الفصل 2 | من 26 فصل

رواية سهم الهوى الفصل الثاني 2 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
92
كلمة
4,727
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

بين تلك المروج الخضراء المُحيطة بذلك القصر، إمتطت أحد الخيول كعادتها حين تشعر بالآرق أو الهروب من التفكير، لكن هيهات، فكأن ذكريات المكان تجعل قلبها سقيمًا.

أوقفت الحصان وترجلت من عليه. جلست على أحد جذوع الشجر الجافة، خلعت قُفازيها بعدما شعرت بتعرُق يديها. دقائق ثم عادت تمتطي الفرس. لكن فجأة رفع الفرس قدميه الأماميتين بمباغته وكادت أن تقع من على ظهره. لكن قبل أن يحدث ذلك، أمسكت اللجام لعدم إنتباهها ورعونة الحصان الذي مازال يصهل بقوة وإندفع بالسير. كاد ينسلت طرف اللجام من قبضة يدها بعدما شق جرح صغير بيدها اليُسري، لكن سُرعان ما تشبثت بطرف اللجام وجذبته بقوتها، فإستجاب الفرس لها وتمكنت منه، حتى عاد يسير على أقدامه الأربع، وهي مازالت تتمسك باللجام إلى أن هدأ جموحه.

بمجرد ذلك، سُرعان ما ترجلت من عليه. وقفت على الأرض جواره تشعر بألم يدها. نظرت إلى ذلك النزيف بيدها، تذكرت جرحً قديم مشابهًا، لكن لم يكن هي المُصابة، بل كان بمعصم جاسر. كان جرحًا عميقًا وقتها. هي من ضمدت له الجرح بوشاح خاص بها، ويديها ترتعش، بل كانت تشعر بأن ذلك الألم يسكن جسدها هي. تنهدت تشعر بألم، لكن ليس بيدها. لا تعلم أين موضع الألم تحديدًا في جسدها.

على مسافة قريبة كان يقف جاسر ولاحظ حركة اندفاع الفرس. كاد أن يقترب منها بعدما شعر برجفة قلب وهلع. كاد أن ينطق اسمها بتحذير، ويقول لها كيف تتعامل معه بحرص. لكن سرعان ما تبسم وهو يرى تمكنها من السيطرة عليه مرة أخرى، وكذلك ترجلها من عليه ووقوفها ونظرها ليدها. هنالك شعور بقلبه يؤكد أن يدها تأذت من ذلك. اتخذ القرار وبدأ يسير نحو مكان وقوفها إلى أن توقف بعدما لاحظ اقتراب ذلك الكهل الذي يعرفه حقًا. كان شخصًا لطيفًا معه، لكن يشعر بالغيرة حين يراه يحتضن تاج. بالنهاية، ليس والدها ولا عمها أو خالها، مجرد صديق قديم لوالدها، حتى إن كان قريبًا في العمر من والدها. ألم تتزوج سابقًا من ذلك البغيض "قاسم البنداري" وكان يقترب من عمر والدها.

زفر نفسه بغضب وتسرع بعد أن كان يتوجه نحوها. غادر المكان بخطوات متوعدًا لنفسه بألا يضعف، يذم حنين قلبه الدائم لها. بينما حاولت تاج ترك التفكير بجاسر، وتبسمت لخليل وهو يضمها بأبوة قائلًا بلهفة: "إيدك مالها بتنزف." نظرت ليدها، وضعت وشاحًا على الجرح قائلة: "جرح صغير، بسبب لجام الفرس." تنهد متألمًا ثم جذبها للسير معه قائلًا: "خلينا ندخل القصر وجنات تداوي لك الجرح."

ابتسمت ووافقت وسارت معه نحو القصر. لكن التفت خليل أكثر من مرة خلفه، فقد رأى جاسر. هو يعرفه جيدًا. لوهلة انشرح قلبه حين رأى اقترابه نحو تاج، لكن خيب رجاءه حين رآه يعود مغادرًا. تنهد بأسف. بعد لحظات، كانت تدخل إلى القصر برفقة خليل الذي استقبله فراس قائلًا: "خُوليو، كنت لسه هتصل عليك." ابتسم خليل، لكن سرعان ما شعر بخفقان في قلبه حين سمع تلك التي نهت فراس تحثه على الاحترام: "إيه خُوليو دي؟

خليك مؤدب وقول يا عمو، أو أونكل." نظر خليل له بمشاعر خاصة وهتف بمرح: "فِراس صديقي وأنا بحب اسم خُوليو يا جنات." ابتسمت جنات مرحبة: "براحتك، إنت اللي بتخليه ياخد عليك وميعملش حساب لفرق السن بينكم اللي لازم يحترمه." ابتسم خليل وهو يحتوي فايا التي أقبلت عليه تحتضنه قائلة: "عمو خليل عندنا، وأنا أقول ليه حاسة بسعادة كده، عشان عمو خليل هنا." ابتسم قائلًا: "حبيبتي الشقية."

غص قلب تاج من هاتان الكلمتان. كانت تسمعهن من والدها، والدها الذي رحل وترك على عاتقها مسؤولية. ربما كانت غير مستعدة لها، لكن إجبارًا تحملت، وأمضت بطريقها تستكمل ما كان يخطط له من إنجازات. ضحكت حين سمعت قول جنات لخليل: "الفطور جاهز يلا يا شباب، بيقولوا كُتر السلام يقل المعرفة." نظرت فايا نحو والدتها قائلة: "مامي بقت بتقول أمثال شعبية، لا إحنا كده قربنا أوي نبقى... "صيع."

قالها الثلاثي "تاج، فايا، فراس" بنفس اللحظة. ضحكوا جميعًا حين سمعوا رد جنات: "من عاشر القوم، هعمل إيه بتعلم منكم... بلاش رغي كتير، يلا عالسفرة." ضم خليل كل من فايا وتاج إلى أن دخل بهن إلى غرفة الطعام. جلسوا يتحدثون بمرح إلى أن انتهى فراس من طعامه قائلًا: "شبعت، عندي حسابات لازم أراجعها، يادوب ألحق وقت، عشان دي حسابات لازم ندفعها في أسرع وقت." أومأت له تاج قائلة:

"عاوزاك تاخد بالك وتراجع كويس، أنا معنديش ثقة لا في آسر ولا الحرباء ميسون، ومتأكدة إنهم بيتلاعبوا في الحسابات." وافقها فراس قائلًا: "لاء إطمني، واعي لهم. كمان في موضوع كنت هقولك عليه، أنا كنت عملت إعلان لتعيين محاسبين جُداد، وبصراحة اتقدم مجموعة هايلة، والله لو بإيدي كنت شغلتهم كلهم ما عدا واحدة بس، بس إحنا محتاجين اتنين بس للأسف، وفاضلت بين اللي اتقدموا واخترت أفضل اتنين، بس أنا هاخد كمان واحدة محتاجاها."

تساءل خليل: "ودي محتاجاها في إيه بقى؟ لمعت عين فراس بشعور لا يعلمه هو فقط. مُغتاظ من تلك الحمقاء الذي تفاجئ أنها أبعد ما تكون عن القبول بالعمل بالشركة، لكنها ما زالت تعرف هو فقط يريد استثارة. هكذا جاوب عقله، فقال: "محتاجة مساعدة خاصة معايا، واختارتها من أفضل اللي اتقدموا." هكذا كذب، فهي أسوأهم. أومأت تاج قائلة:

"تمام مش هيضر، بس مش عاوزة تقصير. الفترة الجاية محتاجة شغل جامد، لأن بعد ما هنختار الشركة اللي هتستلم إنشاء المدينة الجديدة هيبقى في علينا التزامات محتاجة التركيز. المشروع ده لو تم زي ما أنا مخططة له هيبقى نقلة كبيرة لينا في سوق العقارات." أومأ لها وغادر. بينما بعد قليل، نهضت فايا قائلة: "عندي شغل لازم أتابعه." ابتسموا لها. لحظات ونهضت جنات للرد على هاتفها. تبقى خليل مع تاج. وضع يده على يدها قائلًا:

"إيه اللي مضايقك أوي كده." تنهدت وهي تنظر ليده قائلة: "المزرعة. الغبي آسر، كنت طلبت أشتري منه نصيبه في المزرعة وللأسف الحرباء ميسون وسوست له، وباعها لمشتري تاني." تنهد خليل بأسف: "آسر معندوش شخصية، ميسون مسيطرة عليه. وده يزعلك ليه؟ سهل تعرضي على الشخص اللي اشترى المزرعة وتشتريها منه." نهضت من خلف المقعد وتنهدت بحيرة:

"مش عارفة الشخص ده لو عرضت عليه هيوافق أو لأ. يمكن لو شخص تاني كان اشتراها كان ممكن بسهولة أشتريها منه، لكن... قاطعها خليل الذي نهض هو الآخر خلفها قائلًا: "ليه مين الشخص ده؟ نظرت إلى ذلك الضماد حول يدها قائلة: "الجاسر محمد الهواري." اندهش خليل قائلًا بتكرار: "جاسر." أومأت برأسها بموافقة، ثم أكملت: "عرفت إن جاسر رجع مصر من يومين تقريبًا، وامبارح اتفاجئت إنه اشترى نص المزرعة...

مش عارفة إيه هدفه من كده، وإحساسي بيقولي إنه مش هيوافق يبيع بسهولة." تأسف خليل وكاد يتفوه بخطأ أنه رأى جاسر قبل قليل هنا بالمزرعة، لكن لا يود زيادة ألم تاج. وضع يده على كتفها بمؤازرة رغم غصة قلبه: "إنتِ عارفة مكانتك إنتِ وإخواتك عندي، إنتِ أخت بنتِ في الرضاعة يعني بنتي. أنا ممكن أتواصل مع جاسر وأعرض عليه يبيعها." نظرت تاج له تشعر بحيرة:

"مش عارفة جاسر عارف قيمة مكانة حضرتك عندي، ومش فاهمه أساسًا ليه جاسر اشترى نصيب آسر. ومعنى كده إنه كان متواصل معاه وأنا الغبية اللي اتأخرت، كان لازم أعرض على آسر مبلغ أكبر. هو طماع هو والحرباء ميسون، للأسف... صمتت تاج بينما حرضها خليل: "للأسف ليه، اللي كنتِ هتعرضيه على آسر نعرضه على جاسر." تنهدت بأسف:

"مش عارفة، حاسة لو أنا اللي اتواصلت مع جاسر ممكن يعند. أكيد هو منساش الماضي، وحاسة إن السبب الرئيسي إنه اشترى نص المزرعة لهدف في دماغه." تبسم قائلًا: "بسيطة، هتواصل أنا معاه، ونشوف يمكن يكون شاريها استثمار." تنهدت ببسمة: "جاسر أكتر واحد عارف قيمة المزرعة دي كويس، وأعتقد مش هدفه الاستثمار، بس مش هنخسر حاجة نتواصل معاه، يمكن يوافق يبيع وأطلع أنا غلطانة." انقطع حديثهما حين دخلت عليهما جنات تبتسم قائلة:

"واضح إن مجيك النهاردة للمزرعة مكنش صدفة." ابتسم وهو ينظر لها بنظرة خاصة ممزوجة بمشاعر متمكنة من قلبه يخشي البوح بها فيخسر حتى صداقتها. بالنهاية هي أرملة صديقه. بينما لاحظت تاج تلك النظرات، لكن تكذب لو تقبلت به مكان والدها. كذلك تشعر بآسى على مشاعره هي أكثر من عانت، فهي ذاقت ألم نفس السهم وما زالت تعاني من ندباته. *** فيلا آسر أنهت ميسون اتصالها الهام ثم نظرت لآسر بفرحة غامرة قائلة:

"الأرض اللي قولتلك عليها بقت بتاعتنا خلاص. السمسار اللي كان مسؤول عنها جاب موافقة صاحب الأرض عن البيع وقال ممكن نسجلها في أي وقت. أنا طلبت من المحامي تجهيز العقود." رغم عدم اقتناعه، لكن تبسم لها قائلًا: "مش كنا استنينا شوية ندرس المنطقة هناك." نظرت له بسخط قائلة: "ندرس إيه؟

المنطقة هناك كلها كام شهر وهتشوف سعر السهم فيها معدي جامد. والا انت عاجبك نفضل تحت مزاج الزفتة تاج اللي مفكرة نفسها نابغة وأذكى الأذكياء، خلينا ناخد فرصتنا ومتأكدة خلال سنة بالكتير هيبقى عندنا شركة خاصة بينا ومنافسة كمان لأكبر شركات العقارات." ابتلع اعتراضه وهي تقترب منه بدلال تعبث بأناملها فوق أزرار قميصه قائلة بمباغته: "أنا ليه بحس إنك عاوز تفضل تابع لـ تاج؟

يمكن في الفترة اللي كنت متجوزها فيها كانت بتحاول تخدعك وتقربك منها. هي زي الحلزون بتلف على كل واحد شوية. في الأول عمك اللي كان في عمر باباها واتجوزته ومفرقش معاها السن طبعًا طالما هيعوضها، وبعدها إنت أكيد حاولت تغريك." بداخله تهكم، ليت تاج فعلت ذلك وأغرته. هو بالفعل اعترف لها أنه معجب به، لكن كان ردها أنها لا تفكر سوى بالعمل. وبالفعل بمجرد نهاية العام تم الانفصال فورًا حسب رغبتها. ***

منطقة متوسطة يقطنها ذوي الطبقة المتوسطة. شقة متوسطة. وضعت تلك الأم بعض الأطباق والأكواب ونادت بحنان: "صهيب يلا الفطور جاهز." سريعًا ذهب نحو تلك الطاولة وجلس يتناول الطعام. ابتسمت بحنان قائلة: "بالراحة وانت بتاكل محدش هياخد الأكل من قدامك." ابتسم وهو يبتلع الطعام قائلًا: "مستعجل يا ماما." ابتسمت له بحنان قائلة: "مستعجل على إيه؟ أجابها:

"عالمكتب الهندسي. ادعيلي يا ماما في مناقصة قدامي وشروطها مناسبة ليا، يارب أفوز بها. لو فوزت بها المكتب الهندسي يتنقل نقلة تانية خالص." دعت له قائلة: "ربنا معاك ويحقق مقاصدك. بس قول لي إمتي هتفكر في الجواز؟ عاوزة أطمن عليك زي ما اطمنت على بقية أخواتك." لا يعلم لما في تلك اللحظة تذكر تلك الفتاة التي قابلها بالملهى، وابتسم لها قائلًا:

"مش بفكر في الجواز دلوقتي، عندي هدف تاني. المكتب ينجح ويبقى له اسم محترم وسط المكاتب الهندسية." ابتسمت له بحنان: "والجواز هيقل من نجاحك؟ بالعكس يمكن يكون حافز ودافع لك." نهض وهو يقبل رأسها قائلًا: "ادعي لي بس يا ماما يوفقني في المناقصة اللي قدامي. وقتها أوعدك أفكر في الجواز وهسيب لك مهمة اختيار عروسة على ذوقك." تنهدت بقلة حيلة قائلة: "وأختارها له أنا ليه؟ هي هتتجوزني أنا. وبلاش تتأخر بالليل زي عوايدك."

ابتسم لها قائلًا: "حسب الظروف، يلا بالسلامة يا ماما." تنهدت بمودة قائلة: "ربنا يرزقك ويتوب عليك من السهر لأنصاف الليالي بره." *** بشقة والد ليان. نظرت كعادتها وهي تدلف إلى غرفة ليان كالعادة نائمة. تفوهت بصوت عالٍ: "بلوة وربنا بلاني بيكِ... مشوفتش حد يقضي طول حياته نوم زي الغبية دي. قومي يا غبية، عاملة زي الدبة تاكل وتنام." وكزت ليان بقوة، فتحت عينيها بنعاس قائلة: "فيه إيه يا ماما عالصبح." نظرت لها بغضب قائلة:

"قومي كفاية نوم." تفوهت بزهق سائلة: "فيه إيه يا ماما عالصبح بتصحيني ليه." أجابتها بنزق: "بصحى البرينسيس عشان أقولها الخدامة اللي باباك جابها لك حضرت لجنابك الفطور." تنهدت بنعاس: "مش جعانة يا ماما تسلم ايدك." تنهدت بضجر قائلة: "طبعًا ما انتِ بتصحي الفجر تاكلي وتنامي. قومي، أنا حاسة بصداع، قومي شوفي طلبات أخواتك إيه." تثائبت ليان قائلة: "طالما فطروا مش هيحتاجوا حاجة، هينزلوا النادي لأصحابهم، سبيني أنام بقى."

زفرت بضيق وجذبت الوسادة تضعها فوق نفسها قائلة: "اتخمدي، إنتِ هتجيب لي الضغط ببرودك." ردت ليان: "أعملك إيه عشان ترتاحي وتسيبني أنام بهدوء... مش روحت الاختبار زي ما طلبتي، واعملي حسابك بلاش طموح زايد مش هيقبلوني لو شفتي البنات والشباب اللي كانوا معايا دول هيئة ومعاهم كورسات ده غير تقدير الجامعة." نظرت لها بضيق وقذفتها بالوسادة قائلة: "طول عمري حظي خايب.. اتخمدي، ربنا يصبرني."

غادرت والدتها بينما تثائبت ليان وهي تتذكر لقاءها مع ذلك الأحمق الذي تعمد الاستقلال من شأنها حين سألها: "إنتِ لا هيئة ولا تقدير جامعي ولا حتى معاكِ اجتياز كورسات تدريبية جاية هنا ليه، أكيد غلطي في الأسانسير." لم ترد عليه، فهي لم تهتم على يقين أنها لن تقبل بتلك الوظيفة. تثائبت وعادت للنوم تجذب معشوقتها الأولى... الوسادة. *** ليلاً. بمنزل والدة جاسر.

كان يقف خلف شباك غرفته يراقب حركة تلك النجوم التي تتحرك بالسماء، نجوم اشتاق لبريقها وحركتها وأمنيات كان يتمناها وهو ينظر إلى القمر الأحدب هذه الليلة. نسمة صيفية رطبة هبت، خففت من وطأة حرارة الطقس. بخضم ذلك، صدح رنين هاتفه. ترك النظر لذلك وذهب إلى مكان هاتفه ونظر له، سرعان ما استغرب ذلك الاتصال الذي ربما توقعه من تاج. على الجانب الآخر بالمزرعة.

كانت تجلس ممددة ساقيها فوق فراشها، تضع وسادة فوقهم وفوقها حاسوبها الخاص. عن غير قصد خبطت يدها المصابة بقوة بتلك الطاولة المجاورة للفراش بعدما جذبت هاتفها من عليها. وضعت الهاتف جوار الحاسوب، ونفخت فوق الضماد لحظات حتى هدأ الألم، فتحت حاسوبها. صدفة أو قدر، ظهر أمامها إعلان لأحد العطور العالمية الشهيرة. لم يلفت نظرها ذلك، بل الذي لفت نظرها هو ذلك الشاب الذي يقوم بالإعلان. همس قلبها باسمه: "جاسر."

كان هو العارض الخاص بالإعلان، يسير بالصحراء وهواء يحرك أطراف قميصه المفتوح يظهر صدره عاريًا. أخرى تتوجه نحوه وهو بلا اهتمام، وهي تهيم به وبعطره. شعور بالغيرة شعرت به حين رأت تلك العارضة تقترب منه ويمسك يدها ونظرات من يراها يظن أنهما مغرمان لا عارضان لإعلان. لوهلة تخيلت لو كانت هي مكان تلك العارضة. كانت احتضنته.

سرعان ما لامت ذلك وقالت: "فوفي يا تاج خلاص موال المشاعر ده قفلنا عليه، فكري إنتِ "تاج فريد مدين" سيدة الأعمال، هيام الماضي انتهى. فكري بس في مصلحتك." بينما جذب جاسر هاتفه وتبسم، ربما على يقين بسبب ذلك الاتصال. قام بالرد بهدوء وهو يسمع الآخر: "مساء الخير يا جاسر. أنا "خليل فياض"، كنت صديق شخصي لوالد تاج، واتقابلنا قبل كده." أجابه جاسر: "أيوه فاكر حضرتك، سبق واتعاملنا مع بعض، خير." ابتسم خليل قائلًا:

"كويس إنك لسه فاكرني، ده هيسهل عليا أدخل في الموضوع مباشرةً." أجابها جاسر: "أنا بحب الطرق المباشرة." تنهد خليل قائلًا: "لو تحب نتقابل مباشرةً نتكلم في الموضوع اللي عندي." أجابه جاسر: "أكيد طبعًا يشرفني نتقابل، بس أحب آخد فكرة أو موجز عن الموضوع اللي عاوزني فيه." ربما لديه تخمين عن ذلك الموضوع، صدق تخمينه حين أخبره: "بخصوص مزرعة آل مدين، في مشتري هيدفع المبلغ اللي تطلبه." بسؤال يعلم إجابته: "أقدر أعرف مين المشتري ده."

أجابه خليل: "المشتري "تاج فريد مدين"." ربما يسمع خليل صوت ضربات قلب جاسر من مجرد ذكر اسمها. سيطر على تلك الضربات قائلًا: "وحضرتك الوسيط بيني وبين... " توقف للحظة، فبماذا سينعتها قبل اسمها؟ سابقًا لم يكن بينهم ألقاب. رغم ذلك، لم يستطع وضع لقب قبل اسمها واستطرد حديثه: "هستنى تاج بكرة الساعة حداشر الصبح في مكتبي، هبعت لك العنوان في رسالة." لمعت عين خليل ببسمة ظفر قائلًا: "تمام هبلغها." تنهد جاسر قائلًا: "تمام."

أنهى خليل حديثه مع جاسر وأغلق الهاتف. ألقى جاسر الهاتف فوق الفراش وعاد يسير نحو ذلك الشباك. تبدلت النسمة الباردة بأخرى حارة تضرب جسده. زفر نفسه يشعر بحرارة زائدة في جسده. اتخذ القرار وذهب نحو حمام الغرفة، خلع ثيابه ونزل أسفل صنبور المياه، رغم أن المياه باردة، لكن ما زالت حرارة جسده لم تهدأ. ظل لوقت أسفل المياه ثم خرج يلف خصره بمنشفة. مازال فكره مشغولًا، بحديث خليل معه، ورغبة تاج في شراء نصف المزرعة الذي اشتراه. تهكم بداخله، هل تظن أنه اشتراه ليبيعه مرة أخرى؟

شرد بعقله، هو انتظر كثيرًا وجازف بالرهان على حياته ذات مرة، ليس ليعود ذلك السائس، بل مالك نصف تلك المزرعة التي شهدت أفراحه وأطراحه. جلس على الفراش، حتى سمع رنين هاتفه الذي أخرجه من ثوران عقله. جذب الهاتف وتبسم، وقام بالرد على ذلك الذي تحدث بمرح:

"إعلان البرفان نزل، وعليه نسبة مشاهدة عالية جدًا. شفت الكومنتات كمان بيسألوا عن موديل الإعلان، لاء وكومنتات غزل فيك، ولا كان الموزة الموديل كانت معاه رغم إنها عارضة أزياء مشهورة، بس التركيز كله عـ "الفتى الأسمر"." تبدل عبوسه إلى بسمة قائلًا: "آخر إعلان قررت الاعتزال خلاص، مليت من الشغلانة المملة دي، هركز بقى على شغلي الدايم." تبسم الآخر قائلًا: "أنا دلوقتي حالًا لسه جاي لي عرض إعلان سيارات ماركة شهيرة، إيه رأيك."

أجابه: "قولت لك مليت من الشغلانة دي، كفاية كده، هرگز عالأسهم اللي اشتريتها من "شركة تاج" وكمان المزرعة. إنت عارف هوايتي الأولى هي الفروسية هرجع لها من تاني... هي سبب حظي في المال." أجابه الآخر: "تمام هعلق العميل مش هرفض، هسيبك يمكن تفكر، كمان أهو فرصة نضغط يمكن نزود قيمة الإعلان بالإسترليني." تنهد بنهي: "مالوش لازمة، قولت خلاص المرحلة دي انتهت وأنا ببدأ مرحلة جديدة لـ "جاسر الهواري" رجل الأعمال."

أغلق الهاتف ووضعه جانبه وتمدد على الفراش يحاول استقطاب النوم، لكن لا فائدة. سرعان ما قامت بالرد على هاتفها وتسرعت بالسؤال: "جاسر وافق على بيع نصيبه في المزرعة." أجابها خليل: "أنا عرضت عليه وهو سألني عن صاحب العرض، وقولت له تاج... قاطعته بتسرع وآسف: "وأكيد رفض، مكنش لازم تقوله إن أنا المشتري." تبسم خليل قائلًا: "بالعكس هو مأرفضش كمان مقبلش." استغربت تاج بعدم فهم: "مش فاهمه." ضحك خليل قائلًا:

"هو حدد ميعاد ليكِ معاه بكرة في مكتبه، وبعت لي عنوانه في رسالة هحولها لك، والميعاد الساعة حداشر الصبح." استغربت تاج ذلك وسألته: "وإنت بتكلمه مقدرتش تستشف إن كان ممكن يوافق يبيع بسهولة ولا لأ." حدس خليل على يقين أن جاسر لا ينوي بيع نصف المزرعة، لكن ربما لو التقى وجهًا لوجه مع تاج، قد يكون له تأثير عليه، أو عليهما. تنهد قائلًا: "لاء مقدرتش استشف منه حاجة، ومش هتخسري حاجة، روحي قابليه واعرضي عليه، وشوفي قراره."

توترت تاج قائلة: "تمام متشكره يا عمو، تعبتك." ابتسم بأمل قائلًا: "تصبحِ على خير." أغلقت الهاتف ووضعته جوارها. عادت تعمل على حاسوبها، لكن لم تستطيع التركيز، فكرها شارد بلقاء الغد. ليلة انتهت وهما الاثنان ساهدي النوم، كل منهم يفكر بلقاء الآخر بعد تلك السنوات. *** صباحًا.

وقفت أمام المرآة تنظر إلى ثوبها الأسود الأنيق القصير الذي يصل إلى مقدمة ساقيها. رغم الضيق بعض الشيء، ذو فتحة جانبية تصل إلى بداية ركبتها، كذلك بأكمام شفافة. نظرت إلى ظهرها، كان الثوب يغطي الظهر بالكامل، كذلك من الأمام كان محتشمًا بالنسبة لها. تشعر بتوتر وارتباك، كذلك ترقب لنتيجة لقائها به.

بينما جاسر هو الآخر تألق ببنطال أسود من الجينز فوقه قميص رمادي ومعطف بذه مضاهي له. تذكر زجاجة ذلك العطر القديمة. ذهب نحو إحدى ضلف الدولاب، فتحها وجذب تلك القنينة، قام بالنثر من محتواها على ثيابه. تذكر أن تلك الزجاجة كانت هدية من تاج له. رأي ذلك الوشاح الحريري ذو اللون الأخضر اللامع، جذبه وقربه من أنفه يستنشق كأن ما زالت رائحتها تسكن به. تنهد وهو ينظر إلى طرف الوشاح كان مطرزًا باسمها. ذلك الوشاح ما زال يحمل أثر دمائه يوم أصيب بالخطأ ونزف. كم كانت رقيقة وقتها!

سالت دموعها عليه، لكن ماذا تبدل حبيبتي؟ لماذا انقشع الضياء وسرنا بالعتمة بعيدًا عن بعض؟ لماذا خذلتيني؟ لماذا لم تأتي وتركتيني أنتظر وحدي؟ أعاد وضع الوشاح جوار قنينة العطر، وأغلق الدولاب، ونظر نظرة أخيرة على هندامه ثم غادر بمشاعر متضاربة، بين الخذلان وبداية استرداد مروض الخيول مكانته الحقيقية. *** بعد وقت.

بالسيارة كانت تشعر بالتوتر لأول مرة. رغم خبرتها بتلك اللقاءات وبراعتها في المفاوضات، لكن مع جاسر لا شيء معلوم. حاولت السيطرة على ذلك التوتر قدر استطاعتها حين توقفت بسيارتها أمام ذلك العنوان. ترجلت من سيارتها، تعبئ صدرها بالهواء، تسيطر على تلك المشاعر الضعيفة. استقامت بصدرها وسارت بكبرياء.

بينما جاسر يقف خلف ذاك الحائط الزجاجي لمكتبه. لمعت عيناه بظفر حين رأى تلك التي تترجل من سيارتها تسير بخيلاء كعادتها. مُهرته الصغيرة كبرت وما زالت تمتلك وهجًا خاصًا بها، شموخ كبرياء، غرور ببربريتها. سابقًا كان هو من يستمتع ببربريتها، بل هو من أنشأ تلك البربرية. لكن لام نفسه، هل ما زال عشقها يسري بقلبك؟ أفق، لقد خذلتك لمرتين، لا تنخدع بمكرها. تنهد وذهب يجلس خلف مكتبه، يترقب اللقاء معها مباشرةً بعد أربع سنوات.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...