استأذنت حليمة وتركت عزت وغزلان لوحدهما بالغرفة المزينة، فقد تفنن عزت بتزيينها، فهذا اليوم الذي كان يحلم به طوال حياته. تقدم نحوها بهدوء، أما الأخرى فما زالت دموعها تغرق وجنتيها بصمت دون أن يشعر بها عزت. رفع ذقنها لينظر إلى وجهها الذي اشتاق إليه، ليصدم برؤيتها تبكي. أغمض عينيه بغصة ومسح دموعها برقة هامسًا أمام شفتيها: "مبروك." مسحت دموعها ونظرت إليه مطولًا بصمت.
ابتعد عنها الآخر محاولًا التحكم بمشاعره، فلطالما كان يمنع نفسه عنها. أما اليوم فهي زوجته، ملكه وخاصة به، لكن لا، لن يفعل هذا الآن، لن يجبرها على شيء. ستكون له لكن بإرادتها. سمع صوتها الباكي لتغرز سكينها بصدره: "أنت عملت كده ليه يا خالو؟ شعر بأنفاسه تهرب منه، شيء ثقيل يطبق على صدره، ليقول مبتسمًا ببهوت: "هو في عروسة بتقول لجوزها خالو؟ ردت بانفعال لم يعهده منها: "عشان أنت خالي، والجوازة دي أنا...
أنا معرفش حصلت إزاي. أنت... أنت فاهم الجوازة دي يعني إيه؟ صمت ولم يجبها، بل تهرب بعينيه منها. اقتربت منه لتدير وجهه إليها: "بص لي هنا يا خالو، قول لي إن ده محصلش. قول لي إنك هتفضل خالي دايمًا، سندي في الدنيا دي، اللي ربتني وكبرت على يدك. قول لي إن كل ده كابوس وبس عشان خاطري." عزت: "جوزك يا غزلان، افهمي بقى. أنا جوزك وهفضل جنبك لحد آخر يوم في عمري، جنبك وفي ظهرك." صاحت به بدموع تناثرت:
"لا لا، أنا مش عايزة كده. أنت مش ممكن تبقى جوزي." باغتها بقبلة عميقة وعنيفة، والأخرى تحاول إبعاده دون جدوى، ليبتعد عنها بعد لحظات وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة، لتجلس على الأرض بانهيار. أما هو فلم يحتمل مظهرها هكذا، ليلتقط مفتاح سيارته ويغادر. ********* "بتعملي إيه؟ قالتها هنا لشمس التي تنظر لصورة، لتخفيها بسرعة وتقول بحرج: "ولا حاجة." هنا: "مش هتخليني أشوف صورته؟ شمس بارتباك: "هو... هو مين ده؟ هنا: "مش دي صورة جوزك برضه؟
شمس: "لا... أنا... أنا... أنا... هنا: "هو أنتِ سبتي جوزك ليه؟ لو بتحبيه للدرجة دي." أبعدت شمس نظرها عن الأخرى وتغيرت ملامح وجهها. لتقول هنا: "أنا آسفة إن كنت قلت حاجة زعلتك." شمس: "لا أبدًا يا هنا ما قولتيش حاجة. بس أحيانًا البعد أحسن لينا وبيحافظ على مشاعرنا وكرامتنا اللي بتنتهك كل ثانية مع اللي بنحبهم." هنا:
"بس البعد ضعف، أنتِ بتتخلي عن حاجة أنتِ عايزاها ومحاولتيش تحافظي عليها. بصي مثلًا لا سمح الله لو زعلت من رؤوف في يوم، مش ممكن أبعد عنه. عارفة هعمل إيه؟ هتمسك بيه، هتكلم معاه، هعاتبه، هفهمه زعلي على إيه ومن إيه." شمس: "الكلام مش هينفع في ظروفي." هنا: "والهروب كمان مش هينفع." شمس: "بس أنا ما هربتش يا هنا." هنا: "هو أنتِ شايفة نفسك ما هربتيش لما جوزك ما يعرفش مكانك؟ شمس: "هو أنا مضايقاكي بقعدتي عندكم؟ هنا:
"لا طبعًا أنا مش قصدي كده. أنا آسفة ما كانش قصدي اللي أنتِ بتقولي عليه ده والله." شمس: "ولا يهمك." هنا: "أنا والله بس كنت عايزة أريحك بدل ما أنتِ كل الوقت ماسكة صورته كده، وشايفة الزعل في عينيكي. صدقيني أي ست لازم تدي جوزها فرصة واحدة على الأقل عشان ما تخسرهوش، وأنتِ فكري في ابنك يا شمس." شمس: "... هنا: "يا شمس لازم تقعدوا تتكلموا، وافتحوا قلوبكم لبعض." شمس: "خلاص يا هنا، إحنا هنطلق، ما بقاش ينفع الكلام ده." هنا:
"بس هو رافض الطلاق." شمس: "مصيره يوافق." هنا: "ما أظنش يا شمس، ما هو واضح إنه متمسك بيكي." شمس بغصة: "متمسك بيا عشان أم ابنه." هنا ابتسمت بسخرية: "عشان أم ابنه؟ لا أنتِ فاهمة غلط. ما فيش راجل بيتمسك بست عشان هي بس أم عياله." شمس: "قصدك إيه؟ هنا: "قصدي هو متمسك بيكي أنتِ يا شمس وعايزك أنتِ. فكري بكلامي كويس. أنا هروح أعمل الأكل." لتكمل بابتسامة: "عشان أنتِ عارفة رؤوف لما يجوع يقلب إزاي."
ابتسمت شمس ببهوت وغاصت في ذكرياتها مع عاصي، وأخذت تفكر بكلام هنا لها. ******** في المستشفى. عثمان: "عاصي، روح يا ابني ارتاح شوية. خلاص عمك بقى كويس." كان عاصي يضع رأسه بين يديه يحاول تجميع شتاته، ليقول لعمه: "أنا بجد محتاج أرتاح يا عمي، أرتاح لفترة كبيرة من كل حاجة." عثمان ربت على كتفه: "ربنا يعينك يا ابني. قوم روح يا ابني." نهض عاصي وقال: "لو جد حاجة بلغني يا عمي ماشي، وأنا هكون عندك الصبح بدري."
أومأ له عثمان برأسه ليغادر الآخر، وأخرج هاتفه واتصل بتميم. تميم: "أيوه يا عاصي." عاصي: "عرفت مين اللي عمل كده؟ تميم: "خالد النجوي يا عاصي، دخل في مناقصات وهمية وخسر عمي أحمد كل حاجة، عشان كده تعب وخدوه المستشفى." جز عاصي على أسنانه ليسمع صوت تميم: "هنعمل إيه دلوقتي؟ عاصي: "سيبني أفكر وهبلغك. أكيد مش هنسيب خالد يتمادى معانا أكتر من كده." تميم: "ماشي يا عاصي، سلام."
عاد عاصي إلى منزله ليقول لإحدى الخادمات أن تعد له القهوة، واتجه إلى غرفته هو وشمس. فتح الخزانة ومرر يده على ملابسها وأشيائها وكأنها تعمدت أن تترك كل الأشياء التي تذكره بها. أخذ قطعة ثياب واستنشقها بعمق وكأن شمس بين يديه. قطع شروده الخادمة التي استأذنت وقدمت له القهوة، ثم غادرت وتركته غارقًا في ذكرياته معها.
وبعد لحظات، شعر بنفسه يتعرق بشدة، أنفاسه بدأت بالتسارع. ليسمع الباب يفتح وخطوات نسمة الهادئة تتقدم نحوه، كانت تضع الزينة وكأنها عروس بيوم زفافها. تقدمت نحوه بقميص نوم يظهر مفاتنها لتجلس على حجره وتحيط عنقه بدلال هامسة: "وحشتني." لم يدع لها مجالًا لقول شيء آخر ليعتليها. ******* "عمران قوم رجع مراتك، زمانها هتموت عشان ابنها." حازم: "خليها تتربى يا عمران." عمران:
"حازم، أنت عارف أهلها وطباعهم، قوم هاتها واجمع عيلتك، كفاية لحد كده، لو مش عشانها عشان ابنك." حازم: "... عمران: "اسمع كلامي يا حازم، خلاص بهية أكيد حرمت." حازم: "سيبه كمان شوية، أنا عايز أربيها يا عمران، عايزها تحرم تعمل كده تاني. أنا بحبها آه، بس ما بحبش كمية السواد اللي جواها، لازم بهية تنظف، لازم تتغير." عمران: "وأنت فاكر البعد هيغيرها؟ ده ممكن يقسيها أكتر. قوم يا حازم، قوم يا أخويا ربنا يهديك ربنا يهديك."
ليقاطعهم صوت هاتف عمران وكانت هند تبكي. هند: "الحقني يا عمران، عهد تعبانة جدًا." انتفض عمران من مكانه بقلق: "مالها عهد فيها إيه؟ هند ببكاء: "مش عارفة، سخنة قوي، تعالى بسرعة." عمران: "طب طب اهدي اهدي يا هند، وأنا مسافة السكة وهكون عندك." هند بشهقات: "بسرعة يا عمران بسرعة عشان خاطري."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!