تحميل رواية «شمس الانصاري» PDF
بقلم آية عبده
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحدى مدن الصعيد يجلسون مجموعة رجال في بيت صغير من دورين يحيطه جنينة صغيرة ومن الخلف اسطبل حصنه. تشبه الفلل بتراث صعيدي. جالسون في صالة المنزل. نفخ مطاوع بغضب: وبعدين بقي دي تاني طلبية تتكشف. من أين؟ أجابه مطاوع وهو بنفس غضبه: مش عارف والله، إيه حكاية. والخساير مش قليلة. مطاوع: أمال لو كنا بنتاجر في بودرة كان حصل إيه؟ دحنا بنتاجر في سلاح بس، وسلاح مش حرام. رفع أحدى حاجبيه بغضب: لازم نشوف حل، أكيد فيه خاين وسطنا. أشار له مطاوع: اسكت، شمس وصل. دخل ذلك الرجل بهيئته، مرتدي تلك العباءة الصعيدية وال...
رواية شمس الانصاري الفصل الأول 1 - بقلم آية عبده
في أحدى مدن الصعيد يجلسون مجموعة رجال في بيت صغير من دورين يحيطه جنينة صغيرة ومن الخلف اسطبل حصنه. تشبه الفلل بتراث صعيدي.
جالسون في صالة المنزل.
نفخ مطاوع بغضب: وبعدين بقي دي تاني طلبية تتكشف.
من أين؟
أجابه مطاوع وهو بنفس غضبه: مش عارف والله، إيه حكاية.
والخساير مش قليلة.
مطاوع: أمال لو كنا بنتاجر في بودرة كان حصل إيه؟ دحنا بنتاجر في سلاح بس، وسلاح مش حرام.
رفع أحدى حاجبيه بغضب: لازم نشوف حل، أكيد فيه خاين وسطنا.
أشار له مطاوع: اسكت، شمس وصل.
دخل ذلك الرجل بهيئته، مرتدي تلك العباءة الصعيدية والقفطان وبيده تلك العصايه، جلس على إحدى الأرائك.
شمس: السلام عليكم يا رجال.
مطاوع: وعليكم السلام يا ولد عمي.
مبارك: وعليكم السلام يا شمس.
تثاءب شمس ومسح جبينه بإحدى كفيه، لعله يزيل بعض ألم رأسه.
شمس: إيه جايبكم من على صبح كده؟
مطاوع: جاين نشوف حل في بضاعة اللي انكشفت دي يا شمس.
شمس: خلاص الموضوع اتحل، واشتغلوا في طلبات جديدة.
مبارك: كيف؟ يعني نشتغل وفي خونه معانا يا شمس؟
شمس: خونه دول أنا عرفتهم وحسابهم معايا، وعرفت اللي كان بيشتغلوا لصالحه.
نظر مبارك باهتمام لشمس: مين يا شمس؟
شمس: الرائد بتاع القسم اللي حدانا في بلد، كان مسلط شوية رجالة يساعدوه.
مبارك: يبقى جني على روحه.
أشار بسبّابته في وجه مبارك: ملكش صالح بيه يا مبارك، سيبهولي.
مطاوع: شمس دي شايف حاله، ومن أول ما اتنقل من مصر ومسك هنا وهو شايف نفسه. إحنا عمرنا ما نخاف من حكومة، دي آخر حاجة نفكر فيها.
أدار وجهه يحك عينيه، يكفيه من ألم الصداع.
شمس: عارف، وأنا اتصرفت خلاص.
مبارك: إيه سويت يا شمس؟
شمس: نقلته مصر تاني من خلال معارفي.
مطاوع: ما يكفي يا شمس، كنت قلي اقتله.
وقف شمس بغضب، اتسعت بؤرة عينيه ليقول بغضب: شمس أبو سليم الأنصاري لا ليه في قتل ولا مخدرات، افهمت يا مطاوع.
انحنى مطاوع بنظره للأرض: سامحني يا ولد عمي، مقصدش.
شمس: ماشي.
مبارك: لكن يا شمس، الحكومة ما تيأس مننا، بيجبولنا رائد جديد.
شمس: هههعع، يجيبوا يا مبارك، شمس ما بيخاف.
ابتسم الآخر ابتسامة ثقة: عفارم يا صاحبي.
مطاوع: طيب نسيبك إحنا، سلام عليكم.
شمس: وعليكم السلام.
اتجه إلى دواره بعدما أنهى حديثه معهم.
بالداخل:
خارجة من المطبخ فلمحته خارج من الصالة.
سعاد: واه يا شمس، أنا لسه مطلعة عليك فوق، كنت نايم.
التفتت إليها شمس بابتسامة: صباح خير يا أما. صحيت أشوف مطاوع ومبارك.
سعاد: طيب يا ولدي، زين ادخل غير خلقاتك على محضر الوكل.
أومأ برأسه على الموافقة: ماشي، حغير وأصلي وأنزل يا أما.
***
في قسم الشرطة يجلس رجلان في مكتب.
ضابط محمد: خلاص، أنا جبت آخري مع بلد دي.
ضابط محمود: وإيه الحل إذا كان القيادة في مصر مطنشين الموضوع، مش قادرين عليهم.
ضابط محمد: أنا حقدم استقالتي.
ضابط محمود: أهدي يا محمد، مش دي الحل، إحنا نكلم الإدارة تاني، يبعتلنا رائد جديد غير اللي اتنقل.
محمد: حيمشوه زي اللي فات، والي قبلهم.
محمود: نعمل اللي علينا، نبلغهم إن البلد مفهاش أمن.
ابتسم ابتسامة تريقة: الأمن بيحققه شمس الأنصاري.
ضرب كفاً على كف ليقول بتريقة: الراجل ده غريب، منين بيتاجر في سلاح ومنين بيحارب تجار مخدرات، والقتلة والمغتصبين، وقطاع الطرق، ههههه، دي بيساعدنا نقبض عليهم. دي حجج بيت الله، إزاي يجمع ما بين التدين اللي هو فيه ده وبين تجارة السلاح.
محمد: بيقول إن تجارة سلاح مش حرام، كل واحد ورأيه. المهم كلم الإدارة في مصر، وأنا خارج، وابقى بلغني حيقوولولك إيه.
في مصر، في أحدى الأحياء الثرية، تحديداً في نادي الظباط.
يجلسون بعض الظباط المتخرجين الجدد، يجلسون في صالة لتعليم الفنون القتالية.
دخلت تلك الفتاة بهيئتها التي تدل على عنفها الشديد، دخلت تحت أنظار الطلبة، منهم من يتفقد جسدها المثير، ومنهم من يتابع شخصيتها القوية، ومنهم من يتابع تلك العيون الجذابة.
تلك المرآة الحديدية كما يسمونها.
جذت على أسنانها بغضب حتى تنهي تلك النظرات التي تشد من غضبها.
ثم صاحت وهي ترفع إحدى العصي بيديها كنوع من بدايتها للقتال: جاهزين؟
أجابها جميع الطلاب بصوت واحد وعالي: جاهزين يافندم.
وبدأت تعلمهم فنون قتال.
بدأت كعادتها تستعين بطالب حتى تتقاتل معه وليتعلم بقية الطلبة.
رفع جميع الطلاب أيديهم، فجميعهم يتسارعون لتختاره هو، فمجرد اختيارها لأحد الطلبة يعتبر تميز له، أن تختاره تلك المقاتلة الحسناء.
لمحت تلك الطالب الأجرب الذي لاحظت نظراته لها منذ أن دخلت، وعلى شفتيه تلك الابتسامة المستفزة.
أشارت له بإحدى يديها لتسمح له بالتقدم إلى الساحة لتبدأ معه القتال.
اقترب بابتسامة ساذجة، ثم تقدم وسط صيحات بقية الطلبة، فجميعهم يحسدونه على اختيارها له.
اقترب منها بابتسامة يتفقد جسدها، التي دارته بتلك البدلة البيضاء.
أشارت بيديه ليبدأ هو في القتال.
اقترب ببطء شديد، وفي لحظة واحدة، بدون شعور، اقتربت منه تلك المرأة لتوقعه على الأرض مرة واحدة.
ليسقط على كتفيه يتأوى من شدة الألم.
نظرت له بتشفٍّ، فحقا هو يستحق ما حدث له.
ألقت بنظراتها إلى بقية الطلبة وكأنها تقول بعيونها: اللي حيعمل زي الحيوان ده حيجراله كده.
تركت الصالة بعنف بعدما أنهت تدريبها وذهبت لتبديل ملابسها.
دخلت حجرة الملابس لتبدل بدلة الكاراتيه، وارتدت بنطلون جينز وقميص أبيض عليه جاكت جينز كت، وارتدت شنطتها ووضعت سماعات الأذن وخرجت متجهة إلى الخارج.
التفتت على تلك الصوت يناديها.
عقيد: رفعت.
ملك: رفعت.
التفتت سماعة الأذن ونظرت له بابتسامة: أهلاً سيادة العقيد.
رفعت: عقيد إيه؟ هو انتي عشان كبرتي ودخلتي كلية الشرطة وبقيتي رائد حتنسي إني عمك واني كنت بشيلك زمان.
ابتسمت ملك بخفة له: ههههه لا يا عمو، أبداً، إزاي حضرتك.
رفعت: تمام، إزاي سيادة اللواء الجندي.
ملك: بابا بخير الحمد لله.
رفعت: مش حترجعي الإدارة بقي.
ملك: قريب يافندم.
رفعت: تمام، سلميلي على سيادة اللواء لغاية مشوفه بنفسي.
ملك: حاضر، تشرفنا يافندم.
رفعت: انتي بتيجي هنا ليه؟
ملك: تدريب الظباط الجدد، هنا.
رفعت: ربنا يعينك، طالعة لأبوكي.
ملك: شكراً يافندم، بعد إذنك.
رفعت: اتفضلي يا ملك.
اتجهت إلى بوابة النادي متجهة إلى سيارتها الجيب، واتجهت إلى المهندسين حيث مكان فيلتها.
ضربت الجرس وفتحت لها الدادة بتاعتها.
أقبلت عليها بحضن ثم قبلت رأسها: السلام عليكم يا داده.
داده: وعليكم السلام، حمد الله على السلامة يا ملك، انتي كويسة؟
ملك: أيوه كويسة يا داده. هو كل يوم حوار ده؟
اقتربت منها بقلق: مش أطمن عليكي.
ملك: تطمني على إيه بس يا داده.
داده: المفروض إنك بنت، عارفة يعني إيه بنت؟ مش ظابطة ورايحة تلعبي كاراتيه ومصايب اللي بتحطي نفسك فيها دي، مش للبنات خالص.
قالت ملك بغضب: المصايب دي شغلي يا داده.
داده: شغل إيه بس، مالها كلية الطب ولا الهندسة، مش كان أحسن من مخاطر دي وقلبي اللي بيدق كل متخرجي لحد مترجعي.
اقتربت منها محاوطة كفيها بيديها: داده دي شغلي وأنا بعشقه ومش حغيره، ومتخفيش عليا، المهم فين سيادة اللواء.
أشارت بيديها: في المكتب.
اتجهت إلى المكتب بعدما أنهت حديثها مع تلك السيدة في العقد الخامس من عمرها.
طرقت الباب بلطف حتى لا تزعج والدها ثم دخلت.
كان يجلس ذلك الرجل في العقد السادس من عمره، متقاعد، لا يفارق الكرسي المتحرك.
دخلت محاوطة رأسه بكفيها الصغيرتين.
ملك: سيادة اللواء، بتعمل إيه؟
محمد الجندي والدها: ملك، حمد الله على السلامة يا حبيبتي.
لفت بجسدها لتجلس أسفل قدميه ناظرة في عينيه بابتسامة: الله يسلمك، بتعمل إيه بقي.
محمد: بقري كتب في القانون.
ملك: من غيري دي خيانة ياسيادة اللواء.
ابتسم محمد بلطف ثم ربت على رأسها: منا كل حاجة بقراها بشرحهالك يا ملوكة.
ملك بابتسامة: طيب، حغير وأجي أقري معاك في كام صفحة في كتاب جنايات دي مفهمتوش.
محمد: ماشي يا حبيبتي، مستنيكي.
يتبع…
رواية شمس الانصاري الفصل الثاني 2 - بقلم آية عبده
اتجهت إلى غرفتها في الطابق الأعلى. الفلة تتكون من طابقين، ثلاث غرف بالأعلى وأربع غرف بالأسفل، منها غرفة والدها ومكتبه وغرف الخدم، ومصعد ليتمكن والدها من استخدامه بمفرده.
غيرت ملابسها وارتدت بنطلون أسود قطن وتي شيرت كات. أفلتت تلك البنس التي كانت تداري بهما شعرها الأشقر الطويل. اتجهت إلى تلك المرآة، قلعت عدسات النظر لتظهر عيناها الزرقاء التي تداريهم خلف عدسات سوداء.
ملك الجندي، ٢٦ عامًا، متخرجة من كلية شرطة. تحب عملها وتتخذ والدها مثلًا أعلى لها، فهو من شجعها على دخول الشرطة. وحيدة، ليس لديها سوى والدها والدادة. والدتها متوفية من زمان. تتميز بالبشرة البيضاء، والعيون الزرقاء، والشعر الأصفر. ترتدي عدسات باللون الأسود، فهي تحاول جاهدة في إخفاء تلك الأنثى التي بداخلها حتى تستطيع العمل في مجالها الحاد مع المجرمين. دائمًا ترتدي بنطلون وقميص وتي شيرتات، لا ترتدي الفساتين.
انتهت من تبديل ملابسها أخيرًا، فهي لا تأخذ حريتها إلا في بيتها. أما خارج البيت، فهي رائد فقط. خرجت من غرفتها متوجهة إلى مكتب والدها. طرقت الباب مرة أخرى ليسمح لها بالدخول.
"ادخلي يا ملك."
دخلت وأغلقت الباب خلفها.
"تعالي يا حبيبتي اقعدي. إيه أخبار شغلك؟"
جلست بالقرب منه.
"تمام."
"بقالك يومين ما بترحيش مكتبك."
نظرت له قائلة: "بابا، متحاولش، أنت لسه تعبان، لازم أفضل جنبك."
"بس شغلك."
"هما متفهمين وضعي ومش بيكلموا، وبعدين ما أنا بروح نادي أهو أضرب الظباط الجدد وأرجع."
"طيب، بس بكره آخر يوم. كفاية، مش بنت محمد الجندي اللي تقصر في شغلها، ولا عاوزاهم يقولوا إن البنات مش نافعين في شغل ده وبيدلعوا."
"البنات يقدروا على كل حاجة يا بابا."
"عارف يا بنتي، وأنا فخور بيكي. كان نفسي في ولد بس أنتِ بـ 100 راجل."
"ربنا يخليك ليا. خلينا بقى في الكلمة."
ربت على كتفيها برفق.
"طيب يا حبيبتي."
قطع حديثهم طرقات على الباب.
"ادخل."
"الغدا جاهز."
"ماشي يا أم عيشة، جاين وراكي."
"يلا يا حبيبي عشان تاخد دواك."
"ماشي."
جرت كرسي والدها متجهة ناحية السفرة.
***
في غرفة الاجتماع، تلك الغرفة تضم عددًا من رجال الشرطة.
"القضية دي بتهز أمن مصر كلها، الإرهاب، دي لازم نكشف الخلية دي في أقرب وقت."
قالها ذلك الرجل وهو يحكم من قبضته.
"تمام يا فندم، إحنا شغالين على القضية دي وفي أقرب وقت هيكونوا معروضين على النيابة العامة."
"وانت يا سيادة العقيد، عملت إيه في تجار المخدرات؟ أنا قضية دي مسلمهالك بقالي شهرين وما سمعتش أي جديد."
اتسعت عيناه بقلق، ثم رفع قبضته بتوتر.
"لسه يا فندم، ادينا شغالين. المشكلة إننا مش قادرين نعرف الناس اللي بتمولهم من بره، بس قريب حيبانوا."
"شد حيلك شوية يا سيادة العقيد."
"حاضر يا فندم."
"بعد إذنك يا فندم."
التفت إليه.
"اتفضل يا سيادة العقيد. في حاجة؟"
"جتنا إشارة يا فندم من قرية في الصعيد فيها تجار سلاح، وطالبين رائد جديد."
"اتصرف يا سيادة عقيد، ابعتلهم أي رائد، إحنا مش هنسيب بلاوي اللي قدامنا دي ونمسك في شوية مقاطيع طرق."
"لأ يا فندم، دول مش مقاطيع طرق، دول من أغنياء البلد، واخدين البلد مكانهم اللي بيداروا فيها عشان يقدروا يتاجروا براحتهم في السلاح."
أخذ يسمعه باهتمام.
"ياه، للدرجاتي؟ طيب ومقبضوش عليهم ليه يا رفعت؟"
"يا فندم، كل ما نبعت ضابط يرجع لنا بعد شهرين، مفيش حد بيعمر هناك. دي إمبراطورية في الصعيد، بعدهم عن القاهرة مفكرين نفسهم إنهم بعيدين عن العين."
رفع إحدى حاجبيه بتذمر.
"طيب ابعت أي كفء رائد عندك يا رفعت، وتابعني بالأخبار دي. إحنا ناقصين كمان الصعيد ومشاكله."
"يا فندم، محدش راضي يروح، كلهم مبحبوش الصعيد. الخدمة هناك..."
"تحب طيب نحجز لهم في مارينا يتابعوا سياحة هناك؟"
أطرق المكتب بقبضته بشدة حتى ارتبك الجميع منه.
"دي استهتار يا سيادة العقيد، أنت مش عارف تتحكم في رجالتك؟ دي أوامر يا سيادة العقيد، مش بتاخد رأيهم."
بلع ريقه بصعوبة ثم قال بتردد.
"حاضر يا فندم، أوامرك."
بعد نصف ساعة، انتهى الاجتماع واتجه الكل على مكاتبهم. توجه العقيد رفعت على مكتبه في قمة غضبه.
تحدث في الهاتف: "رائد فؤاد، تعال على مكتبي حالا، أنت ومحمد."
وبعد ثوانٍ، خبط باب فدخلوا وأدوا تحية.
"أمرك يا فندم."
خبط على مكتبه بعنف.
"أنا مش هتهزق على آخر الزمن عشان حضراتكم مش عاوزين تروحوا الصعيد."
"أرجوك يا فندم، أنا مراتي في الثامن، مقدرش أسيبها."
أقبل محمد يقول بسرعة: "وأنا أصلًا يا فندم كنت هقدم على إجازة عشان فرحي بعد أسبوع."
"حاجة متخصنيش. حد يطلع منيكم أو من طرفكم بكرة الصبح تجيبولي حد يطلع المهمة دي. أنا مش هتهزق على آخر الزمن ويقولوا رفعت مش قادر يحكم رجالت."
"تمام يا فندم، عن إذنك."
واتجه داخل مكاتبهم.
في فيلا الجندي.
صحت بدري وارتدت ملابسها، فهي سمعت كلام والدها، لا مجال للنقاش، يجب عليها التوجه إلى عملها. ارتدت بنطلون أسود وتي شيرت أزرق، وارتدت عدساتها السوداء، وأمسكت نظارتها الشمس ونزلت إلى الأسفل.
"صباح الخير."
"صباح النور. راحة شغل؟"
"آه يا بابا، بس أوعدني تاخد بالك من نفسك."
ثم أدارت أنظارها لدادة.
"خلي بالك منه يا داداه، دوا في معاده وياكل كويس."
"متقلقيش يا بنتي، خلي أنتِ بالك من نفسك."
"ههههه، حاضر يا داداه، متخفيش، أنا مش راحة حرب، أنا راحة مكتبي."
قبلت جبين والدها ثم قالت بابتسامة.
"يلا، لا إله إلا الله."
"محمد رسول الله."
قالها محمد بابتسامة مودعًا ابنته.
خرجت متجهة إلى سيارتها لتسوقها متجهًا إلى البوابة، توقفت قليلاً موجهة أنظارها.
"خلي بالكم كويس، مفيش حد يدخل جوه مهما كان."
"تمام يا فندم."
خرجت بسيارتها لتصل إلى مكتبها، قسم شرطة المهندسين. دخلت من باب القسم، فادوا لها التحية واتجهت ناحية مكتبها. فتحت باب مكتبها.
"صباح خير."
"صباح الخير."
"صباح الخير."
أقبل إليها زميلها الأول.
"أخبار سيادة اللواء إيه؟"
"بخير الحمد لله."
"الحمد لله."
جلست بمكتبها التي يشاركها فيها زميلاها محمد وفؤاد. لاحظت سكوتهم بغير العادة.
"إيه مالكم؟ في حاجة؟"
تنهد محمد بحزن.
"حاجة كده وهتتحل بإذن الله."
"إيه هي؟"
"طلبوا حد يروح صعيد في تاجر سلاح هناك. أه، ومين حيروح؟"
قالتها ملك وهي تخرج سلاحها لتتركه على المكتب.
"أنا."
"لأ يا محمد، أنت حتتجوز قريب."
"وأنت مراتك محتجالك يا فؤاد."
ظلت تنظر إلى هذين الرجلين وكل واحد منهم يضحي من أجل الثاني. وقفت بينهم لتشير بيدها في وجههم.
"معلش ثواني، هو مين اللي طلب منكم كده؟"
"العقيد رفعت."
رفعت حاجبيها باستغراب.
"طيب، اشمعنى طلب منكم أنتوا ومطلبش مني؟ هو أنا مش معاكم هنا في القسم؟"
"مينفعش يا ملك."
"إيه اللي مينفعش؟"
"بقولك تاجر سلاح وصعايدة، فهمتي طبعًا."
أشارت ملك برأسها.
"لأ، مفهمتش!! إيه المشكلة؟"
"مينفعش يا ملك، أنتِ بنت. عندهم في الصعيد مبيأمنوش بالمرأة ولا بشغلها كدكتورة حتى أو مهندسة، يبقى إزاي هئمنوا بيها ظابطة عندهم؟ الستات غير عندنا. الست عندهم، وبالذات في القرى، مبتخرجش لوحدها ولهم قواعدهم الخاصة بالنساء."
أنهى كلامه ليرى تلك الفتاة تخبط بقبضتها على المكتب بعنف.
"كلام جهل."
"اهدي يا ملك، دي عادات وتقاليدهم كده ومش هنيجي إحنا نغيرها."
"محدش حيروح مامورية دي غيري."
"محدش يقدر ينكر كفاءتك اللي حققتيها هنا من أول ما خرجتي واتعينتي، بس كلام دي هنا بالقاهرة، لكن مش بالصعيد. اعقلي يا ملك وبلاش عناد."
"ماشي."
قالتها بعناد شديد، خرجت متوجهة ناحية مكتب العقيد رفعت. خبطت بلطف فأذن لها بالدخول.
"صباح الخير يا فندم."
"صباح الخير يا ملك. حمد الله على السلامة. عامل إيه سيادة اللواء؟"
"الحمد لله."
"أنا كنت عاوزة حضرتك في موضوع."
أشار بيده ليسمح لها بالجلوس.
"موضوع إيه؟"
جلست ملك ثم قالت بثقة.
"مأمورية الصعيد."
أضاق عينيه ببطء قائلاً.
"مالها؟"
"أنا عاوزه أطلعها."
"تطلعي فين يا ملك؟ هي باريس اللي قضيتي فيها عمرك دي؟ الصعيد عارف يعني إيه الصعيد ويعني إيه صعيدة."
"إيه المشكلة؟ هو أنا أول مرة أتعامل مع حد؟ أنا مسكت قضايا كتير، وأظن أنت بنفسك يا فندم تشهد لي بكده."
ابتسم رفعت بصمت موضحًا له.
"منكرش يا ملك إنك شاطرة، وكل قضية بتطلعيها مع زمايلك بتنجح."
"طيب يا فندم، أمّال فيه إيه؟"
"الصعايدة دول معندهمش حاجة اسمها ست تشتغل، نقوم نوديلهم ظابطة؟ هيستهزأوا بيكي يا ملك، وبالتالي أنتِ تعتبري رمز الإدارة هناك، ولو استهزأوا بيكي يبقى حيبقى فشل لينا كلنا، والأمور هناك هتفلت مننا، ومش هنقدر نسيطر عليهم تاني."
"دي جهل يا سيادة العقيد، وكمان هما مجرمين، مش هيختاروا على مزاجهم اللي هما عاوزينه."
ابتسم رفعت على إصرارها.
"اسمعي يا ملك، الحياة هناك صعبة، إذا كان الرجالة مستحملتش، معقول أنتِ يا ملك حتستحملي؟ طيب بغض النظر على إنك بنت، أنتِ يا ملك عشتي طول عمرك بقصور ونص عمرك قضيتيه ما بين فرنسا ومصر. إزاي حتستحملي الصعيد وجوه؟"
تنهدت ملك بإصرار.
"برضه يا فندم، أنا مصرة على المأمورية دي."
"ماشي يا ملك، بس قلت لي لسيادة اللواء."
"هقوله، بس اسمح لي حضرتك الأول."
"ماشي، موافق."
"متشكره يا فندم، بعد إذنك. شكرًا."
أدت التحية ثم خرجت وعلى وجهها كل علامات السعادة.
في الصعيد، في بيت شمس.
رجع بعد تعب طويل، دخل من باب البيت متجهًا إلى غرفته ليستريح قليلاً. أوقفه ذلك الصوت.
"شمس يا شمس."
التفت إليها شمس بتعب.
"نعم يا ماما."
"تعالي اقعد معنا يا ولدي."
"مقدرش يا ماما، تعبان ومصدع."
"يا ولدي، تعالي بس شوف البنية وبعدين نام."
رفع شمس حاجبيه باستغراب.
"بنية مين بس؟"
"اللي حتجوزها."
"شمس، بطل هزار وتعال شوف بنتي."
"هي بنت مرادي اسمها هنيه؟ طيب حلو، والله أحسن من بتاعة مرة اللي فاتت."
"شمس، بطل هزار وتعال شوف بنتي."
"لازم يعني أشوفها؟ اعتبرني شفتها واترفضت."
"أيوه لازم، وإلا حغضب عليك."
اقترب منها مسرعًا مقبل رأسها برفق.
"لأ، كله إلا أنتِ يا ست الحبايب. خليهم يستنوا بقى على ما أغير خلقاتي دي وأنزل لهم."
"تغيير إيه يا شمس؟ بلاش أسلوبك ده. كل مرة تتطفش العرايس دي. البنت رقم 15، مش حسمحلك تطفشها زي اللي قبلها."
"خلاص يا ماما، حغير خلقاتي، أقابلهم بهدومي دي، ثواني وراجع."
***
يتبع...
رواية شمس الانصاري الفصل الثالث 3 - بقلم آية عبده
اتجه إلى غرفته بالطابق الأعلى والتي تتكون من سرير كبير ودولاب ومكتبة تحتوي على عدد من الكتب. دخل بهيئته، خلع العمامة وجلبابه الصعيدي، وغير ملابسه ثم ارتدى بنطلون أزرق وتي شيرت أبيض أظهرت معالم رجولته. فهو يحب ارتداء تلك الملابس ولكن تمنعه تلك العادات القديمة واحتفاظهم بالتراث الصعيدي، فالجلباب والعمامة تعتبر إحدى طراز البلد. اتجه إلى الفراش، ألقى بكامل جسده عليه ليرتاح قليلاً من ذلك اليوم الشاق.
بالأسفل، جالسة بالصالون مع الضيوف.
أدارت وجهها إلى ضيوفها بسعادة:
"منورين والله يا حاجة فيروز."
ربت على كفيها:
"بنورك يا حاجة سعاد. إزيك يا هنية؟ ما شاء الله زي القمر."
قالتها إلى تلك الفتاة الجالسة بجانب والدتها.
هنية بخجل:
"شكراً يا خالة."
سعاد:
"اسما روحي شوفي شمس اتاخر ليه."
سما:
"حاضر يا ماما."
اسما، أخت شمس الصغيره، تدرس في ٢ أداب. بيضاء البشرة، عيون سود كحيلة، وشعر أسود طويل ومحجبة.
اتجهت إلى غرفة شقيقها الأكبر، فتحت الباب بدون أن تستأذن، فهي وشمس علاقتهما تسودها الحب والاحترام. بالرغم من كونه كبير البلد، إلا أن عند شقيقته الصغيرة تتحل منه تلك الألقاب.
اقتربت من فراشه بلطف ثم قبلت جبين ذلك الأسمر.
اسما:
"شمس.. يا شمس اصحي.. انت نمت."
التفت إليها بعيونه الكحيلة بابتسامة على شفتيه ليقول بنعومة:
"إيه يا اسما، في حاجة مصحيني ليه يا حبيبتي؟"
اسما:
"أمي تحت مستنياك وعروستك ووالدتها."
تثاءب ببطء:
"عروسة مين؟"
اسما:
"انت لحقت تنسى؟"
شمس:
"آه آه افتكرت. طيب حصل."
اسما:
"طيب متتأخرش، لحسن انت عارف أمك."
شمس:
"طيب نازل."
غسل وجهه حتى يفيق ونزل، وكان باين عليه علامات النوم. لبس جلبيته ونزل لهم.
سكت الكل فور دخول شمس.
ليقول بابتسامة:
"سلام عليكم."
كلهم انتبهوا لدخلته، فشمس كان شاب يافع ذو عضلات، لديه لحية سوداء وشعر أسود متوسط وعيون كالصقر واسعة وكحيلة.
الجميع:
"وعليكم السلام."
سعاد:
"اقعد يا ولدي."
جلس مستجيباً لرغبة والدته، فاعتاد على الأمر والكل ينفذ. ولكن هنا الاختلاف، فأمه تأمر وهو ينفذ.
شمس:
"حاضر."
ألقى نظرة إلى تلك السيدة بجوار والدته ليقول لها بابتسامته التي لا تفارق وجهه:
"كيفك يا مرت عمي؟"
سمر:
"أهلاً يا شمس يا ولدي."
شمس:
"مطاوع جي معاكي؟"
سمر:
"حيحصلنا يا ولدي."
سعاد:
"شمس يا ولدي.. مش تسلم على حاجة فيروز وبنتها هنية."
التفتت شمس إلى تلك السيدة مرحباً بها:
"آه كيفك يا خالة."
فيروز:
"أهلاً يا ولدي."
سعاد:
"ووشوشت سمر، شايفه ولد ولا عبرت البنت."
سمر:
"اهدّي يا خيتي."
شمس:
"طيب انتو نورتونا والله يا خالة."
توقف شمس ليتطلع إليه الجميع.
شمس:
"بعد إذنكم جاي تعبان وحنام. البيت بيتكم."
قال جملته الأخيرة ثم خرج موصد الباب خلفه.
تنهدت سعاد بغضب.
"بعد إذنكم ثواني."
وخرجت وراءه.
شمس:
"خرجت من الغرفة لتلحق به. نادته بغضب شديد: شمس استنى."
التفت لها شمس بابتسامته:
"إيه يا ماما، سبتي ضيوفك ليه؟"
سعاد:
"هو انت خليت فيها ضيوف؟"
شمس:
"ليه بس؟ مش قلتيلي سلم عليهم، اديني سلمت. بعد إذنك هطلع أنام، راجع تعبان يا حبيبتي."
قبل جبينها ثم تركها متجهاً إلى غرفته ليكمل نومه.
"ماشي يا شمس."
قالتها أمه وهي تضرب كف فوق الآخر.
فاقت من شرودها على صوت سمر.
سمر:
"سعاد."
التفتت له قائلة:
"أيوه يا سمر."
سمر:
"تعالي، خرجتي ليه؟"
سعاد:
"الواد ده حيموتني."
سمر:
"سلامتك يا خيتي."
سعاد:
"١٥ بنت ولا واحدة عجبته، دي غير ٢ اللي كان خاطبهم قبل سابق."
سمر:
"مفيش فايدة في ولدك غير حاجة واحدة."
سعاد:
"إيه هي؟"
قالتها سعاد تنظر لها باهتمام.
سمر:
"تنقي له واحدة زينة خالص وتخطبهاله من غير ما تاخدي رأيه، تحطيه قدام الأمر الواقع."
ابتسمت بسخرية:
"الكلام ده مش مع شمس."
سمر:
"بس جربي."
سعاد:
"طيب حجرب، يمكن تظبط."
عند ملك، رجعت من شغلها ودخلت بسيارتها الفلة. ركنت سيارتها أمام باب الفلة، أخرجت مفاتيحها من جيوبها لتفتح الباب.
ابتسمت برفق عندما وجدت تلك السيدة تنتظرها بقلق.
ملك:
"دادة، ازيك."
نادية بابتسامة:
"الحمد لله يا حبيبتي. اتاخرتي ليه؟ قلقتيني عليكي."
تطلعت بعيونها إلى ساعة يديها ثم أشارت برفق:
"يا دادة، اتاخرت إيه بس؟ دي لسه مجتش ١٠. اما لو رجعت زي أصحابي بعد نص الليل، حتعملي إيه؟"
اندهشت نادية قائلة بسرعة ولهفة:
"هو انت عندك أصدقاء بنات يا ملك؟"
تعالت ضحكة ملك بشدة لتحتضن تلك السيدة بذراعيها:
"أنا أقصد زمايلي في الإدارة، ظباط يعني."
التفتت بنظرها إلى يديها ثم امسكتها.
نادية:
"يكفيكي. بذمتك دي إيد بنت."
ملك باستغراب:
"مالها إيدي؟"
نادية:
"كل دي عضلات! فين الأنثى اللي جواكي؟ وايه اللي انتي لبساه ده؟"
نظرت إلى ملابسها:
"ماله؟ اهو شميز وألوان كمان عشان مزعلكيش."
أزالت بيديها ذلك الكاب الذي يغطي شعرها الأشقر.
نادية:
"يا شيخة، قربت أنسى شكل عيونك الزرقا اللي مدرياها وسط الزفتة اللي لابساها في عيونك."
"بابا فين يا دادة؟"
قالتها لتتهرب من كلام نادية.
قالت باستسلام وقد فهمت أنها تتهرب:
"في أوضته يا بنتي."
ملك:
"اتعشى."
نادية:
"لا، صمم يستناكي."
ملك:
"حاضر."
"حاضر يا بنتي."
اقتربت منها حاضنة رأسها بين كفيها لتنظر إلى عينيها بلطف:
"حقك عليا يا دادة، متزعليش."
"عمري مزعل منك."
قالتها بابتسامة على ثغرها لتتركها لتحضر العشاء.
طرقت على باب غرفته بلطف ليسمح لها بالدخول.
ملك:
"بابا، انت صاحي؟"
محمد:
"تعالي يا بنتي."
ملك:
"عامل إيه؟"
محمد:
"بخير الحمد لله."
ملك:
"مكلتش ليه؟"
محمد:
"معرفش آكل من غيرك، منتي عارفة."
ملك:
"عارفة يا حبيبي، وأنا مبحبش آكل من غيرك."
(شردت قليلاً محدثة نفسها بحزن: "طيب هسيبك إزاي يا بابا؟ مقدرش أبعد عنك.")
ربت على كتفها برفق:
"مالك يا ملك؟"
التفتت له ملك بعيون مترددة ثم كسرت تلك اللحظة:
"بس مش قادرة. في موضوع لازم أكلمك فيه."
نظر محمد إلى عينيها بتفحص:
"قولي يا ملك، متخبيش عليا."
ملك:
"حنتقل الصعيد."
قالت جملتها مرة واحدة تنظر إلى ردة فعله.
نظر لها محمد ببطء:
"ههههههه، بس كده؟ ومترددة عشان كده؟ متقلقيش، أنا هكلمهم، مين يقلكيش ولا تزعلي نفسك."
ملك:
"لا، مهو أنا اللي طلبت!"
محمد:
"إيه؟ طلبتي إيه؟"
ملك:
"بابا، أرجوك اسمعني."
نظر لها:
"قولي، سامعك. عايزة تقولي إيه؟"
جلست أمام ركبتيه لتنظر له بعينيها:
"أنا عايزة أروح، عايزة أثبت لهم إن البنت ممكن تعمل أي حاجة وفي أي مكان."
محمد:
"ساكت."
ملك:
"بابا، أنا أخدت قراري، ومتقلقش عليا، أنا قدها."
محمد:
"إزاي تقرري من غيري؟"
ملك وحضنته:
"عشان خاطرك، وحياة أمي وحياتك يا بابي، توافق."
محمد:
"هههههه، فين زمايلك يجوا يشوفوكي وانتي عاملة زي الطفلة كده."
أمسكت يديه يكفيها الصغيرتين:
"بابي، الطفلة دي سر بيني وبينك. الطفلة اللي جوايا مبتطلعش إلا قدامك بس."
شد من يديها ليقول بابتسامة:
"عارف يا بنتي."
ملك:
"يعني وافقت؟"
محمد:
"ماشي، بس بشرط."
ملك:
"إيه؟"
محمد:
"هاجي معاكي."
ملك:
"إيه؟ لا طبعاً."
محمد:
"ليه؟"
ملك:
"أنا مضمنش إيه الأحوال هناك، شكلها إيه. مقدرش أخاطر بحياتكم."
محمد:
"أما تخاطري بحياتك انتي؟"
ملك:
"بابا، دي شغلي، أنا ظابط. انت كده حتشتت تركيزي، واللهم."
محمد:
"مليش صالح."
ملك بتزمر:
"بابا."
محمد:
"موضوع انتهى. اطلبي منهم واعتذري عن سفر."
أشارت بسبابتها:
"لا، مستحيل."
أمسك سبابتيها بيده:
"وأنا مستحيل أسيبك لوحدك."
ملك:
"طيب يا بابا، ماشي. يلا عشان تاكل دلوقتي."
نزلوا تناولوا العشاء وذهب والدها للنوم، بينما ظلت هي ساهرة تفكر ماذا تفعل، فوالدها قرر السفر معها. رفعت تليفونها واتصلت بالعقيد رفعت.
ملك:
"مساء الخير يا فندم."
رفعت:
"مساء الخير يا ملك. إيه الأخبار؟"
ملك:
"كله تمام. امتى هسافر؟"
رفعت:
"لما تستعدي."
ملك:
"تمام يا فندم. بس في حاجة، أنا هسكن فين هناك؟"
رفعت:
"في بيت مخصص للرايد القديم، حتسكني فيه."
ملك:
"بيت! إيه شكله؟"
رفعت:
"أوضتين وصالة."
رفعت حاجبيه برفض:
"يا فندم، مش معقول. أنا هسكن في بيت زي ده؟"
رفعت:
"أما إيه يا ملك؟"
ملك:
"أنا بعد إذنك هشتري بيت."
رفعت:
"بيت إيه اللي حتشتريه؟ انتي فاكرة إنك في مارينا؟ بيوت هناك صغيرة ومفيش بيوت للشراء. دي الصعيد يا ملك، لو متعرفيهمش يبقى بلاش تروحي مكان متعرفيش ناسه."
أحست ملك وكأنه سكب عليها ماء بارد. قالت بصوت هادئ:
"طيب، ابني أنا."
رفعت:
"وبعدين يا ملك، في دلع ده؟"
ملك:
"يا فندم، اسمعني. مش ليا، بابا جاي معايا ولازم أجهز له بيت ليه، انت عارف إنه مريض."
رفعت:
"هو جاي؟"
ملك:
"اشترط عليا يسافر معايا لو مسافرتش أنا."
رفعت باستسلام:
"طيب، أنا هشوفلك قطعة أرض بمعرفتي، بس مين حيبنيها لك في الوقت الصغير ده؟ لازم تسافري في ظرف أسبوع. القسم هناك مفيش حد، والبلد الأمن فيها مش تمام."
ملك:
"متقلقش يا فندم، أنا حجيب المهندسين اللي في شركتي وحيبنوها في أقل وقت ممكن."
رفعت باستسلام:
"ماشي يا سيادة الرايد."
ملك:
"شكراً يا فندم."
رفعت:
"العفو. سلام."
رواية شمس الانصاري الفصل الرابع 4 - بقلم آية عبده
دخل من باب الدوار ليقع ناظريه إلى تلك الفتاة الجالسة ممسكة بكتاب تتفحصه باهتمام.
تهللت أسارير وجهه معبرًا عن سعادته، فهو اشتاق لها منذ أسبوعين. لم ير وجهها الصغير وعينيها الكحيلتين.
وقف ما يقارب بضع ثوانٍ ليشبع أنظاره الجائعة بلقاها.
اقترب قليلاً ثم تنهدت لتشعر به.
مطاوع: صباح خير يا بنت عمي.
أدارت وجهها بعيدًا لتقول بجفاء: صباح النور.
مطاوع: كيفك؟
أجابته بعدم اهتمام: الحمد لله.
مطاوع: ا...
"شمس جوه خشله."
قال جملتها ثم رجعت تتفقد كتابها مرة أخرى.
مطاوع وقد أدرك أنها لا تريد النقاش معه: ماشي، بعد إذنك.
أسيا: اتفضل.
دخل وتركها. ظل ينظر إليها إلى أن اتصدم بسعادة.
مطاوع: لا مؤاخذة يا مرت عمي، أصل كنت...
نظرت إليه بحزن، فهي تعرف مدى حبه لابنتها، ولكن تلك العنيدة ستضيعه من يديها.
"ولا يهمك يا ولدي."
مطاوع: صباح خير.
سعاد: صباح الخير يا ولدي، توحشتك يا مطاوع. تعالي، لسه كنت بسأل عنك. أمك كيفها؟
مطاوع: زين الحمد لله يا مرت عمي.
ربتت على كتفيه برفق: تستاهل الحمد. خش، شمس مستنياك جوه.
مطاوع: حاضر، بعد إذنك.
خبط باب ودخل، جلس على الكرسي بدون كلام يتطلع إلى الأرض بحزن.
التفت إليه شمس ليرى حزنًا بعيني ابن عمه وصديق طفولته وزراعه اليمين بالشغل.
ترك الكتاب التي كان يقرأ فيه، جلس بجانبه ثم أخذ يربت على كتفيه برفق.
"مالك يا مطاوع؟"
تنهد مطاوع ثم قال: مفيش يا شمس.
شمس: مفيش دي، التنهيدة دي يا راجل، بتقول إن في صراعات جواك. حتخبّي عني ولا إيه؟ دحنا توأم يا ضنا، مش في شبه في الروح.
مطاوع: أنت عارف إني رايد أختك أسيا.
شمس: عارف، والله ما حألاقي لها أحسن منك، بس هي رفضتك يا مطاوع.
مطاوع: عارف.
شمس: اسمع يا ولد عمي، سيبك منها وشوف حالك واتجوز. أنت ما تربطش نفسك بأسيا.
مطاوع: مقدرش، أنا بحبها. أنت ما جربت عشق وما تعرف عنه شي.
شمس: ياض لم نفسك، دي أختي.
"أنا ماشي."
قالها ثم توقف ليتجه إلى الباب بغضب.
شمس ومسك إيده: بهزر معاك، تعالي اقعد بس. أنت ألف بنت تتمناك.
مطاوع: وأنا مش عاوز إلا أسيا.
شمس: سيبها للزمن، يمكن تغير رأيه.
مطاوع: افرض حدا تقدملها.
أغمض عينيه بلؤم هامس له بمكر: أمّال أنا بعمل إيه؟ أنا حرفده، ما بدي أجوزها إلا ليك أنت...
مطاوع: تسلم ياشمس، أنت ونعم الأخ.
شمس: طيب اقعد نكلم في الشغل.
مطاوع: ماشي.
شمس: حضرت للصفقة الجاية.
مطاوع: أنا ومبارك حضرنا كل شيء.
شمس: تمام.
نفخ مطاوع ثم أدار وجهه له: بس خايف لنخسر تاني.
اتسعت بؤرة عينيه: متقلقش، أنا عامل حسابي.
المرادي...
مطاوع: شمس، أنت صحيح عارف مين اللي خاننا؟
شمس: أيوه.
مطاوع: مين؟
شمس: عطية.
مطاوع: عطية ابن الـ...
شمس: سيبهولي أنا حتصرف.
مطاوع: ماشي يا شمس.
قطع حديثهم طرقات على الباب.
شمس: ادخلي يا أم...
سعاد: غدا يلي يا شمس، يلي مطاوع.
شمس: حاضر، جاين.
على سفرة كبيرة يجلس شمس وسعاد أمامها. سمر وأسيا أمام مطاوع.
سعاد: كده يا مطاوع، فين وفين لما تيجي تزورني.
مطاوع: معلش يا مرت عمي، شغل.
وبص على أسيا بحزن.
شمس: أه، شغل. حيموت من شغل دي صايع، كل يوم مع بنت شكل.
أسيا واتفاجئت وبصت له.
سعاد: بنات مين؟
شمس: بنات ياما وكفاية عشان أسيا قاعدة.
بص له مطاوع وهمس له: إيه اللي بتقوله ده؟ بنات مين؟ دنا معرفش غير أمي وأمك.
شمس: اخرس أنت، بعدين أفهمك.
مطاوع: طيب.
عند ملك، بعد ما اتصل بها العقيد رفعت وبلغها بأنه لاقى لها قطعة أرض قريبة من قسم شرطة البلد ووسط البلد.
قررت في أسرع وقت تبنيها.
اتصلت بمدير أعمال شركتها.
عبد السميع: صباح خير يا ملك هانم.
ملك: صباح خير يا باش مهندس. أنا كنت عاوزاك تشوف لي 3 مهندسين يبنوا لي فيلا صغيرة كده.
عبد السميع: حاضر يا هانم، فين مكان؟
ملك: في ملانة.
عبد السميع: إيه ملانة دي؟
ملك: بصراحة مش عارفة. حاولت أبحث عنها على جوجل ملقيتش حاجة. عامتا دي قرية في مركز...
عبد السميع: مركز فين؟
ملك: في صعيد.
عبد السميع: الصعيد! بس دي بعيدة جدا يا فندم.
ملك: أفندم؟ بعيدة يعني إيه؟ ودي يخصك في إيه؟ أنا عاوزة فيلا تخلص في خلال أيام. اتصرف، إن شاء الله تجيب 100 مهندس، ما يبقاش عندي أكبر شركة في مصر للمعمار ومعرفش أعمل حتة فيلا صغيرة.
عبد السميع: حاضر يا ملك هانم.
ملك: سلام.
وقفت.
في مكتب عقيد رفعت، اتصل بمديرية بمحافظة لقصر.
عقيد إبراهيم: مش معقول، رفعت باشا بنفسه بيكلمني، فينك يا باشا؟
رفعت: ههههه، أهلاً إبراهيم، الحمد لله بخير والله بس مشاغل.
إبراهيم: وإيه فكرك بينا؟
رفعت: إنتوا كنتوا طالبين رائد جديد لمركز ملانة.
إبراهيم: أه، المنطقة هناك فاضية.
رفعت: طيب، أنا بعت وقريب حيوصل عندكم.
إبراهيم: ينور يا باشا.
رفعت: دي توصية جامدة من طرف اللواء محمد.
إبراهيم: محمد الجندي مرة واحدة، مش معقول.
رفعت: أنا شفت له حد يلقي له قطعت أرض حيبني عليها فيلا، أصل مش راضي يسكن في الاستراحة الصغيرة.
إبراهيم: براحتوا يا رفعت باشا، القرية كلها تحت أمرك.
رفعت: تسلم يا إبراهيم، سلام.
إبراهيم: مع السلامة.
رواية شمس الانصاري الفصل الخامس 5 - بقلم آية عبده
أنهى مكالمته مع رفعت لينظر إلى الرجل الواقف أمامه.
معتز: خير يا باشا.
وضع يديه على مكتبه ليقول باهتمام: بلغ النقطة في ملانه إن الرائد الجديد يومين تلاتة ويوصل.
معتز: تاني؟
إبراهيم: ما بيحرموش تاني وتالت.
معتز: محدش بيعمر في المنطقة دي يا فندم.
إبراهيم: دي أوامر. بلغ النقطة.
معتز: حاضر.
أثناء حديثهما كان يستمع لهما جواسيس يعملون لحساب مبارك.
معتز اتصل بقسم شرطة وبلغهم بالأخبار.
في مركز شرطة البلد.
دخل محمد مكتبه ليلقي أنظاره على زميله محمود الجالس بشرود.
محمد: مالك يا محمود؟
محمود: بلغوني الرائد جديد حيوصل كمان يومين.
محمد: طيب كويس.
محمود: مالك فرحان كده؟ حيطفشوه زي اللي قبلهم.
محمد: على رأيك.
عند شمس كانو يجلسون يشربون شاي.
نظر له مطاوع بغيظ: أنت اتجننت؟ إيه اللي قلته له على الأكل ده؟ أنا بتاع بنات، أنا عمري ما عرفت بنت حتى.
ارتشف القليل من الشاي ليقول بخبث: هههههه، هي دي اللي حتجيبها راكع.
مطاوع: هي مين؟
شمس: آسيا يا غبي.
مطاوع: يسلم، كده حتكرهني.
شمس: طيب بص كده، من ساعة ما قعدنا وهي باصة من شباك أوضتها عليك.
التفت مطاوع لشباك غرفة آسيا: بجد؟ فين؟ آه صحيح، دي بتبصلنا.
شمس: مش قلتلك اسمع كلامي.
أثناء حديثهم دخل مبارك.
مبارك: سلام عليكم.
شمس ومطاوع: وعليكم السلام.
شمس: مالك؟ قالها لينظر إلى وجهه العابث.
جلس على الأريكة ليقول: أخبار مش كويسة.
التفت له شمس باهتمام: إيه؟
مبارك: الرائد الجديد حيوصل كمان يومين تلاتة.
رجع بظهره للخلف تعبيراً عن عدم اهتمامه: وإيه المشكلة؟
مبارك: بيقولوا عليه صعب.
شمس: يبقى يمشي زي اللي قبلهم.
مبارك: مظنش إنه حيمشي بسهولة. ده أنا شايفهم بيبنوا فيلا صغيرة في جهة قبلية عشان يسكن فيها.
التقط كوب الشاي ليقول باللامبالاة: يبني فيلا كده من نفسه؟ مين سمح له يبني على الأرض؟
مبارك: اشتراها من المزارعين.
شمس: وبدأت ملامحه بالغضب. طيب يا مبارك، سيبهولي لما يشرف البيه. بنشوف ميتنه. المهم عاوز تركيزك كله في العملية الجاية، أنت ومطاوع.
مبارك: حاضر. استأذن أنام.
مطاوع: استنى، حاجي معاك أشوف أخبار الشغل.
شمس: ماشي، بالسلامة.
جلس شارد فيما قاله مبارك عن الرائد الجديد إلى أن أتت شقيقته لتخرجه من سرحانه.
آسيا: شمس.
شمس: في حاجة يا آسيا؟
آسيا: ليه سرحان؟ ومطاوع سابك وراح فين؟
شمس: وابتسم بلؤم. راح هو ومبارك يشوفوا بنات.
آسيا: يشوفوا بنات إزاي؟
شمس: إنتي لسه صغيرة على الحديد ده.
يلي راح ومشيت وسابها متغاظة تفكر.
عند ملك كانت بتحضر حاجات حتنقلها معاها وفجأة دخلت عليها داده.
التفتت إليها بابتسامة: تعالي يا داده.
داده: كنتي عاوزاني يا بنتي؟
ملك: أيوه يا داده.
داده: خير؟
تركت ما بيديها لتمسك بيد تلك السيدة التي تعتبرها في مقام والدتها. أخذتها لتجلسها بجانبها على الفراش. تطلعت وجهه البشوش لتقول بابتسامة: أنا عاوزاكي تسافري معانا يا داده.
داده: انتوا مسافرين يا بنتي؟ فين؟
ملك: آه، صعيد. في شغل.
قالت بغضب: شغل إيه بس يا ملك؟ مهنا شغلك.
أقبلت على يديها تقبلها برفق: عشان خاطري يا داده. حبقى سعيدة لو جيتي معانا.
داده: حاضر يا بنتي حاجي. هو أنا ليا غيرك؟
ملك: وحضنتها. حبيبتي يا داده. حضري شنطتك.
داده: إمتى حنسافر؟
ملك: بكرة بالليل.
داده: بالسرعة دي يا ملك؟ حاضر. أمري لله.
رواية شمس الانصاري الفصل السادس 6 - بقلم آية عبده
بعدما انهت حديثها مع ناديه واقنعتها على مرافقتهم إلى الصعيد، جهزت كل أغراضها وما ستحتاجه هي ووالدها.
نزلت الجنينة واتجهت ناحية البوابة. توقفت عند البوابة وعلى شفتيها ابتسامة خفيفة لتقول بهدوء:
ملك: مسا الخير يا طارق.
توقف طارق مسرعًا عندما سمع صوتها من الخلف:
طارق: مسا الخير يا فندم.
ملك: طارق، اعمل حسابك بكره مسافرين.
طارق: فين يا فندم؟
ملك: الصعيد، في عندي شغل هناك.
نظرت له بهدوء:
ملك: طارق، انت حر لو مش حابب تيجي براحتك، أنا عارفة إنك عندك بيتك وأولاد، مش مجبور على السفر.
قاطعها طارق ليقول:
طارق: أمرك يا فندم، أنا معاكي في أي مكان وتحت أمرك.
أشارت له برأسها لتقول بهدوء:
ملك: ماشي يا طارق. المهم، حنسافر كلنا بعربيتي الجيب، أنت حتسوق تمام.
طارق: حاضر.
اتجهت إلى باب فلتها ولكن توقفت مرة أخرى لتقول له:
ملك: صحيح، متنساش تحضر عربية لماكس ولايكا، حنأخدهم معانا.
طارق: حاضر يا فندم.
ملك: طارق، أنت أكفِ حد يشتغل معايا في حراسات وأنا بثق فيك جداً. اختار راجل تاني معاك بس يكون كويس زيك وعلى ضمانتك.
ابتسم طارق بلطف:
طارق: شكراً يا فندم. أمرك.
ملك: تصبح على خير.
اتجت إلى غرفته لتطمئن على والدها. اقتربت من فراشه لتقبل جبينه، أعادت فرش اللحاف مرة أخرى على جسده، ثم أطفأت الأنوار وأوصدت الباب متجهة إلى غرفتها لتنام، فغداً يوم طويل سيبدأ بالسفر ولن تعلم سينتهي بماذا.
في صباح يوم جديد.
استيقظت ملك في الصباح كعادتها. توجهت إلى المرحاض وبدأت يومها بصلاتها، ثم ارتدت شميز أبيض وبنطلون أزرق وكاب. وضعت تلك العدسات ثم وضعت نظاراتها الشمسية واتجهت إلى والدها. خبطت ثم دخلت، اقتربت منه مقبلة جبينه.
ملك: صباح الخير يا سيادة اللواء.
محمد: صباح الخير يا حبيبتي.
ملك: أنا نقلت الحاجات المهمة في فلتنا الجديدة، زمانهم وصلوا والعمال بيرصوها.
محمد: ماشي يا بنتي.
ملك: جهز نفسك للسفر يا حبيبي.
محمد: حاضر.
جهزت ملك واستعدت للسفر. أدارت كرسي والدها المتحرك إلى سيارتها. كان طارق راكب سيارتها. ركبت والدها ورا وبجانبه داده، وركبت هي قدام بجانب طارق.
ملك: طارق، فين ماكس ولايكا؟
قالتها وهي تربط حزام الأمان.
طارق: بابتسامة، في عربية الي ورانا يا فندم، راكبين في شبكة عربية مع مصطفى.
داده: إيه ده، أنتِ أخدتي كلاب كمان؟
ملك: أيوه يا داده، ما أنتي عارفة مقدرش أسيبهم.
داده: عارفة، طيب.
أشارت لطارق ليبدأ رحلتهم.
وبعد سفر 9 ساعات وصلوا قرب المغرب. نزلت قدام فلتها ونزلت والدها برفق.
ملك: براحة يا بابا.
محمد: حاضر.
أمسكت يده بلطف لتدخل إلى باب البيت وبرفقتها نادية، أما طارق ومصطفى فظلوا في أماكنهم أمام باب البيت.
تطلع محمد إلى هذا البيت، اتسعت بؤبؤ عينيه وهو ينظر له باستغراب، فالبيت لا يليق بالمكان، فمعظم البيوت ليست كتلك التصميم الرائع.
محمد: ملك.
ملك: أيوه يا حبيبي.
محمد: البيت ده أكيد مش اشتريتيه.
ابتسمت ملك على فراسة والدها ثم قالت بابتسامة:
ملك: لا، دي كانت قطعة أرض أنا اشتريتها وقولت للجماعة في الشركة يبنوها. إيه رأيك، حلوة؟
ابتسم محمد:
محمد: حلوة جداً والطراز رائع، بس أنا ليه حاسس إني شفت الطراز دي قبل كده.
ملك: ههههه، أيوه يا حبيبي، ليه شبه شوية من بيتنا في فرنسا، أصل أنا بعت للمهندسين تصميمات كده بسيطة وهما مشوا عليها.
محمد: ماشي يا حبيبتي، اللي يريحك.
ربت ملك على يديه لتقبلها برفق:
ملك: يلا بقى عشان ناكل، ما جوعتيش من المشوار.
أدارت وجهها لنادية قائلة:
ملك: ولا إيه يا داده، مش حنأكل؟
نادية: حالا ححضر الأكل.
***
عند بيت شمس دخل عليه محروس.
محروس: مسا الخير يا كبير.
التفتت إليه شمس:
شمس: مسا الخير يا محروس. خير؟
محروس: سعادتك قلت لي، لما الرائد الجديد يوصل أبلغك.
شمس: هو وصل زين؟ ادخل مطبخ وخليهم يجهزوا ضيافة وخدها وديه.
محروس: أمرك يا كبير.
أخذ محروس الأكل وذهب إلى فلة ملك.
أمام الفلة وصل محروس، دخل ممسكاً بالأكل. أوقفه طارق يتفقده.
طارق: رايح فين؟
محروس: داخل للرائد الجديد.
أشار بيديه ليقول بجمود:
طارق: وإيه ده اللي انت شايله؟
محروس: ده أكل وضيافة.
طارق: طيب، ادخل.
دخل وخبط، فتحت له داده.
داده: نعم.
محروس: الرائد موجود؟
داده: آه، ثواني.
ودخلت نادت ملك.
داده: في حد شكله غريب عاوزك يا ملك.
ملك: بضحكة، ماشي يا داده، حروح أشوفه.
اتجت إلى الباب لتسقط أنظارها إلى ذلك الرجل الضخم مرتدي جلباب صعيدي لتقول بجمود:
ملك: مين حضرتك؟
محروس: أنا يا ست هانم، جاي من طرف شمس بيه.
نظرت له ملك ليكمل:
محروس: مين شمس ده وعاوز إيه؟
ملك: شمس أبو سليم الأنصاري.
ملك: أنا مبأسالكش عشان تقولي الاسم ثلاثي، هو مين يعني بيشتغل إيه؟
محروس: كبير البلد.
ملك: كبير بلد وعاوز إيه بقى؟
محروس: بعتني بالأكل ده.
ملك: أكل إيه؟ حد قالك إننا مش لاقيين ناكل.
أشارت له بسبابتها ليكمل هو بتردد:
محروس: دي عوايدنا يا ست هانم.
تقدم لها محمد على صوتها:
محمد: مين يا ملك؟
نظرت إلى والدها لتمسك بكرسيه المتحرك:
ملك: معرفش يا بابا، لو سمحت اتفضل ارجع.
بأكلها، وأغلقت الباب بسرعة.
محروس خرج وأخذ الأكل:
محروس: إيه الحرمة دي، شكلها كده أخت الرائد وده أبوه.
أخذ الأكل ورجع لشمس. دخل البيت فرآه جالس على الأريكة.
محروس: يا كبير.
شمس: في إيه؟
محروس: ما رضيتش تاخد الأكل.
شمس: مين اللي ما رضيتش؟ يا واكل ناسك، إنت رحت فين يا أبو مخ تخين؟
محروس: طيب وأنا ذنبي إيه يا كبير؟ أنا رحت بيت الرائد بس فتحتلي أخته، شكله مش موجود.
شمس: واخته ما خدتش الأكل ليه؟
محروس: قلت لي، إنت فاكرنا معندناش أكل، وقفلت باب في وشي.
شمس: ههههه، طيب خلاص، روح أنت، إحنا ناقصين رائد وعيلته كمان.
عند ملك.
ملك: يلا يا بابا عشان تنام.
قالت جملتها لتجر كرسي والدها إلى غرفته.
محمد: ماشي يا بنتي.
نام على فراشه، أوصدت الباب ثم قررت تخرج تستكشف المنطقة.
اتجت إلى باب الفلة، فأوقفها طارق.
طارق: رايحة فين يا فندم؟
ملك: حتمشي.
طارق: مينفعش تخرجي لوحدك.
ملك: أفندم، أنت بتكلمني أنا؟ أنت نسيت أنا مين؟ أنا الرائد ملك الجندي، فاهم؟
أوطأ رأسه أرضاً:
طارق: آسف، مش قصدي.
ملك سابته ومردتش عليه وخرجت تتمشى بين الأشجار.
يتبع…
رواية شمس الانصاري الفصل السابع 7 - بقلم آية عبده
كانت تشعر بالحر الشديد، فالجو دافئ بالنسبة لجو القاهرة. اكتفت بلبس بنطلون جينز وبلوزة شيفون، كانت مرتدية عدساتها السوداء ورافعة شعرها ببنسة. بدأت بالتجول وسط الأشجار لتتمكن من حفظ المنطقة بأسرع وقت، فلا يمكنها العمل بالمنطقة إلا بعد أن تحفظ كل جزء منها.
عند شمس، خرج مسرعًا على صوت مبارك.
فتح الباب له:
مبارك: شمس
شمس: إيه يا مبارك، خير؟
مبارك: جه
اتسعت عيناه بفرح: متأكد؟
مبارك: أيوه، شفته نواحي بلد في جهة القبلية.
شمس: تمام، أنا رايح لهم.
مبارك: جاي معاك.
أشار له برأسه: لا، أنا هصفي مع خاين ده لوحدي.
مبارك: مستحيل أسيبك لوحدك.
شمس: اسمع يا حديد، قلت لك حروح له أصفّي حسابي معاه لوحدي.
مبارك: حتقتله؟
شمس: قلت لك مية مرة، شمس أبو سليم ملوش في قتل، أنا بس هعلم عليه وأعرفه غلطته. يلي سلام.
قالها متجهًا إلى الباب ممسكًا بسلاحه في جيبه.
كان يركض سريعًا وسط الزرع والأشجار حتى يهرب إلى الجبل خوفًا من شمس، فكونه عرف أنه خانه سيقتله حتمًا. وأثناء سيره، توقف فجأة ودقات قلبه تنبض بشدة. سمع صوته الحاد.
شمس: بكر.
التفتت له بكر بخوف، فلا مجال للهرب، فها هو يقف أمامه.
بكر: شمس.
شمس: إيه مالك يا بكر وفينك المدة دي؟
بكر: أبدا يا كبير، كنت مسافر.
أخرج سلاحه من جيبه: أها.
أشار له بكر بسبابته: حتعمل إيه يا شمس، أبو سليم، أرجوك متقتلنيش.
شمس: وليه خنتني؟ قصرت معاك في إيه؟
بكر: أنا مليش صالح.
وأثناء حديثهم، أتت على صوت بكر وشمس موجه المسدس له. اقتربت بسرعة، حاولت إخراج مسدسها من جيبها، ولكن تذكرت أنها تركته في غرفتها، فهي لم تعتقد أنها ستحتاجه في أول يوم لها. أقبلت عليه بصوت جهوري غاضب، مصوبة يديها إلى ذلك الرجل مهددة له.
ملك: نزل المسدس.
التفت لها شمس: ودي مين دي كمان؟ مش شكلها صعيدية، أكيد أخت الرائد الجديد اللي قال عنها محروس.
شمس: روحي بيتك يا حرمة، إيه خرجك في نص الليل؟
التفتت ملك بغضب: حرمة! أنت مجنون؟ قلت لك نزل سلاحك أحسن لك.
شمس بضحك: وإن ما نزلتوش؟
ملك: حقبض عليك.
شمس: تمام.
لم يهتم بها، صوب المسدس ناحية بكر وضرب بكر في رجله وجرى بسرعة شديدة. لم تهتم ملك بذلك الذي يصرخ من ألم رجله، ولكنها جرت وراء ذلك المستفز المجرم.
كان يركض بسرعة، وتركض وراءه بأقصى سرعتها، فهي كل ما تحتاجه أن يتوقف قليلاً لتفرغ فيه كل فنون الكاراتيه.
ملك: وقف عندك.
وأثناء جريها، شبكت بلوزتها الشيفون في الشجر فتمزقت بالكامل، ولم تكن تلبس سواها هي وملابسها الداخلية. توقفت ملك عن الجري.
عندما وقفت، لم تستطع التجول هكذا، احتمت بين الأشجار تداري جسدها. وعندما حس شمس بأنها توقفت عن الجري وراءه، وقف وافتكر أن أصابها مكروه، فرجع لها. وجدها تتدارى بجسدها العاري، لا تعلم ماذا تفعل، وليس معها حتى هاتف لتتصل بأحد. وحست أنها ضاعت وسط ذلك الغصون، لا تستطيع العودة.
قرب منها وخلع شاله الذي يرتديه فوق جلبيته وحاوطها بذراعيه. وقفت مندهشة من ذلك الرجل، كيف يقتل وبعد ذلك يعطيني شيئًا ليسترني؟ أيعقل؟
نظر له شمس قائلًا: حتعرفي تروحي؟
ارتعش جسدها خجلًا، وألقت نظارتها أرضًا، ثم قالت ببطء: لسه محفظتش المنطقة.
شمس: طيب تعالي.
وخرجوا من الزرع وأوصلها مكان فيلتها وذهب دون كلام.
دخلت من باب فيلا فوجدت طارق.
نظر لها بخوف عليها: في حاجة؟ حضرتك حد اتعرض لك؟
قالت ملك بسرعة نافية: لا، بس هدومي شبكت في غصن واتقطعت.
طارق: ماشى.
دخلت، ففتحت لها داده الباب وكان والدها معه.
دادة: يالهوي، في إيه؟ أنتي كويسة؟
ملك: مفيش، متقلقوش، بس هدومي شبكت في غصن.
محمد: والشال ده بتاع مين؟
ملك: واحد أدّاهولي ووصلني لغاية هنا.
مردتش تقولهم إنه واحد قاتل. بعد إذنكم، اتجهت إلى غرفتها. خلعت شال وارتدت ملابسها وجلست على السرير ومسكت الشال وابتسمت، وسرعان ما اختفت الابتسامة وذهبت الأنثى التي بداخلها وطلعت مكانها الرائد.
"مش هسيبه، لازم أقبض عليه، ولو وسط ألف راجل، هعرفه."
ارتمت بجسدها على فراشها لتنام.
بعدما أنهى مشواره، رجع إلى البيت، كان مبارك في استقباله. اقترب له بلهفة.
مبارك: عملت إيه؟
شمس: ضربته بالنار.
مبارك: قتلته؟
شمس: لا، ضربت رجله عشان يتعلم.
مبارك: ماشي يا شمس.
تركه وخرج، وتركه سرحانًا فيها، فأول مرة يرى امرأة عارية أمامه، كان خجولًا للغاية وهو أمامها، ولكن ملامحها وشكلها وجسدها لم يفارق خياله.
في الصباح الباكر، صحيت من نومها. أرادت ملابسها والعدسات ونظارة شمس، فاليوم أول يوم لها في القسم. نزلت إلى الأسفل، قبلت جبين والدها.
ملك: صباح خير.
محمد: صباح نور، افطري.
ملك: مش قادرة، بعد إذنكم، حروح القسم.
محمد: ماشي يا بنتي.
خرجت من فيلتها وركبت سيارتها.
ملك: طارق، خلوا بالكم من بابا ودادة.
طارق: أمرك.
في قسم الشرطة:
جالس محمود بشرود على مكتبه.
محمود: إيه مالك؟
التفت له: زمانها جاية.
محمد: متفكرنيش، ونبي، على آخر الزمن نسمع كلام حرمة.
محمد: دي لو حد في البلد عرف حتبقى مضحكة للقسم.
نفخ محمود: عندك حق.
بعد شويه، وصلت بعربيتها ودخلت القسم.
أنزلت نظارتها الشمس لتقول بقوة: أنا ملك محمد الجندي.
نظر لها محمود بابتسامة مصطنعة: أهلاً سيادة الرائد.
أمد لها يديه ليسلم: حمد الله على السلامة يا فندم.
ملك: الله يسلمكم.
دخلوا إلى مكتبها ليعرفوها على المكان.
ملك: شكرًا على الترحيب، ويا ريت نتعاون سوا في قضية دي.
محمد: أكيد يا فندم.
ملك: أنتو اتصلتوا بالإدارة في مصر بتشتكوا إن فيه تاجر سلاح؟
محمود: تمام يا فندم.
ملك: شمس أبو سليم الأنصاري.
ملك: دي كبير بلد صح؟
محمد: أيوه، كبير بلد والكل بيعزه وبيسمع كلامه.
جلست على المكتب لتقول باهتمام: إزاي؟
محمد: أي مشكلة تتعرض عليه، سواء ورث أو تار، وهكذا.
ملك: وإزاي كبير بلد وبيتاجر في سلاح؟
محمد: مشكلة إن أهل البلد مش مقتنعين إن السلاح دي حاجة غلط، كل اللي يفهمه إنها تجارة زيه زي اللي بيبيع أكل وشرب.
كوّرت قبضتيها على المكتب: دي جهل؟
محمد: هنا في عادات وتقاليد بتحكم البلد.
ملك: ماشي، خلينا في شمس ده، أنا عايزة أعرف عنه كل حاجة.
محمد: أمرك يا فندم، حبعت لك ملف عنه.
ملك: صحيح، مفيش بلاغ جاء لكم امبارح عن حد اتقتل؟
نظر محمود لمحمد ليجيب بثقة: لا يا فندم.
ملك بلهفة: ولا جريح؟
محمود: لا يا فندم.
التفتت له لتقول: طيب، هو في إجازة ولا إيه؟
محمود: "يا فندم." قالها محمود مجيبًا لها على عدم فهمه.
ملك: هو إيه اللي "يا فندم"؟ بسألك فين بقية القسم؟ واخدين إجازة؟
هتف محمد: لا يا فندم، دي عددنا كده.
وقفت من مكانها متجهًا لهم لتقول بسخرية: عددكم ٣ بس؟
محمود: أيوه يا فندم.
ملك: أنتو بتهزروا يعني؟ القسم مفهوش غير ظابطين وعسكري وأنا.. حاجة حلوة واللهم.
محمد: يا فندم، دي نظام أي قسم في القرية.
أشارت له بكفيها ليسكت. اتجهت إلى مكتبها مرة أخرى لتجلس. نظرت له بعينيها لتقول: طيب ابعتوا لي رسام، عايزاه يرسم لي حد شوفته امبارح في البلد.
نظر محمد ومحمود إلى بعضهم لتصرخ هي: مبتردوش ليه؟
محمد بتردد: يا فندم، مفيش هنا غيرنا، لو عايزة رسام، أبعت لك من محافظة لقصر، وعلي ما يجي، يقعد له يومين.
أشارت لهم ملك بغضب ناحية الباب: اتفضلوا على مكتبكم، ولا معندكمش مكاتب كمان.
خرجوا ليتركوها تفكر في الأمر الأهم لها، كيف لا يوجد بلاغ؟ ترى أين ذهب ذلك الرجل المصاب؟
رواية شمس الانصاري الفصل الثامن 8 - بقلم آية عبده
وضع الملف أمام مكتبها ثم انصرفوا بعدما أشارت لهم بالخروج.
أخذت تفكر في ذلك الرجل، أيُعقل أنه قتله أمامها؟ أكيد رجع ودار جرمته، أكيد قاتل محترف.
جزت على أسنانها لتهتف بغضب: "صدقني بس ألقيك وإن ما سَجنتك مبقاش أنا ملك الجندي".
ثم تذكرت الشغل وذلك الرجل تاجر السلاح، وبدأت في قراءة الملف الخاص بالمعلومات:
الاسم: شمس أبو سليم الأنصاري
السن: 31 سنة
المؤهل: بكالوريوس سياسة واقتصاد
العمل: لديه أراضي وأطيان بجانب مصنعهم. محبوب من الناس ويعتبرونه كبير البلد. لديه أخت وحيدة 20 سنة وأمه، ووالده متوفي من 15 سنة.
أغلقت الملف وأخذته معها بالبيت لتتفقده بتركيز.
توجهت إلى سيارتها بعدما أدى لها العسكري التحية فانصرفت بسيارتها إلى فيلتها.
ركنت ثم استقلت من سيارة ليقترب منها مصطفى.
أعطته المفاتيح ثم توجهت إلى باب فيلتها.
فتحت الباب ثم أوصدته وراءها لتتفاجأ به يجلس على كرسيه أمامها.
اقتربت منه بابتسامتها التي يعشقها والدها، فهي تشبه زوجته الغالية.
ملك: مسا الخير.
محمد: مسا الخير يا حبيبتي، الأكل جاهز أنا مستنيكي.
ملك: مليش نفس.
اقتربت منهم نادية لتقول: "يا بنتي لازم تاكلي".
ملك: معلش تعبانة.
محمد: طيب على راحتك.
اتجهت إلى غرفتها، غيرت ملابسها.
اقتربت من المرآة لتزيل عدساتها السوداء عن عينيها الزرقاء.
استقلت على الفراش ممسكة بالملف تكمل بقيته.
"شمس الأنصاري يساعد الغلابة والمساكين ويجوز اليتامى ويعطف عليهم. يستنجدون به الغلابة من اللصوص وقطاع الطرق. حيث حدثت حادث منذ 3 سنين حتى البوليس لم يستطع حلها".
وبدأت تقرأ في تلك الحادث:
في مغفر الشرطة.
صاحت تلك الفتاة وهي تتنهد ببطء شديد، فواضح على ملامحها التعب من الركض الطويل.
أمسكت جانبيها بكفيها لتتأوه بشدة.
فاطمة: "ارجوكم احموني".
أشارت بسبابتها إلى الخلف.
اقترب منها محمد يطمئنها: "اهدي يا بنتي. خير؟ في ايه؟ مالك؟".
فاطمة: "في قاطع طريق عاوز يجوزني بالعافية، ولما رفضت اتهجم عليا في البيت أنا وأمي وضرب أمي وأنا هربت".
قالتها والدموع تغرق وجهها مآ وخوفًا.
محمود: "تعالي، محدش يقدر يقرب من مركز شرطة. هي فوضى".
قعدوها وجابولها ميه حتى تهدأ.
وبينما يستجوبوها محمد ومحمود، سمعوا أصوات صراخ العساكر بالخارج.
فوجدوا ذلك قاطع الطريق ومعه رجاله، كان عددهم كتير.
تهجموا على كام عسكري وربطوهم.
خرج محمود بسرعة ممسكًا بسلاحه.
اتسعت بؤرة عينيه عندما وجد بعض الرجال يمسكون بالعساكر مكتفين أيديهم وأرجلهم.
علم أن ذلك المجرم لا يهمه أحد، فإن تهوره لن يفيده بشيء.
اقترب محمود بهدوء ثم أشار له بسبابته: "انت مين؟ ازاي تتجرأ تعمل كده؟".
لم يجبه ذلك الرجل الجالس فوق حصانه بجبروت، بل وجه أنظاره إلى الفتاة الصغيرة التي لم تتجاوز 17 من عمرها: "تعالي يا فاطمة".
أشارت فاطمة بالرفض لتدس جسدها خلف محمود حتى يحميها: "لا ارجوكم متسيبونيش ليه".
محمود: "مستحيل تاخديها".
جبر بضحك مستفز: "مفيش مستحيل، أنا متعودش حاجة تعجبني وماخدهاش".
تقدموا رجال جبر بعدما أشار لهم جبر.
قاتلوا معهم فربطوهم مثل العساكر.
استغلت فاطمة انشغالهم بالعراك، فجريت من خلفهم لا تدري أين تذهب.
وبينما جارية قابلت رجل بحصان.
توقفت تنظر له بدموع وخوف.
نظر له شمس يتفقد حالتها: "في حاجة؟ انتي مين وبتعملي ايه في الوقت المتأخر ده هنا يا بنتي؟".
ردت عليه بنبرة في صوتها: "أنا فاطمة، ارجوك هيغتصبني ويقتلني هو قال كده".
شد شمس من لجام حصانه ليقول بغضب: "مين؟".
فاطمة: "قطاع الطرق، جبر".
شمس: "جبر؟ هو نزل من جبل؟ أنا قلتله إن قريتي لا يعتدي عليها".
فاطمة: "ارجوك احميني، هو ضرب رجال مركز".
شمس: "كمان؟ طيب تعالي معايا".
نزل من حصانه ليمشوا سويا وهي بجانبه.
كان قريبًا من دواره، فذهب إليه.
وقبل دخوله وجد رجال جبر يحوطونه من كل الاتجاهات.
توقف شمس لينظر إلى جبر بكل قوة.
رفع إحدى حاجبيه موجهًا نظره الغاضب له، بينما كانت الأخرى ترتعش رعبًا.
التصقت به أكثر لتحتمي إلى ذلك الرجل.
جبر: "كيفك يا ولد العم؟"
أظهر أنيابه بابتسامة صفراء ليقول بصوت يشبه الأفاعي: "أهلاً يا جبر، إيه جابك؟ مش اتفقنا إن قريتي تبعد عنها وعن ناسها؟".
جبر: "ههه أيوه اتفقنا، بس إلا فاطمة".
شمس: "وايه عايز منها؟".
جبر: "آخدها ليا".
شمس: "وهي مش عاوزاك يا جبر، هاتجبر حرمة تعيش معاك بالعافية؟".
ابتسم بخبث: "برضه حآخدها يا ابن عمي".
أشار له شمس بكفيه: "امشي يا جبر، اطلع جبل تاني زي ما نزلت منه".
جبر: "وفاطمة؟".
شمس: "انساها".
جبر: "شمس هات فاطمة وأنا حمشي بسلام زي ما جيت بسلام، أحسن لك، وإلا حنسى الشغل اللي بينا وكل الاتفاقات وأخرب البلد على اللي فيها. فاطمة حياتها مقابل الكل هنا".
أضاق عينيه الكحيلتين بغضب ليقول بصوت أرعب كل الحصنة براكبها: "شمس مبيتهددش، ومتستفزنيش أكتر من كده، بعد عن هنا وفورًا، وإلا أنت اللي حتندم على المجزرة اللي ممكن تحصل دلوقتي".
جبر أمر رجاله بإخراج فاطمة من وراء شمس وإحضارها.
وفجأة رجاله شمس جاءوا بالسلاح، كانوا أكتر بكتير من رجاله جبر.
كان مشهد قوي، تلك الخيول التي زلزلت الأرض الصماء.
ليقف كل رجل من رجال جبر خلفه رجل من رجال شمس مصوبًا إليه سلاحه.
اخفض الكل أسلحتهم باستسلام.
لينظر شمس إلى جبر بابتسامة نصر: "امشي يا جبر، وانساها، هي في حمايتي".
جبر: "ماشي يا شمس، حسابنا مخلصش، واعتبر إن عداوتنا بدأت من يوم…".
قفلت الملف بعد قراءة ذلك الحادث.
أغلقت عينيها وهي متشوقة لترى ذلك القاتل، وفي نفس الوقت تفكر في كبير بلد لازم تتعرف عليه عشان تعرف تقبض عليه صح.
رواية شمس الانصاري الفصل التاسع 9 - بقلم آية عبده
قالها شمس هو يشير برأسه ويديه ليقول مره أخري لا يعني لا.
أسيا: لا ليه؟
شمس: أسيا أرجوكي مينفعش تسافري.
أسيا: عشان خاطري.
شمس: عاوزة تسافري من الصعيد لشرم لوحدك؟
أسيا: لا مع الكلية وزمايلي وفي دكاترة معانا يا شمس.
شمس: برضه لا.
أسيا: ممكن أعرف السبب؟
شمس: أرجوكي أطلعي فوق يا أسيا يلا.
اتجهت إلى غرفتها بحزن وتركته جالسًا على الأريكة.
جلس بمفرده مضايقًا لأنها زعلت.
دخل مطاوع ألقى عليه السلام ليجلس بجانبه يتطلعه:
مطاوع: فيه إيه يا شمس؟
شمس: أسيا زعلت مني.
مطاوع: ليه؟
شمس: عاوزة تطلع رحلة.
أشار مطاوع بيديه بسرعة ليقول:
مطاوع: أوعى تطلعها يا شمس.
شمس: هو أنا اتجننت؟ إنت نسيت جبر كل يوم بيبعتلي تهديد إنه حينتقم مني ومجابش في الانتقام غير سيرة أسيا.
مطاوع: دا أنا كنت قتلته.
تنهدت شمس بصعوبة:
شمس: سيبها على الله، سيبك من سيرة القتل دي، المهم عملت إيه في الصفقة الجديدة؟
مطاوع: ما أنا كنت جايلك عشان كده، شفت اللي حصل.
شمس: خير.
مطاوع: الجهة الشرقية اللي كنا بنطلع بيها السلاح.
شمس: مالها؟
مطاوع: رائد جديد.
شمس: ماله؟ منطق.
مطاوع: حط فيها نقطة تفتيش.
شمس: بالسرعة دي؟ شكله نشيط وجاي حامي. آه، طيب براحته.
مطاوع: آه، إيه بس؟ دي أول مرة رائد يعمل أو يفكر في الحركة دي.
شمس: ههههه، شكله ذكي حبتين.
مطاوع: كأنه كده، والعمل يا شمس.
شمس: إحنا ليه معملناش زي ما بنعمل مع كل رائد جديد في بلد؟ أعزمه عندي على غداء أو عشاء كضيافة.
مطاوع: تقصد تجس نبضه؟
شمس: عفارم عليك.
مطاوع: حاضر، هبعتله محروس.
شمس: ماشي، صحيح خلي العزيمة ليه ولعيلته، ماشي.
مطاوع بابتسامة: ماشي.
خرج وترك شمس سرحانًا في تلك الشقراء وعيونها السود، وأخيرًا حيشوفها تاني هنا في بيته.
بلغ مطاوع محروس ليذهب لبيت الرائد.
ذهب محروس ووجد طارق.
طارق: إنت تاني؟
محروس: نعم.
محروس: عاوز أقابل سيادة الرائد.
طارق: طيب، ادخل.
دخل، خبط وفتحت له داده.
نظرت له بغضب:
داده: عاوز مين؟
محروس: سيادة الرائد.
دخلت نادية لتنادي ملك.
وبعد شوية خرجت ملك.
ملك: إنت تاني؟
محروس: أفندم.
محروس: شمس بيه بيقولكم إنه عازمكم النهاردة على عشاء، كل الأسرة يعني.
ابتسمت ملك بخبث:
ملك: فاخيرًا ستري ذلك الرجل تاجر السلاح. طيب، اتفضل بلّغهم جاية.
خرج محروس واتجه إلى بيت شمس.
اقترب منه ليرد السلام.
شمس: عملت إيه؟
محروس: بلغتهم، طلعت لي أخته.
شمس: أخته؟ وقلت لك إيه؟
محروس: قالت جاين.
شمس بابتسامة:
شمس: ماشي، روح إنت شوف شغلك.
اتجه إلى الداخل لينادي على والدته.
سعاد: نعم يا شمس.
شمس: حضري عشاء زين كده يا أمي من إيدك الحلوة دي، فيه ضيوف حيتعشوا معانا.
سعاد: مين يا ولدي؟
شمس: رائد جديد وأسرته، وخلي أسيا تاكل معانا.
رفعت حاجبيها بغضب:
سعاد: تاكل معانا إزاي يا ولدي؟ من امتى أختك بتاكل مع حد غريب؟
قبل رأسها برفق ليقول بهدوء:
شمس: أنا موجود يا حبيبتي، وكمان اصل الرائد الجديد اللي عندنا عنده أخت، فتتعرف عليها أسيا عشان أعرف أنا أتكلم مع أخوها على راحتي.
سعاد: ومالك فرحان كده كأنك حتخطب النهارده.
شمس بلؤم:
شمس: والله فكرة، إيه رأيك؟
سعاد: يسلام.
شمس: ههههه، طيب يلا يا أمي حضري الأكل.
سعاد: متقلقش، كل حاجة جاهزة، بيت شمس الأنصاري جاهز للضيوف في أي وقت.
قبل يديها بسعادة قائلًا:
شمس: ربنا يديمك على راسنا يا أمي، أنا حبلغ أسيا.
بعدما ترك والدته اتجه إلى غرفة أخته.
طرق الباب لتقول هي بهدوء:
أسيا: ادخل.
فتح الباب بابتسامة:
شمس: ازيك يا حبيبتي.
أسيا: ولو، بوظتها كويسة.
شمس ضحك بنعومة.
اقترب منها ليربت على شعرها الأسود المموج:
شمس: أنا خايف عليكي يا هبلة.
نظرت له بعيونها الكحيلة:
أسيا: من إيه؟
نظر إلى عينيها الكحيلتين وكأنه ينظر إلى المرآة، فاخته الصغيرة تشبه بل هي نسخة مصغرة من وسامته.
شمس: من كل حاجة يا حبيبتي، هو أنا ليا غيرك؟ لازم أحافظ عليكي لغاية ما أسلمك بنفسي لعريسك. اسمعي كلامي، يلا قومي البسي كده وانزلي عشان عازم ناس على العشاء.
قالت بلهفة:
أسيا: مين؟
شمس بابتسامة:
شمس: بنت زي القمر وعندها شجاعة مش شفتها في حرمة.
نظرت له أسيا باهتمام لتضع كفيها حول خديها:
أسيا: بنت مين؟
شمس: دي الرائد الجديد ومعاه أخته.
أسيا: غريبة، أول مرة رائد يجي ومعاه عيلته.
شمس: شكله كده بيحب أخته جامد ومبيفارقهاش، زي ما أنا بموت في أختي الصغيرة.
أسيا بابتسامة:
أسيا: ربنا يخليك ليا.
وحضنته.
حب يغيظها شوية.
أبعدها عن حضنه ثم قال بوجهه يعلوه الجدية.
شمس: يلا بقي متعطلنيش عشان أول ما الضيوف يمشوا حخرج أنا ومطاوع نسهر في خمّارة شوية. الواد مطاوع قالي فيه رقاصة تحفة هناك.
أسيا بغيظ:
أسيا: رقاصة؟ أنا حقول لأمي تطين عيشتكم.
شمس بضحك:
شمس: طيب، تطين عيشتي أنا؟ ما لها ومال مطاوع بقي؟
حركت بؤبؤ عينيها بحيرة:
أسيا: وحأقول لمرات عمي بردوا. ضربة في بطنه الصايع بتاع البنات.
شمس بضحك:
شمس: طيب، يلا البسي بقي واجهزي زي ما قولتلك.
تركها متجهًا إلى الباب، خرج ثم أوصده وراءه لتجلس هي على ركبتيها تعض أصابعها بغيظ.
أسيا: أنا لازم أقولهم إني موافقة أجوز مطاوع، بس هو خلاص طلبني كذا مرة وبطل يطلب تاني، شكله زهق مني. لا مش حسيبه، أنا دلوقتي بحبه وأنا بنت عمه أولى بيه، مش حسيبه للرقاصات الصايع أبو عيون زاّيغة.
حل المساء سريعًا.
يلا خلصوا الأكل بسرعة، ضيوف على وصول.
قالتها سعاد وهي تخرج من المطبخ متجهة إلى غرفة أسيا.
عند ملك، لبست بنطلون جينز وقميص كعادتها ورفعت شعرها كحكة، كأنها رايحة مهمة تبع شغل مش معزومة. فملك لا تحب وضع المكياج والزينة. ارتدت العدسات ونزلت للأسفل.
ألقت نظرة إلى والدها لتقول:
ملك: مش جاين معايا؟
محمد: كان بودي، بس تعبان.
ملك: خلاص، مش راحة.
محمد: روحي يا بنتي، دي كبيرة بلد زي ما قلتي، والتعامل معاه حيفيدك بردوا، لازم تتعرفي على كبرات بلد، وإلا مش حتعرفي تشتغلي هنا.
ملك بتردد:
ملك: ماشي.
محمد: خدي طارق أو مصطفى، متروحيش لوحدك.
ملك بغضب طفولي:
ملك: بابا، إنت نسيت إني رائد؟
نظر لها مشيرًا لها بسبابته.
لتقترب منه قبل جبينها برفق:
محمد: عارف، بس هو قالك إنتي وناسك، فلازم تاخدي حد، واعتذريله عني أنا.
ملك بابتسامة:
ملك: حاضر، خلي بالك من نفسك، أنا مش حطول.
محمد: ماشي يا حبيبتي.
أمسكت هاتفها ومفاتيخها متجهة إلى سيارتها.
ركبت ثم وقفت أمام طارق لتقول بجمود:
ملك: تعالي اركب.
طارق: على فين يا فندم؟
جاوبته وهي تضع يديها على المقود:
ملك: معزومة على العشاء ومش عاوزة أروح لوحدي.
يركب طارق بجانبها ليقول بهدوء:
طارق: أمرك.
قادت ملك السيارة.
وصلوا أمام بيت شمس.
نزلت ملك ونزل وراها طارق.
شمس شافهم، خرج يرحب بيهم. كان يرتدي تلك العباءة السمراء والشال والعمة.
وأول ما شافته ملك تفاجئت لتقول لنفسها:
ملك: هو ده الراجل القاتل؟ معقول يعني قاتل وتاجر سلاح كمان؟ دنتا حسابك تقل قوي.
اقترب شمس ممد يده لها ليقول بسعادة:
شمس: أهلاً، أنا شمس.
مد يده طارق ليسلم، ثم سلم على ملك.
شمس: اتفضلوا، ادخلوا.
قعدت ملك وبجانبها طارق وشمس أمام ملك.
كان ينظر لها ولجماله.
نظر شمس لطارق ليقول بابتسامة:
شمس: نورت القرية يا سيادة الرائد.
أجابته ملك بجمود:
ملك: شكرًا.
شمس لم ينتبه على ردها.
شمس بابتسامة:
شمس: وأنا ناوي على إيه بقي؟
ملك: في إيه؟
نظر لها شمس:
شمس: أنا بكلم سيادة الرائد.
ثم نظر لشقيقته قائلًا:
شمس: اتفضلي يا أسيا، خدي الآنسة وفرجيها على جنينة الدوّار.
توقفت ملك بغضب شديد.
ضغّت على أسنانها بغيظ:
ملك: إنت اتجننت؟
وقف شمس أمامها بهيئته:
شمس: ليه الغلط ده يا آنسة؟
أشارت بسبابتها أمام وجهه لتقول بغضب:
ملك: إنت عازمني عشان تهزقني؟
شمس: أنا عملت إيه بس؟
ملك: أنا الرائد وتقولي تفرجني جنينة؟
شمس بصدمة:
شمس: رائد مين؟
أجابه طارق مسرعًا:
طارق: دي سيادة الرائد ملك الحندي.
شمس: أمال إنت مين؟
طارق: أنا الحارس.
شمس بصدمة ومش قادر يقول كلمة:
شمس: معقول؟ طلعت ظابطة؟ وأيْ يعقل ظابط حرمة؟
أشارت ملك لطارق:
ملك: يلا بينا.
خرجت.
ركبت سيارتها بغضب تنظر إلى الطريق بعدم وعي:
ملك: والله ما حرحمك، وقريب حتشرف عندي في القسم، وساعتها حعرفك مين حرمة.
يتبع...
رواية شمس الانصاري الفصل العاشر 10 - بقلم آية عبده
اتجه إلى غرفته بغضب، أخذ يقلب كف على آخر، يتجول في الغرفة ذهابًا وإيابًا، يفكر بصوت عالٍ:
"ظابط حرمة؟ كيف يعني؟ ودي لما أتعامل معها أتعامل إزاي؟ ودي الواحد لو حب يتجوزها يجوزها كيف؟"
دخلت سعاد تنظر له وعلى وجهها علامات الدهشة:
"شمس! إنت بتكلم روحك كأنك اجننت يا شمس... وجواز إيه اللي عم تتحدد عنه؟ إنت نويت على جواز يا شمس؟ وليه ما قلتلي؟"
نظر لها شمس:
"جواز إيه يا أمي؟ ده وقته."
خرج وتركها متجهًا خارج الغرفة.
عند ملك، راحة جاية، ماسكة بكفيها كرة إسفنجية، لعلها تخرج فيها غضبها:
"حتفرقع من الغيظ! أنا حرمة؟ والله ما أنا راجعة مصر إلا لما أسجنك!"
حدفت الكرة بعشوائية، ثم استلقت على فراشها لتستريح قليلاً.
في الصباح، استيقظت من نومها في قمة غضبها. اتجهت إلى المرحاض لتأخذ دشًا باردًا، ثم توضأت وبدأت في صلاة الضحى. ارتدت ملابس رياضية: بنطلون أسود قطني وجاكت خفيف، رفعت شعرها بـ"بنسة" كعادتها، ارتدت الكاب، ثم أوصدت الباب ونزلت إلى الأسفل.
على السفرة، جالسون. اقتربت من والدها، قبلت يديه لتقول بابتسامة:
"صباح خير."
محمد:
"صباح النور. لابسة؟ راحة فين؟"
ملك:
"حتدرب يا بابي."
محمد:
"بس هنا ما فيش نوادي."
ملك:
"مش مشكلة، في أي مكان هنا يآدي الغرض وخلاص. يلي عن إذنكم."
محمد:
"ماشي، متتغبيش ومتبعديش."
ابتسمت ملك على خوف والدها الشديد عليها:
"أوكي."
خرجت، وقفت الباب خلفها. اتجهت إلى البوابة لتقول بابتسامة:
"صباح خير يا طارق."
طارق:
"صباح خير يا فندم."
ملك:
"ماكس ولايكا عاملين إيه؟"
طارق:
"تمام، بس مخدوش الحقنة بتاعتهم."
ملك:
"وحقنة؟ اتاخرت ليه؟"
طارق:
"بعت أجيبها من مصر، مفيش منها هنا."
أشارت له ملك بسبابتها لتقول:
"طيب، خرجهم."
قال طارق بدهشة:
"إيه؟ مستحيل! حضرتك عارفة إن لما مبيخدوش الحقنة مبيكونوش في طبيعتهم."
هزت رأسها بمعني:
"عارف، بس إلا معايا."
طارق:
"عارف إن حضرتك الوحيدة اللي بتسيطري عليهم، بس خروجهم حياذي ناس."
ملك:
"اسمع كلامي يا طارق، هما معايا وأنا حتحكم فيهم."
طارق:
"حاضر يا فندم."
أخذ مصطفى وراحوا لبيت المخصص للكلاب.
أشار مصطفى لطارق:
"مستحيل! لو طلعناهم يفترسونا، يعم أنا مش مستغني عن روحي."
طارق:
"دي أوامر."
مصطفى حاول يطلعهم، معرفش، كانوا حيمسكوا فيه لولا أنه قفل الباب بسرعة.
اقتربت منهم ملك لتكون بصوت غاضب:
"إيه ده؟ في إيه؟"
طارق:
"أسفين يا فندم، صعب نطلعهم. ممكن تستني بالليل على ما تيجي الحقنة يكونوا هديوا شوية."
أشارت لهم ملك بالنفي:
"لا، وسعوا."
ابتعدوا قليلاً، ثم اقتربت ملك من بيتهم لتفتحه برفق. وبمجرد نادت عليهم، جريوا بسرعة عليها وطلعوا معاها. أخذتهم ومشت أمام زهول كل من مصطفى وطارق.
مصطفى:
"سبحان الله! اشمعنا هي بس؟"
طارق:
"بص يا سيدي، الكلاب دول كانوا هدية لملك لما كانت في الثانوي من أبوها سيادة اللواء، كانوا كلب وكلبة، وكانوا صغيرين جداً واتربوا في الفيلا وملك كانت بترعاهم بنفسها. وأبوها علمهم كل حاجة وجهزهم زي الكلاب البوليسية والحراسة، يعني الكلبين دول كفيلين يحرسوا فيلا من غيرنا."
ضحك مصطفى بصوته ليهتف قائلاً:
"آه والله عندك حق، دي واحد منهم كان حياكل دراعي."
خرجت تلك الشقراء تتمشى وسط الأشجار، وعلى يمينها ماكس وشمالها لايكا، تبحث عن مكان واسع وهادئ تدرب فيه الألعاب القتالية.
كعادتها يومياً، تذهب إلى نادي لتتمرن، ولكن منذ وصولها إلى هنا لم تتمكن من التدريب. فضلت تمشي لنهاية الأشجار. اقتربت من بداية جبل، وقفت على هذه الأرض المتسعة، حيث الشمس المتسلطة عمودياً على وجهها الأبيض، لتبدأ بالقتال والتمرين. تبعها، بينما ظل ماكس ولايكا بالقرب منها تحت شجرة قريبة هادئين، مطيعين لها. فكيف استطاعت تلك الشقراء السيطرة عليهم؟
في تلك الغرفة الواسعة، تحركت تلك الجفون ببطء، لتشرق تلك العيون الكحيلة. حرك حاجبيه الغزيرة، ثم فرق شعره الأجعد بأنامله. تنهد بألم شديد.
أزال لحافه ببطء، متجهًا إلى المرحاض. توضأ، ثم خرج. فرش سجادته.
"السلام عليكم ورحمة الله... السلام عليكم ورحمة الله."
قالها، ثم أزال سجادته ليقول بتوهان، حك شعره بأطرافه ببلاهة:
"حرمة... ظابط حرمة."
في الأسفل، أقبلت عليه أسيا تقبل جبينها.
أسيا:
"صباح نور."
شمس:
"صباح الخير يا حبيبتي."
وفجأة، دخل مبارك.
أشار له شمس:
"تعال يا مبارك، ادخل."
مبارك:
"لا، تعال عاوزك."
برهش شمس، قام ليه وطلعوا.
"خير؟"
مبارك:
"جبر."
شمس:
"ماله؟"
مبارك:
"الراجل اللي تبعنا عنده بلغني إنه حينزل من جبل يخطف أسيا."
شمس:
"إيه؟ بتقول في عز النهار أكده؟"
مبارك:
"مبقاش يهمه شيء، بقي جبار ولازم ينتقم منك."
شمس:
"حضر الرجالة، هو جاب آخره معايا."
مبارك:
"حاضر."
طلع غير هدومه ونزل، لقي مبارك مستنيه ومعاه راجلين راكبين خيل. ركب حصانه ومشيوا هما الأربعة حتى يلحقوا بجبر على بداية الجبل قبل دخوله البلد.
توقفوا جميعهم على ذلك الصوت.
"وقفوا! جاي معاكم."
اقترب منه شمس بحصانه:
"إيه جابك؟"
مطاوع:
"حقتله؟"
شمس بغضب:
"مطاوع، ارجع! منقصش أنا لتهورك وجنانك."
مطاوع:
"لا يا شمس، أنا جاي معك."
شمس:
"يبقى تسمع الحديد عاد! أنا منقصش مشاكل."
أشار بيديه على فمه ليقول:
"حاضر يا شمس، مش حكلم حتى إلا بإذنك."
اتجهوا الخمسة بخيولهم في اتجاه الجبل.
كانت تواصل تدريبها بتركيز، إلى أن شعرت بهزة قوية من تحت قدميها، لتتوقف عن التدريب. نظرت إلى تلك الخيول القادمة إليها، بعض الرجال قادمون من بعيد.
"مين دي؟" قالها جبر ليجيبه جمال.
جمال:
"معرفش واصل مين دي، وإيه اللي عم تعمله دي؟"
عض جبر على شفتيه قائلاً:
"بس حلوة، هههه. تعالوا نتسلى شوية."
قربوا منها. وقفت تمرين، وأخذت تنظر لهم بثقة لم يراها جبر من قبل.
أشار لها بيديه:
"مين إنتي يا حرمة؟"
ملك، واستفزتها كلمته، وما ردت. افتكرتهم من أهل بلد وجايين يستهزؤا بيها. لم تعايرهم اهتمامًا، وأكملت تدريبها. واقفين ينظرون إلى قتالها، فهي بارعة وهي تقاتل في الهواء، فكيف سيكون الأمر لو تدخل أحدهم وتنافس معها.
جمال:
"هي مبتردش علينا ليه يا جدعان؟"
جبر:
"ههههه، شكلنا كده مش قد مقامها."
جمال:
"ميمكن طرشة أو خرسه، ههههه."
ضحكوا كل الرجال بصوتهم المستفز بالنسبة لملك.
ملك، وتوقفت، ووضعت يديها في جيبها، قائلة بثقة:
"إنتو عايزين إيه؟"
جبر:
"متيجي معنا جبل ونتفق براحتنا، عاوزين إيه."
ملك:
"جبل؟ إنتو قطاع طرق؟"
جمال:
"وكمان ذكية."
جبر:
"والله عمري مشفت حرمة بالجمال والحلاوة دي، ههههه. مايلي يا حلوة معانا."
ملك:
"انزل وأنا أوريك جمال وحلاوة أكتر."
جمال:
"إنتي اتجننتي ياحرمة؟" وشاور لواحد من رجالاته ليقول بصوت غاضب:
"هاتها."
جبر:
"ههههه، بس براحة عليها، عاوزها سليمة."
نزل رجلان من على حصانهم واتجهوا ناحيتها. في ظرف دقيقة، كانا واقعين على الأرض. تفاجأ جبر من قوتها وسرعتها في الأداء. هز حصانه بغضب، لتهيج بقية الأحصنة. أشار جبر لمبارك بيديه ليقول بتذمر:
"جمال، هاتها عايشة أو ميتة."
نزل جمال وبقية الرجال تتبعه. لمحتهم ملك، فالرغم من قوتها، إلا أنها تعلمت "أن الكثرة تغلب الشجاعة". تراجعت خطوتين إلى الخلف، محاولة أن تركز وتجمع كل قوتها. فهي بمفردها، لا سلاح ولا رجال. وعند تقدمهم منها، سرعان ما تقدم ماكس ولايكا في افتراسهم. رجعت هي للخلف، لتترك هي تلك الوحشين يحموها من تلك الذئاب البشرية. وبدأ يصرخ الرجال هاربين من عضات الكلاب المميتة. فهم ليسوا كلابًا عادية، ولكنها كلاب مفترسة.
في جهة قريبة من ذلك المكان. ماسك لجامُه بشدة، يهز حصانه بسرعة. أدار وجهه إلى مطاوع ليقول بحده:
"سامع... صوت حد بيصرخ."
مطاوع:
"آه فعلاً."
مبارك:
"طيب، يلي بسرعة."
وجريوا بالحصنة متجهين إلى مكان الصراخ. وعندما وصلوا، تفاجؤوا، فوجودا جبر يهرب إلى الجبل، بينما واقفة ملك وبجانبها ماكس ولايكا، والرجال غارقون بالدماء في الأرض. وعندما اقتربوا، لمحتهم ملك، وكاد أن يهجم عليهم ماكس ولايكا في الهجوم، ولكن أوقفتهم ملك بصوتها. فهم يسمعون كلامها.
شمس:
"إيه اللي حصل هنا؟"
ملك:
"حاجة متخصكش. إنتو اللي بتعملوا إيه هنا؟"
مطاوع:
"حرمة دي! بتكلموا كده إزاي؟"
رفعت إحدى حاجبيها بغضب، ثم أشارت بسبابتها:
"الزم حدودك أحسن لك، بدل ما أحبسك."
أخرجت جهازها اللاسلكي تبعها، وأدت إشارة للقسم يبعتلها إسعاف وفرقة كاملة تتحقق في واقعة. فعدد الرجال ليس قليلاً.
وقف مبهورًا ينظر لها وهي تعمل وتتصل بالجهاز اللاسلكي وتزاول عملها. فهي تتحسس نبضاتهم حتى تعرف عدد الموتى والجرحى.
مبارك:
"شمس... شمس..."
أضاق جبهتيه بغضب وهو ينظر إلى شمس:
"هو ماله مبتسم كده ومنشكح قوي؟"
مطاوع:
"سيبه، شكله وقع."
رفع حاجبيه بعدم فهم:
"وقع فين يا أخويا؟ إنت مهو قاعد على حصانه أهو، مفهوش حاجة."
مطاوع:
"يا أخي، بطل غباء بقى."
لم يجبه، بل نظر إلى شمس الذي ما زال على هيئته، ليقول بعلو صوته:
"شمس! فوق بقى."
شمس:
"في إيه يا خي؟"
مبارك:
"إنت كنت عارف إن الرائد واحدة ست؟"
شمس:
"لسه عارف امبارح."
مطاوع:
"وإيه؟ ما عملتش؟"
شمس:
"أعمل إيه يعني؟"
مبارك:
"حرمة تحكم بلدنا وتقولي أعمل إيه؟ مالك يا واد خالي النهارده مش طبيعي."
شمس:
"وإيه فيه؟"
مطاوع:
"إنت تعبان يا شمس، فيك حاجة؟"
شمس:
"يلي نروح بقى، نتحدد بعدين."
جرى بحصانه وهو مبتسم، كل ما يفكر فيها يبتسم.