الفصل 3 | من 26 فصل

رواية سهم الهوى الفصل الثالث 3 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
93
كلمة
5,244
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

بعد مرور أكثر من أسبوع، صباحًا على صوت زقزقات العصافير. فتح جاسر عينيه، يتمطئ بيديه ثم نهض من فوق الفراش. يمارس بعض التمارين الرياضية ثم فتح شباك غرفته. نظر إلى تلك العصافير التي تتناغم زقزقتها مع بعضها كأنها تُخاطب بعضها.

لكن سرعان ما هربت تلك العصافير من فوق الشجر حين حط غرابين أسودين ينعقان على أحد الفروع، كأنهم هربوا من نشاز الصوت. لكن جاسر تبسم ولم يُبالي. ترك النظر إلى الشباك، سرعان ما توجهت عيناه نحو ذلك القصر القريب، الذي أصبح يمتلك نصفه. ليس نصفه فقط بل نصف تلك المزرعة. تبسم وهو يعود بذاكرته قبل أيام. لقاؤه بـ "تاج". *** بالخارج، بغرفة مديرة مكتبه. توقفت "تاج" تخلع نظارتها الشمسية وتحدثت بشموخ:

مساء الخير، أنا "تاج فريد مدين". في ميعاد سابق بيني وبين… توقفت للحظة كي تستنشق الهواء، قائلة: جاسر الهواري. نظرت لها مديرة المكتب وهي ترفع سماعة هاتف أرضي ثم قالت بهدوء: تمام، هبلغ مستر جاسر. بالمكتب. نظر جاسر إلى ذاك الهاتف الأرضي، ينتظر أن يصدح صوته كي تخبره مديرة مكتبه. لحظة وإثنين، وصدح الهاتف. تنفس بعمق وهو يلتقط سماعة الهاتف وسمع إخبار المديرة له. تحدث بهدوء: عشر دقايق ودخليها، ومش عاوز أي إزعاج.

وضع سماعة الهاتف، جذب هاتفه الخلوي وقام بإجراء اتصال. *** بينما بالخارج. وضعت مديرة المكتب سماعة الهاتف ونظرت لها قائلة: مستر جاسر معاه مكالمة مهمة، ممكن تنتظري عشر دقايق. أومأت رأسها بموافقة. تبسمت لها المديرة بذوق: اتفضلي اقعدي. بأناقة جلست تضع ساقًا فوق أخرى، تنظر إلى ساعة يدها المرصعة بقطع ألماس. مر عشر دقائق وأكثر. شعرت بالضجر. لديها ظن كبير أنه يتعمد فعل ذلك معها. لكن ليست هي من تنتظر. نهضت واقفة تقول:

العشر دقايق خلصوا. لم تنتظر، ذهبت مباشرةً نحو غرفة مكتبه. طرقت مرتين ثم فتحت الباب. لم تنتظر، دلفت وخلفها المديرة. كان يعطي ظهره نحو الباب، لكن استدار برأسه ورآهن. كادت تتفوه المديرة لكن أشار لها فصمتت وغادرت تغلق الباب خلفها.

بينما هو عاود الحديث عبر الهاتف، غير آبهًا. رغم أن الاتصال غير هام وحديثه مازحًا مع الآخر، لكن تعمد ذلك. رغم أن حديثه بلغة أجنبية، لكن هي تجيد تلك اللغة، وهو يعلم ذلك. لاحظت أنه يتحدث لامرأة. شعرت ببعض الغيرة، لكن أخفت ذلك وتنحنحت أكثر من مرة، دليل على ضجرها من تجاهله. تبسم بخفية وبمزاج أنهى الاتصال، وأغلق الهاتف وضعه على المكتب. يقترب من مكان وقوفها مصافحًا: بعتذر بس المكالمة كانت مهمة، خلاص فضيت ليكِ.

نظرت ليده الممدودة لحظة قبل أن تضع يدها بقبضة يده التي ضمت يدها. ليسير بجسد الاثنين شعور قديم ظنوا أنه قد انتسى. لم تدُم المصافحة كثيرًا حين نزع يده وأشار بها لها قائلًا: أعتقد عندي خلفية عن الموضوع المهم اللي اتصلتِ عليا السيد خليل بسببه. خلينا نقعد، مش هينفع نتكلم وإحنا واقفين.

وافقت. جلست على أحد المقاعد بخيلاء تضع ساقًا فوق أخرى. ابتسم جاسر وجلس على مقعد بالمقابل لها يتأمل ملامحها الخلابة التي سلبت عقل ذاك الصبي بملامحها وعينيها المتمردة. لحظات قبل أن تقطع هي الصمت قائلة: تعرف يا جاسر أنا استغربت لما عرفت إن انت اللي اشتريت نص المزرعة. ابتسم وهو يفعل مثلها، يضع ساقًا فوق أخرى سائلًا: واستغربتي ليه؟ آه، يمكن عشان تمن المزرعة غالي على ابن السايس اللي كان شغال في المزرعة. تبسمت له قائلة:

لأ مش ده السبب، لأني عارفة إن شغل المودلينج ربحه عالي جدًا. سبق واتعرض عليا بس بابا رفض وكنت صغيرة. استغربت إنك تعلن إنك انت اللي اشتريت نص المزرعة التاني، كان ممكن تبقى غامض. ضحك قائلاً: فعلا شغل المودلينج ربحه عالي بس زهوته مجرد وقت وبينتهي. عشان كده استثمرت في مشاريع تانية والحمد لله. وبعدين ليه أبقى غامض؟ الكلام ده في الأفلام والروايات القديمة، البطلة تكتشف إن شريكها يبقى… توقف ينظر لها وهي كذلك تنتظر بترقب.

خاب ظنها حين قال: يبقى السايس اللي كان بيشتغل في المزرعة… قبل ما يسيبها مطرود. لمعت عينيها تفهم تلميحه، لكن قالت مباشرةً: هجيب من الآخر. انت عارف أنا مش بحب اللف والدوران ولا تفتيح الماضي. أنا اتصلت عليك وطلبت اللقاء عشان عاوزة أشتري نص المزرعة. انت عارف مكانة وأهمية المزرعة دي بالنسبة لي. نهض واقفًا واقترب منها بجرأة. جلس على مسند المقعد الخاص بها ونظر لوجهها قائلًا:

للأسف أنا مش محتاج أبيع نص المزرعة، لأنه كمان مهم بالنسبة ليا جدًا. بس عندي عرض تاني… نظرت إليه بترقب سائلة: وإيه هو العرض التاني ده؟ لو قصدك شراكة بينا… قاطعها مجيبًا: لأ… رغم إن ممكن يكون زي شراكة. تحولت نظرة عينيها إلى مستفسرة. ابتسم قائلًا: عقد جواز بينا. سرعان ما رفعت حاجبيها بدهشة. بالتأكيد يمزح. غصبًا ضحكت. شعر بالاندهاش هو الآخر من ضحكتها، فقال: إيه اللي ضحكك؟ مازالت تضحك وأجابته: عرضك أكيد بتهزر.

رفع يده يُزيح تلك الخصلة القريبة من شفتيها قائلًا بتأكيد ونبرة هادئة عكس ما يشعر به بقلبه من اشتياق. فقط ود لو يُقبلها، لكن يود أن تكون القبلة الثانية وهي زوجته شرعًا: أنا مش بهزر يا "تاج الياسمين".

"تاج الياسمين". لقب دلالها المفضل. اثنان فقط من كانت تسمعه منهما. والدها الذي أطلق اللقب عليها، وجاسر الذي كان يدَللها هو الآخر بهذا اللقب. افتقدت الاثنين بسوء القدر. والدها بالفراق الأبدي إثر ذبحة صدرية. وجاسر. وآه يا جاسر الذي يجلس جوارها الآن. لكن هل ما زال قلبه ينبض بغرامها مثلما ما زال هو مالك قلبها؟

لكن رغبة القدر كان الفراق مرتين. لن تتحمل فشلًا جديدًا وبالأخص مع جاسر. لتحتفظ بمكانته في قلبها فقط، يكفي ذلك. ربما هذا أفضل لهما الاثنان. رفعت عينيها تنظر له. تلاقت عيناهما بحديث صامت للحظات قبل أن تُنهي هي الصمت ونهضت تخرج دفتر شيكات من حقيبتها قائلة بقرار: أنا هنا لموضوع محدد يا جاسر. قولي عالمبلغ المطلوب ثمن نص المزرعة.

شعر بألم في قلبه ووقف هو الآخر. اقترب من مكان انحنائها على ذلك المكتب تقوم بكتابة بعض البيانات، ثم قطعت تلك الورقة من الدفتر واستقامت. وجهت يدها نحو جاسر قائلة: ده شيك على بياض تقدر تحط فيه الرقم اللي تحدده. نظر جاسر إلى الورقة ثواني قبل أن يأخذها من يدها. لوهلة ظنت أنه سيقبل، لكن تفاجئت حين مزق الورقة قائلًا: قلتلك المزرعة دي غالية أوي عندي، مفيش أي مبلغ يساوي قيمتها عندي. غير العرض اللي قولتلك عليه يا تاج.

نظرت له ثواني. يتحدث قلبها: العشق مؤلم زي وجع سهم مغروز في القلب، وكفاية مبقتش حمل سهام تانية في قلبي. خليك بعيد عني، أفضل لينا إحنا الاتنين. تحدث قلبه هو الآخر: نفس السهام مغروسة في قلبي، واضح إن اللي غرس السهم هو اللي لازم ينزعه. بينما عادت "تاج" كتابة ورقة أخرى ونزعتها من الدفتر وتركتها بمكانها فوق الطاولة وسارعت بالهروب:

عندك الشيك، اكتب الرقم اللي تحدده، وهنتظر اتصالك على أونكل خليل عشان نحدد وقت تسجيل بيع ونقل ملكية المزرعة. قالت ذلك ولم تنتظر. توجهت نحو باب المكتب وغادرت. وهو واقف يزفر نفسه ويلومها: ربما لو اعترفت إنك مازلت تعشقها كانت قبلت. لما لا تذهب خلفها وتقول ذلك، لكن هناك ذكري قديمة منعته. وصوتها تخبره أن ما جمعهما ليس أكثر من وهم الطفولة. زفر نفسه بغضب، لكن هو لن يستسلم. جاسر الماضي انتهى، والآن هو "الجاسر" التي ستخضع له.

*** نفض عن رأسه ذلك اللقاء الأخير حين سمع لصدح رنين هاتفه. ذهب نحوه. نظر للشاشة. سرعان ما تأفف وهو يزفر أنفاسه، لكن قام بالرد غصبًا وسمع إلى حديث تلك الآفاقة: صباح الخير يا مستر جاسر. آسفة بتصل عليك بدري، بس ده أمر مهم. أجابها ببرود: لأ مش مشكلة، أنا متعود أصحى بدري. خير؟ بدلال فج أجابته وهي تشعر ببغض لـ "تاج" وتجاهلت ذكر اسمها قائلة:

في اجتماع عاجل للمساهمين النهاردة الساعة اتناصر في مقر الشركة، وإنت أصبح ليك أسهم. معرفش إذا كان حد بلغك من الشركة أو لأ. تنهد بأسف: للأسف محدش بلغني. كويس إنك بلغتني، بشكرك. في أقل من لحظة أغلق الهاتف وألقاه على الفراش وذهب نحو خزانة ثيابه. اختار ثوبًا أنيقًا. وقف أمام المرأة ينبض قلبه، يشغل عقله رد فعلها حين تعلم أنه أصبح شريك بأسهم في الشركة أيضًا. *** بقصر المزرعة. فتحت "تاج" عينيها تبتسم لتلك السيدة الحنون

التي بادلتها البسمة قائلة: صباح الخير يا تاج. تبسمت لها قائلة: صباح النور يا دادا نجوى. كويس إنك صحتيني دلوقتي، واضح إني نسيت أظبط منبه الموبايل. زفرت نجوى نفسها بعتاب قائلة: طبعًا سهرانه طول الليل تشتغلي عاللابتوب، أهو جانبك عالسرير، ارحمي نفسك شوية. نفسي تاخدي إجازة وتسافري في أي مكان هادي تستجمي شوية. ضحكت "تاج" قائلة:

أنا لو سبت الشغل، أسبوع واحد هرجع ألاقي الشركة فوضى. آسر الغبي مفيش في دماغه عقل. الوضيعة ميسون مسيطرة عليه، كل اللي في دماغها تكون فلوس في البنك والسلام. تشتري أراضي وتستنى شهر سنة الارض سعرها يعلى شوية تعرضها للبيع. مفيش في دماغها هدف غير يكون حسابها في البنك بيزيد. غير كده ميفرقش معاها. تنهدت نجوى بأسف:

والله آسر صعبان عليا، حاسة إنه مش زي عمه قاسم شراني، بس وقع في إيد استغلالية. أوقات كنت بتمنى جوازكم ينجح، لكن هقول إيه؟ النصيب. ضحكت "تاج" قائلة: والله أحسن إنه فشل، أنا دماغي مش في الجواز. أنا هدفي هو اسم الشركة يعلى، ده طموح بابا. بس للأسف الوقت والظروف مسموح له يشوف اسم الشركة اللي أسسها بيعلى وبقى من أكبر شركات العقارات في مصر وقريب كمان في الوطن العربي والعالم كله.

آمنت نجوى على أمنيتها، لكن غص قلبها وهي تجلس جوارها تضع يدها على كتفها بحنان قائلة: يارب. وكمان بلاش تنسي نفسك، لازم يكون عندك بيت وولاد. فريد بيه لو كان عايش مكنش حصلك كل ده، وكان زمانك سعيدة مع… صمتت نجوى. بينما شعرت "تاج" بالآسي وغصة قلب، وهي تُخبر نجوى: جاسر رجع هنا تاني. أومأت نجوى قائلة: أيوه وقابلته وسلم عليا. حاسة إنه متغيرش زي قبل كده، لطيف. "لطيف". تبسمت "تاج" وسألت نجوى:

وشوفتي جاسر فين انتِ نادر لما بتخرجي برة المزرعة. أجابتها نجوى: شوفته هنا في المزرعة. تفاجئت "تاج" قائلة: واضح إنه مش بيضيع وقت. وطبعًا قالك إنه بقى مالك نص المزرعة ومش بعيد كمان يكون قالك إنه طلب يتجوزني. ذُهلت نجوى وبنفس الوقت انشرح قلبها قائلة: بجد! وافقي. تهكمت "تاج" قائلة: أوافق على إيه يا دادا؟ أنا قولتلك خلاص جواز تاني لاء… قصدي تالت. ضمتها نجوى قائلة: وليه لاء؟

استخيري ربنا وإن شاء الله هيقدملك الخير. قلبي حاسس إن جاسر لسه بيحبك والا إيه اللي يخليه يطلب يتجوزك. تهكمت "تاج" قائلة: معرفش سبب لطلب جاسر، بالذات إني عرضت عليه أي تمن لنص المزرعة. قلبي حاسس جاسر مش ناسي الماضي واللي حصل فيه. وقت ما قابلته لمح أكتر من مرة للماضي. يمكن عاوز يرد كرامته اللي ضاعت بجوازه مني. أنا مبقتش حمل فشل تالت، وكده حياتي أفضل. وهوسط أونكل خليل مرة تانية معاه يمكن يوافق.

غص قلب نجوى وهي تضم "تاج"، تشعر بألم قلبها كذالك غص قلبها من ناحية جاسر. بداخلها تمنت أن يعثر الاثنان على ما يسحقه كل منهما، وهما يستحقان بعض. *** بإحدى إشارات المرور أضاءت الإشارة الحمراء. فتوقفت السيارات متراصة. بسبب سرعتها بقيادة دراجتها النارية. لوهلة كادت تصطدم بإحدى السيارات لولا أن أوقفت الدراجة. فانتفض جسدها. لولا تمسكها بمقابض الدراجة ربما كان سقط جسدها وأصيبت بمقتل. بنفس الوقت، صدفة أم قدر؟

بعدما استطاعت الثبات، نظرت جوارها. صدفة. تعرفت على السيارة. كذالك سائق السيارة الذي نظر نحوها ولم يلاحظ انتفاض جسدها. لم يبالي. فهو لم يتعرف عليها. وكيف ذلك؟ وهي ترتدي زيًا رماديًا يشبه الصبية، كذالك تضع خوذة فوق رأسها حتى خصلات شعرها بداخل الخوذة. ظلت تنظر نحوه. وهو بنفس الوقت آتاه اتصال هاتفي. فقام بوضع سماعات الأذن يسمع إلى من تُحدثه: صهيب نزلت من غير ما تفطر. ابتسم قائلًا:

عندي ميعاد مهم مع شركة عقارات فرصة. لو فوزت بها هتنقلني لمنطقة تانية. ادعيلي. بمودة دعت له قائلة: ربنا يوفقك يا حبيبي ويقدملك الخير، عشان أطمن عليك زي بقية إخواتك. ابتسم قائلًا: آمين يا ماما ويديكي طول العمر. هقفل أنا بقي عشان إشارة المرور فتحت. مش عاوز أسمع من حد كلمتين باردين. ابتسمت له ودعت له بأمومة. أغلق الهاتف ونزع السماعة عن أذنه وأكمل طريقه يسير إلى جوار تلك الدراجة النارية. كل منهما يقترب من طريق الآخر. ***

بشقة والدة ليان. وهي تتصفح عبر ذاك الهاتف الخاص. تفاجئت بتلك الرسالة الوارد لبريدها الإلكتروني. فتحتها. سرعان ما جحظت عينها غير مصدقة. بالتأكيد الرسالة خطأ. لكن بنهاية الرسالة هناك رقم هاتف. بعرض الفضول لأكثر. قامت بالاتصال بذلك الرقم مما زادها دهشة من تلك التي ردت عليها وأكدت لها قبول الوظيفة. فرحة غامرة. حتى أنها طلبت منهم: طب ممكن تبعتوا لي نسخة من العقد بتاع الشركة. أجابتها الأخرى:

هستأذن من مستر فراس لو سمح لي هبعتلك نسخة العقد. ابتسمت قائلة: إن شاء الله هيوافق. هنتظر نسخة العقد. *** بمكتب فراس. دخلت تلك المسؤولة قائلة: مستر فراس، في واحدة من اللي كانوا متقدمين لوظيفة المحاسبة اتصلت عليا عشان تتأكد وطلبت إني أبعت لها نسخة من العقد عالايميل بتاعها. استغرب فراس ذلك، لكن سألها: ومين دي بقي اللي مكسلة تيجي لهنا الشركة وتمضي العقد. أعطته اسم ليان. خفق قلبه وسرعان ما ابتسم قائلًا:

تمام. هات ليلي رقم الموبايل بتاعها وأنا هرد عليها بنفسي. أعطته رقم الهاتف. رغم استغرابها، لكن لا يهمها الأمر. بالنهاية هي تنفذ ما يقوله لها.

لحظات قام فراس بالاتصال على رقم الهاتف، لكن استغرب من رقة من قامت بالرد عليه. حتى أنها سألته من يكون. فأجابها باسمه وأنه مدير الحسابات شخصيًا. لا تعلم لما شعرت بالراحة من حديثها معه. رغم أنهما لم يلتقيان، لكن الحديث الذي دار بينهما كان بسيطًا. اتفق أن يرسل لها نسخة من العقد وأن بإمكانها إمضاء العقد وإرساله، واستلام الوظيفة بداية من أول الشهر.

أغلقت والدة ليان الهاتف وبداخلها انشراح. فتلك فرصة لا تعوض. بينما أغلق فراس الهاتف وهو يبتسم ابتسامة خبيثة. *** بمنزل عمة تاج. بنزق ردت على زوجها الذي أخبرها: تعرفي قابلت مين امبارح؟ -مين؟ أجابها بإنبهار: جاسر الهواري، ده بقى واحد تاني خالص معرفتوش. هو اللي اتعرف عليا بقى باشا. تهكمت بنزق: باشا! السايس بقى باشا. الفلوس نضفته. وطالما بقى نضيف كده إيه اللي رجعه لهنا تاني. أجابها:

راجل لأهله طبعًا. بس تفتكري إنه ممكن يكون راجع عشان تاج؟ أكيد وصله إنها اتطلقت من جوزها التاني. أجابته بنفي متهكمة: انت بتقول إنه بقى شخص تاني وظهرت عليه النعمة. هيفكر في بنت يكون هو أول راجل يتجوزها مش يبقى التالت. هو تلاقيه هنا عشان يشوف مامته وأخته وهيرجع تاني. حتى لو اتجوز أكيد مش هتبقى الملعونة تاج. *** بـ فيلا آسر. بحقد في قلبها أغلقت الهاتف بعدما أغلق جاسر الهاتف. هتفت باحتقان:

مفكر نفسه شخصية. زي ما يكون هيدفع فلوس لو اتكلم زي الناس. نظر لها آسر سائلًا: مالك إيه اللي مضايقك عالصبح كده. أجابته بضيق: اللي اسمه جاسر ده شخصية عنجهية أوي. مفكر إننا مش عارفين أصله ولا إيه. ولا عشان بقى كون ثروة نسي إننا عارفين إنه كان سايس في مزرعة آل مدين. المفروض كان يشكرني عشان عرفته باجتماع أصحاب الأسهم في الشركة. لاء رد عليا بجليطة وقفل قبل ما أنا أقفل. لم يُبالي آسر قائلًا:

هو حر. إحنا لينا بس مصلحتنا. ومكنش المفروض تتصلي عليه بنفسك. كان سهل تقولي للمسؤولة اللي بلغتك بالاجتماع وهي تتصل عليه. بررت ميسون ذلك: أنا قولت أعرفه أنا. بصراحة كده أنا شايفه إنه داخل مجال الاستثمار بقوة. قولت نكسبه لصفنا ينفعنا قصاد المتعالية تاج اللي مفكرة نفسها نابغة في الاقتصاد. تنهد آسر قائلًا: مش عارف رد فعل تاج لما تعرف بإني بعت تلت الأسهم بتاعتي هتقول إيه. شوفتي رد فعلها لما قولنا إننا بعنا نص المزرعة.

نظرت له بسخط قائلة: وإنت يفرق معاك رد فعلها بأيه؟ إحنا أحرار… توقفت تنظر له بتجهم قائلة: ليه بحس إنك بتخاف من رد فعلها؟ لاء مش بتخاف، إنت زي لها قيمة عندك وبتخاف عليها. توتر آسر قائلًا: إنتي فاهمة غلط. بس إحنا استفدنا من شراكتنا مع تاج، وأنا مش عاوز تفهم إننا استغنينا عن قيمتنا في الشركة. تهكمت بتجهم ونزق قائلة:

يفهم اللي يفهمه. أنا زهقت من تحكماتها في كل حاجة تخص الشركة. حتى أخواتها حطاهم في الأماكن الهامة. أختها في الإدارة الفنية وأخوها في الإدارة المالية. وإنت يا فرحتي مبسوط إنك المدير العام للشركة. وهي المدير التنفيذي، وهي اللي ماسكة كل شئون الشركة. وهتعمل إيه يعني؟

سبق وبعنا قطعة الأرض اللي كنا شارينها في مطروح وهي متكلمتش. هي كمان ليها مشاريعها الخاصة بعيد عن الشركة وكل واحد بيدور على مصلحته. وإحنا كمان لازم نأمن مستقبلنا، ويبقى لينا شركة خاصة بينا تنافس شركة "الفريد". وافقها مسلوب العقل، لاحثًا خلف حنقاء. *** بعد قليل بالشركة بالإدارة الفنية. ابتسمت فايا لـ "تاج" التي دخلت عليها مبتسمة تقول بمرح:

الموتوسيكل بتاعك بسبب عربيتي اتخبطت في عمود في الجراج. هيتخصم حق تصليحها من مرتبك. ضحكت فايا قائلة: العيب في اللي بيركن مش في الموتوسيكل. واللي هتخصميه من مرتبى هاخده من أرباح الشركة. ناسيه إني شريكة بأسهم أنا كمان. تبسمت لها "تاج" قائلة: لأ مش ناسيه وكمان إنتِ المديرة الفنية. بصب بقى يا حضرة المديرة. أنا درست العروض اللي اتعرضت علينا وبصراحة في أكتر من عرض مناسبين لينا وده اللي أنا جايه لك بسببه. ضحكت فايا قائلة:

قولي كده من الأول وبلاش تتحججي بالموتوسيكل بتاعي. إيه المطلوب. ضحكت "تاج" قائلة:

أنا اتصلت على أصحاب العرضين اللي لقيتهم أفضل ومناسبين لينا وحددت لهم ميعاد مع الإدارة الفنية. وعاوزاكي بخبرتك بقى تقدمي لي تقرير بالأفضل فيهم، بعد طبعًا ما تشوفي إمكانيات ومكاسب كل عرض. وميعاد المسؤولين عن العروض دي النهارده. المشروع ده لو تم حسب تخطيطي هنبقى التوب في سوق العقارات. إنتِ عارفه إن معنديش ثقة في آسر. وبصراحة نفسي أشتري الأسهم بتاعته وتنتهي شراكتنا. بس طبعًا الوضيعة ميسون رغم إنها بتظهر إنها مش عاوزة تكمل معانا بس المصلحة وقت الجد بتخليها تتراجع. طبعًا رصيدها بيزيد من أرباح الشركة وده الأهم عندها. لكن إحنا عاوزين اسم "الفريد" يعلى ويعلى في السوق.

أومات لها فايا قائلة: اطمني. متأكدة إننا هنسترد شركة بابا ويرجع لينا إدارتها بالكامل ونخرج آسر والوضيعة من الشركة. ابتسمت لها "تاج": بتمني. هسيبك بقى. زمان المسؤولين على وصول. كمان عندي اجتماع مع آسر وحرمه ميسون. ضحكت لها وهي تغادر. بعد دقائق دلفت مديرة مكتب فايا، وأخبرتها أن أحد المسؤولين عن العروض قد وصل. أخبرتها بأن يدخل. بالفعل لحظات ودخل، لكن وقف متسمرًا يقول بذهول: فايا مدين. تبسمت قائلة:

كويس إنك منستنيش يا صهيب. *** بغرفة الاجتماعات. تأففت "تاج" من تأخير كل من آسر وميسون، اللذان دخلا للتو. تنهدت بضجر قائلة: أظن المسؤولة قالت لكم ميعاد الاجتماع الساعة عشرة. الساعة دلوقتي داخلة على عشرة ونص. أجابتها ميسون باحتقان: الطريق كان زحمة. نظرت لها "تاج" بنزق قائلة: آه وماله. خلونا نستغل الوقت عشان تلحقوا ترجعوا قبل الزحمة. نظرت لها ميسون قائلة: كمان مش إحنا بس اللي اتأخرنا. الشريك الجديد كمان اتأخر.

استغربت "تاج" بعدم فهم سائلة: مين الشريك الجديد ده كمان؟ قبل أن تُجيب ميسون سمعت "تاج" صوت فتح باب الغرفة. نظرت نحوه. كان عطره يسبقه قبل أن تراه وتقف متسمرة مكانها. ينطق قلبها باسمه. وهو يقترب منها بخطوات واثقة نحوها. فاقت حين أصبح أمامها ومد يده ليصافحها. نظرت ليده لوهلة قبل أن تمد يدها له، وهي تسمع تلك الرقطاء: مستر جاسر الهواري اشترى تلت الأسهم بتاعة آسر.

تفاجئت "تاج" بذلك ونظرت نحو آسر الذي لم يهتم ونظر نحو ميسون التي مدت يدها لمصافحة جاسر بعد أن ترك يد "تاج". لكن مازالت عيناه عليها. بعد لحظات جلسوا الأربعة خلف طاولة مستطيلة. نظرت "تاج" نحو آسر قائلة: واضح إن بقى في مخطط جيد لك. كان سهل تعرض عليا وأكيد مكنتش همانع أشتري أسهمك كلها. أجابها جاسر: واضح إنك مش مرحبة بوجودي كـ شريك. نظرت له قائلة:

ده بيزنيس. وأعتقد إن الأفضل هو الأحق. عالعموم ده مش موضوع الاجتماع. أنا طلبت إن الشركاء يجتمعوا لأمر تاني. هعرضه دلوقتي ومش مسموح بالاعتراض. واللي هيعترض يقدر يحدد تمن الأسهم بتاعته مقدمًا وأنا هشتريها بأي تمن. نظرة إعجاب من جاسر. ليس جديد عليه معرفة حنكة "تاج". بينما نظرت كره وحقد من ميسون. بينما نظرة آسر غير مفهومة.

سردت "تاج" لهم عن ذلك المشروع الضخم التي تنوي على إنشائه. وضحت كثير من الإمكانيات وكذالك المكتسبات على المدى البعيد للمشروع. كان الإعجاب يزيد بقلبه وعقله وهو يرا أنها أصبحت أكثر ذكاءً وحنكة. بينما ميسون تشعر بالغيرة من ذكائها الذي يثير إعجاب آسر أيضًا. بعد أن انتهت نظرت إليهم قائلة: أنا شرحت المشروع من كل الجوانب بالتفصيل. دلوقتي اللي موافق يخوض معايا التجربة بكل مخاطرها يقول. صمت آسر. بينما تفوه جاسر: أنا معاكِ.

نظرت له "تاج" وابتسمت. بينما ميسون، ببغض من ذكاء "تاج" الذي جعل جاسر أول المتحدثين، قالت: وإحنا كمان معاكِ. نظرت "تاج" نحو آسر الذي أكد موافقته هو الآخر. لاحظ جاسر نظرتها لـ آسر فشعر بالغضب. بعد قليل انصرف كل من آسر وميسون. ظل جاسر معها بالغرفة. نظرت له قائلة: الاجتماع انتهى. ابتسم وهو يقترب منها قائلًا: عارف، بس في موضوع كنا اتكلمنا فيه قبل كده مأخدتش القرار منك. بعدم فهم سألته: موضوع إيه ده؟

لو قصدك على نص المزرعة أنا جاهزة بالمبلغ اللي تقول عليه. إنت عاوز تتجوزيني ليه يا جاسر. جاوبها بكذب عكس حقيقة مشاعر قلبه الذي مازال يكن لها العشق: ست جميلة وصاحبة شخصية قوية ومن عيلة مرموقة وواجهة اجتماعية. لو كان جاوبها بكلمة واحدة كان اكتسب موافقتها في الحال، لكن جوابه كان سيئًا للغاية. تمركزت نظراتهم لبعض بصمت للحظات قبل أن تتفوه "تاج" بنبرة تذكير: كمان اتجوزت مرتين قبل كده، والا ده مش من ضمن المزايا عندك.

كور قبضة يديه بقوة ساحقة تكاد تنفر عروقه من أسفل الجلد. بينما استطردت "تاج" حديثها الجاف وقلبها ممزق: في بنات كتير عندهم نفس الصفات اللي انت قulتها مش دقيقة وأي واحدة فيهم تتمنى ترتبط بـ "الجاسر الهواري" نجم الإعلانات المشهور. إنت ليك شهرة عالمية وبسهولة تبقى نجم مش بس مصري كمان عالمي. في نجوم كتير بدأوا طريق النجومية بالمودلينج. فكر يا جاسر أنا كل اللي عاوزاه هو نص المزرعة وبأي تمن. أجابها بقطع:

لأ، سبق وقولتلك المزرعة غالية عليا. أنا قصدي على عرض إننا نتجوز. رفعت بصرها نحوه قائلة: وأنا سبق وقولتلك إن مش موافقة يا جاسر. رغم قهرة قلبه من رفضها للمرة الثانية، لكن لن يهزم مرة ثالثة. رفع يده بجرأة مسك أطراف خصلات شعرها ونظر إلى عينيها بعد تفكير قائلًا: عندي عرض أفضل… الأسهم اللي اشتريتها من آسر تبقى مهرك. ضحكت باستهزاء وقالت بمبالغة: مش شايف إن المهر ده غالي أوي. بنفاذ صبر أجابها باختصار: لأ.

-وأنا كمان لاء يا جاسر. يتبع….

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...