الفصل 1 | من 26 فصل

رواية سهم الهوى الفصل الأول 1 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
97
كلمة
5,331
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

أغلق قفل تلك الحقيبة الكبيرة ثم حركها بجانب بعيدًا عن الفراش الذي تمدد عليه يضع رأسه فوق معصميه ينظر إلى سقف الغرفة. شرد قليلاً يشعر بحنين، رغم عدم غيابه كثيرًا عن موطنه لكن يشعر بالاشتياق للعودة. أربع سنوات قضاها في التنقل بين عدة دول أجنبية. ربما كان يعمل بعمل غير مرهق جسمانياً لكن ذلك النابض بداخله يشعر بالإرهاق، أو ربما الاشتياق. ساعات قليلة تفصله عن بداية مشوار آخر في حياته. عودة لماذا؟

للحنين الذي ما زال يسكن قلبه. فتح هاتفه ينظر إلى صاحبة تلك الصورة. كل تفصيلة بها ما زالت تسكن في رأسه. عسل عينيها، شعرها الأسود الشبيه بجدائل الخيل الثائرة. وجنتيها المكتنزة، شفاها ولونها الوردي. وتنهيدة اشتياق لرؤيتها بعد تلك السنوات التي مرت بالتأكيد لها تأثير عليهما الاثنين. كل منهما سار في اتجاه معاكس للآخر. هل حان الوقت أن يعود؟ ربما يلتقي الطريقان.

في خضم شروده سمع طرقاً على باب الغرفة. نهض من فوق الفراش وتوجه نحو الباب. فتحه بابتسامة لذلك الكهل الذي تبسم له هو الآخر متحدثاً بالإسبانية وهو يشعر بالاحتقان في قلبه: توقعت أن تكون مستعداً للمغادرة. كنت أتمنى أن تبقى هنا أكثر من ذلك، لكن أعلم أنك تشتاق إلى بلدك. تبسم جاسر وهو يربت على كتفه قائلاً: ستبقى أفضل شخص قابلته في حياتي يا مانويل. تعلمت منك أشياء كثيرة، كذلك سأبقى ممتناً لك لما قدمته لي من مساعدة كبيرة.

لمعت عين مانويل بدمعة قائلاً: أنت من قدمت المعروف أولاً يا جاسر. لن أنسى أن بفضلك عادت سمعة مانويل سيلفا كأشهر مربي خيول بعد أن كانت انتهت، وعادت تجارتي تزدهر. لولا فوزك بذلك السباق لكنت أعلنت إفلاسي. أشكرك يا جاسر وتأكد دائماً أن لديك منزل صديق مفتوح لك. ابتسم جاسر بألفة قائلاً:

أعلم ذلك. أنت سبق وقدمت لي الكثير، لا تعتقد أني سأنساك أيها الكهل. سأعود لهنا مرة أخرى كزائر أستمتع بالسياحة. فقد انشغلت بالعمل ونسيت أن أستمتع بالتنزه. أعدك أن آتي كضيف. ابتسم مانويل قائلاً: أعتقد أنك ستعود مرة أخرى، وستكون بصحبتك حبيبتك التي ما زالت تتحكم بقلبك أيها الفارس. عش الحب ولا تدع أضغان الماضي تفسد قلبك الجسور. لمعت عيناه ببسمة قائلاً: سأنتظر قدومك إلى مصر كما سبق ووعدتني. ابتسم مانويل قائلاً:

بالتأكيد سآتي مع زوجتي. لا تنس أن تعزمنا بعرسك. أومأ جاسر قائلاً: ستكون أول المدعوين يا مانويل. تنهد مانويل قائلاً:

لم يبق سوى ساعتين وترحل من هنا. سأشتاق لك يا صديقي، لا بل ابني الذي لم أنجبه. كنت أتمنى أن يرزقني الله بصبي مثلك، لكن شاء القدر أن أرزق بفتاتين. ليتهن ما تزوجن قبل أن تأتي لهنا. ما كنت اخترت لإحداهن زوجاً أفضل منك، لكن للأسف قلبك أيضاً مشغول بفتاة أخرى. أتمنى لك كل السعادة وتفضل هذا هدية مني لك أو اعتبرها مكافأة نهاية العمل معاً. نظر جاسر إلى تلك الورقة وكاد يرفض، لكن مانويل وضعها في جيبه قائلاً:

لا داعي للرفض يا صديقي الجاسر المغامر. سأتركك الآن لا أحب لحظات الوداع. سنلتقي مرة أخرى وأنت أسعد، وستنسى تلك الأيام التي عشتها بائساً. غادر مانويل. جلس جاسر على أحد المقاعد يتنهد بمشاعر مختلطة تراكمت في قلبه، لكن هنالك شعوراً واحداً يضغي عليه، هو شعور حان وقت "رد الكرامة المهدورة". *** في مصر بالجيزة. منزل كبير يتوسط مزرعة كبيرة.

كانت بغرفتها تقوم بالعمل على حاسوبها الخاص، حتى فُتح باب الغرفة. رفعت رأسها عن الحاسوب ونظرت نحو الباب. تبسمت بمرح حين سمعت: هاي يا تاج. أومأت له، ثم لاحظت ارتدائها لزي خروج فسألتها باستفسار: خارجة رايحة فين دلوقتي يا فيري؟ أجابتها بمرح وهي تتفتعل بعض الحركات الراقصة: رايحة الديسكو، عيد ميلاد واحد من شلة النادي. صحيح واد غلس بس أنا حاسة بملل، هروح أرفه عن نفسي شوية. ما تيجي معايا. خلعت نظارتها الطبية قائلة:

والله أنا فعلاً محتاجة أرفه عن نفسي، بس للأسف انت عارف إنّي بفكر أنشئ أوتيل فخم، وهعمل إعلان عن مناقصة وأختار شركة مناسبة تبقى مسؤولة عن الإنشاءات. بظبط الشروط... روحي انتِ وانبسطي. توقفت للحظة ثم غمّزت بعينها بمرح: بس حاذري من الواد ده ليتحرش بيكِ. ضحكت فريال قائلة: لأ متخافيش، لو فكر كده ولا كده معايا Self defense (صاعق دفاع) ضحكت تاج قائلة: Have a nice time (وقت رائع) ابتسمت فريال قائلة:

يلا مش هعطلك، أروح أتنطط شوية في الديسكو بقالي فترة مخرجتش. Good night. غادرت فريال بينما ظلت تاج تقوم بتقويم الشروط التي تودها. شعرت ببوادر صداع وكذلك نعاس. أزاحت الحاسوب جانباً على الفراش ونهضت تتمطى بيديها قائلة: هنزل أفُك رجلي شوية وأطلب من الشغالة قهوة. آخد وقت مستقطع. بالفعل هبطت للأسفل وقبل أن تطلب من الخادمة صنع القهوة، كان هنالك خادمة أخرى ترحب بتلك الضيفة التي أتت في وقت غير مناسب. زفرت تاج

نفسها بضجر وهمست قائلة: يا قاعدين يكفيكوا شر الجايين. بينما اقتربت الأخرى قائلة بنفاق: تاج حبيبتي من زمان مشوفتكيش، كان قلبي حاسس إني هشوفه الليلة. تأففت تاج وهي تحتضن تلك الآفاقة المنافقة كما تنعتها دائماً، لكن حاولت التحدث باحترام: أهلاً يا عمتو سماح. البيت نور. ابتسمت برياء قائلة: حبيبتي. أومال جنات فين؟ أنا عارفة إنها مش بتنام بدري. أجابتها تلك التي أصبحت خلفهم: لأ لسه منمتش يا سماح. نورتي. ببسمة رياء تفوّهت

سماح: هنفضل واقفين كده. أنا خلاص كبرت ورجليا مبقتش تتحمل. أجابتها جنات: لسة شباب يا سماح. خلينا نقعد في الصالون. تبسمت سماح وتمسكت بيد تاج قائلة: تعالي أقعدي معانا. من زمان مقعدتيش مع عمتك. انتِ حبيبتي أغلى واحدة في عيال فريد أخويا، ربنا يرحمه.

تهكمت تاج بين نفسها بسخرية، لكن طاوعتها وسارت معها. إلا أن جلسن جوار بعضهن فوق أريكة بغرفة المعيشة. جلسن. كانت تتحدث باقتضاب شبه صامتة حتى لم تنتبه إلى أحاديث سماح المتشعبة، إلى أن قالت عن قصد وهي تنظر إلى وجه تاج بترقب:

من يومين كنت قابلت والدة جاسر صدفة وقالت لي إنه راجع مصر بعد يومين. الست جالها هوس في دماغها مفكرة نفسها من مستوانا. قلت لها ينزل ولا لأ هو حر. ده كان مجرد سايس في مزرعة أخويا. لمحت لي إنه بقى مستوى تاني، وبتفكر تجوزه. قلت لها وإنتِ مفكراني خاطبة ولا عندي بنات أساساً. كنت عايزة أقولها الفلوس مش بتمحي أصل البني آدمين، بس قلت بلاش أنزل من مستواي وأقف معاها كتير. معتوهة. مفكرة إن الفلوس هتعلي من مقام ابنها مهما كان في النهاية كان سايس يحمي الخيول و…

قاطعتها تاج وهي تنهض بتعسف: جاسر مكنش سايس يا عمتي، ده كان مروض خيول. ويرجع أو لأ هو حر ده شأن خاص بيه هو. أنا عندي شغل مهم لازم يخلص. هسيبك مع مامي تتسايروا براحتكم. تصبحوا على خير. غادرت تاج بينما لمعت عين سماح بظفر، فقد أصابت هدفها. بينما ابتئس قلب جنات، فتاج ما زال قلبها يئن من ندوب سهام الماضي. بينما دخلت تاج إلى غرفتها ألقت بجسدها فوق الفراش تنظر للاشيء ثم أغمضت عينيها. شرد

عقلها وجملة واحدة تتردد: "بلاش تستسلمي تعالي معايا خلينا نهرب من هنا". فتحت عينيها ودمعة متجمدة بين أهدابها تأبى الهطول من جفنيها. تشعر بالأسف، فقد كان الخذلان منها. خذلان دفعت ثمنه مرتين بزيجتين أسوأ من بعضهما. وبالنهاية المكسب الوحيد أنها ما زالت عذراء الجسد. *** بأحد الملاهي الليلية.

أثناء تمايلها شعرت بأنفاس ذلك المتحرش لاقترابه منها بتلك الطريقة الحميمية يكاد يحتضنها. زفرت نفسها بجمود واستدارت تنظر لاقترابه هكذا منها. عادت للخلف خطوة لتتأكد من شكوكها. فعاود يقترب عليها. لم تنتظر كثيراً حين وضع يديه على خصرها ونظرت له، ثم لم تفكر. كانت صفعة قوية تدوي صداها في المكان بسبب توقف صوت الموسيقى فجأة. وضع يده مكان الصفعة مذهولاً، وقبل أن يتحدث بعصبية سبقته هي: وقح قليل الأدب.

وصفعة أخرى، لكن ذلك الوضيع لا يمتلك أخلاقاً وكاد يصفعها، لكن قبل أن تصل يده لها شعر بألم يسحقها. نظر إلى ذلك الذي يقبض على يده بقوة. اغتاظ وكاد يصفعه بالأخرى، لكن قبض على يده الأخرى ونظر له بحنق وبرود قائلاً: مش عيب تمد إيدك على واحدة بنت. تهكم ذلك الوضيع وضحك باستهزاء واستغباء قائلاً: بنت… في بنت محترمة تسهر مع شباب في ديسكو؟ بعدين إنت مش عارف ماسك إيدين مين. كانت صفعة أخرى منها رداً وهي تقول: محترمة غصب عنك يا حقي.

اغتظ بشدة وحاول التخلص من قبضة يدي ذلك الآخر، لكن اشتدت قبضة يديه. فقامت فريال بصفعة أكثر من مرة. ثم نظر له قائلاً: خليك ماسك ثواني وراجعة. عادت بعد لحظات. أخرجت ذلك الصاعق وقامت بوضعه في صدر ذلك الوضيع فتشنج جسده. فقام بفك قبضة يديه وتركه ليهوي جسده أسفل قدميها. نظرت له بتعالٍ قائلة بتشفي: عشان تفكر بعد كده قبل ما تتحرش باللي قدامك. أنهت قولها وقامت بركله بقدميها عدة ركلات. ضحك الآخر ومد يده لها قائلاً بمرح:

الشو خلص يلا بينا. نظرت ليده الممدودة وتبسمت. وضعت يدها في يده وغادروا ذلك الملهي. وقف الاثنان بمرآب الملهي. سرعان ما ضحك وهو يمد يده للمصافحة أولاً قائلاً بتعريف: صهيب جنيد. صافحته مبتسمة تقول: فريال مدين. ابتسم لها قائلاً: أعتقد لازم نمشي دلوقتي قبل البغل اللي جوه ما يفوق والحرس بتوعه يستغبوا علينا. أومأت برأسها ضاحكة، قائلة: عندك حق، هتصل على تاكسي. قبل أن تضع يدها في حقيبتها، قال لها:

معايا عربية ومتخافيش أنا مش متحـرش. ضحكت وهي تشير إلى ذلك الصاعق قائلة: متفكرش، الصاعق شاحن عالآخر. ضحك وهو يسير نحو سيارته قائلاً: وعلى إيه الطيب أحسن. ابتسمت وهي تصعد لجواره بالسيارة التي لم تكن ذات ماركة شهيرة لكن بحالة جيدة. تجاذب الاثنان الحديث معاً حول ذلك المتحرش وما أصابه، إلى أن وصل بها أمام تلك المزرعة. توقف بالسيارة. ترجلت ثم هو خلفها واقترب منها. تبسمت له قائلة: متشكره جداً. ابتسم لها قائلاً:

العفو. وبعد كده بلاش سهر في أماكن زي دي واضح إنك بنت ناس محترمين. أومأت له مبتسمة. وضعت يدها في الحقيبة ثم أخرجتها. لاحظ ذلك فضحك مازحاً: أنا واقف بعيد أهو. ضحكت وفهمت قصده. ظنت أنها ستخرج ذلك الصاعق لكن مدت يدها له بقطعة حلوى قائلة: متخفش، ده مش الصاعق، ده بنبوني طعمه لذيذ أوي. ابتسم وأخذه منها قائلاً: بنبوني مقبول، وحمدلله ع السلامة.

ابتسمت وهي تتجه إلى باب المزرعة. دلفت وهي تنظر نحوه تشير له بيدها وهو كذلك إلى أن دخلت وأغلقت خلفها الباب. صعد إلى سيارته ينظر إلى قطعة الحلوى بيده وتبسم وهو يضعها في فمه يستسيغ طعمها قائلاً: فعلاً طعمها لذيذ. ياريت كانت جابت كمان. ضحك على حاله ونمى لقلبه أمنية رؤيتها مرة أخرى. تنهد ينطق اسمها مراراً "فريال مدين".

وهي دخلت إلى الفيلا كان الصمت والهدوء. ذهبت نحو غرفتها مباشرة. وضعت الحقيبة وألقت على الفراش وتنهدت ببسمة وهي تنطق اسمه "صهيب جنيد". *** بأحد الأماكن الراقية بالقاهرة. فيلا متوسطة الحجم.

بدلال وهي تتعمد إثارته بفتنة جسدها المصطنع. كان ذلك يأتي بمفعول وهو يلهث خلف قبلة من شفتيها وهي تتلاعب به بإجادة تقترب وتبتعد بالوقت الحاسم. إلى أن سمحت له بنيل قبلة شبه عنيفة منها هي، وهو يتشوق للمزيد. وهي تقضم بأسنانها فوق شفتيه تحرض رغبته المتوجهة بها حتى تصل إلى ما تبغي دون عناء منها. وها هو يسلم لها بعدما تحدثت له:

وفيها إيه لما تبيع نصيبك من المزرعة وكمان ربع الأسهم بتاعتك في شركة العقارات. فكر في المبلغ اللي هنكسبه من الصفقة دي، ده هيخلينا نقدر نشتري قطعة الأرض اللي قولتلك عليها. إنت بنفسك شفت مكانها كويس، فكر الأرض دي منجم دهب لينا. هنشتريها ويتوفر معانا مبلغ كمان نعمل هناك قرية سياحية كاملة. حتى لو المبلغ اللي هيفيض معانا مش هيكمل تجهيزات القرية السياحية ممكن ناخد بسهولة قرض من البنك بضمانها ونكملها. والحكومة بتوقف جنب المستثمرين الكبار.

ما زال حائراً وراغباً بدلالها الذي يثيره بشدة، لكن تفوه: طب ما نعرض قطعة الأرض على تاج وممكن تدخل معانا شريكة. تمانعت وبعدت عنه بغضب مصطنع: تاج مش بيهمها غير مصلحتها وممكن تاخد الأرض والمشروع كله ووقتها تنفذه لحسابها لوحدها، زي ما عملت في كذا صفقة استغلتها لمصلحتها. مش شايف بقى لها اسم في سوق العقارات. دي معانا في الشركة مجرد واجهة.

تعمدت إغراءه وهي تتمدد على الفراش كاشفة معظم ساقيها، وجسدها شبه العاري، قائلة بامتثال واهٍ: عالعموم براحتك يا آسر. أنا عارفة إنها لها تأثير عليك. مش كانت مراتك؟ بس افتكر كويس لما وصلت لغرضها طلبت الطلاق، وإنت شكلك كده كان نفسك جوازكم يستمر.

لهثت عيناه على جسدها الفاتن، وفكر هو حقاً كان يود استمرار ذلك الزواج. لكن رغبة تاج دائماً جعلته يمتثل، كذلك رغبته بتلك الفاتنة التي سهلاً ما تثير عقله بالضغط على غرائزه الذكورية. وها هي عيناها تلمع بظفر وهو يقترب منها يلاصقها بجسده راغباً وموافقاً على ما أرادت قائلة: تمام هبيع نصيبي في المزرعة وكفاية عشرة في المية من أسهمي في الشركة. بدلال وهي تضع يدها فوق صدره تتغنج قائلة:

لأ تلت الأسهم بتاعتك عشان يكون معانا سيولة كافية ونستغني عن قرض البنك. كاد يرفض، لكن قبلاتها وغنجها جعلته يمتثل، وهي تشعر بزهو. وها هي معركة أخرى تجعلها تشعر بالانتصار على تلك المتعالية "تاج". ***

فجراً. حين خرج من المطار كان هنالك سيارة فارهة في انتظاره. أخذ مفاتيحها من ذلك السائق ورحل. بينما هو قاد السيارة حتى وصل إلى مشارف تلك البلدة. توقف فجأة بسيارته كأنه سمع صوت صهيل ذلك الحصان. نظر حوله كان المكان ساكناً، لكن تبسم وذكرى أمامه يتخيلها. والحصان يغضب يصهل ويرفع ساقيه الأماميتين في الهواء، وكادت تقع من تمتطيه لكنها تعاملت مع الحصان بحنكة واستطاعت السيطرة عليه. وهو يهرول بالحصان خلفها، يشعر بسعادة وهي تهرول

سريعاً فرسها يشق ذلك الطريق الترابي. فتح عينيه واختفت الذكرى. أخذ نفسه وزفره بروية، ينظر أمامه أين اختفى هذا الحصان بتلك السرعة الرهيبة. علم أنها كانت ذكرى عابرة. نفض عن رأسه ذلك وسار بسيارته بذلك الطريق الذي تترك عجلات السيارة خلفها أثر عاصفة ترابية خفيفة. شوقاً أم قدراً سار نحو تلك المزرعة، ما زالت مثلما تركها يعلم معالمها ومداخلها. وعبر أحد المداخل توغل إلى داخلها. يقترب من تلك الشجرة القريبة من غرفة تاج وقف خلفها

وإحساس قلبه يؤكد له أنها سوف تطل مثل ذاك القمر. وقد كان.

بينما تاج رغم إرهاقها لكن تحكم السُهد بها. حاولت النوم وقلبها يئن من ندبات الماضي. فتحت عينيها. شعرت بالضجر. نهضت من على الفراش وارتدت مئزر شفاف فوق منامتها المكونة من جزئين. الجزء العلوي كنزه بأحبال رفيعة بدوران يكشف أكثر من نصف ظهرها وجزء من صدرها، وبنطال قصير. خرجت إلى شرفة غرفتها تتنفس نسمة هواء لطيفة هبت بتلك الليلة الصيفية. تنظر نحو القمر البازغ، وأحلام كانت أوهام. وكلمة عمتها تطن برأسها أن والدته تبحث له عن زوجة، وهل ذلك سهلاً عليها تحمله أن يصير لغيرها، ولما تشعر بالألم؟

لم تفعل ذلك سابقاً، وخذلت غرامهم. عذاب سهام مسمومة انغرست في قلبها لا تلوم عليه هي من اختارت إجباراً عليها ورضاً منها، لهدف ظنت أنه كل مبتغاها. وماذا وصلت؟

أصبحت امرأة بلا روح. ظلت واقفة وذكريات من الماضي لصبي وفتاة يعلمها الفروسية وهي ذات قلب مغامر تعشق التحدي والمغامرة، وكل شيء بحياتها أصبح مغامرة. شعرت ببعض النسائم الهادئة. توجهت إلى تلك الأرجوحة بالشرفة جلست عليها تضم يديها لصدرها. غلبتها النسائم ولطفت قليلاً من ندوب قلبها. رغم عنها غفت. لم تلاحظ ذلك الذي يقف خلف إحدى أشجار الحديقة والذي وقع بصره عليها كأن القدر استجاب لرغبته الليلة. غزى قلبه شعور كأنه يراها لأول

مرة. لأول مرة يراها هكذا بذلك الثوب الشفاف وشعرها الطويل التي تركته منسدلاً يتطاير على جيدها يشبه أمواج الشلال، تحت هالة ضوء القمر المسلطة عليها ما زالت فاتنته الذي ما زال عشقها يسري بـوتينه. لكن هنالك شعور آخر غزى عقله. تلفت حوله بالمكان. تنهد هامساً

لنفسه: من الجيد أن لا أحد يراها الآن وإلا كان أصابه الغضب. رآها تبتعد. خفق قلبه ظناً أنها ستدخل، لكن غفت على تلك الأرجوحة. اقترب أكثر وأكثر يراها يحاول إشباع عينيه. *** باليوم التالي صباحاً. بشقة بمنطقة شبه راقية. دَلفت تنظر إلى تلك الغافية تزفر نفسها بغضب قائلة: بلوة ربنا بلاني بيها يارب. انحنت توكزها في كتفها تحثها على الاستيقاظ قائلة: ليان… ليان قومي الساعة بقت ثمانية ونصف.

تذمرت ليان وهي تبتعد عن يدها تضع الوسادة فوق رأسها بلا رد. اغتاظت منها بزهق جذبت الوسادة ووكزتها بقوة قائلة: قومي اصحي كفاية نوم. إنتِ إيه مش بتشبعي نوم، إنت من يوم ما اتخرجتي مقضية معظم الوقت نوم. لم ترد وما زالت غافية. تضايقت بشدة خرجت وعادت بعد لحظات تسكب محتوى تلك الزجاجة فوق رأس ليان، التي شهقت بفزع وفاقت من النوم تنظر لها قائلة: المياه تلج إنتِ مطلعاها من الفريزر. نظرت لها باحتقان قائلة:

عشان أفوقك يلا قومي وكفاية نوم. نظرت لها ليان بغيظ قائلة: أهو أنا صحيت عايزة إيه بقى. نظرت لها قائلة: عايزاكِ تشوفي مستقبلك بدل قعدتك في البيت كده زي الوقف. تهكمت ليان قائلة: وقف… عايزاني أعمل إيه أتمشى. نظرت لها بسحق وجذبت شعرها بقوة قائلة: بتتريقي. عايزة إني أشتغل زي بقية البنات يمكن ربنا يرزقك بابن الحلال. بدل ما انتِ عاملة زي اللي عليها عفريت النوم. نظرت لها وسلت خصلات شعرها وعادت تتمدد على الفراش قائلة:

بصي بقى يا ماما أنا قعدت ستاشر سنة في التعليم. ستة ابتدائي وتلاتة اعدادي وتلاتة ثانوي، وأربعة في الجامعة. ناوية آخد قدامهم نوم لحد ما أعوض وأشبع نوم. شهقت بفزع قائلة: إنتِ عايزة تنامي ستاشر سنة وتقعدي لي في الشقة زي البيت الوقف؟ لأ فوقي. قومي كان فيه شركة عملت إعلان عالنت طالبين محاسبين وأنا قدمت لك، بس لازم لقاء مباشر. قومي فوقي اللقاء فاضل عليه تلت ساعات. فتحت عينيها قائلة: بتقدمي من ورايا ليه؟

أنا مش عايزة أشتغل. وبعدين الوظايف دي بتبقى محجوزة، الإعلان فبركة إعلانية. نظرت لها بغضب: وماله مش هتخسري وقومي خدي شاور واجهزي وروحي اللقاء اهو حتى تتهوى شوية. نظرت لها ليان بتحدي قائلة: هروح وهتشوفي إعلان وهمي وهفشل وهرجعلك وهنام وبعد كده متقدميش من ورايا تاني. أومأت لها قائلة: إن شاء الله. بس قبل ما تاخدي شاور، افتحي شباك الأوضة للهوا يدخل ينشف المرتبة. نظرت ليان بغيظ قائلة:

وهغير والبلكونة مفتوحة الجيران يتفرجوا عليا من البلكونات. تهكمت والدتها: هيشوفوا إيه يا بلوة. إخلصي وأنا هبقى أفتح البلكونة لما تغوري. بعد قليل. ترجلت ليان من سيارة الأجرة أمام تلك الشركة. نظرت لها بتقييم قائلة: إن شاء الله هيخيب أملك يا ماما. بقى شركة زي دي هيوافقوا على خريجة بمقبول تشتغل فيها وعندهم طلبات لخريجين بامتياز وتلاقي منهم معاهم كورسات دولية. يلا أهو أدخل أتمشى شوية في الشركة وارجع لها بخيبتي.

بالفعل دخلت إلى مبنى الشركة. سألت مجرد فضول عن مكان الاختبار. دلها أحد العاملين أنها بالطابق السادس. توجهت نحو المصعد الكهربائي ودخلت إليه وكادت تضغط على زر الصعود، لكن هنالك من قال: لو سمحتي استني. نظرت له بتقييم. كان شاباً يافعاً يبدو وسيماً لكن ملابسه شبابية ظنته جاء من أجل نفس الغرض. فلم تبالي به وقالت له وهي ترفع يديها تصفقهما ببعض: خلاص جبرنا، اركب اللي بعده.

لم تنتظر وضغط زر الصعود. بينما وقف الشاب بغضب وهو يود سحقها، ولكن لم ينتظر. صعد للدور الثاني، وصل قبل المصعد. ضغط على زر التوقف. توقف المصعد وفُتح الباب. نظرت له قائلة: إنت مش كنت لسه تحت وقولتلك جبرنا إيه الرخامة دي. لم تنتظر حتى يدلف وضغط على زر الصعود. ازدادت غضبه وتكرر ذلك لأكثر من دور إلى أن وصلت إلى الدور السادس. فتحت المصعد وجدته أمامها. نظرت له بنزق قائلة: خلاص أنا نازلة، اطلع إنت بقى براحتك.

نظر له بتمعن وهو يشعر بغيظ ساحق، يتمنى أن يلقيها من أقرب شباك. نظر نحو توجهها، علم إلى أين دخلت. همس بظفر قائلاً: والله ووقعتي تحت إيدي يا غبية. *** بالشهر العقاري. تم إنهاء إجراءات نقل ملكية نص المزرعة كذلك قيمة تلك الأسهم من آسر إلى جاسر، وتوثقت بالسجلات الرسمية. بعد الانتهاء من ذلك تحدثت ميسون بغنج توجه حديثها لـ جاسر: مبروك يا مستر جاسر. الصراحة المزرعة دي غالية واتعرض فيها ثمن أعلى من كده، بس النصيب.

تهكم بداخله يشعر باشمئزاز منها قائلاً: طبعاً أنا أكثر واحد عارف قيمة المزرعة، وزي ما قلتي النصيب. ابتسمت له قائلة: أكيد هتبقى تعزمنا نقضي وقت لطيف في المزرعة. أومأ بمجاملة: أكيد طبعاً. بنفس الوقت وقف آسر جوار ميسون، ينظر لـ جاسر ومد يده له بالمصافحة قائلاً: مبروك يا جاسر… جاسر بيه.

نظر جاسر ليد آسر شعر بالاحتقان وهو يتذكر أن تلك اليد يوماً ما وضعت بيد تاج. تاج… أه يا قلبي ما زالت تنبض حين تنطق اسمها. لكن بمجاملة أيضاً صافح آسر وهو ينظر له بسخرية واستهزاء فيبدو أنه مسلوب الإرادة وبالتأكيد شخصية كهذه لن تغرم بها تاج. *** ظهراً. بغرفة المكتب التنفيذي للشركة. زفرت تاج نفسها بضجر حين دخل آسر، وكما توقعت معه تلك الرقطاء ميسون تتغنج عليه. نظرت لهما باشمئزاز قائلة:

أظن إني اتصلت عليك يا مستر آسر وحددت ميعاد وإنت اتأخرت أكتر من نص ساعة. أجابتها ميسون بدلاً عنه قائلة: آسر مش موظف عندك عشان يلتزم بميعاد. استنشقت تاج نفساً مطولاً، ثم نظرت لها قائلة: أعتقد إن آسر له لسان يرد عن نفسه يقدم تبرير، أو اعتذار. وعلى العموم هدخل في الموضوع مباشرةً عشان الوقت. سبق وعرضت عليك أشتري نصيبك في المزرعة وقدمت موافقة وأنا جهزت العقود ويادوب عالـتوقيع و… قاطعتها ميسون بشماتة:

للأسف في مشتري تاني عرض مبلغ أكبر من اللي سبق عرضتيه ودي فرصة. نظرت لها باستخفاف: قصدك إيه؟ أنا سبق وطلبت خبير متمن وهو اللي قال سعر المزرعة. وعلى العموم قلت اللي هتطلبه يا آسر. أخفض آسر وجهه بخزي، بينما بضجر تفوهت ميسون: والله أنا قلت دي فرصة وجت لينا وخلاص بعنا نص المزرعة. ذهلت تاج وشعرت بالغضب قائلة بنزق: ويا ترى مين اللي عرض الفرصة الذهبية دي واشترى نص المزرعة وهو عارف إن فيه شريك.. هو الأحق. أجابتها

ميسون بتشفي وشماتة: اللي اشترى المزرعة، شخص لطيف عارف إن فيه شريك وقابل بكده. هو حر. ده حتى كمان عرض علينا نبقى ضيوف عنده وقت ما نحب. بغضب ونزق قالت تاج: ضيوف… ويا ترى مين المشتري اللطيف ده. أجابتها ميسون: "جاسر محمد الهواري". اعتلت الصدمة وجه تاج وسألت بتأكيد: مين! كان رد آسر متوافقاً مع ميسون: "جاسر محمد الهواري". *** بمنزل جاسر القريب من المزرعة.

جلس خلف مكتبه يقرأ ويتمعن تلك الأوراق التي أمامه. سندات ملكيته لنصف مزرعة "آل مدين". ترك النظر لتلك المستندات وأضجع بظهره على المقعد متنهداً يضجع بظهره يضع يده فوق المستندات متفوهًا بحنين وتعهد لنفسه: من هنا كانت بداية حكايتنا يا أميرتي "تاج فريد مدين". ومن هنا هنرجع بس للأسف "الجاسر" اتغير وإنتِ…. أسيرتي. يتبع…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...