بعد تناول العشاء مع هذين الاثنين، دار بينهما حديث خاص حول بعض الاستفسارات الاستثمارية. رغم صغر سنه، كان لبقًا واستطاع أن يحصل على إعجابهم. نهضوا بعد وقت. وقف أحدهم يمد يده لمصافحته، بعدها أشاد بذكائه ثم تفوه بمديح: "أنا أثق بعقلية السيدة تاج كثيرًا، وكما أخبرتني عبر الهاتف أنك الأفضل حقًا." رد فراس بمجاملة، لكن بداخله هتف: "أه لو جاسر سمع منك الكلمتين دول كان شرب من دمك كاسات."
بعد قليل، في غرفة نوم بشقة خاصة بأحد أحياء لندن الراقية، تمدد فوق الفراش يتنهد بشعور جديد. لأول مرة يشعر بالرغبة في الانتهاء من مهمته هنا والعودة إلى مصر سريعًا. سابقًا كان يتكاسل ويبقى لبضع أيام كنوع من الترفيه، لكنه يشعر بالسأم من البقاء هنا، يود العودة الآن. قاوم ذلك الشعور وهو يحاول النوم. رغم الإرهاق، سرعان ما ضحك وهو يتذكر تلك "البلهاء الكسولة" ويترقب رؤيته لها بظهيرة الغد. ***
ترك شفتيها، وضع جبينه فوق جبينها يتنفس بصخب، يهمس باسمها. وهو ما زال يتكئ بجسده عليها، وهي ما زالت واقفة تضمه كذلك تتنفس بصخب. أغلقت المياه وجذبته للسير خارج كابينة الاستحمام. جذبت معطفًا قطنيًا وقامت بوضعه حول جسده، ومنشفة صغيرة جففت بها خصلات شعره وهو مستسلم، أو ربما يود ذلك. الشعور بها تهتم به...
خرجا إلى غرفة النوم. ذهبت به نحو الفراش، ساعدته حتى جلس. نظرت نحو مكيف الهواء بالغرفة، سرعان ما جذبت جهاز تحكم عن بعد وقامت بإغلاقه. ثم سألت جاسر: "إنت المفروض تتعرض على دكتور، هتصل على... توقفت قبل أن تذكر اسم خليل لثوانٍ، ثم قالت: "هتصل مستشفى يبعت لنا دكتور... قاطعها رغم شعور الألم القوي بجسده قائلًا: "لأ، أنا كويس بس هاتيلي مسكن للصبح." "مسكن إيه يا جاسر، إنت مشوفتش الكدمات اللي في جسمك كمان...
قاطعها بإصرار وهو يحاول الاعتدال فوق الفراش يئن بألم، قائلًا: "تاج، أنا كويس، محتاج مسكن بس والصبح هبقى كويس." غصبًا، امتثلت تاج وذهبت نحو أحد الأدراج، جذبت برشام مسكن قائلة: "اتفضل، ده مسكن ألم بس... قاطعها قائلًا: "برشامة واحدة مش هتجيب مفعول، هاتي اتنين." شهقت قائلة: "اتنين بس دي مفعولها قوي." نظر لها، فتنهدت باستسلام وأعطته برشامتين، قائلة بتأكيد: "اتفضل، بس الصبح هنروح المستشفى."
أومأ بألم وتناول البرشامتين. وخلفهما المياه. نظر نحو تاج قائلًا: "غيري هدومك كلها ميه وكمان نشفي شعرك لتبردي." ابتسمت بغصة قائلة: "تمام يا جاسر."
ذهبت نحو ملحق الثياب بالغرفة، بدلت منامتها بأخرى. عادت، نظرت نحو الفراش. كان جاسر قد غفى، أو هكذا ظنت. وضعت يدها على جبهته. تنهدت براحة، فحراته طبيعية. تبسمت بتفاجؤ حين مسك جاسر يدها وقبلها، ثم جذبها للنوم بجواره على الفراش. تمددت لجواره. برغم ألم جسده الذي بدأ يهدأ قليلًا... لكنه جذبها لتصبح قريبة منه. وبإرادة منه، وضع رأسه فوق صدرها وغفت عيناه...
تنهدت تاج بألم وهي تضع يدها تمسد على خصلات شعره، وهو يزول عن جسده الألم مستسلمًا للنوم فوق صدرها، متنعمًا بدقات قلبها. *** في اليوم التالي، صباحًا بمرسى مطروح. ذلك الموقع. كانت هي الفتاة
الوحيدة بين ثلاثة رجال: صهيب واثنان آخران عاملان بحراسة الموقع. كانت تشعر بتوتر وارتباك. لاحظ صهيب ذلك، كذلك تعرق وجهها الغزير. رغم أن الطقس ليس حارًا، كذالك تضع قبعة فوق رأسها. كان مراقبًا لها أكثر من انتباهه لشرح هذين العاملين. بينما هي، رغم ارتباكها وتوترها وهي مع هؤلاء الثلاثة وحدها بمكان صحراوي، لكن تمثلت بالهدوء. حتى لاحظت اقتراب أحد الرجال وهو يتهجم عليهم بالسباب متحدثًا بثقة: "ارحلوا عن أرضنا بسلام."
نظرت له متهكمة تقول: "أرض مين يا أخ؟ الأرض دي ملك لشركة تاج الإنشائية. معانا سندات ملكية الأرض، كمان تراخيص بناء. لو ممشيتش من هنا أنا هطلب لك البوليس." كاد ذلك البدوي أن يتهجم بالحديث، لكن لجمته حين أخرجت سلاحًا ناريًا وصوبته نحوه قائلة: "قدامك فرصة تخرج من الأرض، والا هضربك بالرصاص ومش هيجي عليا أي مسؤولية. أنا مستثمرة والأرض متسجلة باسم الشركة، وإنت اللي جاي تتعدى على الأرض." تهكم البدوي ضاحكًا يقول بإثارة غضب:
"معاكِ ثلاث رجال وإنتِ اللي بتتحدتي بدلهم، من متى الحريم هما اللي بيدافعوا عن الأرض." أجابته بحِدة: "الحريم بتدافع لما يكون اللي قدامها يكون مش راجل وجاي عاوز مشاكل، وده مش هتكسب من وراه. الأفضل لك تمشي بعيد." قالت ذلك وقامت بإطلاق رصاصة بتصويب أسفل قدميه... هلع البدوي وعاد للخلف ينظر لها بتفاجؤ مرعب. بينما ذُهل صهيب من ذاك، ولاحظ رعشة يديها، كذلك عصبيتها وهي تقول بغضب:
"يلا بره الأرض. متفكرش إنها سايبة. في قانون في البلد والأرض ملك شركتي بالقانون بسجلات رسمية. روح شوف الغنم بتوعك بدل ما الديب ياكلهم."
سبها ذلك البدوي بسب نابٍ. تعصب صهيب وبلا تفكير اقترب منه وجذبه من تلابيب ثيابه وقام بلكمه أكثر من لكمة. حاول البدوي الدفاع عن نفسه، لكن صهيب كان الأقوى وأعطى لذلك البدوي لكمات كثيرة قبل أن يحاول العاملان نهيه. حين حاول أحدهم جذبه بعيد، والآخر ذهب نحو البدوي الذي فر هاربًا يسب ويتوعد بالرد بطريقة قاسية... نظرت نحوه فايا... كان رهابها قد زال عنها وهي تقترب منه قائلة: "خلاص، الجبان هرب. بس إيه اللي خلاك تضربه."
نظر لها بسخط قائلًا: "مش سمعت شتيمته الحقير. يا ريت المسدس كان معايا، مكنتش أترددت أضربه في نص راسه الغبي ده." ابتسمت فايا. بينما تحدث أحد العاملين: "ده واضح إنه شخص متسكع، ممكن كان بيعمل كده كنوع من التهديد والابتزاز. ولو عطناه مبلغ صغير كان سهل نتجنبه، بل كان ممكن نشغله هنا في الأرض أي حاجة." تهكم صهيب بسخط قائلًا: "ويشتغل إيه بقى...
اللي زيه ده ملوش في الشغل، له في الوقاحة والابتزاز. وأنتم واقفين مفيش حد فيكم فكر يرد عليه." أجابه أحد العاملين: "منقدرش نرد عليه. إنت متعرفش قوانين البدو صارمة وربنا يستر." نظر له بسخط كذلك فايا التي تعجبت من رد فعل صهيب. استأذن العاملان وتركا تاج وصهيب وحدهما لوقت. عادا للتحدث حول المشروع حتى شعرت فايا بالإرهاق. شعر صهيب بذلك، فنظر لها قائلًا: "قربنا على العصر وأنا من الصبح مأكلتش، وأنتِ أكيد جوعتي زيي."
أومأت له بتوافق قائلة: "تمام، خلينا نرجع للفندق، كده خلاص إنت شوفت أرض المشروع على الواقع." أومأ لها بإشارة من يده أن تتقدم أمامه.
بعد قليل بتلك السيارة، جلست فايا بالمقعد الخلفي وجلس صهيب بالمقعد الأمامي جوار السائق. لاحظت أنه يتحدث بمزح مع السائق. حتى تلاقت عيناهما عبر زجاج مرآة السيارة الجانبي. ظلت للحظات قبل أن تحيد النظر وتنظر نحو الطريق. بعد قليل، وصلا إلى مطعم الفندق. جلسا خلف إحدى الطاولات يتناولا الطعام بحديث حول المشروع، لكن صهيب كان بداخله سؤال، بما فضول منه يود معرفة إجابته من فايا. تنحنح سائلًا بلا مقدمات:
"أتفاجئت إن كان معاكِ سلاح؟ ليه دايمًا ماشية ومعاكِ سلاح." استغربت من سؤاله قائلة: "محسسني إني مافيا... قاطعها قائلًا: "لأ مش مافيا، بس قبل كده كان الصاعق وده يعتبر سلاح برضه، والنهاردة مسدس. ليه بحس إنك عندك فوبيا حد يقرب منك." توترت وارتعشت يدها وهي تجذب كوب المياه التي تساقطت منه بعض القطرات وكاد يسقط من يدها. لاحظ صهيب ذلك فمسك كوب المياه. تركت فايا الكوب ووقفت بغضب قائلة:
"مالكش تدخل في خصوصياتي، إنت مجرد مهندس مسؤول عن مشروع، بلاش تتخطى حدودك معايا." قالت ذلك بغضب وغادرت، بينما ظل صهيب جالسًا يستغرب رد فعلها الجاف والمبالغ فيه لثاني مرة معه. زفر نفسه بحيرة لا يعلم سببها. *** بأحد المشافي، كان حديث الطبيب مطمئنًا حين قال:
"الحمد لله، الإشاعات بتظهر إن العلامات اللي في جسمك مجرد كدمات بسيطة وهتزول، ومفيش كسور. هو خلع في الكتف اليمين وأنا رديته لك، بس هيفضل الألم كام يوم. بالعلاج هيزول. كمان حاول متستعملش إيدك كتير، كمان استعمل حامل طبي لكام يوم عشان عضلات الكتف تلتحم بسرعة. هكتبلك نوع مسكن ألم ومعاه باسط للعضلات ليومين مش أكتر وبعدهم تمارس حياتك عادي، بس هو مترهقش جسمك لفترة أسبوعين كده." أومأ له جاسر ونظر نحو تاج ببسمة، ثم نهض قائلًا:
"تمام، شكرًا يا دكتور." غادر الاثنان المشفى بالسيارة. كانت تقود تاج تشعر براحة بعدما شبه اطمأنت على جاسر الذي نظر لها قائلًا: "قلتلك مكنش له لازمة نجي للمستشفى، لكن إنتِ أصررتي. سمعتِ كلام الدكتور." نظرت له بعناد قائلة: "أه سمعت، وأنت كمان سمعت. قال إن كتفك كان مخلوع وكمان كنت محتاج لعلاج، وياريت تمتثل لكلام الدكتور وبلاش تعاند. رغم إني لغاية دلوقتي معرفش سبب اللي حصلك." ابتسم قائلًا: "وقعت من على الحصان."
تركت النظر للطريق ونظرت له بذهول قائلة: "مستحيل! ضحك قائلًا: "ومستحيل ليه؟ أجابته ببساطة وثقة: "مستحيل تقع مع أي حصان حتى لو مش متروض وشرس. إنت عندك مهارة عالية في التعامل مع الخيل. بس براحتك، يمكن مش عاوز تقولي." ابتسم ونظر نحو الطريق ثم نحوها قائلًا: "كنت هعمل حادثة بالعربية، العجلة فرقعت وأنا كنت عالطريق وفقدت السيطرة على العربية والطريق كان ترابي وجنبه أراضي زراعية. نطيت من العربية." شهقت بخضة وهي تنظر له قائلة:
"الحمد لله إنك بخير." ابتسم وهو يضع يده فوق فخذها قائلًا: "الحمد لله. إحنا رايحين فين دلوقتي؟ شايف الطريق ده مش طريق الشركة." أجابته: "إحنا راجعين المزرعة، زي الدكتور ما قال: إنت لازمك راحة، ولازم ترتاح." نظر لها بسؤال: "وشغلك في الشركة." أجابته وهي تنظر إلى الطريق قائلة: "يتأجل، كمان معنديش شغل مهم." كاد لسانها ينطق وتقول أنه أهم شيء لديها، لكن حاجز الصمت بينهم منعها...
كذالك هو ود أن يقول ذلك. كان اعتراف لها أنها أغلى ما يمتلك، وأنه بالأمس كان قريبًا من منزل والدته وكان يستطيع الذهاب لها تعتني به، لكن هو أراد أن تشعر به وبضعفه الذي يحتاجها دون غيرها. لم يخجل بأن يتعرى أمامها من قوته بالأمس، كان ضعيفًا محتاجًا لها فقط. *** بالشركة قبل العصر بقليل.
بالرواق المؤدي إلى مكتبه كان يسير. بداخله ترقب لرؤية تلك الكسولة البلهاء. سرعان ما ضحك حين دلف إلى المكتب كما توقع. كانت تضع يديها فوق المكتب وفوقهم رأسها غافية...
تنهد بمكر وهو يقترب من مكتبها. وقف قليلًا يتأملها. ليست جميلة للغاية، بل صاحبة جمال متوسط. شعرها القصير التي تنسى تصفيفه أحيانًا كثيرة. ملامح وجهها الصغيرة ووجهها الصغير. من يراها لا يعطيها أكثر من خمسة عشر عامًا، وربما عقلها توقف عند هذا العمر أحيانًا يشعر بذلك حين يتجادل معها. ثوانٍ وفاق من ذاك التأمل لها. وفكر بعبث. ضرب سطح المكتب بقوة من جوار أذنها...
فتحت عينيها بفزع ونهضت واقفة تنظر حولها بريبة. أخفى بسمته بصعوبة وحاول التمثيل بجدية موبخًا: "إنت نايمة في أثناء العمل، واضح التسيب يا آنسة. فوقي وتعالي ورايا على المكتب فورًا." هدأت قليلًا ثم نظرت له ثم تحدثت بخفوت: "هو إيه اللي رجع الغبي ده؟ مش زي بقية رجال الأعمال ليه اللي كنت بسمع عنهم يروحوا لندن يقعدوا أسبوعين يشقطوا في بنات الإنجليز." ظنت أنه دخل إلى مكتبه ولم يسمع حديثها الآبلة، فضحك قائلًا:
"بنات الإنجليز باردين. فوقي من التوهان اللي أنتِ فيه وتعالي ورايا." انفجرت عينيها قائلة: "هو سمعني إزاي؟ يمكن أنا كنت بتكلم بصوت عالي ومخدتش بالي. أما أروح أشوفه عاوز إيه، يمكن زهق مني وهيرفدني بعد ما شاف نشاط بنات الإنجليز." بالفعل دخلت، وجدته يجلس خلف مكتبه. وقفت تتثاءب. نظر نحوها وأخفى ضحكته. سرعان ما ادعى الصرامة قائلًا: "فين تقرير الملفات اللي قولتلك تراجعيها قبل ما أسافر لـ لندن." نظرت له ببلاهة سائلة:
"أي ملفات دي؟ وهمها بتعصيبه قائلًا: "ملفات الحسابات." تذكرت قائلة: "اه افتكرت. أنا بعتهم لمدام لميس تراجعهم ولسه مبعتش التقرير. هروح أستعجلها." شبه تضايق قائلًا بتعسف: "أنا قولت إنتِ اللي تراجعي الملفات وتكتبي تقرير، وده يعتبر تقصير منك في العمل ولازم عقاب مناسب." تنهدت بارتياح قائلة بتسرع كأنها وجدت الخلاص: "عقاب مناسب... هترفدني." بصعوبة سيطر على ضحكته قائلًا باستفزاز:
"طبعًا لأ، بينا عقد وله شروط. بس هكتفي بخصم من مرتبك، ودلوقتي هاتيلي قهوة وكمان تقرير الملفات من مدام لميس." ضربت الأرض بقدميها بعصبية قائلة: "اطلب القهوة من الساعي، أنا مش تخصصي القهوة. كمان أنا مرهقة ومحتاجة إجازة قد شهر." "شهر؟ " قالها فراس وهو ينهض من خلف المكتب يتوجه نحوها قائلًا بتأكيد: "مرهقة! مرهقة من إيه؟
ده أكتر من تلتين شغلك مدام لميس اللي بتخلصه. ودلوقتي روحي هاتلي قهوة، خمس دقايق لو مكنتش القهوة قدامي على المكتب كمان تقرير المراجعة، أنا هحولك على الشؤون القانونية للشركة بتهمة التقصير في العمل ودي فيها جزاء. ممكن كمان أتهمك بالاختلاس من أموال الشركة وأقدم بلاغ بده في النيابة و... ارتعبت قائلة: "وإيه لسه؟ ده افتراء... التهم دي ممكن توصلني للسجن." تبسم غصبًا يقول: "متقلقيش، هناك هتنامي براحتك ومحدش هيزعجك." ضيقت
عينيها بغيظ قائلة بتهكم: "هنام في السجن... لأ، أنا هروح أجيبلك القهوة والتقرير من مدام لميس وأبقى أنام في بيتنا." ضحك وهي تغادر، يسمع همسها وهي تسب بكل شيء. *** اليوم التالي، ليلًا. بغرفة تاج وجاسر، ساعدته بتبديل ثيابه إلى أخرى. ثم جذبت حامل الكتف وكادت تضعه حول عنقه، لكن قال لها: "مالوش لازمة، أنا هنام."
وضعته مكانه. نظرت نحو جاسر الذي ذهب وتمدد نصف جالس على الفراش. أعطته برشام دوائي، أخذه منها وابتلعه، ثم أخذ من يدها المياه. شرب القليل ثم أعطى لها الكأس، وضعته فوق طاولة جوار الفراش. كادت تذهب، لكن تحدث جاسر بسؤال: "مش هتنامي؟ للحظة فكرت بتردد. هي لا تشعر بالنعاس، لكن قالت باستسلام: "هنام."
تبسم حين ذهبت للناحية الأخرى واستلقت على الفراش. اشرب برأسه ينظر لها، ثم برغم ألم جسده، لكن جذبها لتقترب منه. نامت على جانبها، تنظر له ببسمة. بادلها البسمة ورفع رأسه قليلًا، وضع قبلة ناعمة على وجنتها قائلًا بنبرة دفء: "تصبحِ على خير."
ابتسمت بنعومة وهي ترد عليه. ثم ساد الصمت. ظلا بينهم تواصل بنظرات العيون فقط لثوانٍ قبل أن تُغمض عينيها. رغم ذلك لم تغفُ. ظلت هكذا لدقائق ثم فتحت عينيها. نظرت نحو جاسر، كان يغمض عينيه، ظنته غفى. نظرت له للحظات تشعر بدقات قلبها تتزايد. نحت عينيها عن النظر له، اعتدلت نائمة على ظهرها. للحظات، عقلها بغفوة. لا شيء يشغل عقلها. عادت النظر نحو جاسر، وضعت يدها على شفتيها تستشعر قبلاته لها قبل وقت قليل. تنهدت بحيرة تشعر أنها لم
تعد تفهم جاسر. سابقًا كانا يفهمان بعض من مجرد النظر لأعين بعض. صمت جاسر يزيد من حيرة قلبها. تشتاق لكلمة حب وغزل ممن كان يقولهم لها سابقًا. اعتدلت برأسها ونظرت إلى سقف الغرفة تتنهد باحتياج لأن تفهم ما تمر به. حائرة، سيصل بها إلى أي منعطف...
عادت النظر نحو جاسر، كان ما زال يغمض عينيه. تنهدت لا تشعر بالنعاس. فكرت، ثم نهضت من فوق الفراش. ذهبت نحو زجاج الشرفة، أزاحت تلك الستائر. نظرت نحو الأفق البعيد. كانت تلمع تلك النجوم القليلة والصغيرة بلمعان خافت. أخفضت رأسها قليلًا، سرعان ما تبسمت وهي ترى تلك جالسة فوق أرجوحة بالحديقة. لم تفكر كثيرًا. تركت الستائر. نظرت نحو جاسر، كان مغمض العينين. أخذت مئزرًا وارتدته فوق منامتها، ثم خرجت من الغرفة. بمجرد أن فتحت باب الغرفة، فتح جاسر عينيه وتنهد باشتياق لضمها بين ذراعيه يبثها أشواقهُ...
أزاح الغطاء عنه ونهض ببطء، متخذًا القرار، سيذهب خلف توق قلبهُ... *** قبل دقائق، بغرفة فايا. شعرت بالضجر وبعض الهلاوس حين حاولت النوم. فتحت أحد أدراج طاولة جوار الفراش وأخرجت ذلك البرشام. نظرت له بتردد، لكن حسم التردد: "لما باخد الحباية بشوف هلاوس أكتر."
نهضت من فوق الفراش، ذهبت نحو زجاج الشرفة وأزاحت الستائر. نظرت للخارج، كانت السماء شبه معتمة. لفت نظرها تلك الأرجوحة التي تحت مظلة بالحديقة. فكرت قليلًا، ثم اتخذت القرار. تذكرت ليالي قديمة كانت تجلس فوق تلك الأرجوحة تشعر بالهدوء النفسي... جذبت دثارًا خفيفًا من فوق فراشها وخرجت. ذهبت تجلس فوق تلك الأرجوحة لدقائق حتى رأت قدوم تاج عليها. تبسمت لها قائلة: "جاسر نام." أومأت لها برأسها...
تبسمت فايا حين جلست تاج بجوارها على الأرجوحة. سرعان ما ألقت عليها طرف الدثار قائلة: "الجو فيه نسمة باردة." تبسمت تاج وتدثرت هي الأخرى. جلسن يتحدثن بمرح. لكن فجأة شهقن الاثنتان بفزع حين قفز فراس من خلف الأرجوحة وجلس في المنتصف بينهن، يضحك على فزعهن... صفعته فايا على كتفه بقوة قائلة: "فزعتنا يا حيوان." ضحك قائلًا: "إنتم اللي رغايين ومحستوش بيا." نظرت له تاج:
"مش هتكبر عالحركات دي. تتسحب زي الحرامي. بعدين إيه اللي صحاك دلوقتي؟ مش كنت نايم." تثاءب قائلًا: "معرفش إيه اللي صحاني فجأة من النوم." نظرت له فايا قائلة: "يمكن بتحب ومشغول بالك." ضحك فراس قائلًا: "ياريت." ضحكت فايا وغمزت لـ تاج، ثم سألت فراس: "آه من الحق. قولي إيه حكاية البنت السكرتيرة الجديدة اللي في مكتبك دي؟ كل ما أجيلك المكتب ألقاها نايمة. أتصل على مكتبك ترد عليا وهي بتتاوب." ضحك قائلًا:
"دي اتوظفت مع المحاسبين الجداد. هي كسولة شوية بس بدأت تتعلم الشغل." غمزت تاج قائلة: "وإيه اللي يخليك تستحمل كسلها؟ ارفدها." تحابث قائلًا: "لأ، في عقد بينها وبين الشركة. لو اترفت بدون سبب هندفع لها شرط جزائي وخسارة فيها." ضحكن الاثنتان وفهمن أن فراس متمسك بها لسبب ما... بنفس اللحظة، وضعن الاثنتان رؤوسهن فوق كتفي فراس الذي تبسم لهن. تحدثت فايا بمرح: "اصلب ظهرك كويس لأكتفك يميل بينا." تنهد بقوة قائلًا بحنان أخوي:
"لأ، اطمنوا. عمر كتفي ما يميل بيكم... بالذات إنت يا سفروته حتة قد كده، إنما تاج طبعًا عود البطل." تبسم له، سرعان ما صفعته فايا بخفة على صدره قائلة: "طب اتلم بقى." ضحك فراس قائلًا: "لو سمعتِ العميل الإنجليزي وهو بيمدح فيها، كنت عاوز أقوله لو جاسر سمعك مش هكتفي بقطع لسانك." تذمرت تاج بمرح وتبسمت فايا قائلة:
"كفاية بلاش سيرة الإنجليزي ولا عود البطل، لأحسن جاسر جاي علينا ولو سمعك بتقول كده على تاج مش بعيد يسافر لندن يفقع للعميل عينه ويقطع لسانه، وإنت هتبقى عود لوحدك." تبسم قائلًا: "وعلى إيه دي أختي الكبيرة ولازم أحترمها قدام جوزها." ضحكن. بينما خفق قلب تاج ووقفت قائلة بسؤال ولهفة: "إيه اللي صحاك." ابتسم وهو يقترب قائلًا ببساطة: "صُحيت، يمكن من حظي الجو حلو الليلة. خلونا نسهر إحنا الأربعة زي زمان."
وافق كل من فايا وفراس، وامتثلت تاج لذلك. جلس الأربع يتذكرون لمحات سعيدة من الماضي، وبعض الألعاب الصبيانية لهم قبل أن تنجرف الطرق... سهرة بسيطة بينهم الأربعة. مر معظم الليل سريعًا. *** قبل وقت قليل. عبر زجاج شرفة غرفتها رأت جلوس فايا وحدها. غص قلبها عليها آسفًا وفكرت أن تنزل تجلس معها، لكن تراجعت حين رأت تاج تقترب منها وجلسن معًا، ثم مشاغبة فراس لهن كعادتهن.
معهن تبسمت بدمعة عين وهي تتذكر طفولتهم وحنين فريد لأن يعود لم شملهم مرة أخرى بمكان واحد، لكن حين تحقق ذلك الحنين، سرعان ما زالت السعادة ورحلت... تنهدت شوقًا لحبها الوحيد... بنفس الوقت سمعت طرقًا على باب غرفتها. سمحت بالدخول... دخلت عليها نجوى وتبسمت لها قائلة: "إنتِ لسه صاحية." أجابتها: "أيوة... وكنت جاية لك مخصوص. عاوزة أتكلم معاكِ في موضوع." تنهدت قائلة: "عندي إحساس بالموضوع اللي هتكلميني فيه. بلاش وتعالي شوفي."
اقتربت نجوى من زجاج الشرفة ونظرت إلى مكان تلك الأرجوحة وتبسمت قائلة: "زي عادتهم القديمة." تنهدت جنات بآسف: "كان أمل فريد نرجع نعيش كلنا من تاني مع بعض، بس للأسف اللي حصل دمرنا كلنا... بالذات تاج. قلبي حاسس إنها مش سعيدة مع جاسر. في شيء ناقصهم." تنهدت نجوى قائلة بمواساة: "لأ، مفيش شيء ناقصهم. والدليل قدامك أهو، شوفي." نظرت جنات، سرعان ما تبسمت وهي ترى جاسر انضم لهما جوار تاج. كذالك ضمه لها، شعرت بارتياح قائلة:
"نفسي في حفيد من تاج وجاسر، يمكن ده اللي يزيل الحاجز اللي بينهم." تفوهت نجوى: "مفيش حاجز بينهم ولا حاجة. إنتِ اللي بسبب الفضا الكتير بقي عقلك يخيلك حاجات مش موجودة... تعالي نقعد نتكلم براحتنا." جلسن على أحد المقاعد. نظرت نجوى لها، فهمت جنات نظرتها وصمتت. بينما نجوى تحدثت قائلة: "ليه مش موافقة على الجواز من خليل بيه." تنهدت جنات بآسف قائلة: "بصراحة قلبي لسه مشغول بحب فريد و... قاطعتها نجوى قائلة: "وإيه يا جنات؟
فريد الله يرحمه مش مطلوب منك تنسي ذكراه، لكن إنت لسه عايشة وجميلة وبصحتك و... قاطعتها جنات: "أيوه جميلة وبصحتي الحمد لله، بس مش صغيرة عشان أفكر في الجواز وأنا في السن ده. أنا قربت أبقى جدة." تبسمت نجوى قائلة:
"ربنا يحقق لك أملك. بس ده مش سبب للرفض. خليل طول عمره إنسان خلوق، من أيام المرحوم فريد وهو أوفى صديق. حتى بعد وفاته متخلاش عنكم وفضل قريب من الولاد وهو اللي رشدهم أكتر من فريد. وعيالك بيحبوه وله مكانة خاصة عندهم، يعني مش هيضايقوا من جوازك منه." عارضتها جنات: "كلام الناس يقولوا عليا إيه؟ تحدثت نجوى بهدوء:
"كلام الناس مش بيخلص يا جنات. وافتكري الفترة اللي قبل ما الحقير قاسم ينجح في مساومته لـ تاج كان فين الناس والأصدقاء دول؟ الكل بعد عنكم. فكري في نفسك، ليه ترفضي فرصة ربنا بعتها لك؟ ولادك كل واحد فيهم هيبقى له حياة. عارفة إن ده شيء يبسطك وكمان عمرهم ما هينسونكي. بس كمان ليه متدوريش ع الونس؟
بلاش تعملي زيي والعمر يمر بيكِ. لما اتوفى جوزي الأول أنا كنت لسه شابة، جربت حظي في جوازة تانية بس كان شخص أناني مقدرتش أتحمل واطلقت. قولت مش هتجوز تاني خلاص، بس كنت غلطانة. يمكن لو كنت اتجوزت كان ربنا رزقني بأولاد يسندوني لما أشيب أكتر. بس وقت كان مر الوقت. لو مش حنان ولادك عليا يمكن... تدمعت عين نجوى... وضعت جنات يديها على كتفها قائلة: "والله أنا أوقات بغير منك لما بلاقي ولادي قريبين منك عني."
تبسمت نجوى بامتنان قائلة: "دول ولادي... الحمد لله. خلينا في موضوعنا. عاوزاكِ تفكري... خليل شخص محترم ونبيل وفرصة، ومتأكدة عمره ما هيسئ لك أو لحد من ولادك... بلاش ترفضي لمجرد هواجس ملهاش مكان." لمعت عين جنات بوميض. تبسمت لها نجوى وضمتها بسعادة. *** فتحت تاج باب غرفة النوم ودخلت، ثم خلفها جاسر الذي يضحك هو الآخر، يشعر كأن الماضي عاد لليالي قديمة مشابهة لهذه الليلة. ذهب نحو الفراش وتمدد عليه يشعر بسعادة...
كذالك تاج خلعت ذاك المئزر وتمددت على الفراش بجواره. فرد لها ذراعه السليم، فهمت غرضه واقتربت منه، وضعت رأسها على ذراعه. ضمه له برغم بعض الألم البسيط في ذراعه الآخر. وضعت يدها على صدره، شعر بحرارة وصخب في قلبه. امتدت يده إلى أزرار منامة تاج التي رفعت وجهها، نظرت لوجهه وتبسمت بقبول وهي تشعر بيده تنتهي من أزرار منامتها. أزاحها عن جسدها، وكذالك فعل بمنامته. ضمها لصدره العاري وبدأ يقبلها وهي تتجاوب مع قبلاته ولمساته حتى ذاب الاثنان بالغرام.
*** اليوم التالي، صباحًا. بالشركة، دخلت ميسون إلى مكتب تاج. وقفت لها مديرة مكتبها فسألتها: "تاج في مكتبها." أجابتها باحترام: "لأ، مدام تاج بقالها يومين مش بتيجي الشركة." استغربت ميسون ذلك وسألتها: "ليه؟ أجابتها المديرة: "اللي عرفته إن جاسر بيه عيان ومدام تاج طلبت مني أبلغها بأي شيء مهم فقط." تهكمت ميسون قائلة: "أه تمام... خلاص مش مهم."
غادرت ميسون بعجرفتها. ذهبت نحو مكتب آسر فتحته ودخلت، لكن تفاجأت بعدم وجوده أيضًا. فكرت بمهاتفاته لكن أرجأت ذلك وفكرت بمكر. لما لا تذهب بزيارة خاصة للاطمئنان على جاسر بنفسها. *** بالمزرعة، بغرفة تاج. لحظات غرام اختلسها الاثنان بسعادة... قبلات صباحية تحولت إلى لقاء عاطفي شامل بعنفوان الغرام بقلبيهما... لمسات جاسر غصبًا تجعلها تشعر بالاحتياج للمزيد من المشاعر الذي يجتاح بها مشاعرها...
تتجاوب مع عنفوانه. رغم أنه أحيانًا يميل للعنف المقبول، تستطيع تحمل ذلك منه. ربما خشونته تلك تجعلها تشعر بسطوته عليها. بعد وقت، ما زال يشرف بجسده عليها. وضع قبلة اعتزاز فوق شفتيها، وتنحى نائمًا بظهره على الفراش. جذبها يضمها لصدره، وهي الأخرى عانقت عنقه بيدها. ما زالت أنفاسهم متسارعة... هدأت قليلًا... لم تعد تفكر تاج، فقط تود أن تبقى معه هكذا دون قيود ولا حدود. هي ما زالت عاشقة للجاسر. ربما تغير وعليها قبول ذلك.
جاسر يود أن يكسر قيد لسانه، لما لا تعترف لها أنك ما زلت عاشق. اتخذ القرار وضمها وهم
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!