أزاحت الستائر عن زجاج شُرفة غرفتها. نظرت إلى هطول تلك الأمطار الغزيرة، ولمحت تاج وجاسر وهما يلهوان أسفل الأمطار مثلما كانا يفعلان سابقًا. إنشرح قلبها وابتسمت، لكن سرعان ما غص قلبها وتألمت، تشعر بأسى. هي كانت السبب المباشر في فراقهما عن بعضهما.
ما زال هناك جزء مفقود من ذاكرتها. لا تتذكر كيف عادت ذلك اليوم إلى القصر، ولا كيف قامت بإمضاء تلك الورقة التي كانت وصمة كبيرة في حياتها. حاولت عصر عقلها كي تتذكر، لكن كان حدث معها حذف لذلك الجزء من رأسها. كل ما تتذكره هو أنها دخلت إلى غرفتها بالقصر، وذلك الشابان كانا موجودين بانتظارها ومعهما كاميرا خاصة. هَلعت منهما وسمعت صوت إغلاق باب الغرفة. شعرت بريبة وحاولت فتح باب الغرفة وهي تصرخ باستجداء، لكن كانا الشابين وغدين. أحدهما بدأ بنزع ثيابه والآخر يضحك وهو يغمز له ويعطيه إشارة البدء وأنه سوف يأخذ دوره لاحقًا. عيون فجة وكأنها سهام مشتعلة تنطلق من عينيهم.
لم تفكر، ذهبت نحو شرفة الغرفة. لقد وصل الأمر إلى النهاية، لن تكون وصمة عار. لتنهي حياتها أفضل من ذلك. لكن حتى هذا كان غير متاح. شرفة الغرفة موصودة بإحكام. حاولت فتحها بقوة، لكن لا فائدة. سمعت استهزاء الوغدين. لم يبق لها سوى الصراخ. وأحدهم وصل لها ويديه انتزعت كنزتها بقوة، فانتزعت عنها ليظهر نصف جسدها العلوي بلا ثياب، فقط قطعة واحدة.
إنهارت ساقاها فجلست أرضًا متكورة تضم ساقيها بيديها إلى صدرها تنتحب بمرارة. لكن الوغدين لم يشفق قلبيهما، فهما تحت تأثير المخدرات يستمتعان بذلك. بدأ يفصل عقلها عن الواقع، رافضًا ما سوف يحدث الآن. متاهة اختارها عقلها، تصرخ وتنتحب وأيادي تحاول نهشها وصورة مشوشة تغيب عن العقل. فتحت عينيها حين سمعت صوت تاج تحدثها باستجداء. وقتها استسلم عقلها لغفوة كاملة، منسحبًا من واقع مرير.
كم ظلت غائبة عن الوعي بعد ذلك لم تعرف. سوى لاحقًا أنهما يومين قبل أن تستيقظ وتشعر بمن حولها. شعرت برهاب من أي أحد يقترب منها، عدا اثنين. هما تاج، وللغرابة الآخر كان خليل. خليل التي شعرت وقتها أنه والدها الذي تمنت أن ترتمي بحضنه تصرخ وتبكي، تشعر بحمايته لها. لم يخذلها خليل، عكس ذلك الحقير قاسم الذي طمع بشباب تاج.
الاثنين كانا صديقين لوالدها. أحدهما كان ينسج شباكًا حديدية لتدمير والدها وسجن شقيقتها بالزواج منه. والآخر صان الصداقة وأصبح داعمًا لهم. رمت بجسدها فوق الفراش، تغمض عينيها تحاول إزالة تلك الدمعة من عينيها. ربما تشعر براحة في قلبها، لكن كانت دمعة متجمدة، أبت النزول من بين أهدابها لتحرق قلبها.
نهضت وفتحت أحد الأدراج، جذبت علبة دوائية تناولت منها برشامة وابتلعتها. ثم ارتشفَت الماء وعادت تتمدد على الفراش مرة أخرى، يفصل عقلها بغفوة عنوة. *** بالكوخ
همسات، لمسات، تنهيدات تنبع من قلبيهما. ورجفة جسد وآنة ألم خرجت من شِفاه تاج. ضم شفتيها بقبلة عاشق. ثم رفع وجهه ينظر إلى وجهها. تنحى عن النظر لعينيها، يعلم فحوى نظرة عينيها الآن بالتأكيد ترقب لرد فعله بعدما تأكد أنها كانت لا تزال عذراء. لكن تجاهل النظر عمدًا. وتنحى من فوقها نائمًا جوارها. لا ينكر شعور الغبطة بقلبه. كان على يقين أن تاج ما زالت عذراء. لم تكن صدمة له. بل كانت الصدمة لعقلها هي، لما لا يعطي رد فعل.
استغربت من صمته هذا، رد فعل غير متوقع من جاسر. وتحير عقلها بجواب ساذج: "ربما لم ينتبه". والإجابة الحقيقية من عقلها الذي ذمها: "يالك من حمقاء كيف لم ينتبه لذلك".
بدأت تشعر بالإحباط، لكن قبل تمكن ذلك تفاجأت بجاسر يجذبها عليه بعدما نام على جانبه، يضمها بين يديه بتملك. يزيح تلك الخصلات عن جبينها، ثم وضع قبلة وضمها بقوة بين يديه. ثم وضع قبلة أخرى على كتفها بصمت، يضمها بتملك قوي. حين حاولت الاعتراض، هذا ليس رد فعل مناسب من جاسر، بل رد فعل بارد، كأن ما حدث قبل لحظات شيء عادي.
أغمضت عينيها تشعر بإحباط من ذلك. ثم فتحتها وقاومت ضمة يديه وهي تحاول أن تنهض من جواره. جذبت ذلك القميص الخاص به، لكن ما زال متمسكًا ومتملكًا من جسدها بين يديه. تلاقت عيناهما أخيرًا. رأى بعينيها السؤال الذي يستطيع إجابتها عنه بجملة بسيطة: "كنت متأكد إنك لسه عذراء". لكن صمت. والصمت أسوأ. ربما لو كان حتى أبدي تشكيك بذلك كان أفضل من ذلك الصمت التي بغضته.
رغم تمسكه بها لم يجعلها تستكين. بل حاولت الفكاك من أسر يديه حتى استطاعت الجلوس وهي ترتدي القميص الخاص به. ثم نهضت تسير نحو ذلك الشباك الزجاجي. وقفت تنظر للخارج. هدأت الأمطار وبدأت النجوم تعود للسماء مرة أخرى. شعرت أن ذلك مثلما حدث معها قبل قليل، ثورة مشاعر حارة وانتهت بثليج.
سرعان ما شهقت حين شعرت بيدي جاسر تطوقان خصرها بتملك. وضع قبلة على وجنتها. ثم وضع رأسه على كتفها. لوهلة ظنت ربما يعقب على ما حدث بينهم قبل قليل. لكن ما زال يتجاهل عمدًا منه. ونظر إلى السماء قائلًا: "نجوم الخريف بتبقى قريبة. واضح إن الشتا هيبقي قاسي السنة دي، بس مهما كان قاسي في مصر مش قد قسوته بره مصر". شعور بالرفض من اقترابه منها يغزو داخلها. تقدمت للأمام، تحررت من يديه.
ثم استدارت تنظر له قائلة: "أكيد مش هنقضي الليلة هنا. ثواني هلبس هدومي وخُد قميصك". قبل أن تبتعد عنه جذبها لصدره قائلًا: "ريحة الياسمين بعد المطر متوغلة بالكوخ منعشة. هنفضل هنا الليلة، مش أول مرة نقضي الليل هنا. سبق وليالي كتير سهرنا سوا هنا فاكرة". نظرت لعينيه ثم ليده التي رفعها على رأسها ينزع أعواد القش العالقة بين خصلات شعرها. تنفست بهدوء قائلة: "فاكرة أو ناسية تفرق معاك".
كان عود قش عالق قريب من أذنها. سَلته ثم نظر لعينيها قائلًا بتأكيد: "وأنا منستش ليه. فاكره لما جيتي لي هنا واتعرّيتي من هدومك قدامي". رفعت وجهها تنظر له بملامح متفاجئة.
وسرعان ما أجابته: "وإنت رفضتني وقتها ياريت". قطع بقية استرسال حديثها حين التهم شفتيها بقبلة عاصفة لكيانهما الاثنين. عاود باشتياق يضمها بتملك يتوغل بقبلته حتى ترك شفتيها لتتنفس. تفاجئت به يحملها بين يديه يسير نحو تلك الأريكة. وضعها عليها واعتلاها بجسده. يمسد بأنامله فوق وجنتيها. رفعت يديها كي تدفعه لكن لم تصل لجسده. أمسكهما بيد واحدة، ورفعهما فوق رأسها ويده الأخرى سارت بحميمية على جسدها. شغف أم اشتياق؟
أجاب عقله: "الاثنين... وثالثهما العشق، أو ربما العشق أولهما". التهَم شفتيها بقبلات متملكة وشبه قوية. رغمًا عنها خانها جسدها واستجاب للمساته التي ازدادت قوة وخشونة عن اللقاء السابق. كان هناك بعض العنفوان المقبول. جعلها هائمة معه وله وبه، وهو كذلك. كأن ذلك اللقاء محى اللقاء السابق.
لحظات مرت بشغف متبادل، وجولة نهايتها رغم لذتها لكن مرهقة. غصبًا غفت بين يديه، وهو يضمها قبل أن يغفو هو الآخر. تذكر قبل أيام من موافقة تاج على الزواج منه، عقب أحد الاجتماعات التي كان يحضرها فقط لمحاصرة تاج. غادرت تاج بعصبية بسبب اعتراض له دون سبب. كذلك غادرت ميسون وبداخلها كانت سعيدة بأن هناك من يعترض على قرارات تاج. جلس يتحاور مع آسر بعدة موضوعات بلا هدف، حتى وصل بهم الحوار إلى سؤال
غير صريح من جاسر لآسر: "واضح إن شخصية تاج القوية والمستقلة أثرت عليك عشان كده اتطلقتوا وفضلتوا أصدقاء". تهكم آسر وضحك باستهزاء قائلًا: "أنا وتاج أصدقاء. إحنا جوازنا كان مجرد حبر على ورق لهدف معين، وتاج معندهاش صداقات في الشغل أو حتى في حياتها الخاصة. حاسس إنها مقفولة على ذاتها، وكمان شوية كبرياء. كان صعب جوازنا يكمل وده كان برغبتها".
في تلك اللحظة بسمة زينت محياه، لكن مصحوبة بغيرة من حديث آسر الذي يمدح بتاج، وربما كان يود استكمال زواجهم بشكل طبيعي. كور يديه بغضب ولكم آسر كي يصمت ولا يمدح بها. لكن وسط ذلك استبان أن تاج لم تمارس معه حياة زوجية كاملة. كذلك رجح آسر أنها ربما كانت كذلك مع عمه، لأنهما كانا كثيري الخلافات. وربما تلك الوصية التي جمعتهم كانت من ضمن عقابه لها. لأنها شخصية مستقلة وشامخة بذاتها كالمهرة الشرسة، صعبة الترويض. هي حقًا مهرته البربرية، لم ولن يروضها أحد غيره.
عاد ينظر بوجهه، ضمها بقوة وغفي هو الآخر يشعر بكمال. *** بـ ڤيلا آسر وضعت يديها فوق صدره تتغنج بدلال وهي تخبره: "أنا ظهر قدامي حتة أرض فرصة كبيرة أوي لو اشتريناها. دي جنب أرض المشروع اللي هنعمله في مرسي مطروح، ممكن نشتريها ونزود بها مساحة المشروع". فكر قليلًا ثم قال: "معتقدش تاج هتوافق على كده. هي خلاص تقريبًا خططت لكل جوانب المشروع. وعلى العموم مش هنخسر حاجة نقترح الموضوع ويمكن تقبل".
نظرت له بغيظ قائلة: "إنت شريك زيك زي تاج والمفروض... قاطعها قائلًا بتذكير: "لأ، أنا مش زي تاج. تاج هي صاحبة أكبر نسبة أسهم. ده كان قبل ما أبيع خمسة عشر في المائة من أسهم الشركة لجاسر. ومتنسيش جاسر يبقى جوزها، يعني القرار اللي هتقوله هيوافق عليه. فبلاش تقترحي الموضوع ده. لو عاوزة الأرض اشتريها إنتِ وابقي نفذي عليها مشروع خاص بيكِ".
قال ذلك وتركها دون اهتمام، ذهب للفراش وتسطح عليه. شعرت بغضب في الآونة الأخيرة بدأ يتمرد بعدما ظنت أنها شكلته على هواها، وكادت تصل لهدفها أن تسيطر على كل ما يمتلك، لكن انقلب ذلك بعد بيعه لجزء من أسهمه لجاسر. جاسر، التي ظنت أنه سيكون خصمًا قويًا أمام تاج، تفاجأت أنه كان بينهم غرام سابقًا. لكن لن تستسلم تاج. لن تهنئ بتلك الشركة.
زفرت نفسها بغضب وتوجهت هي الأخرى للفراش. نزعت مئزرها وتمددت. ألقت نظرة سحق على آسر الذي يغمض عينيه. أغمضت عينيها وهي تود أن تصفعه. تذكرت أن بالماضي القريب كانت مجرد موظفة في بنك وجاءتها فرصة أمام ذلك العجوز المتصابى، فمن يراه يعتقده بمنتصف الأربعينيات، لاهتمامه بأناقته وهدوء أعصابه. "قاسم البنداري" الذي نصب شباكه عليها رغم أنها مجرد موظفة حسابات، لكن كانت ذات أهمية لديه. زورت له الحسابات بطريقة عالية الجودة. ساعدته بالاستيلاء على حسابات شريكه وتوريطه بالإفلاس. وقعت في براثن كهل مخضرم على الخداع. خدعها أنه سيتزوج بها بعدما أقامت علاقات معه. تذكرت تلك الليلة التي كانت تسبق زواجه من تاج بعدة أيام.
بالعودة لقبل تلك الليلة، بالشقة التي كانا يتوعدان بها. استقبلته بالترحاب والقبلات. قضيا معًا ليلة خاصة ظنت أن بنهايتها ستصل إلى ما كانت تبغيه وهو الزواج منها رسميًا. لكن قاسم كان ثعلبًا، معها ويفكر بغيرها. بعدما تنحى عنها جذبت الدثار عليها ونظرت له وهو يلهث بشدة. عجوز لكن يظن نفسه يستطيع امتلاك شابة مثلها. لا يهمها ذلك الأمر ولا ذلك الضعف، فقط تريد المال والسلطة.
اقتربت منه بدلال قائلة: "عندي لك خبر متأكدة هيفرح قلبك". نظر لها مبتسمًا يسأل: "وإيه هو الخبر ده؟ جذبت يده ووضعتها على بطنها ونظرت له قائلة: "أنا حامل".
تبدلت ملامحه حتى ذلك الضعف واللهاث اختفيا وظهرت حقيقة الثعلب. وهو ينهض بجذبها من شعرها بقوة ودفس وجهها بالفراش. كادت تختنق، لكن ترك رأسها قبل الرمق الأخير. تلهث وهي تستنشق الهواء، حتى اعتدل تنفسها. تفاجئت بصفعات قوية ونظر لها باستحقار قائلًا: "شوفي حامل من مين يا حقيرة. من النهاردة إياك ألمح وشك مرة تانية".
ارتدى ثيابه وغادر وهو يشتعل من كذب تلك المتسلقة، التي لو بخاطره لكان قتلها. لكن ربما هذا أفضل، فهو أصبح قريبًا من الزواج من تاج الشابة الجميلة التي سحبت عقله منذ أن رآها بذلك الرداء الخاص بالسباحة. سبح في جمالها وأراد العثور عليها وها هو يصل إلى مبتغاه بعد أيام قليلة. بينما احتدمت عينا ميسون بغضب وأقسمت على الانتقام، وقد كان. عودة. عادت على شعورها بآسر يتقلب على الفراش. نظرت له وودت لو صفعته، ربما تهدأ. ***
باليوم التالي صباحًا بالكوخ استيقظت تاج ونظرت لجوارها على الأريكة كانت هي فقط. اعتدلت جالسة وذمت طرفي قميص جاسر عليها. نظرت بالكوخ فارغًا. نهضت تتوجه نحو ذلك الحمام الصغير المرفق بالكوخ. فتحت الصنبور ونزعت عنها القميص ونزلت أسفل المياه. دقائق وشبه اختفى ذلك الألم. عادت ترتدي القميص وخرجت. ما زال الكوخ فارغًا. تنهدت بأسف وعقلها يسأل: "هل توقعتي أن تصحين على الزهور؟
يالك من بلهاء". رد فعل جاسر غير المبالي منذ ليلة أمس كان واضحًا. جذبت ثيابها وخلعت قميص جاسر وارتدت ثيابها وذهبت نحو باب الكوخ كي تغادر وهي في قمة اليأس والأسف. غادرت الكوخ وتوجهت نحو القصر وهي تشعر بغضب مكبوت بقلبها. صعدت إلى غرفتها فورًا دون أن يراها أحد. هذا أفضل.
بينما جاسر فتح باب الكوخ، نظر نحو الأريكة كانت فارغة. ابتسم وتيقن أن تاج استيقظت وبالتأكيد بالحمام. لكن استغرق الوقت. ذهب نحو الحمام وقام بالطرق على الباب، لكن لا يوجد رد. فتح الباب، تفاجأ بعدم وجود تاج. عاود النظر بالكوخ، ملابس تاج غير موجودة، فقط الموجود ذلك القميص الخاص به والذي كانت ترتديه تاج. زفر نفسه بقوة. بالتأكيد غادرت. شعر بضيق. جذب قميصه وقدام بارتداءه وخرج هو الآخر من الكوخ متوجهًا إلى القصر.
لكن أثناء دخوله تصادم مع نجوى التي تبسمت له حين رأت تلك الباقة من الزهور بيده قائلة: "الورد ده لـ تاج". نظر لباقة الزهور وتبسم لها بإيماءة موافقة. ابتسمت له قائلة: "لسه منزلتش يمكن لسه نايمة. هروح أشوف الشغالين أقولهم يجهزوا الفطور".
تبسم لها وصعد نحو الغرفة. دخل مباشرةً، تفاجأ بتاج التي كانت تقف أمام المرآة، تعدل هندامها. سرعان ما تبسم وهو يقترب منها. بينما هي نظرت نحو باب الغرفة لم تلاحظ باقة الزهور فقط رأت جاسر فتغاضت عن النظر له وأكملت تصفيف شعرها ثم قامت بجمعه كحكة وضعت فوقها مشجب شعر. وتوجهت إلى أحد الأدراج جذبت ساعة يد وضعتها بيدها بصمت وتوجهت نحو باب الغرفة.
كل حركة كان يتبعها بعينيه، حتى توجهت نحو باب الغرفة. جذبها من خصرها قائلًا: "مفيش صباح الخير". تفوهت باستهزاء قائلة بتكرار: "صباح الخير". كادت تسير لكن رفع جاسر يده بباقة الزهور وجهها نحوها قائلًا: "صباح الورد والياسمين".
نظرت إلى باقة الزهور التي كانت تجمع بين زهور الجوري والياسمين، واستهزأت من ذلك. يُهديها باقة زهور بعدما صحوت ولم تجده جوارها وصمت أمس. كل ذلك كان كثيرًا عليها. أخذت منه الباقة. سرعان ما تبسم وقبل وجنتها، لكن هي ابتعدت وسارت بالباقة وضعتها على الفراش بصمت ثم غادرت الغرفة. استغرب جاسر ذلك الصمت لكن شعر بالضيق من رد فعل تاج. لو ظلت لأعترف لها بسعادته الغامرة أنها أصبحت ملكه وأنه أول رجل بحياتها. لكن الصمت آفة تصيب القلوب بالفتور.
*** بالشركة بمكتب فايا كانت تقوم بمراجعة بعض الرسومات الهندسية، حتى صدح رنين الهاتف الأرضي. رفعته ثم قالت: "تمام خليه يدخل للمكتب". لحظات وسمعت طرقًا على باب المكتب، سمحت بالدخول. دخل صهيب يبتسم وكاد يغلق باب المكتب، لكن تسرعت فايا قائلة: "سيب الباب موارب". استغرب من ذلك لكن ترك الباب مواربًا. للغرابة لم ترحب به بمرح كعادتها، كانت رسمية أكثر.
تحدثت: "أكيد اتصلوا عليك من الشركة، خلاص تقريبًا خلصنا التصريحات الخاصة بالحفر والإنشاء، وفاضل بقى بداية تنفيذ المشروع ودي مهمتك". أومأ قائلًا: "أنا جاهز. سبق وطلبت أشوف مكان المشروع على أرض الواقع قبل التنفيذ عشان أدرس طبيعة المكان كويس بعيد عن التصميمات الهندسية". أومأت قائلة: "تمام أنا حجَزت لينا تذكرتين سفر طيران بعد بكرة لأسكندرية ومن هناك هنروح مرسي مطروح، عشان نشوف الأرض عالطبيعة".
أومأ قائلًا: "تمام، مع إن كان ممكن نسافر بالعربية". قاطعته قائلة: "لأ الطيران أسرع". أومأ موافقًا. حاول سحب الحديث معها بمرح، لكن كانت ردودها جادة. ونهضت واقفة تقول: "عندي ميعاد بعد نص ساعة ويادوب عشان ألحق أوصل". نهض قائلًا: "تمام نتقابل بعد بكرة في المطار".
مد يده ليصافحها، لكن هي ادعت انشغالها بسحب أحد الملفات. أخفض يده يشعر بحرج واستغراب وغادر المكتب. بينما فايا خرجت خلفه. رآها بالمرآب الخاص بالشركة. لاول مرة يراها تقود سيارة. بفضول دون سبب معلوم لديه سار خلفها إلى أن ترجلت من السيارة أمام إحدى البنايات ودلفت إليها. نظر صهيب نظرة شاملة إلى البناية، لاحظ أنها كلها بناية للأطباء بكافة التخصصات. لوهلة رجف قلبه وأعاد طريقة حديثها الرسمية معه قبل قليل. كذلك ملاحظة أن يدها ارتعدت وهي تسحب ذلك الملف. ربما مريضة وهذا سبب تلك المعاملة. ظل لبعض الوقت. لأكثر من نصف ساعة. كان سينتظر أكثر لكن دق هاتفه فقام بالرد، وغادر المكان للأهمية.
*** في الثانية ظهرًا بالشركة دَلفت تاج إلى غرفة الاجتماعات، تهكمت قائلة: "اجتماع للمساهمين وأنا آخر من يعلم، رغم إني صاحبة أكبر نسبة أسهم في الشركة، ويا ترى بقى إيه سبب الاجتماع المفاجئ ده". نظر لها ميسون بغيظ وتفوهت بثقة: "أنا عرضت موضوع الأرض اللي جنب المشروع اللي هنفذه في مرسي مطروح على آسر وجاسر". التي قالت بتبرير كاذب؟ احتدمت النظرات بين تاج وميسون التي وصلت إلى قمة غضبها من غرور ورفض تاج،
فقالت بعمد: "إنتِ مجرد مساهمة من الشركاء، والمفروض إدارة الشركة بالتشاور". ضحكت تاج باستهزاء: "أنا المديرة التنفيذية للشركة مش مجرد واجهة. أنا المسؤولة وقولت إن الشركة مش محتاجة تشتري الأرض اللي بتقولي عليها دي. أكيد مبلغ العمولة اللي كنتِ هتاخديه من الوساطة عالي وهو سبب إصرارك، بس للأسف أنا برفض وقراري أنا اللي هيتنفذ يا ميسون". شعرت ميسون بغضب من غلظة وغرور تاج.
وقفت بغضب قائلة باستهجان: "إنتِ مش من حقك لوحدك تاخدي قرار في الشركة. متنسيش فيه مساهمين غيرك". قاطعتها تاج بثقة واحتجاج وتلميح صريح: "لو بالأحق كانت الشركة كلها تبقى باعتِ لإنها بتعب بابا اللي استولى عليه قاسم البنداري بمساعدة موظفة البنك المخلصة، ودلوقتي القرار صريح. للأسف ضاعت عليكِ عمولة الأرض. أعتقد كده الاجتماع اتفض".
نهضت تاج واقفة، لكن سرعان ما شهقت بسبب تلك المياه التي أغرقت وجهها. نظرت نحو ميسون التي ما زالت تشعر بغضب ولم تفكر وهي تقذف كوب المياه بوجه تاج، تشفيًا. لو بخاطرها لقذفتها ببارود. تنفست بغضب، بينما تاج نظرت لها ببرود ولم تبالي وغادرت الغرفة. كذلك نهض جاسر ينظر إلى ميسون بغضب ود لو قذفها بزجاجة المياه بوجهها. لكن هناك قرار آخر أكثر قوة ردًا على فعلتها: "أنا كمان مع قرار تاج". غادر جاسر، بينما وقفت ميسون مع
آسر تنظر له ونهرته قائلة: "هي جوزها بيساندها دايمًا، لكن إنت فضلت ساكت. طبعًا اللي تقوله لازم يتنفذ، بس أنا خلاص جبت آخري من تسلطها وانفرادها هي لوحدها بالقرار. أنا لو حصلت هبيع الأسهم بتاعتي وأسيب الشركة دي". نظر لها آسر باستغراب قائلًا: "إنتِ ليه متعصبة أوي كده على قطعة الأرض دي، طالما مش لازمة للمشروع خلاص". نظرت له بسحق قائلة: "هتفضل غبي لحد إمتي، وسايب غيرك يمشيَك". تفاجئ بوقاحتها ونظر لها بغضب قائلًا
برعيق: "ميسون افهمي معني كلامك، وأنا مش غبي، أنا زي سبق ما قولتي اللي يهمنا الأرباح، وأعتقد ده مضمون مع تاج. بلاش تحاولي تستفزي تاج، ولو عاوزه تبيعي أسهمك إنتِ حرة". قال هذا وغادر هو الآخر، وأغلق خلفه الباب. ألقت خلفه كوب المياه فتناثر مهشمًا بالمكان. شعرت بغضب وهي توعد قائلة: "جاسر وتاج لازم يفترقوا بأي طريقة. وقتها تاج هتبقى قدام معارضة". *** بمكتب تاج
دَلفت بغضب من تلك الحقيرة، ووقاحتها حين قذفتها بكوب المياه. لولا امتلكت بعضًا من الهدوء لقذفتها من شرفة الغرفة. سهام نارية تسحق بقلبها من صمت جاسر أمامها. لكن لن تهزم. بذلك الوقت سمعت صوت طرق على باب مكتبها ثم طل من خلف الباب بمرح قائلًا: "يا ترى فاضية خمس دقايق نتكلم فيهم كأصدقاء". تبسمت بخفوت قائلة: "حتى لو مش فاضية أفضل لك".
تبسم ودخل إلى الغرفة وأغلق خلفه الباب واقترب منها ضمها قائلًا: "كنت قريب من الشركة قولت أمُر أشوفك ونقعد نتكلم مع بعض من فترة متكلمناش. ها قوليلى أخبارك إيه؟ أجابته: "مشغولة في المشروع الجديد ومن قبل ما نبدأ ننفذه في مشاكل". سألها عن تلك المشاكل. سردت له عرض ميسون. ضحك قائلًا: "أوقات بحس إنها بتستهبل ومحتاجة تتعرض على دكتور نفسي. مفكرة إدارة شركة زي وظيفة في بنك".
أومأت قائلة: "مادية جشعة كل اللي يهمها العمولة اللي هتاخدها طبعًا. حكاية مكسب أو خسارة الشركة مش في دماغها. زي ما ساعدت قاسم قبل كده وقدر يوقع بابا في الفخ، بس أنا واعية لها، وبفكر أشوف وسيط يعرض عليها يشتري أسهمها وتغور". ضحك خليل قائلًا: "طبعًا مش أنا الوسيط ده".
أومأت ببسمة قائلة: "دي مستحيل توافق لو عرفت إني في الموضوع، هشوف وسيط هي متعرفوش. بس هي لها سيطرة كبيرة على آسر، يعني لازم كمان أشتري نصيب آسر وأنا معنديش سيولة في الفترة دي، ومش عاوزة ألجأ لقروض البنك، هي اللي ضيعت بابا". أومأ خليل موافقًا وهو يضم يدي تاج قائلًا: "فعلًا".
انقطع حديثه حين فُتح باب المكتب دون استئذان مسبق. نظر الاثنان نحو الباب، وصمتا. عن عمد من تاج لم تسحب يديها من بين يدي خليل، لكن لاحظ خليل نظرة عين جاسر الذي دلف إلى المكتب دون استئذان. سرعان ما تبدلت ملامحه حين رآها تقف مع خليل الذي يضع يديها بين راحتي يديه. شعر بغضب وغيره و...
أخفى بسمته، وترك يدي تاج ومدها نحو جاسر مصافحًا. نظر جاسر إلى يده، وصافحه بلا اهتمام. لاحظ خليل نظراته لتاج فتبسم قائلًا: "فراس كان اتصل عليا قدامه مشكلة في بعض الحسابات، هروح أشوفها، عن إذنكم". أومأت له تاج قائلة: "تمام". غادر خليل وأغلق خلفه الباب، بينما توجهت تاج نحو مكتبها وكادت تجلس لكن تحدث جاسر بنبرة قوية: "سبق وحذرتك من خليل و...
قاطعته بغضب: "عمو خليل هو المستشار الاقتصادي للشركة ووجوده في مكتبي بصفة رسمية، وحتى لو مكنش بصفة رسمية فهو كان أقرب صديق لبابا وهو الوحيد اللي... قاطعها جاسر حين جذبها عليه بعدما قبض على عضديها قائلًا: "الوحيد اللي إيه؟ نظرت لعينيه قائلة: "الوحيد اللي قدم لينا المساعدة و... قاطعها بغضب وهو يضغط على عضديها: "كمان سبق قاسم كان صديق بابا وقدم مساعدات". فهمت تاج تلميح جاسر. حاولت
نفض يديه عنها بغضب قائلة: "افتكر كويس يا جاسر، أنا مكنتش موافقة إننا نتجوز، وإنت اللي ضغطت عليا... و... قبل أن تستكمل بقية استهجانها واعتراضها، جذبها عليه بقوة وانقض على شفتيها بقبلات مُدمية. يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!