبيها: وهتسيب اللي وراك كده؟
هز أحمد رأسه: المكان ده هيفضل يحمل أسراره، بس طالما احنا بعدناه عن أذانا… ده كفاية.
لم تنطق سماح بشيء، لكنها شعرت أن الحمل الذي ظل يطاردها منذ أيام قد خف.
تقدما معًا نحو الباب، وأحمد يطفئ النور وراءه، حتى لم يتبقَ سوى ضوء شاحب على باب الغرفة المغلقة.
قبل أن يخرج، نظر أحمد للمكان وهمس: سلام يا بخاري.
ثم أغلق الباب خلفه.
وفي الداخل… بقي كل شيء ساكنًا.
رواية شقة البخاري الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
مرت السنوات، ولم تعد شقة البخاري سوى ذكرى بعيدة في ذهن سماح.
انتقلت مع أحمد إلى شقة صغيرة في حي هادئ، لا شيء فيها من بقايا الماضي سوى كتاب قديم بجلد داكن يقبع في درج المكتب، لم تجرؤ يومًا على فتحه.
كان أحمد زوجًا هادئًا، يبتسم كثيرًا، يصحو مبكرًا، يقرأ الصحف، ويعد لها فطورها المفضل — توست بالعسل الأبيض، وكوب شاي بحليب.
لم يختلف شيء، أو هكذا خُيّل لها.
سماح عاشت حياة أقرب للرتابة. زيارات عائلية، عطلات سريعة، حديث عن أسماء الأطفال، عن البيت الجديد الذي يحلمان به يومًا.
وكان أحمد، زوجها، محبًا، صبورًا، يتجنب الغضب، يقرأ كثيرًا، ولا يرفع صوته أبدًا.
وفي بعض الليالي — حين تصحو مفزوعة من حلمٍ عن غرف مغلقة، وسقف مائل، ورقم ٩٩ — كان أحمد يربت على يدها ويهمس:
"ده حلم يا سماح… كله راح خلاص."
فتنام مطمئنة.
في أحد أيام الخريف، خرجت سماح من مكتبة قديمة في شارع جانبي وسط البلد، تحمل بين ذراعيها روايتين وأجندة صغيرة.
وحين عبرت الطريق، اصطدمت برجل قصير، بدلة قديمة واسعة، ووجه نحيل شاحب تعرفه.
كان البخاري.
وقف أمامها، وعيناه — عيناه فقط — ما زالت كما هي… بنفس الغموض، بنفس الرهبة.
تجمدت سماح، وتاه صوتها.
قال البخاري بصوت متعب: "أنقذتك يومها… كنت فاكرة مش هتشوفيني تاني."
شهقت: "إنت… لسه عايش؟"
ابتسم بخفوت: "لسه… ولسه البيت هناك… ولسه جواك."
ارتجفت يداها، وهمّت بالابتعاد، لكنه أمسك طرف معطفها.
همس: "سماح… اللي في البيت… اللي نايم جنبك… مش أحمد."
تجمدت الدنيا حولها.
حاولت النطق، لكنه أكمل: "أنا عارف، وهو عارف… وانتِ هتعرفي إمتى؟لما تحطي المفتاح مكانه."
ثم ابتعد في الزحام، جسده يذوب بين العابرين.
سماح بقيت واقفة، قلبها يخبط في صدرها، ويدها تشد على الأجندة.
رفعت عينيها — فلم تجد أثرًا للرجل.
لم تعرف من أين جاءت ريح خفيفة في هذا اليوم الهادئ، تحرك شعرها، وتجلب معها… رائحة الغرفة القديمة.
أدركت، في لحظة واحدة، أن ما دفن هناك… لم يُدفن.
وأن الباب الذي أُغلق… كان بابًا آخر.
سماح لم تنم تلك الليلة.
ظلت عيناها مفتوحتين في الظلام، تحدق في ملامح أحمد الغافية بجانبها.
كان نفس الوجه… نفس النفس المنتظم… نفس حركة اليد حين يضعها أسفل الوسادة.
لكن كلمات البخاري كانت تدق رأسها كمسامير حادة: "اللي نايم جنبك… مش أحمد."
في الصباح، قررت أن تختبره.
خططت للأمر بدقة —وضعت في درج المكتب السفلي ورقة قديمة كانت تحتفظ بها منذ زمن، مكتوبة بخط أحمد، فيها جملة لا يعرفها سواهما.
ثم أخفت في درج آخر ورقة أخرى، مشابهة في الشكل لكنها بخط آخر.
جعلت الأمر يبدو عفويًا: "أحمد، ممكن تجيبلي الورقة اللي مكتوب فيها 'صوت المطر عمره ما بيكذب' من الدرج؟هي صفحة قديمة… تفتكرها؟ كتبتهالي من سنتين."
رفع أحمد حاجبه بابتسامة: "آه… لسه معاك دي؟"
مشى للمكتب، فتح الدرج… توقفت سماح تتنفس ببطء.
لو كان كيانًا غريبًا… لن يعرف الورقة، ولن يعرف الجملة.
سمعته يُقلب الأوراق، ثم يناديها: "هي دي؟"
رفع الورقة الصحيحة… بنفس الجملة… بنفس الخط.
جاء نحوها، ابتسم: "ما صدقتيش؟"
ضحكت سماح بخفوت، وشعرت بشيء ثقيل يُنتزع من صدرها: "معلش… كنت بدوّر عليها وافتكرتك نسيتها."
مرّت اللحظة، وبدا أحمد طبيعيًا كعادته.
غسل الأطباق بعد الإفطار، ثم جلس يقرأ كتابًا، وبين لحظة وأخرى، يرفع عينيه نحوها ويبتسم.
سماح جلست على الأريكة، تحملق في وجهه طويلاً.
تذكرت كلماته لها ليلة الكابوس:
"أنا هنا… وعمري ما هسيبك."
في المساء —حين حلّت العتمة، وأحمد يروي لها قصة طريفة عن زميل له في العمل، أدركت أن البخاري إما كاذب، أو فقد عقله.
كيف يعقل أن يكون هذا الرجل… شيء آخر؟
حركاته… نظراته… تفاصيله الصغيرة.
كلها أحمد.
همست لنفسها قبل أن تنام:
"أنا تعبت… وخلاص. هبطل أصدق الهلاوس."
ودفنت قصة البخاري في ركن بعيد داخل عقلها.
ظلت الغرفه مغلقه وبين الحين والأخر كان يخرج منها صوت روح معذبه تطلق آنين خافتان.
تتشقه البخارى.