الفصل 12 | من 26 فصل

رواية سهم الهوى الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
27
كلمة
5,136
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

جلست فايا خلف طاولة الطعام. استقامت بنظرها نحو صهيب الذي جلس هو الآخر. يخلع تلك النظارة السوداء عن عينيه، وضعها جانبًا على الطاولة. حاولت إخفاء بسمتها. فالبرغم من مرور ساعات كثيرة، لكن مازال آثر ذلك البخاخ على وجه وعيني صهيب التي مازال لونهما شبه أحمر. لاحظ صهيب بسمة فايا. خفق قلبه، لكن ادعى العبوس وآلم عينيه من الضوء قائلًا: النور وجع عيني، هي هتفضل لحد إمتي توجعني؟ متأكدة إن اللي كان جوه البخاخ فلفل أسود مش لهب.

حاولت إخفاء بسمتها وأجابته: هو المفروض فلفل أسود، ومفعوله مش بياخد وقت كبير. هو الوجع لسه مراحش؟ هز رأسه بنفي قائلًا: واضح إن الفلفل الأسود مُركز ومجروش كويس. كان معاكِ ليه؟ كنت ناوية تصطادي قرش وتبليه وتعملي حفلة مشاوي؟ بس اللي أعرفه تتبيلة السمك بتبقى توم وكمون وليمون. لضحكتها سحر خاص. حين ضحكت قائلة: واضح إنك بتفهم في الطبخ. أومأ بموافقة قائلًا:

للأسف اتعلمت غصب بسبب فترة الجيش. الجيش مفيش حد بيساعد التاني، مش عشان ندالة لأ دي أوامر من القائد إخدم نفسك بنفسك، أكل وشرب وغسيل كمان. هقولك أنا كنت آخر العنقود ومتربي، اصحي من النوم ألاقي فطاري جاهز، كمان هدومي نضيفة ومكويه، بس اتسحلت في الجيش بقى، وغصب اتعلمت شوية حاجات أدبر نفسي بيهم. بس بعد ما خلصت الجيش ورجعت أعيش مع ماما، انتخت تاني. ضحكت فايا، رغم ذاك الحزن الذي مازال بعينيها. انتبهت قائلة:

عالعموم متقلقش، عالصبح كل الحرقان ده هيروح. عاود سؤالها بفضول: ليه كان معاكِ البخاخ ده؟ كمان قبل كده كان معاكِ صاعق ليه؟ شعرت بالعصبية والغضب وقاطعته قائلة: أنا بقول كفاية رغي عن البخاخ، مش قصة هي. خلينا نتفق بكرة لازم نروح لمكان المشروع عشان نبدأ تنفيذ من أول الشهر، كفاية كده ضيعنا وقت كتير. لاحظ تجهم ملامحها، كذلك نبرة صوتها بها غضب ملحوظ. لوهلة أراد أن يستفزها لمعرفة سبب ذلك، لكنها تعصبت.

بنفس الوقت أتى النادل يسألهم ماذا قرروا أن يتناولوا. أعطته ما تريد، كذلك صهيب فعل وهو ينظر إلى توتر ورعشة يد فايا حين أمسكت زجاجة المياه وسكبت القليل منها بكوب وتناولته بروية ومازالت رعشة يدها مستمرة. استغرب ذلك، وقارن عقله كيف تُشارك بتلك السباقات ويدها تكون متمسكة بقوة فوق المقابض، والآن يدها ترتعش وهي ممسكة بكوب مياه. كذلك في حالتها المزاجية التي تتبدل بلحظات. فضول أم شعور آخر يود فهم شخصية فايا.

بعد قليل انتهوا من تناول الطعام. نهضت فايا أولًا. سريعًا نهض خلفها قائلًا: الوقت لسه بدري، تحبي نتمشى شوية ونتكلم في تفاصيل المشروع. فكرت فايا للحظات في الرفض. لكن ألح صهيب قائلًا: الوقت لسه بدري، كمان أنا مش متعود عالنوم بدري. فكرت ثم أومأت بموافقة واشترطت قائلة: تمام، خلينا نتمشى بس بمكان عام. أومأ لها وأشار بيده أن تتقدم. سار الاثنان بمُنعطف قريب من البحر كان به بعض الأشخاص. الحديث كان عن العمل فقط.

شعر صهيب بإعجاب من خبرة فايا رغم صغر سنها، لكن تبدو ذات خبرة لا بأس بها. أثناء سيرهم بسبب نعومة رمال البحر وعدم انتباه فايا، تعثرت ووقعت. جاسية، لم تتألم لكن شعرت بريبة حين جثى صهيب يمد يده لها يساعدها كي تنهض. لكن نظرت ليده الممدودة ونهرته قائلة: إبعد أحسن لك. عاد يستغرب من ذلك. بينما هي نهضت سريعًا تنفض الرمال عن يديها ونظرت حولها. كان هنالك بعض المارة لكن شعرت بضيق قائلة:

خلينا نرجع الأوتيل وبكرة نكمل كلامنا في الطبيعة في الموقع. بالفعل عاد الاثنان إلى الفندق. ذهبا إلى الاستقبال، أخذا بطاقات فتح الغرف ثم توجها نحو المصعد الكهربائي. توترت فايا حين توقفا ينتظران قدوم المصعد. نظرت حولها بارتياب، ازداد حين دلفا إلى داخل المصعد. وضعت يدها فوق حقيبتها تضغط فوق ذلك الصاعق. لحظات مرت كأنها وقت طويل. كادت تشعر بالاختناق.

بمجرد أن توقف المصعد خرجت مسرعة دون حديث، مما أكد لصهيب أن هنالك خطب ما لم يفهمه. بسبب رنين هاتفه لم يأخذ وقت بالتفكير. بينما بيد مرتعشة فتحت فايا باب الغرفة بالبطاقة الممغنطة التي سقطت من يدها مرتين. لاحظ ذلك صهيب. دخلت فايا إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها. وقفت تضع يديها فوق موضع قلبها تحاول أن تتنفس بهدوء. دمعة سالت من عينيها وعقلها يسأل: –إلى متى سيظل تلك الذكرى هوس؟ لابد أن تتخطاها كما حدث سابقًا. وجواب من عقلها:

–ظننت أنك تخطيت ولكن بالحقيقة كان مجرد وقت. بمجرد أن عاد جزء من الماضي عاد نفس الهوس. وصراع غير محموم بعقلها وألم تشعر به مثل الصداع. فتحت حقيبتها وجذبت ذلك البرشام. سريعًا تناولت واحدة منه وارتشفت المياه. ألقت بجسدها فوق الفراش ودموع معذبة تسيل من عينيها. كلما لاحت صورة ذلك الوغد الحقير برأسها. لكن لن يهنئ بعودته ما لم تفعله بالماضي. بسبب ضعفها لن تتواني للحظة عن ذلك ولو وصلت إلى قتله.

لكن أولًا لابد أن تستعيد ما مُحي من ذاكرتها كيف ذهبت إلى القصر ذلك اليوم. *** بالمزرعة. انصدم عقل جاسر من ذلك المنظر رغم عدم وجود أي سبب. لكن جلوسها هكذا أمام ساقي خليل أثار عقله. دلف بخطوات غاضبًا. يشتغل. نظرت تاج نحو باب المكتب. سريعًا سحبت يديها من بين يدي خليل واستقامت واقفة حين رأت جاسر. شعرت بارتباك وارتياب أن يتعصب جاسر. نظرت نحو خليل الذي وقف هو الآخر يبتسم لـ جاسر الذي يستشيط غضبًا بهذه اللحظة.

يقترب من تاج بخطوات سريعة. لاحظ خليل عبوس ملامح تاج وجاسر أيضًا. شعر بأسف من حماقة ذلك العاشق وغيرته دون سبب. مد يده قائلًا: أهلًا يا جاسر، مبسوط إني قابلتك النهاردة. نظر جاسر إلى يد خليل وتغاضى عن مصافحته. ثم استهزأ قائلًا بإيحاء جاف: غريبة بترحب بيا في قلب بيتي؟ واضح إن العشم زايد عندك ومفكر إنك صاحب مكان. طبعًا مش المدام. توقف عن الحديث بعدما كاد يتحدث بفجاجة ويخطئ بحق تاج أمام ذلك الكهل. بعدما قاطعته تاج:

أونكل خليل مش غريب يا جاسر… و… لاحظ خليل احتداد النظرات بين تاج وجاسر. لو ظل معهم ربما يحدث احتداد أكثر. فقاطع تاج قائلًا: أنا لازم أمشي، مواعد صديق ليا مش عاوز أتأخر عليه. هنتظر الرد منك يا تاج. كادت تاج أن تتفوه وتقول له لا ترحل. لكن خرج مسرعًا فالإثنين الآن لابد أن لا يكون هنالك طرف ثالث معهم يثير عصبية أحد الطرفين. تابعت تاج بنظرها مغادرة خليل وإغلاقه للباب. عادت بنظرها إلى جاسر. تنهدت بصوت مسموع. ثم حسمت أمرها.

تجاهلت جاسر وسارت لخطوتين فقط قبل الثالثة جذبها من معصم إحدى يديها بقوة قائلًا باستهجان: على فين يا مدام؟ هتروحي وراه توصليه لباب العربية. شعرت تاج بالألم من ضغطة يد جاسر القوية. ولم تبالي بذلك الألم و… ورفعت عينيها تلاقت مع عيني جاسر الغاضبة. ابتلعت ريقها قائلة: لاء حاسة بصداع. هطلع آخد برشامة يمكن الصداع يخف. تهكم جاسر بغضب قائلاً: والصداع جالك فجأة؟ ولا يمكن وإنت بتقفي فجأة دوختي؟

أصل الوقفة مرة واحدة أوقات بيبقى لها توابع. حاولت سلت يدها من قبضته. لكن مازال يقبض عليها بقوة. تنهدت قائلة: سيب إيدي يا جاسر. أنا مش فاهمة تلميحاتك. إنت دخلت المكتب وشوفت أنا وأونكل خليل كنا…. قاطعها بغضب وهو يضغط على عضدها بقوة قائلاً باستهزاء مبطن: أونكل خليل… وأونكل خليل بقى كان هنا ليه في وقت زي ده. حاولت أن تكون هادئة ونظرت له قائلة: الوقت لسه بدري… و… قاطعها باستهزاء:

يا خسارة، كان المفروض تتمسك بيه يسهر هنا. سبق وقلتلك ممنوع. قاطعتها تاج بغضب وزهق: ممنوع إيه يا جاسر؟ الأسلوب بتاعك ده كفيل بتدمير حياتنا وأنا تعبت منه. استهزأ سائلاً: أسلوب إيه؟ أجابته بحدة: أسلوب التحكمات الفارغة. ممنوع تكلمي فلان وبالذات أونكل خليل، مع إنه الشخص الوحيد اللي وقف معانا بعد وفاة بابا و… قاطعها بعنف سائلاً: وإيه كمان؟ نظرت تاج لوجه جاسر ثم ليده التي تقبض على معصمها. ثم قالت بحدة:

أونكل خليل طلب يتجوز مامي. تبدلت ملامح جاسر من غاضبة إلى مشدوه. وتعلثم سائلاً باندهاش: قولت إيه! تمكنت من نفض يده عن معصمها قائلة: زي ما سمعت. وكفاية بقى يا جاسر أنا قربت أتخنق من تحكماتك اللي ملهاش أي هدف ولا لازمة. افتكر إني ما أجبرتكش. ليه يا جاسر؟ أنا ما غصبتش عليك، أنا كنت عايشة في هدوء. إيه معنى إنك تحول لحسابي في البنك المبلغ الكبير اللي كان تمن نص المزرعة؟ غرضك إيه تشتريني بيه؟

إنت عارف إن جوازي من قاسم مكنش طمع في أموال. كفاية بقى أنا… تلك الدموع بعينيها غالية. هو على يقين بصدق كلامها. هي لم تتزوج بقاسم من أجل الثراء. هناك سر يود معرفته ربما يستريح قلبه. ذهب نحوها وحاول ضمها. لكن هي ابتعدت عنه ترفع يديها تحاول أن تضغط على نفسها ولا تترك تلك الدمعة تخرج من بين أهدابها. لكن خانتها الدمعة وسؤال جاسر التي لن تستطيع جوابه: ليه يا تاج اتخليتي عني؟ وافقتي تتجوزي من قاسم؟

قوليلى السبب. متأكد إن مش أمواله السبب. نظرت له بأسف. مهما حدث لن تخبره بمساومة قاسم على سر فايا. وقالت: مافيش سبب. اعتبره النصيب يا جاسر. زي ما النصيب برضو إننا نتجوز. أنا عشت جوازتين فاشلين، تفتكر التالتة فشلها ممكن يفرق معايا. جحظت عين جاسر من فحوى حديث تاج. ماذا تعني؟ بل الجواب صريح. وهل تستطيع هي والسؤال؟ هل أنت تستطيع؟ ظلت النظرات بينهم صامتة للحظات قبل أن ينتهي ذلك الصمت حين سمعا صوت طرق من خلف باب الغرفة.

ثم دخلت نجوى إلى المكتب وهي تحمل صينية. واستغربت قائلة: جاسر، إنت هنا؟ وفين خليل بيه؟ أنا جبت له قهوته. اتأخرت لأن كنت نسيت. نظرا الاثنان نحو نجوى. سرعان ما نظر جاسر نحو تاج ثم غادر بلا حديث. لاحظت نجوى خروج جاسر بتلك الطريقة الصامتة. نظرت نحو تاج سائلة: في إيه؟ إنت اتخانقتي إنت وجاسر. صمتت تاج وجلست على أحد المقاعد تشعر بإنهاك. رأفت بها نجوى وجلست بجوارها. وضعت يدها على كتفها بمواساة قائلة:

هو كده الجواز في أوله بيبقى فيه شوية منغصات على ما الاتنين يفهموا طباع بعض. نظرت تاج نحو نجوى وسرعان ما شق وجهها بسمة أسف قائلة: وأنا وجاسر مش فاهمين طباع بعض. واضح إن كان لازم أصر على قراري بعدم الموافقة على الجواز من جاسر. أنا… قاطعتها نجوى وهي تربت على كتفها قائلة: إنت بتحبي جاسر وهو كمان بيحبك. هما بس شوية منغصات وهيزولوا. يلا قومي اطلعي خدي لك شاور يفوقك ومش هيفوت وقت وهتلاقي جاسر جاي ملهوف يصالحك زي زمان.

تهكمت تاج بأسف وطاوعت نجوى فقط كي لا تجادل. نجوى يكفي، لا تود سوى الهدوء. ذهبت إلى غرفتها. دَلفت تشعر بثقل في قلبها. تمددت على الفراش تسمح لتلك الدمعة أن تتوغل من عينيها اللتان اعتصرتهما بقوة وبأسف. عادت لها الذكريات التي تود دائمًا نسيانها. بالعودة ليوم زواجها من قاسم. قبل عقد القران بوقت قليل بغرفة المكتب بالقصر. وقفت تاج تقول لـ قاسم بكبرياء: فين الورقة اللي مضتها فايا. تهكم ضاحكًا وهو يجلس على أحد المقاعد قائلاً:

سبق وقلتلك مش هتاخدي الورقة قبل ما نتجوز رسمي. بغضب سحيق واشمئزاز نظرت له قائلة: وأنا كمان إزاي أثق إنك متغدرش وتفضل الورقة معاك. فكر قليلاً ثم قال: بسيطة، أول ما أمضي بدفتر كتب الكتاب هدي الورقة لـ خليل. لكن أي حركة غدر منك… الورقة التانية زمانها وصلت القصر برصاصة. سهل أدمره. شخص جاي يتهجم عليا في بيتي وطبعًا بدافع عن نفسي. بعدم فهم سألته: قصدك إيه؟ أجابها: حبيب القلب جاسر على وصول. يظهر عاوز يهنئك. استغربت

ذلك وخفق قلبها ونطقت: جاسر. ضحك باستهزاء قائلاً: طبعًا أنا بعتت له دعوة خاصة. بس وقت الجد هقول ده اتهجم عليا. شعرت تاج بالغضب الشديد من ذلك الوصولي الحقير وقالت: تمام يا قاسم. بس لو الورقة بتاع فايا مسلمتهاش لـ أونكل خليل مش همضي على دفتر المأذون. أومأ لها عيناه تلمع بانتصار. بعد قليل بحفل صغير لم يحضر مع تاج سوى خليل. وكانت المفاجأة لـ جاسر الذي حضر بنهاية عقد القران ولم يستوعب عقله ما رآه.

حين نظرت تاج نحو خليل بعدما أعطاه قاسم تلك الورقة. قرأها ثم أومأ بحسرة في قلبه من تضحية تاج. وسمع صرخة جاسر الذي ينهاها عن تحطيم قلبيهما. لكن نظرة قاسم كانت مرعبة ولا تود خسارة جاسر. بالفعل وقعت على قسيمة الزواج لتخور قوة جاسر وهو ينظر لها بانهزام. وهي حاولت عدم النظر له. ونهضت مع خليل إلى أن ذهبا إلى إحدى الغرف. أخذت الورقة من خليل. قرأتها شعرت بهدوء قليل ثم مزقت الورقة وذهبت إلى تلك المنفضة وقامت بإشعال النار بها.

بذلك الوقت استغل قاسم غياب تاج وقام بطرد جاسر وإهانته. لم جاسر لم يكن ضعيفًا فلكمه بقوة. وكاد يلكمه مرة أخرى لولا تدخل بعض الحرس. أخذوا جاسر. لكن بذلك الوقت عادت تاج ونظرت إلى الحراس ثم إلى جاسر وقاسم وقالت بأمر: جاسر هيمشي من هنا بدون أذية له. ضحك قاسم قائلاً: قدامك اطرديه من المزرعة. غير كده مفيش ضمان أتنازل عن تأديبه على تهجمه علي بيتي. بغصب من تاج وجهت حديثها نحو جاسر قائلة:

اخرج من المزرعة يا جاسر. كفاية كده خلاص أنا اخترت حياتي. أنا حياتي هنا في مزرعة بابا ومش هتنازل عنها لأي سبب. ضحك قاسم ونظر إلى جاسر بتشفي. سمعت بنفسك. اتفضل. مش معقول السايس ابن السايس يفوز ببنت الباشا. الكلام ده في الأفلام القديمة. لو مش خاطر مراتي مكنتش هتخرج من هنا على رجليك. إهانة جاسر صعبة عليه. والأصعب هو ضياع تاج. تاج هي الأخرى مثله تشعر بالغضب من طرده وإهانته لـ جاسر.

لكن ذلك الحقير جربت معه الرفض سابقًا وتلاعب بالشرف وكاد يفضح أختها. هو قادر على الطلب من أحد حراسه الكلاب بقتل جاسر. لا تود خسارة حياته. يكفي يعيش بعيد عنها أرحم من فقدانه. لم تعقب ولم تنظر إلى جاسر المهزوم اليوم وهو يغادر بلا روح. بعد قليل غادر خليل أيضًا. ظل قاسم وتاج فقط بالقصر. توجهت إلى غرفتها السابقة ودخلت. جلست فوق الفراش تشعر بألم جم بقلبها. لكن تفاجأت حين سمعت صوت مقبض الباب ورأت دخول قاسم. تهجم وجهها

ونهضت تنظر له بغضب قائلة: إيه دخلك أوضتي. تهكم ضاحكاً يقول: ناسيه إنك مراتي ولا إيه؟ إيه كان نفسك وأسيبلك المزرعة عشان إنت وابن السايس تتصرمحوا عالخيل سوا. في البداية شعرت بالغضب. لكن ماذا ظن ذلك الغشاش المحتال اللص الحقير المتصابي؟ أنه يستفزها. لكن ربما لا يعلم أنها التاج الذي يوضع فوق الرأس. نظرت له بكبرياء قائلة:

ابن السايس اسمه جاسر. وفيها إيه أما أتصرمح عالخيل معاه أظن شئ ميخصكش. ولو دلوقتي اتفضل اخرج بره الأوضة عشان عاوزة أغير هدومي وأنام. وبعد كده ياريت تحترم خصوصية الآخرين. تهكم ساخراً بنظرة فجة قائلاً بغطرسة: خصوصية الآخرين؟ بس إنت عارفه أنا مش معترف بخصوصية الآخرين بالذات إنت. وكمان أنا حبيت الأوضة دي حاسس فيها براحة وقررت إني أنام فيها. مش بس الليلة لما أكون هنا في المزرعة. لأ بفكر بعد كده أنقل إقامتي هنا.

تهكمت بضحكة سخرية قائلة: بتحلم يا قاسم إنك تقرب مني وتستحوز عليا. وتأكد في أقرب وقت هسترد كل أملاك بابا منك ووقتها إنت هتطلع من هنا مطرود. أوعي تفكر يا قاسم. أنا تاج فريد مدينتاج يتحط فوق الراس مش حقير غشاش زيك اللي يفكر يصفعني. الإيد اللي هتترفع وشي هقطعها. مبقاش عندي حاجة أخسرها. وزي ما قولت من شوية مش هتعاقب من القانون. عارف ليه يا قاسم؟

عشان هقول طبعًا إن إنت اللي انتحرت يا حرام. راجل عجوز اتجوز بنت أصغر منه وبكتير، هو أكبر من والدها طمع في شبابها بس كان راجل مهزأ معرفش إن البنت زي الفرسة آبيه وجامحة. فشل معاها ليلة جوازهم فحس بخيبة وقرر ينهي حياته بعد ما اتفضح قدامها وظهر حقيقته إنه ضعيف مش قد الجواز منها. يا حرام. وبعد كده هورثك وأسترد ثروة بابا اللي إنت سرقتها. شوفت يا قاسم إنك مش هتقدر على تاج بنت فريد مدين.

توقفت للحظات تستمتع بنظرات قاسم الخائبة وكذاك ذلك الخوف بعينيه حين فتحت صمام الأمان بالسلاح. شعرت بسعادة من ذلك. واستطردت حديثها بكبرياء: أنا تاج وزي اسمي أتحط فوق الراس. عمري ما أنداس ولا هسمح لحد يقرب من أي حد له مكانة عندي. عندك عشيقات كتير تقدر تروح لهم. لكن تاج محرمة عليك. نظرات الهزيمة واضحة على وجه قاسم. كاد يقترب ولا يبالي. لكن تاج كانت الأسرع ورصاصة سكنت ساعد يده. ثم قالت: التانية عاوزها فين؟

راسك اللي الشر مسيطر عليها؟ ولا قلبك اللي غزاه السواد؟ أنا مش بقول كلام في الهوا يا قاسم. شوف لك مكان تاني غير المزرعة نام فيه الليلة. عشيقاتك كتير. سهل أمر الحرس. ضحكت بتهكم وقالت: كويس إنك تنادي عالحرس عشان يجوا يشيلوا جثتك. متفكريش اللعب معايا سهل يا تاج. ضحكت قائلة بعنفوان وشجاعة وتهديد مباشر:

إنت اللي اخترت تلعب مع خصم خسر كل حاجة ومبقاش باقي. بوعدك إن كل اللي سرقته من بابا هيرجعلي وإنت اللي هتتحسر وقتها لما أثبت غشك وتدليسك وأدخلك السجن تكمل الباقي من عمرك فيه. يمكن وقتها إنت تنتحر بنفسك. تهكم قاسم بوعيد وهو يغادر الغرفة. ذهبت خلفه تاج وأغلقت باب الغرفة. وقفت تتنفس بتسارع. لكن ابت دموعها هذه المرة. شعرت بارتياح. لكن غص قلبها وهي تتذكر طرد جاسر. تعلم أنه لن ينسى ذلك. لكن يكفي أنه باقي.

عادت من تلك الذكرى السيئة على رنين هاتفها برسائل. فتحت الهاتف وسرعان ما خفق قلبها ببسمة من تلك الرسائل المضحكة المرسلة من فايا التي ربما هي الأخرى ليست أقل سوء منها. بتلك الشقة الخاصة بـ جاسر. دخل إلى غرفة النوم مباشرة يستشعر الغضب بداخله. مازالت تاج تحاول توصيل له أنها لم تعد تاج العاشقة له. أصبحت أخرى لا تهتم. ألقى بجسده على الفراش. نظر لجواره تذكر بالأمس كانت تاج بين يديه هائمة بليلة غرام خلابة.

والليلة هو بنفس الفراش وحيد. شعر ببؤس. يتمنى أن يعرف سبب زواج تاج من قاسم. كيف ولماذا تخلت عنه بعدما اتفقا على البقاء معًا. شيء حدث بالتأكيد. لكن ماذا؟ والجواب لديها فقط. بعد مرور يومين. لندع عبر خاصية خاصة بهاتفه كان يراقب ما يحدث بمكتبه بالشركة كذالك مكتب تلك الحمقاء الكسولة النائمة كالعادة. اشتاق لمناكفتها. فأقام بالاتصال عليها.

بسبب رنين الهاتف الذي كان جوارها فتحت عينيها بهلع تنظر حولها لثواني حتى فاقت من غفوتها ومازال رنين الهاتف مستمر. نظرت إلى شاشة الهاتف كان رقمًا غير معلوم. فكرت بعدم الرد. لكن مازال الرنين مستمر. قامت بالرد لتسمع استهجان فراس قائلاً: نايمة وسايبة الشغل اللي قولتلك تشتغلي وتخلصيه على ما أرجع. بغباء سألته: إنت مين أصلاً؟ وجبت رقم موبايلي منين؟ شعر بغضب قائلاً: الطرش كمان صابك؟ مش عارفة تميزي صوتي؟

أنا فراس وده رقمي الدولي. وطبعًا مفكرة إن إني غايب وهتنامي عالمكتب. اسمعي أنا خلاص راجع مصر بكرة بعد الضهر هكون في الشركة ولو الشغل اللي طلبته مخلصش هتشوفى رد فعل مش هيعجبك. قال ذلك وانهى الاتصال دون سلام. وضعت ليان الهاتف فوق المكتب بلا مبالاة في البداية. وكادت تنام مرة أخرى. لكن تذكرت حديثه فنهضت قائلة: هو عرف منين إني نايمة؟ ذمها عقلها قائلاً: أكيد المكتب فيه كاميرات. إزاي فاتت عليا دي؟

وبعدين هو ليه راجع بسرعة كده؟ هو لحق؟ ياااارب الطيارة تقع في البحر. لأ في المحيط. في مثلث برمودا ويفقد الذاكرة وميرجعش غير بعد ميتين سنة. بأحد المطاعم الفاخرة. تبسمت بدلال وهي تجلس. رحب بها ذلك الآخر. سرعان ما سألها: كنت مسافر الفترة اللي فاتت وعرفت إن كان في مشكلة حصلت وتراخيص المشروع اتسحبت. زفرت بضجر قائلة: كانت اتسحبت بس تاج والحقيرة التانية أختها عرفوا يرجعوا التراخيص. تهكم الآخر قائلاً:

واضح إن لهم قوة لا يستهان بها. تهكمت قائلة: مش قوة. بشوية وسايط من العجوز خليل. له مداخل كتير وهو الدراع اللي بيساعد تاج بعلاقاته. قولي الأرض برضوا لسه متباعتش؟ أومأ لها. ففكرت قائلة: عندي فكرة تضغط على تاج وممكن بسهولة هي اللي تطلب تشتري منك الأرض. أصغى لها سائلاً: وإيه هي الفكرة دي؟ تبسمت وأجابته: البدو. نخلق لها مشاكل مع البدو هناك. ليلًا بغرفة تاج. خلعت المئزر وتوجهت نحو الفراش. جلست عليه. تنفست باشتياق.

جاسر منذ يومين وهو لم يعود للمزرعة. لكن اطمأنت عليه من نجوى التي هاتفته وأخبرها أنه سافر لشراء أحد الخيول. تمددت على الفراش ونامت على ظهرها تفكر بشوقها لـ جاسر. حتى غفت من الظنون والتفكير. بعد وقت قليل. دلف جاسر إلى الغرفة. كانت شبه مظلمة. هناك ضوء خافت. نظر نحو الفراش كانت تاج غافية. ازداد شعور الألم بجسده وهو يسير نحو الفراش.

لكن للضعف الذي بدأ يتوغل من جسده كاد يتعرقل حين اقترب من تلك الطاولة الصغيرة المجاورة للفراش. فسند يده يستند عليها فسقط أحد التحف الكريستالية. تنبهت تاج وفتحت عينيها. نظرت نحو الصوت. سرعان ما نفضت دثار الفراش عنها ونهضت. لم تبالي بشيء سوى بلهفتها حين رأت جاسر يتكئ على تلك الطاولة وملابسه تبدو رثة. خفق قلبها بقلق وذهبت نحوه. وقفت جانبه تضع يدها على كتفه سائلة بقلق كبير: جاسر مالك إيه اللي حصلك. صمت جاسر.

بينما تركته يستند على تلك الطاولة وأشعلت ضوء الغرفة بالكامل. شهقت بقوة وهي تنظر إلى ذلك الدم الذي يسيل من جانب جبهته وقالت بقلق: جاسر إيه اللي حصل. تعالى إقعد عالسرير. نظر اليها للحظات ثم احتضنها بقوة. جسده الذي ترك ثقله عليها. تحملت ثقل جسده للحظة ضمته قائلة: جاسر اسند عليا لازم تاخد شاور. سند على كتفيها وذهبا إلى الحمام. توقفت أمام كابينة الاستحمام قائلة: جاسر حاول تسند على الحيطة ثواني بس. لو مش هتقدر.

صمتت حين استند على أحد الجانبين. دلفت إلى كابينة الاستحمام. قامت بضبط معيار درجة حرارة المياه ثم خرجت. كان الضعف عاد يتملك من جاسر. جذبته نحو كابينة الاستحمام ثم ازالت عنه ثيابه وفتحت صنبور المياه لتسيل على جسده. لوهلة ارتعش جسده عندما لامسته المياه. واتكأ عليها. خفق قلبها من تلك الكدمات الداكنة الظاهرة بجسده. ضمته سائلة بلهفة وقلق: قولي إيه اللي حصلك.

رغم شعوره بالوهن رفع إحدى يديه يزيل تلك المياه التي تنساب على وجهها وشفتيها. ثم جذبها من عنقها يقبلها بشوق عاشق يشعر بالوهن يغزوا جسده.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...